شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 5-44

اعلَمْ أن الوقف نظير الابتداء أي مقابله والابتداء عملٌ فالوقف استراحة عن ذلك العمل فإذًا أصلُه أن يكون على السكون كما أن الابتداء أصله أن يكون بالحركة.
ثم إنه يتفرع عن قصد الاستراحة في الوقف ثلاثة مقاصدَ فيكون لتمام الغرض من الكلام ولتمام النظم في الشعر ولتمام السجع في النثر ثم إن الوقف إنما يكون على الآخر والأواخرُ محل التغيير فغيَّروا الأواخر عند الوقف على حسب المقاصد اللفظية أو المعنوية.
وجملةُ أنواع التغيير الحادثة في الوقف المشهورة في كلام العرب ثمانية أنواع وهي السكون والرَّومُ والإشمام والتضعيف والنقل والإبدال والحذف وإلحاق هاءِ السكت وهذه الأنواع كلُّها قد ذكرها الناظم وذكر مواضعها وابتدأ بما يتعلق بالنون منها فقال

تَنْوِينًا اثْرَ فَتْحٍ اِجْعَلْ أَلِفَا... وَقْفًا، وَتِلْوَ غَيْرِ فَتْحٍ اِحْذِفَا

تَنْوِينًا: مفعولٌ أول لاجْعَلْ التي بمعنى صيَّر إذ هي تتعدى إلى [5]

مفعولين كما تقدم في بابه.
واثْرَ فَتْحٍ: ظرف متعلق به وتِلْوَ بمعنى تالٍ أي تابع وهو مفعول باحْذِفْ على حذف الموصوف أي احذف تنوينا تالي غير فتح

ويعني أن التنوين اللاحق لآخر الاسم إما أن يكون بعد فتح أو بعد غيره وهو الضم والكسر، والفتح في كلامه ليس مقتصَرا به على فتح البناء فقط وإن كانوا إنما يطلقون الفتح والضم والكسر على حركات البناء كما يطلقون الرفع والنصب والجر على حركات الإعراب لكنهم قد يُعبّرون عن حركة الإعراب بالفتحة والضمة والكسرة فأطلقها الناظم على ما تنطلق عليه من حركة بناء أو حركة إعراب

فإن كان التنوينُ بعد فتح فإنك تُبْدِلُه ألفا فتقول في رأيت زيدَنْ: رأيت زيدا وفي أكرمت عمْرَنْ: أكرمت عمْرا وكذلك فتحةُ البناء إذا تبعها التنوين وذلك في أسماء الأفعال نحو حيَّهَلَنْ وإيهَن ووَيْهَن تقول في الوقف حيّعلا وإيها وويها وكذلك ما أشبهه

وإن كان التنوين بعد غير فتح فإنه يُحذف رأسا وذلك إذا وقع بعد الضم نحو هذا زيدُنْ فإنك تقفُ عليه: هذا زَيْدْ فتحذف التنوين وفي الجر مررت بزيْدْ فتحذف أيضا وكذلك تقول في صَهٍ ومَهٍ إذا نونته ثم [6]

وقفت صَهْ ومَهْ وفي إيهٍ إيهْ وفي هيهاتِ هيهاتْ وكذلك في يومئذٍ وحينئذٍ وما أشبه ذلك وشذَّ من ذلك حرف واحد فوُقف عليه على التنوين وذلك كأيِّن وَقف عليها بالنون من القراء مَنْ عدا أبا عمرو اتباعا للمصحف إذ وقع كتْبُها بالنون وجه عدم إثبات التنوين على حاله أنه حرف زائد أُتي به للفرق بين ما ينصرف وما لا ينصرف في المعرب وفي المبني أتي به بمعنى آخر وهو كالحركة لأنه يتبعها فلا يوقف عليه عليه بحاله وأيضا أرادوا الفرق بينه وبين النون الأصلية نحو حَسَنٍ وما أشبه الأصلية نحو رَعْشَنٍ هذا وجهُ عدم بقائها على حالها في الوقف وأما إبدالها مع الفتح وحذفها مع غيره فوجهه أن النون تشبه الألف من حيث كان اللِّينُ في الألف يقاربه الغنة في النون فأبدلوها ألفا لما بينهما من المقاربة وكذلك كان الأصلُ في الرفع أن يُبدل واوا وفي الجر أن يُبدل ياءً وهي لغةٌ لبعض العرب أن يقولوا في الوقف قام زيدو ومررت بزيدي كما يقول الجميع رأيت زيدا ولم يُنبه عليها الناظم لِقلَّتها لكنَّ اللغةَ [7]

الفصحى حذفها في هاتين الحالتين لمكان ثقل الواو والياء في أنفُسهما بخلاف الألف فإنها خفيفة فإذا اجتمعت الضمة أيضا مع الواو والكسرة مع الياء كان ذلك أثقل ولم يكن في الفتحة مع الألف ثقل فتركوها على حالها على أن بعض العرب يعامل الألف معاملة الواو والياء في الحذف فيقول رأيتُ زيدْ كما يقول هذا زيدْ ومررت بزيدْ ولم ينبِّه على ذلك الناظمُ لقلَّته، ثبت نقلُ هذه اللغة في كتاب سيبويه في النسخة الشرقية منه عن أبي الحسن وحكاها الفارسي عن قطرب عن أبي عُبَيدة وأنشد بيت الأعشى

إلى المرءِ قيسٍ أُطِيلُ السُّرى... وآخُذُ من كلِّ حَيّ عُصُمْ

وأبياتا آُخَر ومنه أيضا ما أنشده قطربٌ من قول عدي بن زيد ونسبَه البكري لطرفةَ

شَئِزٌ جَنْبِي كأنيْ مُهْدَأٌ... جَعَل القينُ على الدَّفِّ إبَرْ [8]

وقال أبو عمرو الفَقْعَسِيُّ

أعددت للوِرْدِ إذا الوِردُ حَفَزْ... غَرْبًا جرورًا وجُلالا خُزَخِزْ

ثم قال

كأنَّ جَوْفَ جِلْدِه إذا احتفَزْ... في كل عَضْوٍ جُرْذَيْنِ وخُزَزْ

أراد كأن في جوف جلده في كل عضو منه جُرْذَين وخُزَزَا

ثم إن ظاهر هذا الكلام يشمل زائدا إلى ما تقدم التمثيل به نوعين

أحدهما المنقوص إلا أنّ الناظم أخرجه وذكر حكمه لما فيه من الأحكام المخالفة لما ذكر هنا

والثاني المقصور وهو لم يخُصَّه في هذا الباب بذكر فالعبارة شاملة له وهي تقتضي فيه ما تقتضي في الصحيح الآخر من أنك تحذف التنوين في الرفع والجر وتقف عليه في النصب بعد إبداله ألفا فإذا قلت هذا فتى ووقفت عليه أو مررت بفتى فتلك الألف هي الأصلية نظيرُ الدال في زيد

وإذا قلت رأيتُ فتى فالألف هي المبدلة من التنوين نظيرُ الألف في رأيت زيدا وحُذفت الألفُ الأصلية لاجتماع الساكنين فالناظم لما رأى الحكم المقرَّر غير ظاهر في المقصور حمله على ما ظهر فيه وهو الصحيح الآخر وهو [9]

قياسٌ واضح إن ساعده الدليل.
وما ذهب إليه هنا هو الذي اختار في التسهيل وهو مذهب الفارسي في الإيضاح والمسألة ذاتُ أقوال ثلاثة هذا أحدها

