قال المؤلف في ((الشرح 1)): وهذا عندي تكلُّف.
قال: وإنما ذَكر سيبويه هذا البيت شاهدا على أن (فاعلا) قد يعُدل به إلى (فَعِيلٍ) و (فَعِلٍ) على سبيل المبالغة، كما يُعْدل به إلى (فَعَّالٍ) و (فَعُولٍ) و (مفعْالٍ) فذكر البيت لاشتماله على ((كَلِيلٍ)) 2 المعدول عن (كَال) وعَمِلٍ المعدول عن (عامِلٍ) ولم يَتَعرَّض للإعمال.
قال (1): وإنما يُحتج له في ثبوت إعمال (فَعِيلٍ) بقول العرب: ((إن الله سَميعٌ دعاءَ مَنْ دَعاه)) رَواه الثقات.
وأنشد محتجاً قولَ الشاعر 3:
فَتَاتَانِ أَمَّا مِنْهُما فَشَبِيهَةٌ
هِلاَلاً وأُخْرىَ مِنْهُمَا تُشْبِهُ الْبَدْرَا
وقد ذهب بعضهم غلى أن سيبويه لم يَأْتِ بالشاهد إلا على إمكان أن يكون من الباب، وإنَّما الدليلُ على إعمال (فَعِيلٍ) كونُه أتى للمبالغة بمنزلة (فَعُولٍ) و (فَعَّالٍ) فَلْيكن مثلَه في العمل، كما كان مثلَه في المعنى.
والخامسة: أن إتيانه بالأمثلة الخمسة دون زائدٍ دليلٌ على أن هذا العمل مُقْصَرٌ به عليها، فلا يُلحق غيرهُا بها.
وهذا رأي الجماعة، وزارد بعض النحويين فيها (فِعِّيلاً) فقال: أقول: هذا شِرِّيبٌ العسلَ، لأن (فِعِّيلاً)، للمبالغة كشَرَّاب، فكما عمل (فَعَّال) باتفاق فَلْيَعمل (فِعِّيلٌ) كذلك.
وما / قاله مخالف لما اتفق عليه الأولون.
وهذا كافٍ في رَدِّه.
453
وأيضاً فإن تلك الأمثلة لم يُقَلْ بها إلا بعد السماع، تحقيقاً ويقيناً أو ظَناً، ولم نَسمع في إعمال (فِعِّيل) شيئا، فدل على أن العرب لم تستعمل (فِعِّيلا) إلا للمبالغة في الصفة خاصة، والأصل الوقوفُ عندما وَقَفوا حتى يَثْبت أمرٌ آخر فيُقال به.
والسادسة: أن هذه الأمثلة لم يُفَرقِّ بينها وبين اسم الفاعل، فدَلَّ على أنها في الأحكام مثلُه.
ومن جملة أحكامه جوازُ تقديم معموله عليه، فتقول: أنا زيداً ضاربٌ، فكذلك تقول: أنا زيداً ضَرَّابٌ، وكذلك في سائرها.
ومن ذلك قول الراعي 1:
عَلَى الشَّوْقِ إخْوانَ العَزاءِ هَيُوجُ
وقول الآخر 2:
كَرِيمٌ رءُوسَ الدَّارِعينَ ضَروُبُ
وخالف الكوفيون في هذا بناء على ما تقدَّم من مذهبِهم في مَنْع إعمال الأمثلة، وقد تقدم أن الصحيح خلافه، فَيثْبت جوازُ التقديم مالم يَمنع من ذلك مانع.
و ((الْبَدِيلُ)): الُمْبَدل، يقال: بَديل وبَدَل وبِدْل.
ثم ذكر نوعاً آخر مما ليس بجارٍ على الفعل، ولا شبيهٍ به، وهو اسم الفاعل غير المفرد، لأنه تكلم أولاً في المفرد، فقال:
وَمَا سِوَى المُفْرَدِ مِثْلَهُ جُعِلْ
في الحُكْمِ والشُّرُوطِ حَيْثُمَا عَمِلْ
وذلك أنَّ لقائلٍ أن يقول: إن التَّثْنية والجمع من خصائص الأسماء، وذلك يُبطل عمل اسم الفاعل، إذ هو يُقَرِّبه من الأسماء، ويُبعْده من الأفعال كالتَّصْغير.
وأيضاً فإنه يُزيل الصيغةَ الجارية على الفعل في الحركات والسكنات وعدد الحروف.
وإذا كان يَبْعد بذلك عن شَبَه الفعل فينبغي أن يَبْطُل عمله.
فنَبَّه ههنا على أن ذلك لا يُخرجه عن الشَّبَه الحاصل له.
أما التثنية وجمع السلامة فلم يُغَيرِّا لفظاً ولا معنى، وإنما حصل في ذلك معنى عَطْف الأفراد، إذ كان معنى (ضَاربَاتِ): ضَارِبٌ وضارِبٌ.
ومعنى (ضَارِبُونَ): ضارِبٌ وضارِبٌ، إلى آخرها.
وأما التكسير، وإن غَيَّر الصيغة، فلا اعتبار بذلك، لرجوعه إلى معنى العطف، فكان مثلَ عملِ الأمثلة عملَ اسم الفاعل، لأنها راجعة إليه في التحصيل.
والتثنية وجمع السلامة أقرب في الإعمال، لأن الشَّبَه بالفعل باقٍ، ألا ترى أن (ضارِبَاتِ) يُشبه (يَضْرِبَاتِ) و (ضَارِبُونَ) يشبه (يَضْرِبُونَ) فلهذه الأوجه بقى العمل كما كان.
ثم نرجع إلى كلامه، فأخبر في هذين البيتين أن ماعدا المفرد، وهو المثنى والمجموع كيف كان، قد جعلته العرب في الحكم مثلَ المفرد، فحيث لا يعمل المفرد لا يعمل سواه، وحيث عمل مع الشروط فذلك ثابتٌ في غير المفرد بتلك الشروط بعينها.
فإذا كان غيرُ المفرد بالألف واللام عمل بلا شرط، وإذا كان مجرداً منها لم يعمل بمعنى الماضي، وعمل بمعنى الحال والاستقبال بشرط الاعتماد المذكور، فتقول: هؤلاءِ ضُرَّابُ زيدٍ غداً، أو الآنَ، وهؤلاء / ضارِبُون عمراً غداً، وهذان ضارِبَانِ زيداً الآن.... 454
وتقول: هؤلاء ضاربوُ زيدٍ أمسِ، وهذان ضاربَا زيدٍ أمسِ، وما أشبه ذلك.
وتقول: هؤلاء الضُرَّابُ زيداً أو غداً، وهؤلاء الضارِبُونَ عمراً أمسِ أو غداً.
ومن ذلك في جمع التكسير ما حكاه سيبويه من قولهم: هنَّ حَواجُّ بيتَ اللهِ 1.
وقالوا: قُطَّانٌ مكةَ، وسُكَّانٌ البلدَ الحرامَ 2، وانشد لأبي كَبِير الهذلي 3:
مِمَّنْ حَمَلْنَ به وهُنَّ عَوَاقِدٌ
حُبَكَ النِّطاقِ فعَاشَ غيرَ مُهَبَّلِ
وأنشد للعجاج 4:
أَو الِفاً مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الْحِمَ
ومن إعماله في جمع التصحيح قول الله تعالى:
﴿والْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ والْحَافِظَاتِ والَّذاكرينَ اللهَ كَثيراً والَّذاكرات 1﴾. وقال الله تعالى: ﴿ولا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ 2﴾. وقال القُطَامي 3:
والضَّارِبُونَ عُمَيراً عَنْ بُيُوتِهمِ
بِالتَّلِّ يومَ عُمَيْرٌ ضَارِبٌ عَادِي
وأنشد سيبويه لابن مُقْبل 4:
يَا عَيْنُ حُنَيْفاً رأسَ حَيِّهِمِ
الْكاَسرينَ القَنَا في عَوْرَة الدُّبُرِ
وهذا كله ظاهر.
