ومن قال: هذا أبك، فتثنيته أبان، وأبوان وأنشد:
سوى أبك الأدنى وأن محمدا... علا كل عال يا ابن عم محمد
وتقول في أخ: جاءني أخك، ورأيت أخك، ومررت بأخك، وعليه قول بعض العرب في تثنيته أخان.
وتقول في حم: هذا حمك، ورأيت حمك ومررت بحمك.
ومنه ما أنشده الفراء من قول الشاعر:
قلت لبواب لديه دارها... تِيْذَنْ فإني حمها وجارها
هكذا أنشده القالي عنه، وأنشد أبو عرمو على ما حكى الجوهري عنه حمؤها.
ثم قال: (وقصرها من نقصهن أشهر) الضمير في قصرها عائد
لأب وتالييه، وإليها يعود الضمير "قصرهن"، وكلا الضميرين يجوز أن يعود على جمع القلة كهذا الموضع، ويجوز أن يعود على جمع الكثرة، و "هن" على جمع القلة.
والقصر في الاسم هو أن يكون آخره ألف والاسم بذلك مقصور، ويعني أن في الأسماء الثلاثة لغة أخرى وهي القصر، وهي أشهر فيها من النقص فتقول: هذا أباك، ورأيت أباك، ومررت بأباك، ومنه أنشده ابن جني وغيره:
إن أباها وأبا أباها... قد بلغا في المجد غايتاها
وتقول: هذا أخاك، ورأيت أخاك، ومررت بأخاك، ومنه المثل "مكره أخاك لا بطل".
وحكى سيبويه: لا أخا -فاعلم- لك.
قال ابن سيدة: قوله: "فاعلم" اعتراض بين المضاف والمضاف إليه، كذا الظاهر، وأجاز أبو على أن يكون لك خبرا ويكون أخا اسما مقصورا تاما غير مضاف كقولك: لا عصا لك، قال ابن جني: ويدلك على صحة هذا القول أنهم قد كسروه على أفعال وفاؤه مفتوحة، فهو إذا فعل، وذلك قولك: أخ وآخاء، فيما حكاه يونس، وقال بعض ولد المهلب:
وجدتم بنيكم دوننا إذا نسبتم... وأي بنى الآخاء تنبو مناسبة
قال: فغير منكر أن يخرج واحدها على أصله، كما خرج واحد الآباء على أصله.
وتقول في حم: هذا حماك، ورأيت حماك، ومررت بحماك وعليها جاءت حماة المرأة لأم زوجها.
قال الجوهري: لا لغة فيها غير ذلك.
والحاصل من نقله أن فما بلا ميم، وذا بمعنى صاحب، ليس فيهما إلا لغة واحدة.
وأن هنا فيه لغتان.
وأن أبا وأخا وحما فيها ثلاث لغات.
وإذا تقرر هذا ورد على الناظم سؤال وهو أن يقال: كان من حقه حين أراد أن يذكر في هذه الأسماء اختلاف العرب فيها أن يستوفي ذكر ذلك فيأتي على جميع لغاتها.
لكنه لم يفعل ذلك، بل ذكر بعضها وأهمل البعض، فكان معترضا، ولا يقال إن نظمه هذا غير موضوع لنقل اللغات وإنما وضع لضبط القوانين، فلم يلزمه أن يستوفيها في هذه الأسماء ولا في غيرها، لأنا نقول: فكان الأولى به ألا يتعرض لذكرها رأسا، إذ كان نظمه على ما ذكرت.
فإن قيل: لو لم يذكر ما ذكر لأوهم أنها تعرب بالحروف مطلقا في كل لغة وليس كذلك، فأراد أن يرفع هذا الإيهام، ولذلك لما نبه في "التسهيل" على قلة إعراب "هن" بالحروف ذكر في "الشرح" أن عادة النحويين جرت بذكر "هن" مع هذه الأسماء، وذلك يوهم مساواته لهن في الاستعمال، وليس كذلك، بل المشهور فيه إجراؤه مجرى يد، في ملازمته النقص إفرادًا وإضافة
وإعرابه بالحركات.
ومن العرب من يقول: هذا هنوك، ورأيت هناك، ومررت بهنيك وهو قليل، فمن لم ينبه على قلته فليس بمصيب، وإن حظى من الفضائل بأوفر نصيب.
وما قاله صحيح كما ترى، فغيره من إخوته بهذا المثابة، فلما كان ترك التنبيه على لغاتها مخلا بالفهم مخيلا لا لا يستقيم نبه على ما يجب التنبيه عليه.
فالجواب: أن الإحالة باقية لأنه حين اقتصر في حم مثلا على نقل لغتين سوى الأولى، أوهم أن سائر العرب سوى أصحاب هاتين اللغتين متفقون على الإعراب بالحروف، وهذا غير صحيح، بل للعرب في حم ست لغات: الثلاث المذكورة، والرابعة: حمو كدلو، والخامسة: حمءٌ كخبْءٍ، والسادسة: حمأ كَرَشأ.
كما أن في أخ خمس لغات: الثلاث التي ذكر، والرابعة: أخّ مشددا كفخّ، والخامسة: أخو كدلو، وكما أن في أب أربع لغات: رابعهن أبّ مشددا كحبّ.
وكما أن في "هن" ثلاث لغات: ثالثتهن هنّ مشددة كـ "منّ"، لا يقال: إن ما ذكرت لغات قليلة غير مشهورة، فلذلك لم يذكرها، بخلاف ما ذكر فإنها شهيرة، لأنا نقول ليس كذلك، لأنه في ذكر في "هن" الإعراب بالحروف، وهو قليل، وذكر النقص في أب وأخ وهو نادر.
وكذلك في "حم" على ما نص عليه هنا، وكذلك القصر فيهن على ما
نص عليه في "التسهيل" حيث قال وربما قصرا أو ضعف دم، يعني أخا وأبا، وترك ذكر حمو وحمء، وأهل اللغة لا يصفونهما بالقلة، بل إطلاقهم يدل على خلاف ذلك، فقد ظهر أن كلام الناظم معترض عليه.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنه لو اقتصر على ذكر الإعراب بالحروف فيها كلها لأوهم اتفاق العرب فيها على ذلك، وهو غير صحيح، فلما ذكر فيها لغات أخر ارتفع ذلك الإيهام، وحصل أن إعرابها بالحروف جائز على الجملة، لا واجب يعني أن ماعدا فوك وذو مال، كما انه لو ذكر جميع لغاتها لم يزدنا على جواز الإعراب بالحروف شيئا سوى استيفاء لغات لا حاجة بنا إليها وما ذكر من بقاء الايهام بالاقتصار على ذكر البعض فغير متجه على قصد الناظم؛ لأن ظاهر قصده أن يبين لنا كيف نحتذي كلامهم، فذكر أن لنا أن نعربها بالحروف على القياس التي ذكر، ولنا ألا نعربها إلا بالحركات على الأصل، لأن العرب فيها مختلفون.
فإذا قيل له: فاشرح لنا ما للعرب فيها من الخلاف.
كان جوابه أن هذا من وظائف اللغوي، وحسبك هنا أن يتبين لك أنهم ليسوا بمتفقين على الإعراب بالحروف.
فلقائل أن يقول: إن لم يقصده بنقل تلك اللغات بيان اختلاف العرب في هذه الأسماء، وإلا كان متنقلا من علم إلى علم لغير ضرورة.