والثاني مذهبُ المازني أنَّ الوقف على ألِف التنوين في الأحوال الثلاثة

والثالث مذهب الكسائي أن الوقف على ألف الأصل مطلقا في الأحوال الثلاثة

ولا نصَّ لسيبويه في المسألة يُؤخَذُ له منه مذهبٌ فزعم ابنُ عصفور وهو يظهر من ابن جني أنَّ رأيه رأيُ الفارسي وزعم السيرافي أن رأيه رأيُ الكسائي ولسنا لتحقيق ذلك هنا

وحجةُ ما ذهب إليه الناظم ما تقدم من حمل المعتل على الصحيح والخفي على الجلي

وأيضا فإن ما رُوي عن العرب من إبدال ألف (مُثَنًّى) ياءً في الوقف فيقولون مُثنَّى وقوم يبدلونها واوا ولم يرِدْ ذلك في ألف التنوين في [10]

نحو رأيت زيدا فلم يقولوا رأيتُ زيدَى ولا زيدو فلو كانت ألف الأصل مطلقا لم يمتنعوا من إبدالها حيث كانت.
وأيضا فإن العرب تُميلُ: هذا فتى ولو كانت ألف التنوين لم تُمل كما لا تمال الألف في (رأيت دما) واستدل ابن عصفور أيضا بأن هذا الألف تُمال في حالة الرفع ولا تمال في حالة النصب وبأنها تقعُ قافية في الرفع والجر ولا تقع قافية في حالة النصب وهذا لو صح دليلٌ لكنهم قد نقلوا عن القُرَّاء إمالة هذه الألف حالة النصب كقوله تعالى ﴿أو كانوا غُزًّى﴾ و ﴿سمِعنا فتًى﴾ وما أشبه ذلك مع أنهم لم يميلوا ﴿وقد آتيناك من لدنا ذكرا﴾ ولا ما كان نحوه أصلا فهذا يردُّ ما ذكره ابن عصفور وهو دليلٌ للكسائي على الناظم

وقد اعتذر بعضهم عن هذا بأن المنصوب الممال قليل في القرآن مع أن العرب تشبّه الأصلي بالزائد والزائد بالأصلي فيجرى حكم أحدهما على الآخر فلا دليل في الإمالة على هذا إلّا أنّ ابن الأنباري حكى أنّ العرب تقول (رأيت فتى) فتُميلُ الألفَ إلى الياءِ مع أن ألف التنوين لا [11]

تُمالُ فلا يُقال (رأيت عَمْرَي) في (رأيت عَمْرَن) يعني بالإمالة وأما كونها لم تقع قافية فقد نقل غيرُ ابن عصفور أنها وقعت كذلك وأنهم وجدوا في كلمة مقصورة

فلا تُرَى أمرًا سُدى

وبعد ذلك

لكل حمد يُشْتَرى

وأنشد الزجاجي

ورُبَّ ضيفٍ طرَقَ الحيَّ سُرى... صادَفَ زادًا وحدِيثًا ما اشْتَهى

وقد يُعتذر عن هذا أيضا بأنه نادر وبنحو ما اعتذر ابن الباذِش في الإمالة واستدل للمازني على مذهبه بأن ما آخره ألفٌ قبل التنوين فيه فتحةٌ في الأحوال كلها فصار في جميع أحواله كزيدًا في حالة النصب فلما ساوى الصحيح المنصوبَ جميع أحواله أبدل من التنوين الألف كما أبدَلوا في المنصوب الصحيح وأيضا اتفق البصريون على أنه في النصب بدلٌ من التنوين على ما نقل ابن جني وصورة المرفوع والمجرور كصورة المنصوب فليكن الحكم كذلك في الجميع وهو استدلالٌ فيه ضعف [12]

واستُدلَّ للكسائي أن حذف الزائد أولى من حذف الأصلي فلذلك كانت ألفُ التنوين هي المحذوفة في كل حال

وَاحْذِفْ لِوَقْفٍ فِي سِوَى اضْطِرَارِ... صِلَةَ غَيْرِ الْفَتْحِ فِي الْإِضْمَارِ

الإضمار يريد به الضمير أي: في الاسم ذي الإضمار يعني أن الضمائر إذا وقفْتَ عليها فإن صلتها وهي ما يتبع حركاتها من حروف المد على وجهين:

أحدهما أن تكون تابعة لغير الفتح وذلك إذا تبعت الضم ولا تكون هناك إلا واوا أو الكسر ولا تكون إذ ذاك إلا ياءً فهذه لا بد من حذفها عند الوقف لا عند الوصل ولا في الضرورة وذلك قوله «وَاحْذِفْ لِوَقْفٍ فِي سِوَى اضْطِرَارِ» إلى آخره فتقول في رأيتُهُو: رأيتُهْ وفي لهُو لهْ وضربَهُو ضربهْ وكذلك تقول في عليهُو ولديهُو على من وصل الهاء عليه ولديهِ وكذلك منهُو وعنهُو وتقول منْهْ وعنْهْ وكذلك تقول في بهِي وضربْتِهِي وعليهي وإليهي: به وضربْتِهْ وعليْهْ وإليْهْ وفي هُمُو هُمْ وفي أكرمكُمُو أكرمكُمْ وفي خرجتُمُو خرجتُمْ وفي أنتُمُو أنتُمْ وكذلك ما أشبهه [13]

والثاني أن تكون الصلة تابعة للفتح ولا يكون إلا ألفا فمفهومُ كلامه أنها لا تُحذفُ أصلا بل تتركُها على حالها فتقول ضربتُها ولها ومنها وعنها وفيها وهما وأنتما وضربتما وأكرمكما هكذا وصلا ووقفا ووجه ذلك أنّ من شأن العرب أن يحذفوا الآخر في الوقف وإنْ كان من أصل الكلمة كالقاضي والرامي فيقولون القاضْ والرامْ وكذلك ما كان إذهابُه في الوصل إخلالا نحو ضربني وغلامي فأنْ يحذفوا ما ليس من أصل الكلمة بل هو زائدة عليها أحق وأولى أما الألف فلخفتها لم يحذفوها بل تركوها على حالها بخلاف الواو والياء فإن لها ثقلا في الكلام وقد تقرر هذا قبل وأيضا فإن الألف عندهم من أصل الاسم بخلاف الواو والياء فإن فيهما خلافا على ما ترى إن شاء الله تعالى

ثم يتعلق بكلام الناظم مسائلُ:

إحداها أنّ لقائل أن يقولَ في قوله «لِوَقْفٍ» إنه فضلٌ لا زيادة فائدةٍ فيه لأن كلامه إنما هو في أحكام الوقف وقد تقدم قبل هذا قوله «تَنْوِينًا اثْرَ فَتْحٍ اِجْعَلْ أَلِفَا... وَقْفًا» [14]

