شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 545-548

والتفسير الثاني: أن يكون تمثيله بـ "مر بالذي مررت "تقييدا" لما تقدم كأنه يقول: كذاك الضمير الذي جر بما جر الموصول إذا كان مثل هذا المثال الذي وجد فيه اتحاد متعلقى الجارين وغير ذلك من القيود، وذلك أن الحذف الجائز جوازا حسنا مشروط بأربعة شروط: أحدها: أن يكون مجرورا بحرف لا باسم، فإنه إن جر باسم فقد تقدم حكمه.
والثاني: أن يكون الموصول مجرورا بذلك الحرف نفسه وقد تبين هذا.
والثالث: أن يتحد متعلقا الحرفين، وهذا يشمل النوع الأول والثاني في التفسير الأول، ويخرج عنه الثالث، لأن الحذف فيه قليل، وأكثر ما يجيء في الشعر، فيكون الناظم على هذا لم يعتبره في القياس، وعلى هذا أكثر المتأخرين، ومن أجازه كالفارسي وغيره فإنما أجازه على ما فيه من القلة، وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب في كتاب "التسهيل" وهو جدير بأن يشترطه وخصوصا في هذا النظم.
والرابع: ألا يكون المتعلق الثاني مبنيا للمفعول، بحيث يقام المجرور مقام الفاعل، وذلك ظاهر من تمثيله، وهو ضروري الاشتراط، وقد فاته ذكره في "التسهيل" وهو مستدرك عليه، فإنه إن كان المجرور مقاما مقام الفاعل لم يجز حذفه وذلك نحو: مررت بالذي مر به فلا تقول: هنا مررت بالذي مر؛ لأنه يبقى الفعل بلا فاعل ولا نائب عنه وذلك فاسد، ومن هنا يظهر أن هذا الوجه الثاني في تفسير كلام الناظم أولى؛ لأن الأول يدخل عليه فيه جواز حذف المجرور المقام مقام الفاعل وذلك غير صحيح، وكثير من الناس

لا يذكرون هذا الشرط، والاعتراض وارد على من لم يذكره، وزاد بعض الناس شرطا خامسا وهو أن لا يوقع لبسا، ولعل مشترطه تحرز به من نحو: أمرتك بالذي أمرت ب زيدا فيقول: لا يحذف هنا الضمير المجرور لالتباسه بالمنصوب إذ كنت تقول: الذي أمرته زيدا الخير والذي أمرت به زيدا الخير.
فإذا قلت: أمرتك بالذي أمرت زيدا، لم يدر ما المحذوف الجار والمجرور أم المنصور، فكان ذلك ممتنعا.
فإن قلت: إن تقدم حرف الجر يدل أن المحذوف مجرور.
قيل: ذلك لا يلزم فقد يجمع في الكلام الواحد بين تعدي أمر بنفسه وبالحرف كما قال: أمرتك الخير فأفعل ما أمرت به ومثل هذا استغفرت الله مما استغفرت منه، وسميتك بالذي سميتني به، وما أشبه ذلك، فإن كان هذا الشرط لازما فمثال الناظم يحرزه لأن مررت، بالذي مررت به لا يلتبس في حذف الضمير.
فإن قيل: فقد يلتبس بغير ذلك، إذ كنت تقول: مررت بالذي مررت عليه فإذا حذفت لم يدر ما المحذوف.

فالجواب: إن تجويزهم للحذف/ دليل على أن المحذوف مماثل حرفه للحرف المتقدم، وإلا فكان يمتنع حذف الضمير المجرور بحرف مطلقا، إذ ما من مسألة من الباب إلا ويمكن فيها هذا التوهم، على أن التوهم قد تحرك على بعض علماء سبتة.
حدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار- رحمة الله عليه قال: سئل شيخنا أبو إسحاق الغافقي عن حذف الضمير من الصلة في قولك: رغبت فيما رغبت فيه، فجوز ذلك، فأنهى الخبر إلى تلميذه شيخنا أبي عبد الله بن عبد المنعم فمنعه واستشهد بأنه يقال: رغبت فيما رغبت فيه على معنى القبول، ورغبت فيما رغبت عنه على معنى الإعراض، ولا يكون الحذف إلا حيث يتعين المحذوف خوف اللبس، فلو حذف الضمير هنا لصار في الكلام إجمال، وهو خلاف المطلوب فوجب اجتنابه، وشرط انتفاء اللبس من جملة الشروط المجوزة للحذف.
قال: فأنهى ذلك إلى الأستاذ: فاستدل على الجواز بأنك إذا رأيته محذوفا دلك ذلك على اتفاق الحرفين، ولو كانا متباينين لم يجز حذفه؛

لأنه مشروط بالاتفاق، وعكسها مثلها وهي أن تقول: رغبت عما رغبت عنه يجوز فيها حذف "عنه" لحصول الموافقة ولا لبس فيه أصلا لوجود الحذف لأنه لو كان غير موافق لم يجز الحذف.
قال: وعلى هذا وقف الأمر عند نحاة سبتة، انتهى ما ذكره الأستاذ ابن الفخار شيخنا لنا، واستحسن نظر شيخه الغافقي، وهو كلام صحيح، وهو الموجب أعنى موافقة الحرفين لجواز الحذف، فإذا مثال الناظم لا لبس فيه البتة وإنما يعتبر شرط من اشترط عدم اللبس فيما تقدم من الأمثلة من باب "أمر" وما أشبه ذلك إن كان معتبرا فإني لم أر من اشترط إلا ما حكاه شيخنا الأستاذ ابن الفخار، فإنه جعله من جملة الشروط، ولم ينسبه إلى مشترطه فانظر فيه.


ثم أخذ في ذكر نوع خامس من المعارف فقال:

جارٍ التحميل