والوجه الثاني: أن إعرابها بالحروف بين أنها معتلة الأواخر مذبذبة في الاعتلال بين النقص والتمام، فهي في الإضافة إلى غير الياء تامة غير منقوصة، وفي الإفراد والإضافة إلى الياء على خلاف ذلك، فأراد أن يبين اختلاف العرب فيها إذا كانت معتلة الأواخر، لأنها من مادة واحدة، وعلى حكم واحد، تكملة لما قصد ذكره، ويكون قصده بذكر "هن" هنا ما ذكره من التنكيت على إطلاق النحويين فيه، وأنهم ليسوا على صواب في ذلك الإطلاق، أما من قال في حم "حمء" أو حمأ فهذا من مادة أخرى غير مادة حم، وكذلك أخ وأب وهن المشددات هي من مواد أخر غير مواد أخ وأب وهن، فصارت منها كالأجنبيات وكالألفاظ المترادفة فعد هذه في جملة لغات تلك كعد الألفاظ المتباينة في اللفظ المترادفة في المعنى في جملة اللغات كالأسد والليث والسبع ونحو ذلك، وهذا غير لائق بالقصد النحوي، وأما أخو وحمو فلما جريا مجرى الصحي كغزو ودلو فارق المعتل الآخر، وأشبه الصحيح الآخر، فلم يعده في اللغات، كما لم يعد المضاعف والمهموز، وهذا حسن من القصد وبالله التوفيق.
......
ثم ذكر شرط هذا الإعراب فقال:
وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا... لليا كجا أبو أخيك ذا اعتلا
الإعراب الذي أشار إليه هو الرفع بالواو، والنصب بالألف، والجر بالياء، في الأسماء الستة، والضمير في "يضفن" عائد على الأسماء المذكورة، ويعني أن شرط حصول هذا الإعراب المذكور في هذه الأسماء الستة أن يكن مضافات، وأن تكون الإضافة إلى غير ياء المتكلم، فهذان شرطان لابد منهما، ساقهما مساق الشرط الواحد في قوله: (أن يضفن لا لليا) فإنهن إذا لم يضفن البتة أعربن بالحركات، فتقول: هذا لك أخ، ورأيت أخا لك ومررت بأخ لك، وكذلك أب وحم وهن، وأنشد الجوهري في إفراد حم:
هِيَ ما كَنَّتِي وَتَزْ... عُمُ أني لها حم
و"فو" كذلك لأنها إذا لم تضف يبدل من واوها الميم، فتقول هذا فم، ورأيت فما، ونظرت إلى فمٍ، وأما "ذو" فهي لازمة للإضافة أبدا لا تتجرد عنه.
فأما قولهم لملوك اليمن: الأذواء والذوون، فليس على تجريد
"ذو" من الإضافة، وهي بمعنى صاحب، كما كانت في أصل الوضع بل على تجريد التسمية بذو لكل واحد منهم، حين تسموا بذو كذا، نحو: ذو يزن، ذو الكَلَاع، وذو جَدَن، وذو نُوَاس، وذو أصبح، وهم التبابعة من قضاعة فسموا الأذواء على تقدير التسمية بـ "ذو"، فشرط الإضافة في "ذو" حاصل بحكم الأصل، وكذلك إذا أضفن إلى ياء المتكلم، لم يعربن بهذا الإعراب، أعني إعراب الحروف.
فإذا قلت: هذا أبي وأخي وحمى وهنى كان معربا بالحركات، مقدرة في أواخرها، واتفق في ذو أن كان لا يصح فيه أن يضاف غلى الياء، لأن أصله ألا يضاف إلا إلى أسماء الأجناس، إذ كان وضعه لأن يكون وصله إلى الوصف بأسماء الأجناس، فلا يضاف إلى الضمير مطلقا إلا شاذا، وعادة بعض الشيوخ أن يضيف إلى هذين الشرطين شرطا ثالثا، وهو: أن تكون مكبرة غير مصغرة، لأنها إذا صغرت رجعت أواخرها المحذوفة، وأدغمت في ياء التصغير، فأعربت بالحركات ظاهرة فيها، وإن كانت مضافة فقلت: هذا أخي زيد وأبيه وحميه وما أشبه ذلك، فيظهر لبادي الرأي أن مثل هذا داخل على الناظم، إذ هو معرب بالحركات مع تفر الشرطين، فكان من حقه أن يزيد هذا الشرط الثالث.
وقد يجاب عنه بأن مثال الناظم أغنى عن اشتراط التكبير تنصيصا، لأنه أتى بالأمثلة مكبرة، فقد حصل الشرط بالإشارة وأيضا من حيث قصد بيان إعراب المعتل الآخر، قد خرج له أخي ونحوه، كما خرج له اعتبار حمو وأخو لجريانها بعد التصغير مجرى الصحيح فصارت كحمو وأخو، وعلى الجملة فإنما يأتي بهذا الشرط من يأتي به تقريباً على
المبتديء، والأمر في ذلك قريب، وجاء لما ذكر من الاشتراط بثلاثة أمثلة توفر فيها الشرطان وهي قوله: (كجا أبو أخيك ذا اعتلا) فالأب مضاف إلى الأخر والأخ مضاف إلى الكاف، وذو مضاف إلى الاعتلاء، وحصل في الأمثلة الثلاثة وجوه الإعراب الثلاثة والإضافة إلى الظاهر، وإلى الضمير غير الياء والاعتلاء والعلاء والرفعة والشرف.
يقال: اعتلى اعتلاء، وعلا علاء، والاعتلاء أيضا: الاعتماد، كذا قال ابن سيده، وأنشد لأبي ذؤيب:
علوناهم بالمشرفي وعريت... نصال السيوف تعتلي بالأماثل
قال: تعتلي: تعتمد، وعداه بالباء لأنه في معنى تذهب بهم وهذا التفسير محتاج إلى التفسير، ولعله يريد الاعتماد بالشيء، أي: الاضطلاع به والاستقلال، وهذا المعنى في بيت أبي ذؤيب واضح، ولا يحتاج معه إلى تضمين الفعل، والعرب تقول: علا بالأمر: إذا استقل به واضطلع وأنشد الجوهري:
اعمد لما تعلو فمالك بالذي... لا تستطيع من الأمور يدان
اعتلى من هذا بلا شك.
......
ثم قال:
بالألف ارفع المثنى وكلا... إذا بمضمر مضافا وصلا
كلتا اثنان واثنتان... كابنين وابنتين يجريان
وتخلف اليا في جميعها الألف... جرا ونصبا بعد فتح قد الف
هذا ضرب ثان تنوب فيه الحروف عن الحركات، على وجه آخر غير ما تقدم وذلك المثنى.
والمثنى: هو ما حصل في التثنية من الأسماء، ولم يحتج إلى بيان كون المثنى من الأسماء لأمرين:
أحدهما: كون التثنية من خواص الأسماء.
والثاني: أنه قد جعله محلا للجر في قوله: (جرا ونصبا) فدل على أن كلامه فيما يدخله الجر، وهو الاسم، وأيضا قولك: يفعلان بتثنية ليفعل، لأنك لم ترد أن تضم إلى يفعل هذا يفعل آخر، كما كنت فاعلا في الاسم، فليس المثنى إلا الاسم، ولم يبين الناظم معنى التثنية وكان ذلك مما ينبغي له أن يبينه، والتثنية أن تزيد في آخر الاسم ألفا ونونا في الرفع، وياء ونونا في النصب والجر، ليصير الاسم بذلك يدل على اثنين مما كان يدل عليه قبل ذلك، وحدها المؤلف في "التسهيل" بحد آخر جمع فيه شروط التثنية التي يذكرها هؤلاء المتأخرون فقال: التثنية: جعل الاسم القابل دليل اثنين متفقين في اللفظ غالبا وفي المعنى على رأي بزيادة ألف في آخره رفعا، وياء مفتوح ما قبلها جرا ونصبا، تليهما نون مكسورة
فتحها لغة، وقد تضم.