فكان يستغني بذلك عن تكرار ذكر الوقف لكنه لم يفعل ذلك فما وجهه؟

والجواب أنه أتى به لفائدةٍ حسنة وذلك أنه لو قال واحذف في سوى الاضطرار كذا لاقتضى حكما لم يقصده وهو أن الحذف إنما يكون في غير الاضطرار وأما حالة الاضطرار فلا تحذف تلك الصلة وهذا كلام لا معنى له لأن ترك الحذف لا يختص بالضرورة بل الحذف هو المختص بها لكن حالة الوصل لا حالة الوقف فقوله «لِوَقْفٍ» هو علة للحذف لا بيان لموضعه كأنه قال: احذف هذه الصلةَ في غير الاضطرار لأجل الوقف أي: إن الوقف هو العلة في الحذف حالة الاختيار وأما في حالة الاضطرار فليست العلةُ الوقف فيُؤخذُ من هذا الكلام الحكم المتقدم في الوقف ويؤخذ منه أنّ الحذف قد يقع اضطرارا لا لعلة الوقف وما ذاك إلا الحذف في الوصل وهذا صحيح فإن الضرورة قد قادت إلى حذف صلة الضمير في الوصل في مواضع منقولة فمنها ما حُذفت الياء أو الواو منه مع بقاء الحركة ومنها ما حذفتا منه مع الإسكان فمن الأول ما أنشد سيبويه من قول مالك بن خريم بالخاء المعجمة وفي الشرقية ابن حريم بالحاء المهملة

فإن يك غثا أو سمينا فإنَّني... سأجعل عينيه لنفسِهِ مَقْنَعا [15]

وأنشد أيضا لحنظلةَ بن فاتك

وأيقن أنَّ الخيل إن تلتبِسْ به... يكن لغسيل النخل بعده آبر

وأنشد أيضا للشماخ

له زجلٌ كأنهُ صوتُ حادٍ... إذا طلب الوسيقة أو زَميرُ

وأنشد أيضا لرجل من باهلة

أو مُعْبَر الظهر يُنْبِي عن وليّتهِ... ما حَجَّ ربَّهُ في الدنيا ولا اعتمرا

وأنشد أيضا للأعشى

وماله من مجدٍ تليدٍ ومالَهُ... من الريح حظّ لا الجنوبُ ولا الصَّبا

ومن الثاني ما أنشده ابن جني وغيره [16]

فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أُخِيلُه... ومِطْوَاي مشتاقان لَهْ أرِقانِ

وأنشد أيضا

وأشْرَبُ الماء ما بي نحوه عطشٌ... إلا لأن عيونَهْ سيلُ واديها

قالوا وهذا الثاني أحسنُ من الأول لأنه من إجراء الوصل مُجرَى الوقف على الكمال بخلاف الأول والناظم إنما تكلم هنا على الضرورة بالنسبة إلى اللغة المشهورة إذْ حذْفُ الواو والياء مع بقاء الحركة أو حذفها لا يكون فيها إلا ضرورة فلا يُعتَرَضُ عليه بأنّ من العرب من يحذفها في الوصل إذا تحرك ما قبلها على الوجهين وهم بنو عُقَيل وبنو كلاب نقل ذلك المؤلف في الشرح عن الكسائي ونقل ابن جني عن أبي الحسن التسكين بعد الحذف في الوصل لغة لأزد السراة فإن الناظم إنما تكلم على اللغة المشهورة إلا أنه يُعترض عليه من وجه آخر وهو أن الضمير قد تحذف صلته في الوصل في حالة السعة لا في الاضطرار وذلك إذا كان قبل الضمير ساكن ثابت أو محذوفٌ للجزم أو للوقف فتقول عليهْ وعليهي ومنه ومنهُو وكذلك ارمِهْ وارمهي وادعُهْ وادعهو ونحو ذلك فيقال [17]

مثلا إن الناظم قد حصر حذف صلة الضمير في شيئين وهما الوقف والاضطرار في الوصل وهذا غير صحيح بل تُحذف أيضا اختيارا في الوصل بعد الساكن وإنما يصح ما زعم من الحصر في الضمير الذي قبله متحرك بالأصل خاصة فهناك لا تُحذفُ صلته في المشهور إلا في الوقف أو في الاضطرار فاقتضى كلامه أن الضمير إذا سكن ما قبله لفظا أو أصلا فإنما يُحذف لأحد هذين الأمرين وليس كذلك ولا أجد الآن عن هذا جوابا! والضرورة هنا إنما تعلقت منه نصا بالواو والياء لأنه قال «وَاحْذِفْ لِوَقْفٍ فِي سِوَى اضْطِرَارِ... صِلَةَ غَيْرِ الْفَتْحِ» فخرجت صلة الفتح عن دعوى الضرورة فيها وهكذا ينبغي أن يكون فإنه لم يأت حذفُ صلة الفتح في ضرورة ولا غيرها وإنما جاء في لغة طيّئ حذفها ونقل حركة الضمير إلى ما قبله قال خطيب وفد طيئ «بالفضل ذو فضلكم الله بِهْ والكرامة ذاتِ أكرمكم الله بَهْ» أراد بها وهذا ليس بضرورة ولا اعتراض بها أيضا على الناظم لِقلَّتها

والمسألة الثانية إطلاقُه لفظ الصلة قد يُفهم أنها زائدة على الضمير لا جزءٌ منه لأن حقيقة الصلة ما وُصِل بالشيء ولا يكون ذلك إلا من انفصال والمسألة مختلف فيها على الجملة على ما أذكره لك [18]

فقال السيرافي اختلف أصحابنا في هذه الواو والياء فزعم الزجاج أن مذهب سيبويه أنهما كالألف في المؤنث هما من نفس الاسم قال الزجاج والصحيح أنهما ليسا من نفس الضمير بدليل حذفهما في الوقف ولا يحذف الألف قال السيرافي ولا حجة له في ذلك فقد يُحذف ما هو من نفس الاسم كقاض

وقال الفارسي في التذكرة مثل ذلك وأنه غير قاطع قال لأنهم قد حذفوا في الوقف الواو في ضربكُمْ وهذا لكم والياء في عليهم مع أنها من نفس الكلمة وليست بزيادة بدليل أن المؤنث الذي بحذائه ليست النون الثانية فيه بزيادة ولكن إنما حُذِفتا في الوقف لأنهما حرفا علة قد حُذفا في الوصل في عليه ومنه ونحوه والوقف موضع يُحذف فيه ما يحذف في الوصل نحو المتعالِ ويَسْر فإذًا يكون ما حُذِف في الوصل أولى أن يلزم الحذْفَ في الوقف لأنه موضعُ تغيير

قال السيرافي ومن أصحابنا من ينسب لسيبويه أنهما ليستا من نفس الاسم ولعله يشير إلى الفارسي [19]

قال ابن الضائع كذا قال الأستاذ أبو علي رحمه الله تعالى وزعم أن تشبيه سيبويه هذه الواو بالألف مع ضمير المؤنث تشبيه لفظي يعني به أن الواو ثابتة في الوصل كالألف ثم رجح ابن الضائع أنها من نفس الاسم بأن ضمير المذكر ينبغي أن يكون كضمير المؤنث وذلك أنا لم نجدهما يختلفان في موضع بحيث يكون أحدهما على حرف فالآخر يكون كذلك وكذلك فيما زاد ولذلك حكمنا في ميم جمع المذكر أن الأصل فيها الميم والواو معا وإن كانت الواو تحذف في الوقف لأن ضمير المؤنث على ثلاثة أحرف فكذلك ينبغي أن يكون ضمير المذكر مثله

فأنت ترى أن الخلاف في كون الصلة زائدة أو غير زائدةٍ إنما هو في الواو والياء وأما الألف فقد سلم جميعهم أنها من نفس الاسم كما أن الواو في ميم جمع المذكر من نفس الاسم وإشارةُ الناظم تقتضي القول بالزيادة في الألف مطلقا ولذلك وجه فإنه من حيث قيل بزيادة غيرها فجائز أن يقال بزيادتها أيضا ليستوي الجميع في حكم واحد وثبوت الألف في الوقف وحذف الواو والياء لا يدُلّ على فرق واضح بينهما وقد نبه على ذلك [20]