والتَّثْنية بتلك المنزلة، وكذلك جمع المؤنث السالم.
وإطلاقه هنا يتناول ما كان غير مفرد من اسم الفاعل، وهو الذي مُثِّل به، وما كان كذلك من ((الأمثلة)) فإنك تقول: هؤلاء ضُرَّابٌ زيداً، وهؤلاء مَنَاحيرُ
بَوائِكَها، وما أشبه ذلك.
ومنه ما أنشده.
سيبويه للكميت 1:
شُمٍّ مَهَاوِينَ أبْدانَ الجَزُورِ مَخَا
مِيصِ العَشِيَّاتِ لا خُورٍ ولا قَزَمِ
وأنشد أيضا لطرفة بن العِبِد 2:
ثُمَّ زَادُوا أنَّهْم في قَوْمِهمْ
غُفُرٌ ذَنْبَهُمُ غيرُ فخُر
والتثنية وجمع السالم في ذلك أَبْيَنُ
وقوله: حَيْثُما عَمِلَ)) جملة شرطية حُذف جوابها لدلالة ما تقدم عليه.
و((في الحكم)) متعلق بـ ((مِثْلَهُ)) أي مُماثِلاً في الحكم والشروط.
ثم قال:
وَانْصِبْ بِذِي الأعْمالِ تِلْواً واخْفِضِ
وهُوَ لنَصْبِ ما سِوَاه مُقْتَضِي
يعني أن اسم الفاعل ذا الإعمال، أي الذي أُعمل عملَ فعلِه، وهو المشروط بالشروط المتقدمة، أو الذي فيه الألف واللام- إذا وَلشيه معمولُه جاز فيه وجهان:
أحدهما النصب، وهو الأصل، فتقول: زيدٌ ضاربٌ عمراً، وآكلٌ الخبزَ غداً.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ 1﴾ - ﴿إنَّ اللهَ بالِغٌ أَمْرَهُ 2﴾. وجميع ما تقدَّم التمثيلُ به.
والثاني الجرُّ، وذلك بمقتضى كون اسم الفاعل اسماً يصلح أن يُضاف كعَبْدِ الله، وامرىِء القَيْس، فتقول: زيدٌ ضاربُ عمروٍ غداً.
ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ 3﴾ - ﴿إنَّا مُرْسِلُوا النَّاقِةِ فِتْنَةً لَهُمْ 4﴾ - ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ 5﴾ - ﴿ولَوْ تَرَى إذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ 6﴾ - ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ 7﴾ وهو كثير.
وذلك انهم أرادوا التخفيف بحذف التنوين، فانْجرَّ المفعولُ لذلك، واستخفُّوا ذلك إذ كانت الإضافة لا تَنْقُص شيئاً من المعنى، لأن معنى النصب باقٍ، ولذلك لم تُؤَثِّر الإضافة تعريفا، من حيث كان القَصْد بها تخفيفَ اللفظ
فقط.
وقالوا: هذا رجلٌ ضاربُ عمروٍ، فوصفوا بها النكرة.
وفي القرآن المجيد ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا 1﴾ - ﴿هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ 2﴾ وهو ظاهر فيما ليس فيه ألف ولام.
/ وأما ما هما فيه فالخفض إنما يجوز في تاليه إذا كان بالألف واللام أو مضافاً إلى ما 455 هو فيه.
وقد تقدم ذلك في بابه، فلم يَحْتَج إلى التَّقْييد هنا، فتقول: مررت بالرجلِ الضاربِ الغلامَ، بالنصب، والضاربِ الغلامِ، بالخفض، وما أشبه ذلك.
وإنما قال: ((بِذِي الأعْمَالِ)) ولم يقل: باسم الفاعل ذي الإعمال، لِيَعُمَّ بذلك اسمَ الفاعل وأمثلَة المبالغة، فإنك تقول: هذا ضَرَّابٌ زيداً، وضَرَّابُ زيدٍ، وهذا [ضَرُوبٌ زيداً، وهذا 3] ضروبٌ رءوسَ الدَّارِعِين، وضروبُ رءوسِ الدارعين.
وأيضاً، فإن قوله: ((بِذِي الأعْمَالِ)) تحرُّزٌ من اسم الفاعل الذي لا يَعمل، وهو ما تخلَّف عنه شرط من تلك الشروط المذكورة، كالذي بمعنى الماضي، فإن فيما يليه وجهاً واحداً، وهو الخفض بالإضافة، إذ ليس المعنى معنى النصب، ولا القَصْدُ بالإضافة التخفيف، وإنما القصد بها التعريفُ أو التخصيص، فتقول: مررت بزيدٍ ضارب عمروٍ أمسِ، ولا تقول: مررتُ برجلٍ ضاربِ زيدٍ أمسِ، لأن ما يليه ليس بمعمولٍ له.
وقوله: ((تِلْواً)) شرطٌ في خفض معموله، وهو أن يكون والياً له، لأن من شروط الإضافة أن يكون المضاف إليه والياً للمضاف، حتى يحل محلَّ تنوينه، فإن كان بينهما فاصلٌ فالنصب، نحو: هذا ضاربٌ أبوه زيداً، ومررتُ برجلٍ ضاربٍ أبوه زيداً، ولا تقول: ضاربٌ أبوه زيدٍ، بل النصب هو اللازم، وهو الذي أراد بقوله: ((وهو لِنَصْبِ ما سِوَاهُ مُقْتَضٍ)) يعني أن ما سوى التالي لاسم الفاعل من المعمولات حكمُه النصب، فلا يَقْتَضي اسمُ الفاعل فيه جَرَّا، لأجل الفاصل، فتقول: هذا مُعْطٍ زيداً درهماً غداً، وهذا مُعْطِي زيدٍ درهماً غداً، وهذا ظانٌ زيدٍ شاخصاً غداً، وهذا ظانٌ زيداً شاخصاً غداً.
وفي قوله: ((وهو لِنَصْبِ ما سِوَاهُ مُقْتَضٍ)) أنَّ ما سوى التالي لاسم الفاعل منصوبٌ إذا كان عاملا، وأنه لا يجوز فيه غير ذلك.
وهذا ظاهر إذا قلت: هذا مُعطِي زيدٍ درهماً، وهذا ظانٌ زيدٍ شاخصاً، وهذا مُعْلِمُ زيدٍ عمراً أخاك غداً أو الآن.
فالحاصل أن ما يليه فيه وجهان، النصبُ به والجر، وما سواه فيه النصبُ به خاصة، بشرط كَوْن اسم الفاعل عاملا.
ومفهومه أنه إذا لم يكن عاملا، وذلك عند تخلف شرط العمل، فلا يجوز فيما يليه الوجهان، إذ لا يَنصب مفعولا، ولا فيما عداه النصبُ به لذلك السبب، إذْ فَرضناه غيرَ عامل.
فإذا قلت: هذا مُعطي زيدٍ درهماً أمسِ- فـ (زيد) ليس فيه إلا الجُّر بالإضافة، وأما ((درهماً)) فلا ينتصب باسم الفاعل، بل يقدَّر له ناصب، كأنه في تقدير: أعطاه درهماً.