فقوله: "جعل الاسم القابل" يجمع من شروط التثنية الإفراد والإعراب والتذكير.
وقوله: متفقين في اللفظ غالبا، وفي المعنى على رأي هما الشرطان الباقيان على أن مذهب الناظم هنا وفي "التسهيل" أن الإعراب ليس بشطر لازم، ألا ترى أن اسم الإشارة والموصول إذا جعلا للمثنى نحو: هذان واللذان فهما عنده من قبيل المثنى حقيقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثم نرجع إلى كلامه:
فقوله: (بالألف ارفع المثنى) أراد به أن الاسم المثنى رفعه بالألف خلاف ما تقدم، فإن رفعه بالواو، وهذا منه نص في إعراب المثنى، وكذلك يقول في الياء في الجر والنصب إنها العلامة بنفسها من غير تقدير شيء، وهو الذي اختار في "التسهيل" واحتج على صحته في "الشرح" ببطلان ما عداه.
وقد ذهب قوم إلى أن الرفع فيه بغير علامة، بل صار عدمها علامة له وأما النصب والجر فعلامتهما التغير والانقلاب وإليه ذهب ابن عصفور.
ومنهم من جعل الإعراب بالحركات مقدرة في الألف والياء، فهو عند هؤلاء لم يخرج عن قاعدة الإعراب بالضمة رفعا وبالفتحة نصبا
وبالكسرة جرا.
وذهب الأخفش والمبرد غلى أن الإعراب مقدر في الحرف الذي قبل العلامة، وحرف اللين علامة على ذلك.
ومنهم من ذهب إلى غير ذلك، ولا حاجة بنا إلى الكلام في إبطالها، وتصحيح مذهب الناظم، وهو مذهب الفراء، وأبي إسحاق الزيادي، وأبي القاسم الزجاجي، وجماعة.
ولنا التمسك بالظاهر الذي هو أصل من أصول العربية، فإن حروف اللين نجدها تختلف لاختلاف العوامل، كما تختلف الحركات، فندعي أنها هي الإعراب، ولو زعمنا أن الإعراب غيرها لما ساغ لما فيه من تكلف التقدير المنافي قصد البيان.
فإن قيل فقد ثبت أن علامات الإعراب زوائد على الكلمة، وهي الحركات فادعاء غيرها مما ليس بزائد على الكلمة دعوى عارية عن الدليل.
فالجواب: أن العذر عن هذا قد تقدم في فصل إعراب الأسماء الستة فلا نعيده.
وقوله: (وكلا) معطوف على المثنى، يعني أن رفع "كلا" بالألف أيضا، فتقول: جاءني الزيدان كلاهما، فتكون علامة الرفع فيها الألف، كما كانت الألف علامة الرفع في المثنى، إذا قلت: جاء الرجلان ثم إنه لم يجعل ذلك فيها مطلقا، بل شرط في ذلك وهو أن يضاف إلى المضمر، وذلك قوله: (إذا بمضمر مضافا وصلا).
فقوله: (بمضمر) متعلق بـ
(وصلا)، وضمير (وصل) عائد على (كلا) باعتبار كونه لفظا، و (مضافا) حال من ضمير وصل، والتقدير: إذا وصل بضمر حال كونه موصولا به، يعني أن (كلا) إنما تعرب إعراب المثنى إذا أضيفت إلى مضمر فتقول: جاءا كلاهم، ورأيتهما كليهما، وجئت إليهما كليهما، وسواء كان هذا المضمر لمتكلم، أو مخاطب، أو غائب، نحو: أتينا كلانا، وأكرمتكما كليكما ومررت بهما كليهما، أما إذا كانت مضافة إلى الظاهر فمهوم شرطه أنها لا تعرب هذا الإعراب، وإذا لم تعرب كذلك رجعت إلى أصله المتقدم، وهو الإعراب بالحركات حسب ما تقدم، فقول الفرزدق:
كلاهما حين جد الجري بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما راب
الأولى فيه: معربة بالحروف والثانية: معربة بالحركات.
فالحاصل أن "كلا" عنده تارة تعرب بالحروف كالمثنى، وتارة تعرب بالحركات كالمفرد المنصرف، وهذا مذهبه في "كلا" في تواليفه مثل "التسهيل" و "الفوائد" و "لبّ الألباب" ووجه هذه التفرقة عند أن (كلا) لما كانت مفردة اللفظ مثناة في موضع، إلا أن آخره معتل، فلم يلق به من إعراب المفرد إلا المقدر فجعل ذلك مضافا إلى مظهر ليتخلص من اجتماع إعرابي تثنيته في شيئين كشيء واحد، وجعل الآخر مضافا إلى مضمر؛ لأن المحذور فيه قد أمن بهذا وجّهه في "شرح
التسهيل" وكلامه هنا إنما هو على اللغة المشهورة في "كلا" وقد ترك وجهين للعرب فيهما:
أحدهما لكنانة، وهو إجراؤها مجرى المثنى مطلقا، مضافة إلى المضمر أو إلى الظاهر فيقول هؤلاء: رأيت كليْ أخويك، ومررت بكلي أخويك، كما يقول الجمهور: رأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما.
والثاني: إجراؤها مجرى المقصور مطلقا، وهو الجاري على لغة بلحارث بن كعب، وعلى لغة من قال: إلاك وعلاك، وإنما تر ذكرهما لقلتهما، فاكتفى بما هو الشهير في الكلام ويمكن أن يكون غير تارك لهما، فتكون "كلا" على لغة بلحارث جارية مجرى المفرد المقصور، فترجع إلى الأصل المتقدم من الإعراب بالحركات مطلقا، وعلى هذا دل كلامه في "التسهيل" حيث قال: وما أعرب إعراب المثنى مخالفا لمعناه أو غير صالح للتجريد، وعطف مثله عليه فملحق به.
ثم قال: وكذلك "كلا" و "كلتا" مضافين إلى مضمر، ومطلقا على لغة كنانة.
انتهى، وترك لغة بلحارث لدخولها في حكم المفرد المنصرف، ثم قال: "كلتا" يحتمل في إعرابها وجهان:
أحدهما: أن تكون منصوبة الموضع عطفا على "كلا" في قوله: "بالألف ارفع المثنى وكلا" فكأنه قال: ارفع المثنى وكلا وكلتا، إلا أنه حذف حرف العطف، كما قال قائل: أكلت لحما سمكا تمرا.
قال ابن جني: أراد
لحما وسمكا وتمرا، وعلى هذا يكون قوله: (كذاك) خبرا للمبتدأ الذي هو اثنان واثنتان.
وقوله: (كابنين وابنتين يجريان) بدل من (كذاك).
والثاني: أن تكون "كلتا" مرفوعة على الابتداء، وخبرها كذلك، ويكون "ذا" إشارة إلى "كلا" وعلى الأول يكون إشارة إلى المثنى.
وقوله: (اثنان واثنتان.. ) إلى آخره مبتدأ، خبره المجرور بعده على هذا الوجه الثاني، وعلى كلا الوجهين أراد أن "كلتا" حكمها حكم "كلا" فيما ذكر، فترفعها بالألف إذا أضيفت إلى مضمر، وبالحركات إذا فقد هذا الشرط، والكلام فيهما واحد.
واعلم أن كلام الناظم يقتضي في "كلا" أمرين:
أحدهما: أن "كلا" عنده من قبيل المفردات، لا من قبيل المثنيات وذلك أنه عطفها على المثنى حيث قال: (بالألف ارفع المثنى وكلا)، فدل على أنها ليست من المثنى حقيقة، وإلا فكان يكفيه إطلاق لفظ المثنى فيدخل فيه.