أيضا السيرافي فإن كان الناظم يذهب في مسألة الألف إلى مذهب ثالث فليس ببجع من وجهين:

أحدهما أن إحداثَ قولٍ ثالث في مسألة ليس بخرق إجماع عند طائفة من أهل الأصول هذا إن كان في هذه المسألة إجماع على ذينك القولين ولا أتحقق ذلك الآن

والثاني على تسليم أنه خرْقُ إجماع ليس إلا من قبيل إحداث تأويل آخر إذ الحكم بزيادة الألف أو أصالتها ليس بخلاف في أصل حكم وإنما هو خلاف في تأويل ومجمل وأكثر الأصوليين على جواز هذا وقد تقدم لهذا نظير في باب أسماء الأفعال على أني قد وجدت ذلك منصوصا للفارسي أن سيبويه نص على أن الياء بعدها ليست من نفس الكلمة ولا بمنزلته فقال في التذكرة قد نص يعني سيبويه على أن الزيادة التي تلحق الياء ليست من نفس الكلمة كما ترى ثم استدل على ذلك بأشياء منها أنها نظيرة التاء للمتكلم والكاف للمخاطب فكما أنّ كلّ واحدٍ من ذلك على حرفٍ واحدٍ فكذلك ينبغي أن يكون الأمرُ في الهاء وأنّ الواو والياء لاحقتان [21]

لخفاء الهاء ثم قال فإن قلت فلم لا تستدل بلحاق الألف للمؤنث أنّ الواو والياء بحذاء الألف؟ قيل تكونُ الألفُ لاحقةً لتبين المؤنث من المذكر كما لحقت في أعطيتكها لذلك وكما أن الشين في قول من قال أكرمتكش كذلك فكما أن الكاف حرف مفرد وإنما لحقه ما لحقه ليتبين المؤنث من المذكر كذلك يكون لحاق الألف الهاء للمؤنث إلا أن الهاء لزمها الألف في سائر اللغات

واقتضى أيضا كلامه زيادة الواو بعد ميم الجميع وظاهر كلامهم الأصالة ولم أر من نص على زيادتها فلعل الناظم رأى في ذلك خلافا ولذلك وجه أيضا نحو مما تقدم ولا يعدّ خارقا للإجماع على تقدير عدم الخلاف لأنه خلاف في تأويل كما مر

المسألة الثالثة أن الصلة إنما تُطلق على ما كان من حروف اللين تابعا لمناسبة من الحركة وناشئا عنه وذلك الواو مع الضمة والألف مع الفتحة والياء مع الكسرة وأيضا فلا بد من السكون فيها لأنها ناشئة عن الحركات فمثل ضرَبهُو وضربها ومررت بِهي هو الذي شمل كلامه فيخرج له عن ذلك بمقتضى لفظه هُوَ وهي فالواو والياء فيهما ليستا بصلة للهاء بل هما من نفس الاسم ولا يخالف في هذا وليستا بناشئتين عن الحركات لتحركه فالوقف على هُوَ أو هِيَ لا يذهب بالواو والياء بل تقول في الوقف هُوْ وهِيْ بالسكون وهذا مفهومٌ من كلامه إذ قال واحذِفْ صلة كذا كأنه [22]

قال احذِفْ ما كان صلة فمفهوم الصلة فيه أن ما ليس صلة لا يحذف فإذًا إن جاء الحذفُ فيهما يوما ففي الشهر ضرورة ومنه ما أنشده سيبويه في حذف واو هُوَ

بيناهُ في دار صدق قد أقام بها... حينا يُعلِّلُنا وما نُعَلِّلهُ

وأنشد أيضا أبو الحسن في الكتاب للعجير السلولي

فَبَيْناهُ يَشْرِي رَحْلَه قال قائلٌ... لِمَنْ جَمَلٌ رِخو الملاط نجيب؟

ومن حذف ياء هي ما أنشده سيبويه

دارٌ لسُعدى إذْهِ من هَواكا [23]

وقوله «فِي سِوَى اضْطِرَارِ» أدخل فيه حرف الجر على «فِي» وقد تقدم أن ذلك مذهبه وأنه ليس بضرورة خلافًا لما يقوله سيبويه من اختصاصه بالضرورة

وَأَشْبَهَتْ إِذًا مُنَوَّنًا نُصِبْ... فَأَلِفًا فِي الْوَقْفِ نُونُهَا قُلِبْ

ذكر هنا حكم الوقف على إذًا وكان غير لازم له ذكرُ الأحرف المفردة التي لا نظير لها في الحكم المذكور ولا يشمل الحكم جملةً منها كما جرى من عادته إذا لا يذكر المختصرُ إلا القواعد الكلية والمسائل الشهيرة لا الشواذ والحروف المنفردة إلا بالتبَعِ وهذا ليس كذلك بل ذكَرَ إذًا ذكرًا مقصودا لكن وجه ذلك والله أعلم أنّ إذًا من الأدوات الشهيرة الكثيرة الاستعمال جدا إذ هي حرف جواب وجزاء فقلما يخلو كلام بين متخاطبين فيه طول منها وأيضا هي مع ذلك تستلزم كثيرا الوقف عليها كما إذا أردت جواب مخاطبك فقلت له (فلا إذا) أو (فنعم إذا) كما قال النبي عليه السلام (أينقص الرُّطبُ إذا جَفَّ؟ ) قالو نعم قال (فلا إذَا) حين سألوه عن بيع الرُّطَب بالتمر.
وفي كلام العرب من ذلك كثيرٌ تقع فيه إذًا موقوفًا عليها [24]

فلما كانت بهذه الحال كان ذكرها في باب الوقف أكيدا فلذلك نصَّ على حكمها وقد حصَّل كلامُه فيها مسألتين

إحداهما حكمُ الوقف عليها وذلك قوله «فَأَلِفًا فِي الْوَقْفِ نُونُهَا قُلِبْ» يعني أنك إذا وقفت على إذًا فلا تقف على النون وإن كانت أصلا ليست بزائدة كنون التوكيد الخفيفة ولا كالتنوين وإنما تقف عليها بإبدال نونها ألفا فتقول إذا كما تقول في اضربن اضربا وفي زيدن زيدا وعلى حكم الوقف كتبت بالألف في الرسم السلفي وعلى القول الصحيح في رسمها

والثانية السببُ الذي لأجله لم تكتب إذا على القياس الأصلي إذ كان الأصل فيها أن يوقف عليها بالنون إذ النون أصلية كنون حسن ورَسَنٍ وفِرْسِنٍ ونحو ذلك بل كنون مِنْ وعَن وما أشبهها من حروف المعاني التي النون فيها أصل فأخبرَ الناظم بالعلة التي لأجلها خرجوا عن قياسها الأصلي فوقفوا عليها بالألف وهو شبهها بالمنصوب المنون من الأسماء وذلك قوله

(وَأَشْبَهَتْ إِذًا مُنَوَّنًا نُصِبْ) [25]