وكذلك قولك: هذان ظَانٌ زيدٍ شاخصاً أمسِ، وما كان مثل ذلك.
وهذا أحد
المذاهب الأربعة في المسألة.
والثاني: مذهب الكسائي، أنه يعمل بمعنى الماضي مطلقا كما تقدم.
والثالث: مذهب السِّيرافي أنه منصوب بهذا الظاهر 1، لتعذر إضافته إليه، لأن المضاف إليه كالتنوين، فصار كَراقٌودٍ خَلاَّ، مع ما/ فيه من معنى الفعل.... 456
والرابع: الفَرقْ، فإن كان ما انْتَصب بعد المضاف إليه من باب ((ظَنَنْتُ)) كان اسمُ الفاعل هو العاملَ فيه، كما قال السِّيرافي.
وإن كان من باب ((أَعْطَى)) أو ((أَمَرَ)) كان منصوباً بإضمار فعل يدل عليه اسم الفاعل.
والأظهرُ مذهبُ الناظم، لأنه إذا ثبت انه بمعنى الماضي لا يعمل إذا كان متعدِّياً إلى واحد في المعنى، كضاربٍ وآكلٍ، فكذلك يجب أن يكون إذا طَلَب بمعناه أكثرَ من مفعول واحد.
وفي المسألة قولٌ خامس، أن ((شاخِصاً)) على إضمار فعل، ومعمولاَ ((ظَانٍّ)) مُقَدَّران محذوفان اختصارا، و ((زَيْد)) محلٌّ للظن.
والتقدير: هذا ظانٌ في زيدٍ لأن سيبويه قال: تقول: ظَنَنْتُ به، أي جعلتُه موضعَ ظَنِّي 2، وهو قول يُعْزَي للشَّلَوْبِين.
ثمَّ على الناظم دَرَكٌ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قال: ((وانْصِبْ بذِي الإعْمَالِ تِلْواً واخْفِضِ)) وهذا الإعمال إما أن يكون إعمالاً في المفعول خاصَّةً، أو ما هو أعمُّ من ذلك.
فإن أراد الأولَ اقْتَضى أن هذا الحكم لا يكون في الظرف، وهم يُنشدون قوله 1:
طَبَّاخِ ساعاتِ الْكرَىَ زادَ الكَسِلْ
بنصب ((زادَ)) وخَفْضِه، فالنصب على أن ((طَبَّاخ)) مضاف إلى ((السَّاعات)) فالكسرةُ فيها علامةُ خفض، والخفض على الإضافة إلى ((طَبَّاخ)) و ((الساعات)) منصوبةٌ بالكسرة، وكلاهما جائز على رأيه ورأي غيره.
وإن أراد الإعمال مطلقاً لزمه، بحكم الإطلاق، أن يُجيز ذلك في الحال والفاعل وغيرهما من المعمولات، وذلك فاسد، إذْ لا يقال في: هذا [ضاربٌ قاعداً زيداً: هذا 2] ضاربُ قاعدٍ زيداً، ولا يقال في (هذا ضاربٌ أبوه زيداً): هذا ضاربُ أبيه زيداً، ولا هذا ضاربٌ اباه زيداً.
وإذا ثبت هذا فإطلاقُه إجازةَ الجرِّ والنصب في التالي، ولم يُقيِّده بكونه مفعولاً به، غيرُ صواب.
والثاني: أن هذا الكلام يقتضي أن ما يلي اسم الفاعل يجوز فيه الوجهان، وهذا صحيح على ما تقدم فيه.
ويَقتضي أن ما بعد التالي لا يكون إلا
منصوبا، وهذا ليس بصحيح بأمرين:
أحدهما: أن ما سوى التالي قد يكون فاعلاً فيجب رفعه، نحو: هذا ضاربٌ زيداً أبوه، ومررتُ برجلٍ مُكْرِمٍ عمراً أخوه، وهو قد قال: إنه لِنَصْب ما سوى التَّالي مُقْتَضٍ، وذلك غير صادق.
الآخر: أنه قَرَّر في ((باب الإضافة 1)) جوازَ الفصل بين المضافُ والمضاف إليه بالمفعول في ((اسم الفاعل)) إذا قلت: هذا مُعْطِي درهماً زيدٍ، كما قُرِئ- ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ 2﴾ وقد تقدم ذلك، فلا يستقيم إطلاق القول بأنه مقتضٍ لنصب ما سواه.
والثالث: أن التزامه لانتصاب ما سوى التالي بفعلٍ مضْمرٍ يقتضي أن يكون مطلوبُ اسم الفاعل محذوفا، وإذا كان كذلك فاسم الفاعل من باب ((أَعْطَى)) لا يلزم فيه محظور.
فإذا قلت: هذا مُعْطِي زيدٍ أمسِ درهماً، فجعلت ((درهماً)) مفعولاً لفعل مُضْمر صَحَّ ذلك، سواءٌ أقَدَّرت حذفَ مفعولِ اسم الفاعل اختصاراً أم اقتصارا 3.
/ وأما في باب ((ظَنَّ))، فمذهبه فيه مشكل جدا، فإنك إذا قلت: هذا ظَانُّ زيدٍ... 457 شاخصاً أمسِ- لا يخلو أن يكون العامل في ((شاخصاً)) ((ظانُ)) أو غيرَه.
فإن كان هو العامَل فقد أعملتهَ بمعنى الماضي، وهو مناقض لما الْتَزم.
وإن أضمرت فعلاً فإمَّا أن يكون مفعولُ ((ظانٍّ)) قد حُف اختصاراً أو اقتصارا.
فإن كان حَذْفُه اقتصاراً فممنوعٌ لما تقدَّم في بابه، وإن كان اختصاراً فهو في حكم المُثْبَت، فما العامل فيه؟
فإن قيل: ((ظَانٌّ)) أعملَه بمعنى الماضي.
وإن قيل: فعلٌ مضمر رجع السؤال إلى حذف مفعول ((ظَانٍّ)) ويَتَسَلْسل إلى غير نهاية 1.
هذا تقرير الشَّلَوبين حسبما حكاه لنا شيخنا الأستاذ أو عبدالله بن الفخار رحمة الله عليه، عن شيخه أبي إسحاق الغافقي، عن شيخه ابن أبي الربيع، عن شيخه الشَّلَوْبين 2. وأصله لابن جِنِّي في ((كتاب القَدِّ 3)) وأنه قال للفارسي: إن قلت: إنَّ ((شاخصاً)) منصوب بـ ((ظَانٍّ)) فقد أعملتَه بمعنى الماضي، وإن كان منصوباً بفعل مضمر فقد اقْتَصرت.
قال: فسكت الفارسي، وعَدَّ ذلك منه ابنُ جني انقطاعاً.
وهو لازمٌ لكل من قال في المسألة بقول الناظم، وهو الذي التَزم الفارسي، فألزمه ابنُ جِنِّي ما رأيتَ.
والجواب عن الأول أن المراد هنا الإعمال في المفعول به خاصة.
أما الفاعل فقد تبين في ((باب الفاعل)) حكمهُ وتبين في ((باب الإضافة)) امتناعُ إضافة الشيء إلى نفسه.
فإذاً الفاعلُ هنا إذا كان تاليا لاسم الفاعل لا يجوز في النصبُ، لأنه فاعل، ولا الخفضُ، إذ لا يضاف اسم الفاعل إلى مرفوعه، للزوم إضافة الشيءِ إلى نفسه.