وهذا المذهب هو رأي أهل البصرة، وذهب أهل الكوفة إلى أنها من قبيل المثنى حقيقة، كغلاما زيد، وصاحبا عمرو، وكذلك كلتا، وواحد "كلا" كل، فخففت اللام، وواحد
كلتا كلت، وأنشدوا:
في كلتَ رجليها سلامى واحده... كلتاهما مقرونة بزائدة
فأفرد في البيت الأول وثنى في الثاني، وإذا كانا كذلك استويا مع سائر المثنيات، وحداهم إلى هذا الانقلاب ألفهما مع المضمر، نحو: رأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما.
والصحيح ما ذهب إليه الناظم والبصريون إذ ليس "كلا" من لفظ كل بسبيل، ولا "كلتا" مفردها "كِلت"، بل "كلت" محذوفة من "كلتا"، وأبقيت الفتحة في التاء دليلا عليها، كذا قال ابن الأنباري والسيرافي، وأيضا انقلاب الألف مع المضمر لا يدل على أنهما مثنيان، بل يدل على خلاف ذلك، إذ لو كانا لم يختص انقلاب الألف بالمضمر، بل كانت تنقلب مطلقا، والمضمر كالمثنى من لك وجه، فلما لم تكن كذلك دل على مخالفة ما هي فيه للمثنى، وأيضا لو كان من قبيل المثنى لم يعد عليهما ضمير المفرد في غير ندور، بل كان يكون الضمير العائد عليهما ضمير المثنى، لكنهم لم يفعلوا إلا العكس، قال الله تعالى: ((كلتا الجنتين آتت أكلها)) ولم يقل أتتا أكلهما، وكذلك الحال في "كلا" قال الأعشى:
أكاشره وأعلم أن كلانا... على ما ساء صاحبه حريص
والكلام في الاحتجاج يطول.
والأمر الثاني: أن إعرابهما عنده على وحين بالحروف تارة، وبالحركات أخرى، وذلك احد المذاهب الثلاثة، وهو ظاهر كلام الفارسي في الجزء الأول من "الإيضاح" وظاهر كلام ابن جني في كتاب "التعاقب" وعليه طائفة من المشارقة.
والثاني: أنهما معربان بالحركات مطلقا، وهو رأي الجمهور ممن نفى التثنية عنهما، وإنما انقلبت ألفهما في الجر والنصب حملا على "لدى" في الجرّ، و "إلى" و "على"، أعني مع المضمر فقالوا في النصب كليهما كما قالوا: لديهما.
وقالوا في الجر كذلك، كما قالوا: إليهما.
قال سيبويه: وسألت الخليل -رحمه الله- عمن قال: رأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، ثم قال: مررت بكليهما.
فقال جعلوه بمنزلة عليك ولديك في الجر والنصب، لأنهم ظرفان يستعملان في الكلام مجرورين ومنصوبين، فجعل "كلا" بمنزلتهما حين صار في موضع الجر والنصب.
والثالث: من المذاهب أنهما معربان بالحروف مطلقا كالمثنى، وهو رأي الكوفيين، وقد تقدم وجه ما ذهب إليه الناظم، وقد رجح ما ذهب إليه بثلاثة
أشياء.
أحدها: أن كنانة أجرتهما مع الظاهر مجرى المثنى أيضا، وبذلك يتبين صحة قول من جعل: "كلا" و "كلتا" من المعرب بحرف لا بحركة مقدرة.
فإن القائل: إنهما معربان بحركة مقدرة، يزعم أن انقلاب ألفهما ياء مع المضمر بالحمل على ألف "لدى" و "إلى" و "على"، ولو كان الأمر كما قال لامتنع انقلاب ألفهما ياء مع الظاهر في لغة كنانة، كما يمتنع عندهم وعند غيرهم انقلاب ألف "لدى" و "إلى" و "على" مع الظاهر.
والثاني: أن مناسبتهما للمثنى أقوى من مناسبتهما لـ "لدى" و "على" ومراعاة أقوى المناسبتين أولى من مراعاة أضعفهما.
والثالث: أن تغير ألفها حادث عن تغير عامل، وتغير ألف "لدى" و "إلى" و "على" حادث بغير تغير عامل، فتباينا وامتنع أن يحمل أحدهما على الآخر.
ثم قال: (اثنان واثنتان كابنين وابنتين يجريان) يعني أن هذين اللفظين حكمهما حكم المثنى حقيقة في الإعراب.
فتقول: هذان اثنان كما تقول: هذان ابنان، وتقول: هاتان اثنتان، كما تقول: هاتان ابنتان وكذلك الحكم فيهما جرا ونصبا حسب ما نبه عليه، وبين هذا فيهما لأنهما ليسا من
قبيل المثنى حقيقة كـ "كلا" و "كلتا"، إذا ليس لهما مفرد كابنين وابنتين، ولا يحتاج إلى التنبيه عليهما.
فقوله: "كابنين" وابنتين" أي كجريان المثنى حقيقة يجريان ويجري مجراهما ثنتان في أن حكمه حكم قولك: بنتان.
واعلم: أنا إذا جعلنا قوله: (كابنين... ) إلى آخره "خبر اثنان واثنتان، كذلك على تقدير أن يكون قوله: "كذاك" خبر كلتا، فلا إشكال في حصول الفائدة بقوله: (كابنين وابنتين يجريان) إلا أن "كذاك" إشارة إلى البعيد، وإنما أشار إلى قريب فيكون عامله معاملة البعيد ومثل هذا الاستعمال سائغ، وإن كان على خلاف الأصل، وأما إذا جعلنا "كذاك" خبر اثنان و "اثنتان" والإشارة إلى المثنى فيقع السؤال عن الفائدة في قوله: (كابنين... ) إلى آخره "إذ قد حصل" ذاك بالإشارة إلى المثنى، لا سيما وقد أشار "بذاك" المقتضية غير القريب، فلذلك كان يكفي، إذ لا يتوهم معها أن المراد "كلا" لأن الإشارة إليها إنما تكون بذا المقتضية للقرب، لا بذاك المقتضية لغيره، فالحاصل للفهم أن اثنين واثنتين كالمثنى، فما الفائدة في قوله: (كابنين وابنتين يجريان)؟
والجواب: أن الإشارة بذاك ليست بنص فيما دون القريب إذ قد يقع ذو البعد موضع ذي القرب وبالعكس لمقاصد، أو للاتساع في الكلام، وإذا كان كذلك أوهم الموضع أن تكون الإشارة بذاك إلى القريب كما
هي للقريب في الوجه الآخر، حيث جعلنا كذاك خبر "كلتا"، إذ ليست الإشارة فيه إلا لكلا، وهي أقرب في الذكر من المثنى فرفع الناظم هذا الإيهام بقوله: "كابنين وابنتين يجريان" وعين أن الإشارة للمثنى لا لكلا والله أعلم.
فإن قيلك اقتصار الناظم على أربعة ألفاظ مما أجرى مجرى المثنى مشكل،؛ فإنه إما أن يريد أن هذه الألفاظ وما كان مثلها مما شذ عن الباب فيكون اقتصاره عليها تنبيها على ما هو في معناها مما لم يذكر، وإما أن يريد أن هذه الألفاظ بخصوصها شذت، وترك ذكر ما عداها، وعلى كلا التقديرين يرد الإشكال، فإن أراد الأول فليس في لفظه ما يدل عليه إذ لم يقل بالألف ارفع المثنى وكذا كذا، وما كان نحوها، ولا ما أشبه ذلك، وإن أراد الثاني كان اقتصاره على ما ذكر قصورا مع القدرة على التنبيه على ما بقي، بأقل إشارة، ولإيهام أن هذه المذكورة هي التي شذت عن باب المفردات، وذلك قادح، وقد جعل في "التسهيل" وشرحه ما شذ من ذلك على ضربين:
أحدهما: ما خرج عن حقيقة التثنية، بكونه مخالفا لمعنى المثنى وإن صلح للتجريد وعطف مثله.