يعني أنّ هذا الشبه حصل في إذًا فحكم لإذًا بحكم ما شبهت به كما تقول في رأيت زيدن رأيت زيدا فكذلك تقول في أكرمك إذَنْ أكرمك إذا ووجهُ الشبه بينهما من جهة اللفظ ومن جهة الاستعمال فأما من جهة اللفظ فإن كل واحد منهما آخره نون ساكنةٌ لحقت الكلمة فاصلة لها عن غيرها لأنها آخر في كل منهما وأما من جهة الاستعمال فلأن كلا منهما يصح الوقوفُ عليه مع تمام الكلام فتقول أكرمك إذا كما تقول أكرم زيدا وبهذا المعنى خالفت سائر الحروف إذْ كانت لا يوقف عليها استقلالا إلا ما ليس آخره النون كبلى ونعم ولا فلما كانت كذلك عُوملت في الوقف معاملة ما أشبهته وهذا هو الذي اعتبر الناظمُ وقد اعتبر ابن جني أيضا شبهها بما آخره نون التوكيد الخفيفة كقوله ﴿لنسفعا بالناصية﴾ وهو صحيح أيضا ولابن جني في «سر الصناعة» في هذا المعنى كلامٌ طويل من أحبه طالعه هنالك

وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا... لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ، وَفِي... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِيْ [26]

الاسمُ المنقوص في أحكام الوقف على أربعة أقسام ذكرها الناظم كلَّها إذْ لا يخلو الاسم المنقوصُ أن يكون بعد النقص لا يبقى من حروفه الأصول إلا حرفٌ واحد أو يبقى أكثرُ من ذلك وإن بقِي أكثرُ من ذلك فلا يخلو أن يكون منصوبا أو لا وإن لم يكن منصوبا فلا يخلو أن يكون منوّنًا أو لا فهذه أربعة أقسام يترتبُ الكلامُ عليها على حسب ما رتبه بعد أن نقول:

المنقوص الذي أراده إنما هو ما كان آخره ياءً قبلها كسرة نحو قاضٍ وغاز ومستدع ونحو ذلك فأحد الأقسام المنقوصُ المنوَّن غير المنصوب وغير الباقي على حرفٍ واحدٍ نحو قاضٍ وغاز فهذا القسم في الوقف عليه وجهان:

أحدهما أن تحذف الياء وتقف على ما قبلها فتقول هذا قاضْ وهذا رامْ ومررت بقاضْ ومررت برامْ وكذلك هذا داعْ وهذا مستدعْ وهذا عَمْ تريد العَمِي وهذا شّجْ ونحو ذلك وهو أرجح الوجهين واللغةُ الفصيحةُ قال سيبويه «فهذا الكلام الجيِّد الأكثر» ووجهه أن الياء المكسورة ما قبلها لما كانت تُستثقلُ وكانت محذوفة في الوصل والوقف عارض والعارض لا يعتد به في الأمر الكثير تركوها محذوفة في الوقف [27]

أيضاً وعلى هذا الوجه قراءة الجماعة إلا ابن كثير ﴿ولكل قوم هاد﴾ ﴿وما عند الله باق﴾ ﴿وما لهم من الله من واق﴾

والوجه الثاني ثبوتُ الياء وهو وجهٌ جيِّدٌ أيضا فنقول هذا قاضي وهذا غازي ومررت بمستدعِي ومررت بشجي وما أشبه ذلك وعليه قراءة ابن كثير ﴿ولكل قوم هادِيْ﴾ ﴿وما عند الله باقِيْ﴾ ﴿وما لهم من الله من واقِيْ﴾ قال سيبويه «وحدثنا أبو الخطاب أنّ بعض من يُوثَق بعربيته من العرب يقول هذا رامي وغازي وعمي، أظهروا في الوقف حيثُ صارت في موضع غير تنوين لأنهم لم يُضطروا هنا إلى مثل ما اضطُروا) إليه في الوصل من الاستثقال) يعني أنّ الموجبَ لحذف الياء إنما كان ملاقاة التنوين لها إذ كان الأصل قاضِيٌ وغازِيٌ فاستثقلت الحركة على الياء فحذفت من اللفظ فالتقى ساكنان الياء والتنوين فوجب حذفُ الياء لذلك وأما في الوقف فقد زال ما أوجب حذفها فوجب رجوعُها إلى حالها من الإثبات اعتدادا بعارض الوقف

وهذان الوجهان في هذا القسم هما المرادُ في قول الناظم «وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ» إلى آخره وقد حكى ابن الأنباري عن الكسائي والفراء إبطال الوجه الثاني وزعما أن لا يوقف إلا بحذف الياء واحتجا بأن الكلام [28]

بنى وقفُه على وصله فلا يحدث في الوقف ما لا يكون في الوصل وما قالاه ردٌّ على كلام العرب فهو رد مردود على أنه قد حكى الكسائي الوقف على قوله تعالى ﴿حتى إذا أتوا على وادِي النمل﴾ بالياء ويقول اسمه وادي فلا يتم إلا بالياء وظاهر هذا النقل أنه تناقض في مذهبه لأن هذه العلة موجودة في قاضٍ وغازٍ لأن الاسم قاضي وغازي فيجب على هذا أن يقف بالياء والصحيح مذهبُ أهل البصرة

ومعنى كلام الناظم أن المنقوص الذي نُوِّن وذلك إذا لم يكن فيه ألِف ولام ولا إضافة إذا وُقِف عليه في غير النصب فحذفُ تلك الياء أولى من إثباتها فاستثناؤه المنصوبَ يدلُّ على أن مراده المرفوعُ والمجرور ويدلُ على أن مراده ما زاد على حرفٍ واحد أصلي قوله بعد ذلك «وَفِي... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِيْ» فذكر هذا أخيرا صريح في عدم إرادته إياه في سائر الأقسام [29]

ويشمل هذا القسمُ بإطلاقه وعمومه كل منون سواء أكان تنوينه تنوين صرف أم لا فجوارٍ وغواشٍ ويرمٍ - مسمًى به على مذهب الخليل - وأعيم وقاضٍ اسم امرأة كله داخل تحت هذا الحكم فتقول في الأجود هذه جوارْ وغواشْ ويَرْمْ وعلى الوجه الآخر جواري وغواشي ويرمي والعلة في هذا هي العلة في المنصرف

والقسم الثاني المنقوص المنصوب مطلقا كان منونًا أو غير منونٍ ولا يكون على حرف واحد أصلا فحكم هذا ظاهر من كلامه فإن المنصوب المنون تظهر فيه الحركة كما تظهر في الصحيح فإن كان مُنوّنا فقد حصل تحت قوله أول الباب «تَنْوِينًا اثْرَ فَتْحٍ اِجْعَلْ أَلِفَا» وإن كان غير منون فقد دخل له فيما دخل بعد لأن الياء لتحركها قد أشبهت غير المعتل فصار كقولك (رأيت الرجل) فلم يحتج الناظم هنا إلى ذكر الإثبات فيه فتقول رأيت القاضي والغازي والمستدعي ورأيت الجواري وكذلك الشجي والعَمِي والمُرِي - اسم الفاعل من أرَى يُرِي - فإذًا المنصوب هنا مستثنى من جميع الأقسام لكنه لم يذكره بعدُ نصا لدلالة القسم الأول على ذلك ولأن علة الاستثناء في القسم الأول موجودة في كل قسم وذلك الجريان مجرى الصحيح

والقسم الثالث المنقوصُ غير المنون ولا الباقي على حرف واحد فهذا القسم فيه وجهان: [30]