فقوله: ((وانْصِبْ بذِي الاعْمَالِ)) إلى آخره، يُخْرج الفاعل عن ذلك.
وكذلك قوله: ((وهُوَ لِنَصْبِ ما سَواهُ مُقْتَضٍ)) لأن الفاعل لا يُنصب، ولا يَقَتضي فيه اسمُ الفاعل نصبا.
وأما الظرف والحال فلا اعتبار بهما هنا، إذ لا يظهر بالعمل فيهما صحةُ العمل مطلقا، لأن الظرف يَعمل فيه رائحةُ الفعل، فإن نُصب على المفعول به اتساعاً جاز فيه ما جاز في المفعول، ودَخل في ضمن كلامه، وإذا كان كذلك ارتفع الإشكال.
وعن الثاني أن كلامه مُقَيَّد بكلامه، وذلك بأن يكون هنا إنما تكلم على حكم الأصل في المسألة، وتكلم في ((الإضافة)) على ما يَعْرِض من الفصل، أو نقول: إن قوله: ((وانْصِبْ بذِي الإعمالِ تَلْوً)) يريد به التالي بإطلاق، كان ذلك لفظاً أو تقديراً، فاللفظ كقولك: مُعْطِي زيدٍ درهماً، والتقدير كقولك: مُعْطِي درهماً زيدٍ، لأن أصله: مُعْطِي زيدٍ درهماً، ولذلك جعله في ((باب الإضافة)) فَصْلاً، فـ ((درهماً)) وإن تلا ((مُعْطِياً)) في اللفظ غيرُ تالٍ في التقدير، و ((زيد)) وإن كانت في اللفظ غير تالٍ هو في التقدير تالٍ، فنجري في كل واحدة من المسألتين حكمُها، على ما نَصَّ عليه.
وكذلك القول في الظرف المتَّسَع فيه.
وقد تقدم الكلام في / الفاعل.... 458
وعن الثالث أن ما التزمه ابنُ جني غيرُ لازم لأمرين:
أحدهما: أن مسألة (هذا ظَانُّ زيدٍ شاخصاً أمس) لا نسلِّم ثبوتها من كلام العرب.
وهو جواب ابن أبي الربيع، لكنه قال 1: إن ثَبت أنه من
كلام العرب كان الوجهُ مذهبَ من فَصَّل، وهو المذهب الرابع هنا، على أن أبا القاسم بن الصفَّار 1. قال: سألت ابنَ عصفور: هل ورد من كلام العرب (هذا ظَانُّ زيدٍ منطلقً)؟ يعني في معنى الماضي، فقال لي: وردَ من ذلك قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً﴾ الآية 2. قال: فقلت له: ((جَاعِلُ)) في ذلك بمعنى: خالق، و ((سَكَناً)) حال، فقال لي: إن الله تعالى لم يخلقه في حال أنه سَكَن.
قال: فقلت له: تكون الحال تقديريَّة، فقال: إن ذلك يؤدي إلى وصف الله تعالى بما لم يَصِفْ به نفسه، وهو وصفه بمقدَّر قال: فقلت له: قد حصل وصفُه بذلك بقوله: ((سَكَناً)) فقال لي: إن الله خلقه غيرَ سَكَن، ثم جعله سَكَناً بعد ذلك.
ههنا وقف الكلام بينهما.
وقد أجيب بأن لابن الصفار أن يقول حين أورد عليه وصفَ الله بمقدَّر: قد قال سيبويه 3: خلق اللهُ الزرافةَ يَدَيْهَا أطول من رِجْلَيْها.
والزرافُة لم تَنْتقل بعد وجودها عن حالها، ومفاده: أن الله تعالى قَدَّر خلقها كذلك، فخلقها على نلك الصورة.
والظاهر أن الآية ليست من هذا القبيل، فلا يقوم بها حجة على ثبوت المسألة.
والثاني: أن نُسَلَّم ورودَها سماعاً، ولا يلزم محظر، لأن ((ظاناً)) ههنا قد قال الناظم: إنه لا يَعمل، وإذا لم يَعمل فليس بمتوجَّه على ((الجملة)) كالفعل،
وإنما هو اسمُ مضافُ إلى اسم، كإضافة ((صاحب)) والإضافة فيه إضافةُ تَخْصيص، فرُوِعي فيه جانبُ الاسمية خاصة، كما روُي في ((صاحب)) وإذا كان ذلك قد يراعَى في الذي بمعنى الحال والاستقبال، فلا يَطلب معمولا- فأَخْرىَ في هذا.
ولما قال: (هذا ظَانُّ) زيدٍ) أراد أن يُعْلِم فيما أَوقع ((الظنَّ)) فقال: قائماً، أي: ظَنَّهُ قائماً، لأنه يدل على الفعل، كما يدل عليه (ضاربُ زيدٍ أمٍ وعَمْراً) فإذاً ليس (ظانٌ) مفعول يقع بسببه إشكال.
وهذا جواب الشَّلَوْبين، وهو أحسن ما يُقال في الموضع.
ويُوَجَّه سكوتُ الفارسي عن جواب ابن جِنَّي بأحد الوجهين، لأن ابن جِنَّي كأنَّه فَرض مسأله على غير وجهها، فلم يَستحق الجوابَ عنها، لا أنه سَكت منقطعاً عن الجواب.
والله أعلم.
وَاجَرُرْ أَوِ انْصِبْ تَابِعَ الذَّي انْخَفَضْ
كمُبْتَغِي جاهٍ ومَالاً مَنْ نَهَضْ
هذا من تمام الحكم المذكور قبل هذا، لأنه ذكر لِتَالِي ذي الإعمال الجَّر والنصب، فإذا كانا منصوباً فتابعه مثلُه منصوب بلا إشكال ولا نظر، فتقول: هذا ضاربُ زيداً وعِمْراً، ولا تقول: هذا/ ضاربُ زيداً وعَمْروٍ، لأن اللفظ منصوب، والموضعُ موضعُ نصب، فلا وجه لخفض 459 التابع، فلذلك لم يَنُصَّ هنا على هذا الحكم، إذ لا زائدَ فيه على ما يذَكره في ((باب التَّوابع)).
وقد تقدَّم أن عادته وعادةَ غيره أنهم إنما يَذكرون في تفاريق الأبواب من أحكام التوابع ما لا يدَخل لهم تحت قانونها المذكورِ في بابها.
ولْنَرْجع إلى ما كُنَّا فيه.
وأما إذا كان التالي لذي الإعمال مجروراً فذكر الناظم أن لم في تابعه وجهين: أحدهما: النصبُ على اعتبار الموضع.
والآخر: الجرُّ على اعتبار اللفظ، وذلك قوله: ((وَاجْررْ أوِ انْصِبْ تَابِعَ الَّذيِ انْخَفضْ)).
فتقول على اعتبار اللفظ هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ، وهو الوجهُ، ولذلك قَدَّمه، لأنه من التَّبَعيه بغير تأويل.