والثاني: ما وافق معنى المثنى لكنه غير صالح للتجريد وعطف مثله عليه فمن الأول ما أريد به التكثير نحو قول الله تعالى: ((ثم ارجع البصر كرتين)) المعنى كرّات كثيرة لقوله: ((ينقلب إليك البصر خاسئا)) أي: مزدجر، ((وهو حسير)) أي: كليل، وقالوا: سبحان الله
وحنانيه، المعنى: حنان بعد حنان.
وأنشد البغداديون:
ومهمهين قذفين مرتين
قال الفراء: أراد ومهمة بعد مهمة.
ومنه مما يراد به الجمع قول الله تعالى: ((فأصلحوا بين أخويكم)) أي: بين إخوانكم.
وفي الحديث: "البيعان بالخيار".
والمراد البيعون.
ومن الثاني: مما هو مفرد ولا يصلح للتجريد، قولهم للذي يأخذ به الحداد الحديد المحمى: كلبتان.
وقولهم: البحران وأبانان ونحو ذلك.
ومنه ما يصلح لعطف مخالفة عليه، لا مثله كالقمرين في الشمس والقمر، والزهدمين في زهدم وكردم.
ومن ذلك قولهم لما هو وسط الشيء: هو بين ظهريهم وظهرانيهم ولقيته بين الظهرين والظهرانين، أي: في اليومين أو في الأيام، وقالوا: المِذرَوان، ومنه ما هو مساو لمفرده نحو: نزل فلان حولنا وحوالنا وحوالينا.
وفي الحديث: "اللهم حوالينا
ولا علينا"، وأنشدوا.
ماء رواء ونصى حوليه
وأجاز الفراء أن يكون من هذا النوع قوله تعالى: ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)) ويدخل تحت هذا الضرب ما ذكره الناظم فكان الأولى به أن يقول كما قاله في "التسهيل" فيجمع الضربين، أو يأتي بما يرفع عنه الإيراد.
فالجواب: أنا نلتزم أنه قصد الأمر الثاني، ولا يلزم عليه اعتراض، وذلك أن الضرب الأول مما ذكر في السؤال غير خارج عن كونه مثنى حقيقة إذا تأملته، ولولا الإطالة لبين ذلك.
وأما الضرب الثاني فليس بضروري الذكر لوجهين:
أحدهما: أنه غير مقيس، وإنما هو موقوف على السماع، فلو لم ينبه على شيء منه لما لزمه اعتراض؛ لأن النحويَّ لا يتكلم إلا فيما كان مقيسا خاصة.
والثاني: أن ما لم يذكر منه قليل في الكلام، وغيره متداول في الاستعمال بخلاف الألفاظ الأربعة التي ذكر، فإنها كثيرة الدوران في الاستعمال، فاقتصر على ذكر حكمها في النحو، لشدة الحاجة إليها، كما اقتصر في الجمع أيضا على المحتاج إليه، الدائر على الألسنة دون غيره مما له حكمه.
وذلك في قوله: "وبه عشرونا وبابه ألحق والأهلونا.. " إلى آخرها ولم يتعرض لنحو "صريفين" و "قنسرين" و "نصيبين" و"صفين" و "مرئين" في جمع مرء، المراد به امر، وقولهم أطعمنا مرقة مرقين، وما كان نحو هذا، وفي نظمه مواضع من هذا النحو، يأتي التنبيه عليها حيث نعرض لها إن شاء الله، فكذلك يقال في هذا الموضع، وهو قصد صحيح بالنسبة إلى علم النحو عموما، وإلى مما انتصب له في هذا النظم من الإتيان بجلائل النحو وما يليها خصوصا.
واعلم أن "هذان" و "هذين" و "اللذان" و "اللذين" و "اللتان" و "واللتين" عند الناظم من قبيل المثنى حقيقة، فهي داخلة تحت قوله: (بالألف ارفع المثنى) لكن لما كانت عند جمهور البصريين غير مثناة حقيقة، ومخالفة في بعض الأحكام للمثنى لم يقتصر على دخولها هنا، بل نبه عليها في أبوابها حسب ما يأتي إن شاء الله.
ثم ذكر كم الجر والنصب فقال: (وتخلف اليا في جميعها
الألف جرًا ونصبًا) يعني أن الياء تقع خلفا من اللف في الجر والنصب معا فتكون علامة لهما، وذلك في جميع ما ذكر من المثنى والجاري مجراه، وذلك قوله: (في جميعها) فالضمير عائد على المثنى والجاري مجراه، وذلك قوله: (في جميعها) فالضمير عائد على المثنى، وما ذكر مما جرى مجراه، وشرط أن تكون الياء (بعد فتح قد ألف) تحرزا من أنتكون بعد كسر، فإنه كان يلتبس بالجمع، فجعلت الفتحة في المثنى قبل الياء فرقا بينهما وبين ياء الجمع، هذا تعليل طائفة فتقول: مررت بالزيدين، ورأيت الزيدين كليهما، ومررت بهما كليهما، ورأيت الهندين كلتيهما، ومررت بهما كلتيهما، وغرست من الشجر اثنين، ورأيت من الرجال اثنين وما أشبه ذلك.
وقيّد الفتح بأنه قد الف من حيث كان مألوفا في الرفع؛ لأن الألف تطلب بفتح ما قبلها أبدا، فلما جاءت الياء في موضعها ترك ما قبل ذلك على فتحه، ولذلك أتى بلفظ (تخلف)، أي: تكون خلفا منها وعوضا، لأن الخالف للشيء محرز لموضع ما خلفه، فلا ينبغي أن يغير من حكمه شيئا، وكأنه -والله أعلم- أشار بهذا إلى علة هذا الفتح، وأنه الذي ألف في الرفع فلذلك ثبت هنا قبل الياء، ولم يكن كسرا، وهو الذي يناسب الياء، وكأنه لم ير التعليل بالتفرقة بين ياء المثنى والمجموع تعليلا كافيا.
إذ يقال له: فما وجه الاختصاص؟ فنبه على أنه إنما اختص المثنى بالفتح، لكونه مألوفا فيه ومعتادا، وذلك حالة الرفع، وأيضا فلا يرد السؤال على الكسر قبل الياء، لأنه المناسب لها، بخلاف الفتح فإنه غير مناسب، فلذلك نبه على علة الفتح هنا، بعد ما نبه على أنه الذي يجب فيه التثنية، ولما كان الكسر هو الجاري على القياس والمناسب للياء لم ينبه عليه في الجمع ولا على علة الفتح هنا، بعد ما نبه على أنه الذي يجب في التثنية، ولما كان الكسر هو الجاري على القياس والمناسب للياء لم ينبه عليه في الجمع ولا على علته، بل قال: (وارفع بواو... وبيا اجرر وانصب) وترك التنبيه على كون الياء مكسورة ما قبلها، كما لم ينبه على ضم ما قبل الواو أيضا، للعلم بأن
ذلك هو المناسب فيهما، وهذا (التنبيه) حسن في معناه.
ويقال: خلف فلان فلانا، إذا صار خليفة له، وخلفته في قومه خلافة، ومنه قول الله تعالى -حكاية عن موسى عليه السلام-: ((اخلفني في قومي)) الآية.