أحدهما إثبات الياء في الوقف كما تثبُت في الوصل لأن حذف الياء إنما كان لعلة التقاء الساكنين أحدهما التنوين ولا تنوين هنا فلا موجب للحذف فتقول هذا القاضي ومررت بالقاضي وهذا الشجي ومررت بالشجي

والثاني حذفها فتقول هذا القاضْ ومررت بالقاضْ وهذا الشجْ ومررت بالشج وما أشبه ذلك قال سيبويه «ومِن العرب مَن يحذفُ هذا في الوقف شبَّهوه بما ليس فيه ألف ولام؛ إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين لو لم تكن فيه الألف واللام» يعني لمعاقبة الألف واللام للتنوين والعرب تحكم للمعاقِب بحكم ما عاقبه قال «وفعلوا هذا لأن الياء مع الكسرة تُستثقل كما تستثقل الياءات» قال «فقد اجتمع الأمران» يعني التشبيه بما ليس فيه ألف ولام والاستثقال ومن الحذف في هذا الوجه ما روي عن نافع وأبي عمرو في بني إسرائيل والكهف ﴿من يهد الله فهو المهتد﴾ من إثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف وهذان الوجهان هما المرادان بقوله «وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ» يعني أنّ ما ليس فيه تنوينٌ من المنقوص حكمُه في حذف الياء وإثباتها على العكس مما فيه التنوين وحقيقة العكس أنه قال أولا: إن الحذف أولى من الإثبات فإذا حولت هذا الكلام على وجه يصدُق قلت: إن الإثبات أولى من الحذف فالوجهان على هذا جائزان

وقوله «وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ» يشمل ما فيه الألف واللام كما تقدم تمثيله وما كان مضافا يُوقَفُ عليه دون المضاف إليه نحو (هذا قاضي) في [31]

(قاضي بلدتنا) ووجهُ اختيار الإثبات نحو مما تقدم في ذي الألف واللام لأن الإضافة تعاقب التنوين فصارت كالألف واللام إلا أن الإضافة تزول إذا وقفت على المضاف ولكن هذا عارضٌ فلا يعتدُّ به ويبقى آخر الاسم في الوقف على حدّه في الوصل وجه الحذف بقاؤه في الوقف على هيئة ما كان منونًا في الأصل فقف عليه

ويشمل أيضا ما زال تنوينه بالنداء نحو يا قاضي ويا غازي، فالوجهُ الجيد الإثباتُ وقفا ويجوز على غير الأجود يا قاضْ ويا غازْ

وهذا الذي ظهر من الناظم هو مذهب الخليل فإثبات الياء عنده هو المختار وقال السيرافي واختار بعض أصحابنا مذهب الخليل رأيت ذلك في كلام نسب أوله إلى المبرد حكاه محمد بن علي مَبْرَمانُ واختاره أيضا ابن طاهر وتلميذه ابن خروف وخالف في ذلك يونس؛ إذ الحذفُ عنده هو الأقوى فقولك يا قاضْ أحسنُ عند يونس من يا قاضي وهو الراجح عند سيبويه ورُجِّح ما اختاره الناظم من مذهب الخليل بوجهين:

أحدهما ما ذكره السيرافي من أن المنادى المعرفة لا يدخله تنوين في وقف ولا وصل والذي يُسقط الياء إنما هو التنوين ولا تنوين فوجبَ إثباتُ الياء كما تثبُت في «القاضي» بالألف واللام [32]

والثاني ما قال ابن طاهر من أن ياءَ قاضي لو حُذفت في النداء في الوصل لكان قولُ يونس هو الصحيح ولكنهم لا يقولون إلا يا قاضي بإثبات الياء فصار بمنزلة «القاضي» فالجيدُ ثبوتها وكلٌّ قد حُذف منه التنوين فقوِي قول الخليل عنده قال ابن خروف وهو ظاهر

ورجَّح سيبويه مذهبَ يونس بأن النداء موضع حذف فيحذف فيه ما لا يحذف في غيره كالترخيم والتنوين وياء المتكلم فأن يُحذَف فيه ما يجوز أن يحذف في غيره أولى وبسَط هذا ابن الضائع فقال: الصحيح قولُ يونس لما تقدم من قوة الحذف والتغيير في النداء فقد اجتمع في هذا الموضع بابا حذفٍ وهما النداء والوقف فقَوِيَ فيه الحذفُ؛ ألا ترى أن ياء المتكلم في غير النداء يجوز حذفها في الوقف وإن لم يجز حذفها في الوصل فكذلك الوقف مع الوصل هنا في النداء

وقد أجاب ابن خروف عما رجَّح به سيبويه بأنّ حذف الترخيم وياء الإضافة على قياس وليس حذفُ الياء من قاضِي في النداء بقياس وأما «يا صاحِ» فشاذ لأنه محذوف يا الإضافة على لغة يا حارِ ثم رُخم بعد ذلك ومثل هذا لا يرخّم فلا ينبغي القياس عليه [33]

والقسم الرابع المنقوص الباقي على حرف واحد أصلي فهذا لا يجوز الوقف عليه إلا بإثبات الياء وذلك قولك مُرٍ تقول في الوقف مُرِيْ ولا تقول مرْ قال سيبويه «كرهوا أن يُخلّوا بالحرف فيجتمع عليه ذهابُ الهمزة والياء فصار عوضا» يعني مما حذف وذلك أن الهمزة قد حُذفت بالتسهيل فلو لم ترد الياء في الوقف لأدى إلى أن يبقى من أصول الكلمة حرف واحد ساكن قال ابن الضائع: وإذا كانوا في مثل هذا يجيئون بحرف لئلا يبقى من أصول الكلمة حرف واحد ساكن نحو لِتَقِهْ فإنهم يقفون عليه بالهاء فأنْ يردوا إلى الكلمة ما قد حُذف منها مع أنّ مُوجِبَ الحذف قد زال أحرى

وهذا القسم هو الذي أراد بقوله «وَفِي... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِيْ» يعني أن هذا اللفظ وما كان نحوه مما لم يبق من أصوله إلا حرف واحد لا بد فيه من رد ما نقص منه في الوقف كان في نداء نحو يا مريْ أو في غيره نحو هذا مُرِيْ ومررت بِمُرِي والذي هو نحو مُرٍ قولك مُشٍ من أشأيت زيدا القوم إذا جعلتَه يسبقهم منقول من شأوتُهم إذا سبقتهم [34]

ومُنٍ من أنأيته أي أبعدته ومُثٍ من أثأيتُ القوم إذا جرحتَ فيهم ومُبٍ من أبأيته أي أفخرته وكذلك ما أشبهه إذا بنيت فيه على تسهيل الهمزة بحذفها ونَقْل حركتها إلى ما قبلها؛ إذَا أصل اسم الفاعل فيها مُشْء مُنْءٍ ومُثْءٍ ومُبْءٍ فإذا سهَّلت صارت إلى مُشٍ ومُنٍ ومُثٍ ومُبٍ فإذا وقفت فلا بد من رد الياء فتقول مُشِيْ ومُنِيْ ومُبِيْ ومُثِي كما قلت مُرِيْ ومُرٍ أصله اسم فاعل من أريته الشيء

و«اقْتُفِيْ» معناه اتُّبع؛ قفوتُ أثره واقتفيتُه أي اتبعته يريد أن لزوم الرد أمرٌ متبع معمولٌ به غير مُخالَف