وتقول على اعتبار الموضع: هذا ضاربُ زيدٍ وعَمْراً، لأن الموضع للنصب، وإنما الجرُّ تخفيفُ بحذف التنوين، ومن ذلك تمثيلهُ بقوله: ((مُبْتَغِي جاهٍ ومالاً مَنْ نَهَضَ)) كأنه قال: الناهض مُبْتَغ جاهاً ومالاً، وأنشد سيبويه من ذلك القولَ رجل من قَيْس عَيْلان 1:
بينَا نَحْنُ نَرْقُبُه أتَانَا
مُعَلّقَ وَفْضةٍ وزِنادً راعي
وأنشد أيضا، وقال: زعم عيسى أنهمُ ينشدون هذا البيت 2:
هَلْ أنتَ باعثُ دِينَارٍ لحاجَتِنَا
أو عَبْدَ رَبٍ أخَا عَوْنِ ابنِ مِخْراَقِ
وقد ظَهر منه بهذا التَّقرير أن النصب هنا ليس على إضمار الفعل، وإنما هو على التَّبعَية، وهو مخالف لظاهر سيبويه، إذ جعله على إضمار الفعل، كأنه قال: هذا ضاربُ زيدٍ ويضربُ عمراً، أو وضاربُ عمراً، ولم يعرَّج على العطف على الموضع 1.
ونَصَّ الفارسيُّ على أن النصب بالعطف على الموضع، فظاهرُ هذا اختلافُ من القول، ولكن ابن أبي الربيع قال 2: كلا الوجهين جائزٌ عند سيبويه وأبي عَلِيً، إلا أن الذي يَظهر من سيبويه أنه يختار الإضمار، لأنه لم ي ذكر في هذا الموضع غيرَه، ويظهر من أبي عَلِيًّ أن الأحسن عنده العطفُ على الموضع.
قال: ويقتضي كلامهما جوازَ الوجهين.
فإن كان كما قال ابن أبي الربيع فالخلاف بينهما في الاختيار، وإلاَّ فالخلاف بإطلاق.
والأظهر ما ذهب إليه الناظم، لأن تالِي اسم الفاعل إذا اثبت أن له لفظا وموضعا جاز اعتبارُ كل واحد منهما في التَّبعيَة، كما جاز ذلك باتفاق في نحو: ليس زيدُ بجبانٍ ولا بخيلاً، ﴿ومَا لكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُهُ 3﴾ وما كان نحو ذلك.
فالخروج بالمسألة إلى تكلفُّ الإضمار خلافُ القاعدة، فإن الإضمار من غير حاجة إليه تكلفُ ما لا دليل عليه.
والخلاف هنا كالخلاف في العطف على موضع اسم (أنَّ) وقد تقدم الكلام في ذلك.
وجمعُيه نُزوع إلى مذهب البغداديين الذين يُجيزون العطف على التوهم بإطلاق، لكن قد يَقِلُّ في موضع، ويكثُر في موضع.
وهذا الباب مما كَثُر فيه ذلك، أعني اعتبارَ المرادفِ الأصلي، ولذلك وافقهم البصريون عليه الجُمْلة، وإن اختلفوا في التأويل.
ثم هنا مسألتان:
إحداهما: أن هذا الكلام مُخْتَصُّ بما إذا كان اسم / الفاعل عاملاً، لا مطلقاً، لأن 460 الذي لا يَعمل إذا اجَرَّ مجرورُه في موضع نصب، إذ فرضناه غيرَ طالب بنصب، كما أن مجرور (صاحب) ونحوهْ، مما استُعمل استعمال الأسماء ليس في موضع نصب، ولا يُعطف على موضعه نصبُ، وإذا كان كذلك لم يدَخل في كلامه مجرورُ اسم للماضي؛ فإن العرب لا تَعطف على موضع ما لا موضع له، إذ لا تقول: هذا صاحبُ زيدٍ وعمراً، فكذلك ما هو بمنزلته.
فإن جاء ما ظهرُه ذلك فعلى إضمار فعل.
فقد أجاز النحويون: هذا ضاربُ زيدٍ أمس وعمراً، على معنى: ضَربَ عمراً، لا على الموضع.
ومنه قوله تعالى: ﴿وجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً والشَّمْسَ والْقَمَر حُسْبَاناً 1﴾ ولا يكون هذا من الحمل على الموضع إلا على القول بإعمال الذي بمعنى الماضي.
وقد منعه الناظم.
فإن قيل: ما المانع من أن يكون الناظم قصَد بـ ((الذَّيِ انَخَفَضَ)) ما انخفض باسم الفاعل بإطلاق، كان: بمعنى الماضي أو لا، لكن إن كان بمعنى الماضي كان التبع منصوباً على إضمار الفعل، وإلا كان معطوفاً على الموضع، أو على إضمار فِعل كما قال سيبويه 1.
فالجواب أن هذا القصد لا يصح، لأنك إذا فرضتَ التابع منصوبا بإضمار فعلٍ لا بالتَّبعَية فليس بتابعٍ أصلا، وإنما هو من جملة أخرى، وهو إنما قال: ((تَابعَ الَّذي انخَفَضَ)) فخرج هذا، إذ ليس بتابع، وهذا ظاهر.
وقد فَسَّر ابنُ الناظم هذا الموضع بما يَقَتَضي دخول المخفوض باسم الفاعل، كان للماضي أو لا، إلا أن ما خُفِض بالذي للماضي يُتْبع على إضمار الفعل، وما عداه فيه وجهان، إضمار الفعل وعدمُه 2.
فإذا أراد بذلك حقيقة التَّبَعِيَّة فغيرُ صحيح على أصله، مِنْ منْع إعمال تابع الذي للماضي.
والثانية: أن ظاهر كلامه أن هذا الحكم جارٍ في كل تابعٍ من التوابع، ولا يختص بواحد منها، فيجوز إتباعُ النعت على اللفظ، وعلى الموضع، وكذلك عطُف البيان والبدلُ والتوكيدُ، فتقول: هذا ضاربُ زيدٍ العاقلِ، والعاقلَ، وهذا ضاربُ زيدٍ أبى عبدالله وأبا عبدالله.
وكذا سائرها إذا كان اسم الفاعل لغير الماضي، أو كان بالألف واللام.
وأكثرُ ما يَذكر الناسُ هنا العطفُ النَّسقِي خاصة.
ولا شك أن غيره من التوابع جارٍ مجراه، بناءً على ثبوت الموضع هنا، وهو الذي اختاره الناظم كما
تقدم، فلا فرق بين المخفوض باسم الفاعل هنا والمخفوضِ بالمصدر الموصول كما تقدَم.
وقد أجيز هنالك اعتبار الموضوع في التوابع كلها، فكذلك يجب هنا أن يجوز ذلك.
فإن قيل: لعل مراده بالتابع التابعُ، بالعطف، ولم يقَصد غير ذلك، إذ ليس في كلامه ما يَقتضي جميع، بل فيه ما يدل على التابع بالعطف خاصة، وهو التمثيل بقوله: ((كَمُبْتَغيِ جَاهٍ ومَالاً من نَهَضَ))
فالجواب أنه لو أراد العطف وحده لَتبيَّن ذلك بياناً واضحاً، لقال: واجْرُرْ أوِ انْصبِ المعطوفَ، أو نحو هذا.
وأيضا تمثيلُه لا يعيَّن عطفاً دون غيره، لأن لفظ ((التابع)) الظاهرُ عُمومهُ، ووقع/ 461 التمثيُل بواحد منها، كما لو مَثَّل بالنعت أو بالتوكيد فلا يكون في ذلك دليل على الاختصاص.
فإن قيل: ظاهرُه أنه أجاز هنا العطف مطلقاً من غير تقييد، والنحويون قد قَيَّدوا جواز الوجهين بأن يصح وقوعُ المعطوف في موضع المعطوف عليه، فإن لم يصح وقوعهُ في موضعه لم يَجُزْ إلا النصب، وذلك نحو: هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ، فالوجهان هنا سائغان، لأنك تقول: هذا ضاربُ عمروٍ.