وخلفته أيضا إذا جئت بعده، وخلف قوم بعد قوم منه أيضا، ومنه قول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف)) و "ألف": من ألفت الشيء ءآلفه إلفا، وقدم الناظم الجر على النصب في قوله: جرا ونصبا لأن الجر أحق بالياء من النصب، إذ الياء من الكسرة هي علامة الجر في الأصل وحمل النصب على الجر.
......
ثم:
أو ارفع بواو وبيا أجرر وانصب... سالم جمع عامر ومذنب
وشبه ذين وبه عشرونا... وبابه ألحق والأهلونا
أولو وعالمون عليونا... وأرضون شذ السنونا
وبابه ومثل حين قد يرد... ذا الباب وهو عند قوم يطرد
هذا نوع ثالث من نيابة الحرف عن الحركة في الإعراب، وهو أن تكون الواو نائبة عن الضمة، والياء نائبة عن الفتحة والكسرة،
فتكون الواو علامة الرفع، والياء علامة الجر والنصب، وذلك في الجمع السالم المختص بنحو: عامر ومذنب، وهو الجمع الذي على حد التثنية، ويسمى جمع المذكر السالم، وإنما سماه سالما لسلامة بناء الواحد فيه، فإذا قلت: عامرون في عامر، ومذنبون في مذنب، فلم تزد على أن ألحقت العلامتين آخر المفرد فهو سام عن التغيير، وتحرر بذلك عن المجموع جمع التكسير، وهو ما تغير فيه بناء الواحد بزيادة أو نقصان أو تبديل شكل، فإن مثل هذا إنما يعرب بالحركات لا بالحروف، نحو: الزيود، جمع زيد، ورأيت الزيود، ومررت بالزيود.
وقله: (وبيا اجرر) أصله بياء اجرر، لكنه قصره ضرورة وكثيرا ما يفعل هذا، كما قال بعد هذا: (وما بتا وألف قد جمعا) ثم لما قصره بقي التنوين ساكنا، وألف اجرر ساكنة أيضا، فالتقى ساكنان، فكان القياس كسر التنوين، إلا أن الناظم اضطر إلى حذفه فحذفه، كما حذفه أبو الأسود:
فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وقرئ من الشواذ: ((قل هو الله أحدُ الله الصمدُ)) وجعل إعراب هذا الجمع بالحروف أنفسها، كما ذهب إليه في التثنية، وهو أحد المذاهب فيه، والخلاف في الموضعين واحد والترجيح واحد فلا نعيده.
وقوله: (سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين) إعلام بأن هذا الإعراب إنما يجعل لجمع ما كان مثل هذين الاسمين، إذا جُمع جَمع سلامة، تحررا مما لم يكن مثلهما، فإنه لا يعرب هذا الإعراب لكونه لا يجمع هذا الجمع، وكأنه قصد في هذا الكلام إدراج مسألة في مسألة أخرى، وذلك أن قصده أن يبين علامات الإعراب في جمع المذكر السالم، كما بين ذلك في التثنية والأسماء الستة غير أن هذا الجمع يبقى غير معرف به، فأدرج ذلك في كلامه، وأشار إلى أنه الجمع الذي يجمع عليه عامر ومذنب وما أشبههما مما كان على وصفهما فخرج بذلك جمع السلامة، بالألف والتاء، إذ له إعراب آخر سنذكره.
والقاعدة عند النحويين في هذا أن يقال: الاسم المجموع جمع سلامة بحرف العلة والنون على ضربين: جامدة وصفة، فأما الجامد: فيشترط في جمعه كذلك أربعة شروط، زيادة إلى شروط التثنية:
أحدهما: الذكورية في المعنى، فإنه إن كان مؤنث المعنى لم يجمع هذا الجمع، نحو: هند ودعد وزينب، فلا تقول: هندون ولا دعدون ولا زينبون.
والثاني: العلمية، تحرزا من النكرة، والمعرف بغير العلمية فإنهما
لا يجمعان هكذا لا تقول: في رجل: رجلون، ولا في الغلام وغلام زيد الغلامون وغلامو زيد.
والثالث: العقل، فإن ما ليس بعاقل لا يصلح لهذا الجمع، وإن كان مذكرا في المعنى وعلما فلا تقول في لاحق اسم فرس: لاحقون، ولا في شدق اسم فحل من الإبل شدقم، ولا ما أشبه ذلك.
والرابع: خلوه من هاء التأنيث تحرزا من نحو: طلحة وحمزة، فإنك لا تقول فيهما شرط التذكير في المعنى والعلمية والعقل، وهذه الأوصاف الأربعة موجودة في عامر الذي نبه به الناظم، إذ هو مذكر في المعنى، علم عاقل، خال من هاء التأنيث فتجمعه وما كان مثله هذا الجمع، فتقول: العامرون والعامرين، ومثله الزيدون والزيدين، والجعفرون والجعفرين، والخالدون والخالدين وما أشبه ذلك، وقد ظهر بهذا مخالفته للكوفيين في إجازتهم جمع ما سمي به مما فيه التاء هكذا، فيقولون في حمزة: حمزون، وفي هبيرة هبيرون.
والصحيح مذهب البصريين الذي ذهب إليه الناظم؛ لأن السماع بذلك معدوم فضلا عن كونه مما يقاس عليه، فإن سمع من ذلك شيء فمن النادر غير المعتبر، ورد أيضا بأن قيل لهم: إذا جمعتم ذلك بالواو والنون، فإما أن تبقوا العلامة أو تحذفوها،
فإن أبقيتموها لزم اجتماع علامتين متضادتين، وهما التاء والواو؛ لأن الواو علامة تذكير والتاء علامة تأنيث، وذلك غير جائز، وإن حذفتموها غيرتم بنية المفرد بإذهاب حرف دال على معنى، ولا عوض عنه؛ لأنه إنما جاز حذفها في الجمع بالألف والتاء، لتعويض تاء الجمع منها وحذفت في التكسير في نحو: "أعقاب" جمع عقبة؛ لأنه محل تغيير بخلاف جمع السلامة، ولا حجة لهم في جمع ما فيه ألف التأنيث أو همزته إذا سمي به وإن كان يجوز معه بالواو والنون، فتقول في رجل اسمه حُبلى أو حمراء: حبلون وحمراوون؛ لأن ما فيه الألف أو الهمزة قد تنزلتا منزلة الجزء، فجمع الاسم مع بقاهما بخلاف التاء فإنها زائدة على الكلمة فلم يسغ إبقاؤها ولا حذفها دون تعويض، فاختص ما هي فيه بالجمع باللف والتاء دون ما فيه الألف أو الهمزة لذلك.
وأما الصفة فيشترط في جمعها هكذا زيادة إلى شروط التثنية ثلاثة شروط:
أحدها: الذكورية لفظا ومعنى، فإنه إن كانت مؤنثة لفظا لم تجمع هذا الجمع، ولو كان مدلولها مذكرا نحو: رجل ربعة، ورجل هُزَأة، وعلامة ونسّابة، فلا تقول: رَبعون ولا هُزَؤون ولا علّامون ولا نسّابون، وكذلك إن كانت مؤنثة معنى، وإن كان لفظها مذكرا نحو: حائض وطامث، فلا تقول حائضون ولا طامثون، وكذلك لو اجتمع التأنيثان نحو: حُبلى وحمراء لا تقول الحُبلون من النساء جئنني ولا الحمراوون أتينني.