وَغَيْرُ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ... سَكِّنْهُ، أَوْ قِفْ رَائِمَ التَّحَرُّكِ أَوْ أَشْمِمِ الضَّمَّةَ، أَوْ قِفْ مُضْعِفَا... مَا لَيْسَ هَمْزًا أَوْ عَلِيلًا إِنْ قَفَا مُحَرَّكًا، وَحَرَكَاتٍ اِنْقُلَا... لِسَاكِنٍ تَحْرِيكُهُ لَنْ يُحْظَلَا

هذا الفصل يذكر فيه أنواعا خمسة من تغييرات الوقف وما تلحق فيه [35]

من الكلم.
وأخذ يُبيّن أولا أن ذلك التغير إنما يلحق المحرك الذي ليس بهاء تأنيث وذلك في قوله «وَغَيْرُ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ» يريد أن هذه الأشياء إنما تلحق الآخر المحرك الذي ليس بهاء تأنيث وأراد بالمحرك الآخر الموقوف عليه ودل على ذلك سياق كلامه من أول الباب إلى هنا فلذلك لم يحتج إلى التنصيص عليه فيقول مثلا: وغير هاء التأنيث من آخر محرك بإظهار الموصوف أما اختصاص هذه الأنواع بالمحرك فلأن الآخر إذا كان ساكنا في الوصل فهو إما صحيح الآخر وإما معتله فالصحيح الآخر لا إشكال في بقائه على سكونه ولا يدخله غير ذلك؛ إذا لا يقبل روما ولا إشماما ولا تضعيفا ولا نقلا؛ لأن هذه الأشياء مختصة بالمحرك كما سيتبين إن شاء الله والمعتل إما بالألف وإما بالواو وإما بالياء أما الألف فاللغة الشهيرة فيها بقاؤها على أصلها في الوقف من غير تغيير وما جاء من إبدالها ياءً أو واوًا أو همزةً في نحو أفعى وأفعَوْ وحُبْلا نادر أو لغة قليلة لم يعتمد على ذكرها في هذا المختصر هذا إذا كان اسما معربا وكذلك إذا كان فعلا نحو يخشى أو اسما مبنيا أو حرفا فالوقف عليه على [36]

حاله وما جاء على خلاف ذلك فنادر وقيل نحو قولهم في يا مثنى: يا مثناه وهذاه في هذا وهناه في ههنا وأما الياءُ فالإثبات فيها هو الشهير الفصيح وما جاء من قولهم غلام في غلامي وضربن في ضربني فقليل أو مختص بالقافية أو الفاصلة وكذلك قولهم (لا أدر) في (لا أدري) وقفا وهو نادر أيضا وكذلك حيث يبدل منها الجيم في نحو قول الشاعر أنشده أبو زيد

يا رب، إن كنت قبلت حِجَّتِجْ... فلا يَزالُ شاحجٌ يأتيك بِجْ أقمرُ نهاتُ يُنَزِّي وَفْرَتِجْ

يريد حجتي وبي ووفرتي وعلى هذا الحكم يجري ما آخره واوٌ في المبني نحو ذو أو في الفعل المعرب نحو يغزو وكذلك يرمي وقد يجوز حذفها لكن في القوافي والفواصل أو في نادر الكلام وهو قوله في التسهيل «ولا حذف في نحو يقضي افعلي ويدعو وافعلوا غالبا إلا في قافية أو فاصلة» انتهى فذلك كله لا يقدح فيما أصَّل الناظم وقد [37]

أشرتُ إلى بعض ما ورد منه إشارة مختصرة والكلامُ فيها يطول ولو كان في لفظ الناظم ما يشير إلى شيء من ذلك لاستوفيت النظر فيه على حسب ما يحتمله الشرح ولكنه سكت عنه اتكالا على فهم بقائه على أصله فمن هذه الجهة أشرتُ إلى ما أشرتُ إليه والله الموفق

وأما استثناء هاء التأنيث فلاختصاصها بحكم يأتي وهو إبدالها في الوقف هاء والهاءُ لا يصح فيه روم ولا إشمام ولا غيرهما؛ إذ كان ذلك بيانا لحركة الحرف الآخر والمحرك تاءٌ لا هاء فلا تصح إشارة إلى حركة فيما لم يبق فيه على تحريك؛ لأن الهاء إنما أُبدِلتْ في الوقف والسكون لازم للوقف فلا يمكن فيها التحريك

وإنما عبّر عنها بالهاء ولم يقل تاء التأنيث لحكمة ظاهرة وفائدة حسنة وذلك أنه إذا عبر عنها بالهاء خرج له عن حكم الاستثناء ما لا يسمى من التاءات هاء إذ تاء التأنيث لا تسمى هاء إلا اعتبارا بمآلها في الوقف فما كان منها لا يُبدَل هاء فلا يقال فيه هاء التأنيث فتاء بنت وأخت قد يعبر عنها بتاء التأنيث ولا يعبر عنها بالهاء لأنها لا تبدل هاء وكذلك تاء جمع المؤنث السالم نحو هندات يعبر عنها بتاء التأنيث لا بها التأنيث فخرجت إذًا هاتان التاءان عن حكم الاستثناء ودخلت في المحرَّك الذي ليس بهاء تأنيث فيجوز إذًا في أخت وبنت وهندات الروم والإشمام وغيرُ ذلك مما توفرت فيه شروطه ولا يقتصر بها على السكون فقط كما يكون ذلك في هاء [38]

التأنيث نحو طلحة وحمزة.
ثم عبر عنها بعد هذا بالتاء لا بالهاء في قوله «فِي الْوَقْفِ تَا تَأْنِيثِ الِاسْمِ هَا جُعِلْ» لأن قصده هناك الإتيان بجنس التاء وما يبدل منها الهاء في الوقف وما لا، فتمكن هنالك ذكر التاء؛ إذ لم يقصد إلا ما هو أعمّ من الهاء.
وأيضا فإنه لو قال هناك «فِي الْوَقْفِ ها تَأْنِيثِ الِاسْمِ هَا جُعِلْ» لم يكن فيه بيان؛ إذ لا تسمى هاء إلا بعد ثبوت إبدالها هاء وذلك بعد لم يتم بل هو آخذ في التعريف به فلا يمكن إلا أن يذكر أصلها من التاء حتى يذكر إبدال ما يبدل منها

وههنا مسألة هي مقدمة لما يذكره من الأوجه وذلك أنه قال «وَغَيْرَ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ» وهذه العبارة تؤذن بعموم الحكم في كل محرك؛ إذ قوته قوة أن لو قال: وكل محرك سوى الهاء فحكمه كذا.
وإذا كان كذلك دخل له فيها كل ما تحرك آخره سواء أكان اسما أم فعلا أم حرفا وسواء أكان معربا أم مبنيا كل ذلك يدخله التغير بما دون السكون من هذه الأنواع التي من الروم والإشمام والتضعيف والنقل أو ما توفرت فيه شروطه منها فكل مبني على الضم نحو (يا زيد) و (يا حكمُ) وقبلُ وبعدُ ومنذ وحيث أو على الفتح نحو أين وكيف وقام وقعد وخمسةَ عشرَ وليتَ وسوفَ وإنَّ وأنَّ [39]