وإذا قلت: هذا الضاربُ الرجل وعمروٍ- بالخفض- لم يَجُزْ؛ لأنك لا تقول: هذا الضاربُ عمرٍ، إلا على مذهب الفَرَّاء، وهو مردود عند النحويين.
وفي هذا النظم أيضا ما يدل عليه، فإنه منع في ((باب عطف البيان)) أن تقول: مررت بالضاربِ الرجلِ زيدٍ، على البدل، إذ قال:
ولَيْسَ أنْ يُبْدَلَ باَلمْرضِىَ
ووجهُ ذلك أن البدل في تقدير الوقوع موقعُ المبدَل منه، وهذا بعينه موجود في العطف.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون ملتِزمِاً لرأي الفَراَّء، ولا محظوَر في هذا إذ كان الدليل هو المتَّبعَ.
وقد جعل ل في ((شرح التسهيل 1)) حظاً من القياس، وذلك على أن تقدير الإضافة قبل دخول الألف واللام، إذ كانت الإضافة قبلها ليست للتعريف، والمانعُ من الجمع بين الألف واللام والإضافة إنما هو الجمع بين تَعْرِيَفينْ، وهذا الموضع ليس فيه ذلك، فدخلت الألف واللام لِتُعَرِّف مالم يَتَعَّرف بالإضافة، كما كان ذلك في (الحَسنِ الوجهِ) ولا يَلزم على هذا جوازُ (الحسنِ وجههِ) لأن المضاف والمضاف إليه فيه وفيما كان نحوهَ شيءٌ واحد في المعنى، بخلاف (الضَّاربِ زيدٍ) فإذا كان كذلك لم يَلزم ما أورده السائل.
والوجه الثاني: أن اشتراط صحة وقوعِ المعطوف موقعَ المعطوف عليه ليس مُتَّفقا عليه، فالنحويون في ذلك على فرقتين.
فرقة تَشترط ذلك، منهم المبرد والجُزولي.
وفرقة لا تشترط ذلك، منهم السَّيرافي وابن خروف.
وحُجَّتُهم أنه قد يجوز في المعطوف مالا يجوز في المعطوف عليه، كقولك: كلُّ شاةٍ وسَخْلَتِها 2، وكلُّ رجلٍ وأخيه، ويا زيدُ والحارثُ، ومررت بزيدٍ وعمراً، ونحو ذلك، فقد يكون الناظم جَرَىَ على مذهب من لا يَرى اشتراطَ ذلك.
وهذا الوجه أمثلُ في الجواب من الأول، فإن ابن مالك قد نَصَّ على أن (الضاربُ زيدٍ) ممنوع، وهذا الذي ذهب إليه الفراء.
وذكر ذلك في ((باب الإضافة)) من هذا النظم
فإن قيل: فقد رَدَّ هذا في ((الشرح 1)) بأن حرف العطف قائم مقام العامل في المعطوف عليه، واسم الفاعل ذو الألف واللام لا يجرُّ ((زيداً)) ونحوه، فلا يصح عطفه على المجرور به، قال: ولا حجة في نحو: رُبَّ رجلٍ وأخيه، ولا:
أيُّ فَتَى هَيْجاء أنتَ وجَارِهَا 2
لأنهما في تقديرك وأخٍ له، وجارٍ لها 3، ومثل هذا التقدير لا يصح في مسألتنا، فلا يصح جوازُه.
قيل: هذا لا يطَّرد له في نحو (يا زيدُ والحارثُ).
والظاهر أن للعطف في هذا الاتَّسَاع ما ليس لغيره، فإذا أمكن قَصْدُ الناظم لهذا فلا اعتراض عليه.
والباغي: من: بَغَيتُ الشيءِ، أبْغِيِه.
وأْبَتَغَيْته: طَلَبْتُه.
/ والنَّاهِض: القويُّ العزمِ الذي 462 لا يُخلْدِ إلى الراحة والدَّعة.
وكُلُّ ما قُرَّرَ لاسْمِ فَاعِل
يُعْطِي اسْمَ مَفْعُولٍ بلا تَفَاضُلِ
فَهْوَ كَفِعْلٍ صيِغَ للَمَفْعولِ في
مَعْنَاهُ كالمُعْطَى كَفَافاً يَكْتَفِي
لما كان اسم المفعول غيرَ جارٍ بإطلاقٍ على الفعل المضارع، ولم يَكْمُل شِبِهُه به، وكان حكمه حكمَ اسم الفاعل في هذا الباب، فيما عدا أحكامِ مالم يُسَمَّ فاعله- خاف أن يُتَوهم أنه لا يجَرى مجراه، فنَصَّ على جَرَيانه مَجراه كما فعل في ((أمثلة المبالغة))، وجَمعْ اسم الفاعل.
فيريد أن اسم المفعول حكمه حكمُ اسم الفاعل في جميع ما تقرر لاسم الفاعل من الأحكام، من كَوْنه يعمل عملَ فَعْله بالشروط المذكورة، وهي ألا يكون بمعنى الماضي، وأن يكون مُعْتَمِداً، ولا يُصَغَّر، ولا يوُصف قبل العمل.
هذا إذا كان مجرداً من الألف واللام.
فإن كان بهما عمل من غير اشتراطٍ لمعنى الحال أو الاستقبال.
فتقول: هذا مُعْطى أبوه درهماً الان أو غداً، وأمَكْسُوُّ الزيدانِ ثوباً غدا؟ وهذا المُعْطي درهماً أمس أو غداً.
ومن ذلك قول الشاعر 1:
ونحُنَ تَركْنَا تَغْلِبَ ابَنَةَ وَائلٍ
كَمَضْروبةٍ رجْلاَهُ مُنَقَطِعِ الظَّهْرِ
فهذا البيت مما اعتمد فيه اسم المفعول 2 على موصوفٍ محذوف، أي
كرجَلٍ مضروبةٍ رجلاه.
فإن كان بمعنى الماضي مجرداً من الألف واللام لم يَعمل، فتقول: هذا مُعَطىَ درهمٍ أمسِ، ولا تقول: مُعْطىً درهما.
وكذلك سائر الأحكام، من جواز إضافته لتاليه، وجواز نصبه، وأنَحتاَم نصبِ ما بعد ذلك، ومن تَبَعِيَّة ذلك التالي على اللفظ، وعلى الموضع، ومن إجراء جَمْعه مُجْرى اسم الفاعل.
وجميعُ ما تقدَّم ذكرهُ جارٍ هنا.
وقوله: ((بِلاَ تَفَاضُلٍ)) يعني أنه لا يَفْضُله اسم الفاعل في شيءِ من أحكام هذا الباب، بل يجَري مجراه في كل حكم.
لكن لَمَّا كان في هذا الكلام احتمالٌ يُتَوهَّم منه أن اسم المفعول يَجري في كل شيءِ مَجراه، فيَرفع الفاعل، ويَنصب المفعولاتِ كلَّها، وما كان نحو ذلك، وذلك غير صحيح- حَرَّر ذلك وبَيَّن أن حكمه حكمُ فعله المبنيَّ للمفعول، لا حكمُ المبنيَّ للفاعل، فقال: ((فَهُوَ كَفِعْلٍ صِيغَ للمَفْعُولِ في مَعْنَاهُ))، فهو جارٍ مجرى اسم الفاعل مع مراعاة بنائِه للمفعول، فتقول: هذا مَضْرُوبٌ أبوه غداً، كما تقول: يُضْرَبُ أبوه غداً، ولا تقول: هذا مُعْطى درهماً، كما تقول: هذا يُعْطَى درهماً.