والثاني: العقل، تحرزا من الصفة الجارية على غير العاقل نحو: سابق إذا أردت به فرسا فلا تقول: سابقون، ولا في قاطع إذا أردت به سيفا قاطعون، ولا ما أشبه ذلك، وما جاء على خلاف ذلك فمسموع نحو ما أنشدوا من قوله: لا خمس إلا جندل إلا حرين... والخمس قد يجشمك الأمرين وقال الآخر: فأصبحت المذاهب قد أذاعت... بها الإعصار بعد الوابلينا لكن قد يعامل غير العاقل معاملة إذا وصف بوصف من أوصافه فيجوز إذ ذاك جمعه كما قال الله تعالى -حكاية عن نبيه يوسف عليه السلام-
((يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) فعاملها معاملة العاقل حين وصفها بم يختص بالعاقل وهو السجود، وأنشد في "شرح التسهيل" قول الشاعر -يصف قوسا ونبلا-: لها فتية ماضون حيث رمت بهم... شرابهم قان من الدم أحمر قال: وهذا مطرد فيما جرى هذا المجرى مما لا يعقل، فإن كان الناظم لم يعرض لهذا النوع، بل أخرجه بقوله: (مذنب) من حيث لا تكون هذه الصفة إلا لمن يعقل، وهو الظاهر، فيكون هذا النوع عنده غير مقيس، وهو الذي يظهر من سيبويه وغيره، وإن كان إنما أراد بقوله: (مذنب) أن مثل هذه الصفة التي هي جارية على العاقل وخاصة به تجمع هذا الجمع مطلقا سواء استعملت على حقيقتها، أم جرت على غير عاقل كما جرى (ماضون) في البيت على النبل لما عبر عنها بعبارة من يعقل، وذلك فتية فكذلك يكون لفظ (مذنب) فقد تجريه على ما يتعاصى عليك فيما تريد منه، كبعض الدواب والآلات فتقول: هؤلاء عبيد مذنبون وعاصون فإن تأتت لك وانقادت قلت: هؤلاء مطيعون كما قال في البيت (ماضون حيث رمت بهم) فالحاصل: في هذا الوجه اشترط كون الصفة في الأصل تجري على العاقل، وفي الأول جريانها عليه في الحال، وهذا أظهر في المقصد النحوي،
وهو مراد من اشترط العقل.
والثالث: صحة لحاق هاء التأنيث في مؤنثها، تحرزا من نحو: قتيل وصبور وأحمر وسكران فإنك أردت المؤنث منها لم تلحق التاء فيها، وإنما تقول: امرأة صبور وقتيل بغير تاء، وامرأة حمراء وسكرى، فتأتي للمؤنث ببنية أخرى، فلا يصح إذ أن تقول: رجال قتيلون ولا صبورون ولا أحمرون ولا سكرانون، وما جاء من ذلك فشاذ نحو قول قيس بن رفاعة:
منا الذي هو ما إن طر شاربه... والعانسون ومنا المرد والشيب
وقال الشاعر:
فما وجدت نساء بني نزار... حلائل أسودين وأحمرينا
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة جاز في الصفة هذا الجمع نحو: الصالحون والحامدون والظالمون والمسلمون والحسنون و "المذنبون" في مثال الناظم، وهو الذي أشار به إلى هذه الشروط؛ لأن هذه الصفات كلها تلحقها التاء، إذا أريد بها المؤنث، فإذا شروط الجامد مشار إليها بمثال عامر، وشروط الصفة مشار إليها بمثال مذنب، وحصل بذلك ضابط ما يجمع على حد التثنية وما لا، بأوفى كمال في أشد اختصار، وهذه عوائد في هذا النظم كما ستراه في أثناء هذا الشرح بحول الله تعالى.
وقوله: (وشبه ذين) تنبيه على أنه لم يرد خصوص المثالين، بل أراد مع ذلك كل ما كان في معناهما، ثم ذكر ما ألحق بهذا الجمع في الإعراب
بالحروف فقال: (وبه عشرون وبابه ألحق) ضمير "به" عائد على الجمع السالم المذكر، يعني أن العرب قد ألحقت بهذا الجمع في الإعراب ما ليس في بابه، إما لأنه اسم جمع، وإما لأنه جمع تكسير أو جمع سلامة، لكنه غير مستوف للشروط، أو مفرد ليس فيه معنى جمع، فأما "عشرون وبابه" وذلك ثلاثون وأربعون وخمسون إلى التسعين فملحقات بالجمع كما قال، وإن لم تكن جموعا حقيقية، إذ ليس "عشرون" مما له مفرد ولا ثلاثون مفردة ثلاثة ولا أربعون مفرده أربعة، وكذلك سائرها، إذ كان يلزم أن يكون أقل ما ينطلق عليه ثلاثون تسعين، وأقل ما ينطلق عليه أربعون مائة وعشرون، وذلك فاسد، وإنما هي أسماء تشبه أسماء الجموع أعربت إعراب جمع السلامة، وقد حكى المؤلف عن بعضهم أنها جموع على سبيل التعويض، كأرض لما سقطت منها تاء التأنيث حين عد بها المؤنث، ولم يكن من حقها أن تسقط، جمعت هذا الجمع تعويضا، وما تقدم يرد عليه، وأما الأهلون فجمع أهل، إلا أنه غير مستوف لشروط الجمع إذ ليس علما ولا صفة، لكن أهلا قد يستعمل استعمال مستحق في قولهم: هو أهل لكذا، بمعنى مستحق له، فعومل معاملته.
قال الله تعالى: ((سيقول المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا
وأهلونا))، وقال: من أوسط ما تطعمون أهليكم))، وفي الحديث: "إن لله أهلين من الناس"، وقوله (والأهلونا أولو) أي وأولو، وعالمون... إلخ مبتدآت معطوف بعضها على بعض خبرها قوله: (شذ)، وضمير شذ عائد على جميع ما ذكر على المعنى، كأنه قال: "شذ" ما ذكر ومثله ما قال رؤبة: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَيَلَقْ... كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ قال أبو عبيدة قلت لرؤبة: إن كانت الخطوط فقل كأنها، وإن كان سواد وبياض فقل كأنهما، فقال: كأن ذلك ويلك توليع البَهَق، فحمل الكلام كما ترى على معناه، فكذلك قول الناظم: "شذ" وأما "أولو" فاسم جمع وليس له واحد من لفظه، فليس على سبيل الجمع، ولكنّك تقول: جاءني أولو العلم، ورأيت أولي العلم، ومررت بأولي العلم، كما تقول: جاءني حاملوا العلم، ورأيت حاملي العلم، ومررت بحاملي العلم، قال الله تعالى: ((والملائكة وأولو العلم)) وقال: ((واتقون يا أولي الألباب))، ومفرده من جهة المعنى "ذو" الذي بمعنى صاحب، فهو مرادف لذووا، إذا قلت: ذوو العلم، إلا أن ذوو جمع حقيقة، فلذلك لم يذكره في الملحقات بالجمع، وأما "عالمون" فهو عند الناظم على ما ظهر منه اسم جمع، وليس بجمع
عالم وعلى مقتضى هذا الظاهر نص في "شرح تسهيل" فقال: وأما "عالمون" فاسم جمع مخصوص بمن يعقل قال: وليس جمع عالم؛ لأن العالم عالم، والعالمين خاص، وليس ذلك شأن الجموع ولذلك أبى سيبويه أن يجعل الأعراب جمع عَرَب؛ لأن العرب يعم الحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين وما قاله بناء منه على أنه خاص بمن يعقل، كما ذكر، وفيه اختلاف، وقد ذهب كثير من العلماء وأهل اللغة إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمعية، لكنهم اختلفوا في تفسير العوالم التي جمعت هذا الجمع، فمنهم من ذهب إلى أنها أصناف الخلق ما عقل منها ما لم يعقل، وهذا ظاهر كلام الجوهري ورأى أبي الحسن ومنهم من ذهب إلى أنها أصناف العقلاء وهم الإنس والجن والملائكة، وهو رأي أبي عبيد، ومنهم من ذهب غلى غير ذلك مما لا يحتاج إلى ذكره، فالأول صحيح في القياس من باب التغليب، كما تقول في رجل سابق وفرسين سابقين سابقون.