ولات، أو على الكسر نحو أمس وجبر ويومئذ وكذلك ضربتُ وضربتَ وضربتِ وضربكَ وضربكِ وأنتَ وأنتِ وضربه ويضربه وضربتم وضربتنّ وضربكم وضربهم وأنتم وأنتنّ وكذلك منه وعنه وإليه ولديه وما أشبه هذه كله فداخل تحت ما ذكر وهذا مما يجب أن يحقق النظر فيه فقل من يتكلم من النحويين على هذه التفاصيل كلها وإنما لهم في إجازة هذه الأشياء إطلاقات لا تُوفِي بالمقصود فأما القراءُ فأجازوا ما لهم أن يجيزوا من الروم والإشمام في كل متحرك ما عدا أربعة أشياء أو خمسةً

أحدها هاء التأنيث وهي التي استثنى الناظم

والثاني ميم الجميع في المضمرات نحو لهمُ ولكمُ وعليهمُ وعليكمُ وذلك عند من يصلها في الوصل بالواو أو بالياء فلا يجوز هنا روم ولا إشمام ولا غيره لأن الميم إنما تستعمل عند حذفِ الصلة ساكنة فصارت في الحكم كالهاء التي للتأنيث لا يصح فيها إشارة لمحركة؛ إذ ليست من الحركات في شيء إلا مع الصلة وهي قد زالت هذا على الاستعمال المشهور وأما من لغته من العرب التحريك في الوصل مع حذف الصلة وقد قُرئ بذلك - حكاها ابن مجاهد - فإنّ الرومَ والإشمام وغيرَ ذلك يجوزُ [40]

فيها إذ صارت كهاء الإضمار نحو منه وعنه وعليه يجوز ذلك فيها من حيث جاز فيها التحريك مع حذف الصلة أما في اللغة المشهورة فلا بد من السكون هذا هو المشهور المعمولُ به عنده وأصله لسيبويه إذ نص على أن ميم الجميع إذا حذفت بعدها الواو والياء سكنت وبين أن وجه الحذف الاستثقال باجتماع الضمتين مع الواو في نحو عليكمو مال أو الكسرتين مع الياء في نحو بهمي داء وقرر هذا المعنى ثم قال «وأسكنوا الميم لأنهم لما حذفوا الياء والواو كرهوا أن يدعوا بعدها شيئا منهما إذ كانتا تحذفان استثقالا فصارت الضمة بعدها نحو الواو ولو فعلوا ذلك لاجتمع في كلامهم أربع متحركات ليس معهن ساكن نحو رسلكم وهو يكرهون هذا؛ ألا ترى أنهم ليس من كلامهم اسمٌ على أربعة أحرف متحرك كله» قال «فأما الهاء فحركت في الباب الأول لأنه لا يلتقي ساكنان» يعني أن الهاء لا تسكن كما تسكن الميم في رسلهم ونحوه لأن الميم لا يكون ما قبلها إلا متحركا فإذا سكناها لم يلتق ساكنان بخلاف الهاء فإن ما قبلها قد يكون ساكنا فيلتقي الساكنان [41]

وخالف في هذه المسألة مكيٌّ فأجاز الروم والإشمام في ميم الجميع وزعم أن ذلك مما أغفل القراء الكلام عليها وأن الذي يجب فيها على قياس شرطهم جواز الإشارة قال «لأنهم يقولون لا فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء في جواز الروك والإشمام» ثم قال «فالذي يروم ويشم حركم الميم على النص غير مفارق له والذي لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا فيجب الرجوع إليه إذا صح» قال «وليس ذلك بموجود» ثم قال «ويقوي جواز ذلك فيها نصُّهم على هاء الكتاب فيما ذكرنا بالروم والإشمام فهي مثل الهاء لأنها تُوصَل بحرفٍ بعد حركتها كما تُوصَل الهاء ويحذف ذلك الحرف في الوقف كما يحذف مع الهاء فهي مثلها في هذا» ثم بسط ذلك بسطًا كافيا في كتابه التبصرة ثم قال «فأما من حركها لالتقاء الساكنين فالوقف بالسكون لا غير»

قال أبو جعفر بن الباذش: قال لي أبي رضي الله عنه بل مجيز الروم والإشمام في ميم الجميع هو المفارق للنص لأنّ سيبويه نصّ على أن ميم الجميع إذا حذفت بعدها الواو والياء سكنت ثم أتى بنص الكتاب المتقدم ثم قال: فجمع سيبويه بهذا الكلام حكم الميم وهاء الكناية [42]

وانبنى على ذلك جواز الروم والإشمام في الهاء وامتناعُه في الميم؛ ألا ترى أن من حذف الياء والواو في الوصل سكن الميم أبدًا فإنما يكون الوقف لجميعهم على الحد الذي استعمله بعضهم في الوصل

هذا ما قيل المسألة وظاهر إطلاق الناظم أنه في هذه المسألة على مذهب مكي؛ إذ لم يستثن ميم الجميع كما استثنى هاء التأنيث وبعيدٌ غاية البعد أن يترك مذهب الكتاب وظاهر كلام سيبويه ويتبع مكيا في رأيه فهذا فيه ما ترى

والثالث من المستثنيات: الآخر المتحرك بحركة عارضة كالمتحرك لالتقاء الساكنين نحو ﴿قُلِ الحقُّ﴾ و ﴿ابتغَوا الفتنة﴾ وقالت العرب عَلَتِ الأصواتُ وما أشبه ذلك وكذلك إذ نُقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها من كلمة أخرى نحو لوَ انك فعلت فمثل هذا لا يجوز فيه الإسكان كما كان قبل عروض الحركة لأن أواخرها ساكنة، وإنما حركت لعارض في الوصل زائلٍ في الوقف فلا يصح فيها روم ولا إشمام ولا غيرهما اللهم إلا أن تكون الحركة العارضة كاللازمة بالحكم فإنّ حكمها حكم اللازمة يجوز فيها ما يجوز فيها وذلك نحو: ملْءٍ ودِفْءٍ والخبْءِ والوَطْءِ [43]

إذا وقفت على مذهب من يسهل الهمزة من العرب فإنك تشم هنا أو تروم أو تضعف إن شئت من حيث صار ما قبل الهمزة بعد حذفها هو حرفَ الإعراب وحرفُ الإعراب على الجملة لازم للحركة فلا بد أن يحكم له هنا بحكم حرف الإعراب الأصلي وأيضا فإن سكون لام مِلْءٍ وفاء دِفْءٍ بعد التسهيل إنما هو وارد على الحركة المنقولة فالسكون للوقف هو العارض بالنسبة إلى الحركة المنقولة في الوصل أو في تقدير الوصل وهذا بخلاف قولك مثلا (قيد إبلك) لأن الهمزة هنا لازمةٌ لكونها في كلمة فالحركة إذًا لازمة وهي في (قيد إبلك) غير لازمة فالحركة فيه غير لازمة وعلى هذا الأصل يتوجه الخلاف في (يومئذ) و (حينئذ) فذهب مكي إلى أنه لا يتجاوز بها السكون قال «لأنّ التنوين الذي من أجله تحرك الذال يسقط في الوقف فترجع الذالُ إلى أصلها وهو السكون فهو بمنزلة ﴿لم يكن الذين﴾ وشبهه» وقال «وليس هذا مثل غواشٍ وجوارٍ وإن كان التنوين في جميعه دخل عوضا من محذوف لأن التنوين دخل في هذا على متحرك فالحركة أصلية والوقف عليه بالروم حسن والتنوين في (يومئذ) و (حينئذ) دخل على ساكن فكُسِرَ لالتقاء الساكنين وصار التنوين في الوصل تابعا للكسرة فتقف على الأصل» [44]

جارٍ التحميل