وكذلك سائر الأحكام.
وقوله: ((في مَعْنَاهُ)) يَعني به أن اسم المفعول مثلُ الفعل المبنيَّ للمفعول في معناه، لا في لفظع، فيُعْطَى كلُّ واحدٍ منهما من الأحكام اللفظية ما يَقتضيه، فاجتماعُهما إنما هو في المعنى.
وأما في اللفظ فلكل واحد منهما حكمٌ لفظي يَخْتَص به.
فالفعل لا يُضاف، بخلاف اسم المفعول، فإنه يضاف إلى مفعوله، نحو:
/ هذا مُعْطَى درهمٍ غداً.
فلو لم يَقُل: ((في مَعْنَاهُ)) لأَوهم امتناعَ الإضافة، وكذلك... 463 التنوين، وما كان نحوَهما من الأحكام المختصة بالأسماء، كالتعريف والتثنية والجمع.
وقوله: ((في مَعْنَاهُ)) خبرٌ بعد عبر، أي: فهو في معنى الفعل المَصُوغ للمفعول.
وضمير ((صِيغَ)) عائد على الفعل، لا على ((هو)).
ومَثَّل بقوله: ((المُعْطَى كَفافاً يكْتَفِي)) وهو من اسم المفعول بالألف واللام، فيعمل بمعنى الماضي، وبمعنى الحال والاستقبال.
وهذا كله ظاهر.
والكَفَاف: ما يَكَفي الإنسانَ من غير إسراف.
وحقيقته: ما كَفَّ عن الناس، أي أغنى عنهم وعن الَّلجَأ إليهم.
والمعنى: أن الذي أُعطِي من العيش كَفَافاً يَكتفي بهَ عمَّا في أيدي الناس، ويَستغني به عن الكَدَّ في الزيادة، والحرِص على مالا يزيده إلا تعباً وهًماً.
ثم قال:
وقَدْ يُضَافُ ذَا إلى اسْمٍ مُرَتِفعْ
مَعْنىً كمَحُمودِ المِقَاَصِدِ الوَرعْ
يعني أن هذا المذكور القريبَ المشارَ إليه بـ ((ذا)) وهو اسم المفعول- قد يُخالف اسم الفاعل من بعض الوجوه، فيضاف إلى المرفوع به في المعنى، وذلك أن اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه البتَّةَ، فلا تقول: هذا ضاربُ أبيه زيداً، ولا ما أشبه ذلك لأنه يلزم فيه إضافةُ الشيءِ إلى نفسه، إذ كان مدلول (ضارب) هو (الأب)، وقد مَنع من ذلك في ((باب الإضافة)).
فكان الأصل في اسم المفعول أن يَجْري مَجراه في ألاَّ يُضاف إلى مرفوعه، فلا يقَال: أمضروبُ الأبَويْن زيدٌ؟ ولا: أمضروبٌ أبوَيْه زيدٌ؟ في أمضروبٌ ابواه زيدٌ؟
كما لا تقول: أضاربُ الأبوَيْن، ولا: أضاربُ أبوَيْه زيدٌ؟ في أضاربٌ ابواه زيدٌ؟ لأن فيه إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك ممنوع.
لكن لما كان اسم المفعول إذا تعدَّى إلى واحد يكون سَبَبِيَّاً، فلا يظهر له عمل في شيءِ إلا في السَّبَبِيَّ- أشبه الصفة المشبَّهة باسم الفاعل، فجاز فيه ما جاز فيها، فتقول: زيدُ مضروبُ الأبِ، كما تقول زيدُ كريُم الأبِ.
وكما أن (كريُم الأبِ) قد تحملت الصفةُ فيه ضَميراً عائداً على الأول، فخرج بلك عن إضافة الشيءِ إلى نفسه [لأن الضمير غير الأب- إعتبر مثل ذلك في اسم المفعول، فلم يبق فيه إضافةُ الشيءِ إلى نفسه 1] لأن الأب غير الضمير في ((مضروب)) وصاحب الضمير هو (مضروب).
ومَثَّل ذلك بقوله: محمودُ المقاصدِ الوَرِعُ.
أصله: الورعُ محمودٌ مقاصدهُ، ثم أضمر في ((محمود)) ضمير ((الوَرِع)) فصارت ((المَقَاصِدُ)) في حكم الفَضْلة، فانتصب على التشبيه بالمفعول به.
ثم أضيف حملاً على اسم الفاعل حين أضيف إلى منصوبه.
وما قاله صحيح، بناءً على أن اسم الفاعل إذا أريد به الثبوت جرى مَجرى الصفة المشبهة، نحو: زيدٌ قائمٌ أبوه، وقائمٌ أباً، وقائمُ الأبِ.
فكذلك يقال في اسم المفعول: هذا مضروبٌ ابوه، ومضروبٌ أباً، ومضروبُ الأبِ، وذلك إذا أُرِيد به الثبوت، أي ثبوت الصفة.
فأما إذا أريد به العِلاَجُ فلا يمكن ذلك فيه، لأنه جارٍ مَجرى الفعل، فلا تقول في قولك: (زيدٌ قائمٌ ابوه غداً): زيدٌ قائمُ الأبِ غداً، ولا قائمٌ أباً الآن، ولذلك لم يكن هذا الحكم ليِجَري في اسم المفعول من المتعدي إلى اثنين/ ولا ثلاثةٍ أصلا.
فقول الناظم: ((وقَدْ يُضَافُ ذا إلى اسْمٍ... 464 مُرْتَفعٍ مَعْنىً يعني أنه قد يجري مجرى الصفة المشبَّهة اسمُ المفعول، فيضاف إلى مرفوعه كما تضاف الصفة إلى مرفوعها، فتقول: زيدٌ مرفوعُ الرأسِ، ومضروبُ الأبِ، ومنه مثاله: الوَرِعُ محمودُ المقاصدِ، والأصل: محمودٌ المقاصدُ منه، أو محمودٌ مقاصدهُ.
ثم أُضيف إليه اسمُ المفعول.
ولكن هذه الإضافة إنما تجوز بشرطين:
أحدهما: أشار إليه بالمثال، وهو أن يكون اسم المفعول من متعدً إلى واحد، فلا يجوز أن يكون من غير متعدً، إذ لا تُتَصَوَّر الإضافة، ولا من متعدً إلى اثنين ولا ثلاثة، فلا تقول: هذا مُعْطَى الأبِ درهماً، ولا مُعْلَمُ الأخِ زيداً قائماً، ولا ما أشبه ذلك.
والثاني: أن يُقصد ثبوتُ الوصف، ويُتناسَيَ فيه العلاجُ، كما تقدم.
وهذا لم يُشِرْ إليه، ولكن هو داخل تحت مضمون الشرط الأول، لأنه لما مُنِع أن يكون من متَعدً إلى اثنين- كان ضمن ذلك ألاَّ يكون له مفعول مذكور، وذلك معنى كونه غيرَ مقصود به العلاجُ، وسيأتي لهذا مَزِيدُ بُيان.
فإن قيل: فأنت تقول على مذهبه: هذا مُعْطَى الأبِ، ومَكْسُوٌ الأخ فتجعله كمحمود المقاصد، وهما مِمَّا يتعدَّى إلى اثنين، وكذلك: هذا مُعْلَمُ الأبِ، وهو من المتعدَي إلى ثلاثة.
فالجواب: أنَّا لا نسلَّم ذلك، بل نمنع ذلك، لأن المتعدَيَ إلى أكثرَ طالبٌ بمعناه للمنصوب، فمعنى العلاج باقٍ فيه.