والثاني كذلك أيضا صحيح وليس مفردة إذ ذاك أعم منه، بل هو بالعكس، فقد خالف العرب مع الإعراب، وصار كعالم مع عالمون، ولكن لا يخرج عن كونه جاريا مجرى الجمع وليس بجمع حقيقة، لعدم استيفاء شروطه، إذ قد فاته شرطان:
أحدهما: أنه ليس بعلم، ومن شروط الجامد أن يكون علما.
والثاني: أنه ليس بعاقل؛ لأن لفظ "عالم" عبارة عن الصنف والصنف من جهة ما هو صنف ليس مما يوصف بالعقل، وإن كانت مفرداته توصف به، وقد حكى هو هذا القول الثاني، وأنه جمع هذا الجمع لتقويم جمعيته مقام ذكره، موصوفا بما يدل على عقله، ثم رده بأن هذا لو كان جائزا في عالم لكان جائزا في غيره من أسماء الأجناس الواقعة على ما يعقل وما لا يعقل، فكنت تقول في جمع شيء إذا أردت به جميع من يعقل شيئون، وفي امتناع ذلك دليل على فساد ما أفضى إليه.
وأما "عليّون" فهو الاسم لأعلى الجنة، جعلنا الله من أهلنا بمنه وكرمه فهو مفرد جار مجرى الجمع، كصريفين وصفين ونصيبين.
قال الله تعالى: ((كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون)) وكأنه في الأصل جمع عِلِّيٌّ على فعِّيل، ثم سمى به أعلى الجنة، وذكر الغزنوي عن يونس أن واحد علِّيين عِلِّي على وعلّيّة، والعِلّية: الغرفة.
وقول الناظم (علّيُّونا) هو على حذف العاطف، أي: وعلّيون.
وأما "أرضون" فخّوه من شروط الجمع أيضا ظاهر؛ لأنه جمع أرض وأرض اسم جامد مؤنث لما لا يعقل' إلا أنه جمع هذا الجمع لأنه ربما يورد في مقام التعجب والاستعظام.
ألا ترى إلى قولهم: لقيت منه البِرُحَين
والفتكرين، وهي الشدائد والدواهي، وبذلك علل الفراء عليّين، وقول العرب: أطعمنا مرقة مرقين؛ بهذا علل المؤلف وأنشد على وروده في أرض في مقام الاستعظام قول الشاعر:
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بنى... سدوس خطيب فوق أعواد منبر
وأنشد بيتا آخر لم أقيده، وقوله: "شذ" خبر قوله: (والأهلون) ما عطف عليه، أي: أن هذا الذي تقدم شاذ عن القياس، فبابه الحفظ، ثم قال: (والسنونا وبابه) يعني أنه شذ أيضا كشذوذ ما تقدم من الألفاظ، فهو مبتدأ محذوف الخبر، كقولك: زيد قائم وعمرو.
فإن قلت: لم فصل السنين وبابه عما تقدم وكان قادرا على أن يقول: وأرضون والسِّنون وبابه شذ، هذا كان يكون وجه الكلام فلم عدل عنه.
فالجواب: أن يقال: إنما عدل إلى فصل السنين وبابه عما قبله، وإن كان الجميع على غير قياس الجمع؛ لأنه مخالف لما تقد م بحكم يذكر فيه، وهو قوله: (ومثل حين يرد ذا الباب... ) إلى آخرة، فلأجل هذا فصله ليتعين إذا أشار إليه بعد وأحال عليه وإشارته
بقول: (والسنونا وبابه) إلى ما حذفت لامه فجعلت هاء التأنيث فيه عوضا مما حذف منه نحو: سنة وبرة قلة وظبة ورئة وثبة، فإنهم قالوا فيها على جهة الشذوذ، سنون ويرون وقلون وظبون ورئون وثبون، وفي القرآن الكريم ((في بضع سنين))، وأنشد أبو زيد: فغظناهم حتى أتى الغيط منهم... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا وأنشد أبو عمرو: نحن هبطنا بطن والغينا... والخيل تعدو عصبا ثبينا وقال الكميت: يرى الراؤون بالشفرات منها... كنار أبي حباحب والظبينا وقال كعب: تعاور أيمانهم بينهم... كؤوس المنايا بحد الظبينا
وقال عدي بن زيد:
عن مبرقات بالبرين وتبـ... دو بالأكف اللامعات سؤر
فسنة: أصل لامه الواو لقولهم: سنوات، أو الهاء لقولهم: سانهت، وقلة من الواو كذلك لقولهم: قلوت، وهي عودان يلعب بهما الصبيان، وبرة من الوا أيضا، وهي حلقة من صفر تجعل في أنف بعير.
قال أبو علي: أصلها بروة؛ لأنها جمعت على بُرًى، كقرية وقُرًى.
وظبة السيف حده، وهي من الواو، ورئة أصلها الياء؛ لقولهم: رأيته إذا أصبت رئتهن فهذا الباب كله على غير قياس، بل إنما مجراه مجرى التكسير، ولذلك غيرت أوائل المفردات في الجمع فقالوا: في قلة قلون، وفي ثبة ثبون، وفي سنة سنون، والهاء فيها كلها عوض من المحذوف، ولما كانت تحذف في الجمع أتو بهذا الجمع المخصوص عوضا من ذلك المحذوف، فإذا تقرر هذا ورد على كلام الناظم سؤالان:
أحدهما: أن هذا النوع الذي فصله مما قبله، وهو باب "سنين" كان حقه أن يذكر معه "أرضون"؛ لأنه مثله في التعويض، فقد قالوا في أرض، إنما جمع هذا الجمع ليكون عوضا مما كان حقه أن يلحقه فلم يلحقه، لأن الأرض مؤنثة وحق المؤنث أن تلحقه علامة التأنيث، فلما لم تلحقه، وكان من الواجب في الأصل لحاقها عوّضوا منها هذا الجمع فساوى
بذلك باب "سنين" من حيث كان حقه في الأصل أن يستعمل تاما، فلما لم يستعمل كذلك جعلوا له هذا الجمع عوضا مما فاته من ذلك، وإذا ثبت هذا فإخراجه لأرضين عن باب "سنين" المفصل غير سديد في بادئ الرأي.
والثاني: أنه جعل باب "سنين" من الشاذ في هذا الاستعمال، إذ عطفه على ما بين أنه شاذ كما تقدم في التفسير، وليس من الشاذ، ألا ترى أن طائفة من النحويين يقولون بالقياس فيه حسب ما يأتي إثر هذا بحول الله، ولا يقال بذلك إلا فيما كثر مثله في الاستعمال، وعلى هذا نص في "التسهيل" حيث قال: وشاع هذا الاستعمال فيما لم يكسر من المعوض من لامه هاء التأنيث فعده من الشائع المستمر لا من الشاذ، وهو هنا قد عده من الشاذ، كما ترى، فلا بد من صحة أحد كلاميه وعدم صحة الآخر، لكن ما قاله في "التسهيل" صحيح جار على ما ذكره غيره من النحويين، فثبت أن ماقاله هنا غير صحيح.
والجواب عن الأول أن ما قيل: في أرضين، من العلة لم يعتبرها المؤلف، وإنما اعتبر فيه معنى الاستعظام كما مر، فهو عنده كعلّين لا كسنين، وإذا كان كذلك لم يلزمه اعتراض، إذ ليس قائلا بأن هذا الجمع في أرض عوض من الهاء المحذوفة؛ لأنه أمر توهمي لا يبنى عليه ولا يرجع في قياس إليه.