وإن سُلَّم فقد يقال: إن المراد بالمتعدَّي إلى واحد ما عَمِل في واحد خَاصَّةً، مقتَصِراً عليه، فرُفع بإسناده إلى فعل المفعول، فلو كان عاملاً في مفعول آخر لم يكن من هذا الباب الذي أشار إليه، فهو المتحرَّزُ منه.
وقوله: ((مَعْنىً)) راجح إلى ((مُرْتَفِع)) أي رفعُه إنما هو من جهة المعنى، لا من جهة الحكم اللفظي.
وبَيّن بهذا أن ((المَقَاصدِ)) في مثاله، وما كان نحوهَ- ليس خَفْضُه من رَفْعٍ لفظَّي، فإن الإضافة من نَصْبٍ على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول به.
ولو كان مضافاً من حقيقة الرفعِ لزم المحظور، وهو إضافة الشيءِ إلى نفسه، بل أُضيف بعد ما نُقِل إليه ضمير الأول، فصار هو المُسْنَدَ إليه.
ولَمَّا استغنت الصفة بمرفوعها اشبه السَّبَبِيُّ المفعولَ الذي هو فَضْلة، من حيث استغنى عنه اسم المفعول، فانتصب على التشبيه بالمفعول به، وبعد ذلك أُضِيف، لمَّا صار اسمُ المفعول، بما تَحَّمل من ضمير الأول، مغايراً للسَّبَبِي، فلم تكن فيه إضافة الشيءِ إلى نفسه، فلذلك قال: ((إلى اسم مُرْتَفعٍ مَعْنىً)).
وفي هذا الكلام بعدُ مسائل:
إحداها: أن إجراء اسم المفعول من المتعدَّي إلى واحد مِمَّا أغفله النحويون فلم يذكروه، واعتنى هو بذكره هنا، وفي غير هذا من تواليفه.
وزعم في ((شرح التسهيل 1)) أنه يجري مجرى الصفة المشبَّهة مطلقا إن كان مصوغاً من متعدً إلى واحد، كمَضْروُب، ومَذْهُوب، ومَرْفُوع، ونحو ذلك.
وأنشد عليه أبياتاً لم أقيدَّها 1 / ولكنَّ ما استَدرك ظاهرُ الصحة، واضح الموقع،... 465 فبحقَّ ما استدركه هنا.
والثانية أنه أشار إلى أن هذا الإلحاق، وهذه الإضافة مما يقلُّ في الاستعمال، لقوله: ((وقَدْ يُضَافُ)) فأتى بـ ((قَدْ)) المُقَللَّة على عادته في أمثال ذلك، إلا أنه لم يُقَيَّده بالقلة في ((التسهيل)) وإنما قَيَّد بها الجامدَ الجاري مجرى المشتق فقال: والأصح أن يُجعل اسمُ المفعول المتعدَّي إلى واحد من هذا الباب مطلقا.
وقال: وقد يُفعل ذلك بجامدٍ لتأولُّه بُمشْتَق 2.
فأنت ترى مخالفةً مَا بين الكلامين، فأحدهما يزعم أن هذا الاستعمال قليل، والآخر يُطِلق القوَل بالجواز، ولكنَّ رأيه هنا أحسنُ، إذْ استعمالُ اسم المفعول استعمالَ الصفةِ المشبَّهة قليلٌ كما قال، والأكثر إجراؤه مُجرى أصلِه، وهو اسم الفاعل حسبما تقدم.
وعلى ذلك ظاهرُ كلام غيره، إلا أنه استدرك هذا الاستعمال الثاني القليل، فهو حَسَنٌ ولا عَتْبَ عليه.
وأما زعمه هنالك (1) أنه خارج عن ((باب اسم الفاعل)) بإطلاق، جارٍ مَجرى الصفة المشبَّهة بإطلاق فهو رأيٌ غريب يَقتضي امتناع (هذا مضروبُ غداً أو الآنَ) و (هذا مُكْرَمٌ أبوه الآنَ) وما أشبه ذلك.
وهو غير صحيح، نعم، لاُ ينْكَر أن يُقْصد بمعناه الثبوت، فيجري مجرى الصفة، لا أن يكون كذلك البتَّةَ، ولا أعلم له في هذا القول مُسْتنَدَا.
= وأقمار النساءِ.
على تأويل (عَسَل) بحلو، و (أُسْدِ) بشجعان، و (أقمار) بحسان، ومنه قول الشاعر.
فراشةُ الحِلْم فِرْعَوْنُ العذابِ وإنْ تَطْلُبْ نَداه فكَلْبٌ دونَه كَلْبُ
فعاملَ ((فراشة)) معاملة: طائش، و ((فرعون)) معاملة: مهلك.
وقول الآخر:
فَلوْلاَ اللهُ والمُهْرُ المْغَدىَّ لأبْتَ وأنتَ غِرْبالُ الإهابِ
فعامل ((غربال)) معاملة: مثقب.
قال ابن مالك في ((شرح التسهيل)) (ورقة 155 - ب): ((وأكثر ما يجئ هذا الاستعمال في أسماء النسب، كقولك: مررتُ برجل هاشمي أبوه، تميميةٍ أمُّه.
وإن أضفت قلت: مررت برجلٍ هاشميَّ الأب، تميمي الأم، وكذلك ما أشبهه)).
وانظر: التصريح 2/ 72، والهمع 5/ 103.
والثالثة: أنه قال: ((وقَد يُضَافُ ذا إلى اسْمٍ مُرْتَفِعٍ)) فخَصَّ بالذكر الإضافة وحدها، والجاري مجرى الصفة المشبهة، من اسم المفعول وغيره، لا يختص بالإضافة إلى المرفوع وحدها، بل يجوز مع ذلك النصبُ على التشبيه أو التمييز، فتقول: هذا مضروبٌ الأبَ، أو أباً، وهذا مضروبُ الأبِ، ولا فرق بين النصب والجر في هذا.
فقد يَسأل السائل: لِمَ خَصَّ الإضافة بالذكر دون النصب، فقد كان الأولى أن يذكرهما معاً، أو يُحيل باسم المفعول هنا على ((باب الصفة المشبهة))؟
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن يُقال: لعلَّه عَيَّن ما هو السماع أكثرُ من غيره، فكأن الإضافة والنصب مسموعان قليلان، إلا أن النصب أقلُّ، فذكر ما هو أكثرُ شيئاً من غيره، خروجاً من عُهْدة السَّماع.
والثاني: أن يكون اكْتَفى بذكر أحدهما عن الآخر إذا كانا معاً في ((باب الصفة المشبهة)) كالمتلازمين، فحيث يجوز أحدهما يجوز الآخر على الجملة، فلم يَحْتج إلى ذكرهما معاً.
وأيضاً فإن الإضافة أخصُّ عنده بباب الصفة المشبهة.
ألا ترى أنه عَرَّفها بها إذ قال: ((صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلٍ مَعْنىً بِهَا))؟
فإذا جاز الجر فالنصبُ في الضَّمن.
والله أعلم.
والوَرِعُ- في كلامه- اسم فاعل من: وَرضعَ يَرَعُ وَرَعاً، فهو وَرِعٌ، إذا كَفَّ عن المعاصي، فهو مُتَّقٍ كافٌّ عَمَّا لا يَحِل.
ومعنى المثال: أن الوَرِعَ المُتَّقِيَ لله مقاصُده كلها محمودة، لأن قَصْده في كل شيء تقوى الله تعالى.