موضع الحال من الضمير (في حوت) وهي مصدرة بالماضي عاريًا من قد، كأنك قلت: حوت ضميرًا من الواو.
وقوله: (وذات الواو) معطوف على موضع الجملة، أي: خالية من الواو، وذات واو.
ثم قال (بعدها انو مبتدأ) فأتى بجملة مستأنفعة تبين حكم المضارع بعد الواو أنه على تقدير مبتدأ يكون المضارع خبرًا له، فقولك: جاء زيد ويضحك، في تقدير: وهو يضحك.
فإن قيل: هذا التفسير غير لائق وظاهرة عدم الارتباط بين قوله: (بعدها انو مبتدأ) وبين ما قبله، فلم لم تجعل الجملة الأولى وهي قوله: (ومن الواو خلت) حالًا، وقوله: (وذات واو بعدها انو) جملة أخرى مستأنفة، ويكون المعنى: أن الجملة ذات واو لابد أن ينوى بعد الواو فيها المبتدأ، وما المانع من هذا التفسير؟ حتى تكلف في البيت هذا التكلف.
فالجواب: أن الضرورة دعت إلى ذلك؛ لأن قوله: (حوت ضميرًا) يحب أن يكون قيدًا في الجملتين معًا ذات الواو والعارية من الواو، إذ لا يقال جاء زيد ويضحك عمرو، على أن الجملة في موضع الحال، فلو جعلت قوله: (وذات واو) جملة منقطعة من الأولى لاقتضى استغناء ذات الواو عن الضمير، بل كان يقتضي بحكم المفهوم ألا تكون ذات ضمير أصلًا، لأنه قيد الجملة العارية من الواو بأنها حوت ضميرًا، فاقتضى أن ذات الواو على خلاف ذلك، وذلك غير صحيح، / ولا يضر جعل قوله: (بعدها انو مبتدأ) جملة مقطوعة، لأنه قد يفعل مثل ذلك كقوله في باب ظن:
وإن، ولا، لام ابتداء أو قسم... كذا، والاستفهام ذا له انحتم
وغايته في القبح أن يكون حذف حرف العطف، وذلك في نظمه شائع،
وعلى هذا فقد أعطى كلامه أمرين: أحدهما: أن لابد من ضمير في الجملة المصدرة بالمضارع، كانت بواو أو بغير واوٍ، فإنك لا تقول: جاء زيد يضحك عمرو، ولا يضحك عمرو.
والثاني: أن النوعين معًا جائزان في الكلام قياسًا؟؛ إذ لم يُفرق بينهما.
فأما العارية من الواو فلا إشكال في جواز القياس فيها، وأما المصدرة بالواو فمن الناس من يمنع القياس فيها، فلا تقع عندهم حالًا إلا أن يُتلقى مسموعًا لقلة ما جاء من ذلك؛ لأن القياس يأباه، فإن المضارع في تقدير اسم الفاعل، وأنت لو قلت: جاء زيد وضاحكًا لم يستقم، وكذلك ما كان في تقديره.
وأجاز ذلك ابن مالك في التسهيل لكن قليلًا، فقال هنالك: "وقد تصحب الواو المضارع المثبت أو المنفي بلا فيجعل على الأصح خبر مبتدأ مقدر" لكن القياس فيه جاز عنده، واستدل على ذلك بالقياس، والسماع.
فالسماع نحو ما رواه الأصمعي من قولهم: قمت وأصك عينه وقول عنترة:
علقتها عرضًا وأقتل قومها... زعمًا ورب البيت ليس بمزعم
وقال زهير:
بلين وتحسب آياتهن... عن فرط حولين رقًا محيلا
وقال عبد الله بن همام السلولي:
فلما خشيت أظافيرهم..... نجوت وأرهنهم مالكًا
فقوله: (وأوصك عينه) جملة في موضع الحال، وكذلك: (وأقتل قومها)
وقوله: (وتحسب آياتهن) وقوله: (وأرهنهم)، قال المؤلف: "ويمكن أن يكون من هذا قول الله تعالى ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه﴾ وقوله ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله﴾.
فهذا كله مما يقوي الجواز.
وأما القياس فكما تقع سائر الجمل الفعلية حالًا فكذاك هذه، وما ألزموه من التقدير الفاسد فلا يلزم؛ فإنه كما تقدر الجملة الاسمية ذات الواو بغير واو فكذلك تقدر الجملة الفعلية ذات الواو بغير واو.
فإن قيل: الفعل المضارع في تقدير اسم الفاعل، فإذا تقدمته الواو كان بمنزلة تقدمه على اسم الفاعل، فكما لا تقول: جاء زيد قائمًا، كذلك لا يجوز: جاء زيد ويقوم، بخلاف الجملة الاسمية فإن المبتدأ فيها ليس في تقدير اسم الفاعل، فلا يقبح أن يتقدم الواو عليها، وإذ ذاك لا تتقدر الحال بعد الواو بغير واوٍ، وإذا ثبت هذا فالجملة كلها إذا كانت اسمية في موضع الحال، فلا تذكر الواو مع تقديرها، وإذا كانت فعلية فالفعل وحده هو الواقع في موضعه، فلذلك لزم ذكرها في التقدير؛ وسبب ذلك كله أن الواو تصلح مع الجمل، لأنها كأنها عاطفة جملة على جملة فروعي اللفظ فجاز الإتيان بالعاطف، فإذا قدر المفرد لم تصلح الواو؛ لأن عطف المفرد على جملة لا موضع لها من الإعراب لا
يصح، فإذا أتى بالحال/ جملة مصدرة بالمضارع كان المضارع مقدرًا بالمفرد؛ لأنه على وزانه، ومموله عليه- أعني اسم الفاعل- فلم تصلح الواو معه ولذلك لزم الضمير، فإذا أجيز دخول الواو كان تجويزًا لدخولها على المفرد فكان (ويضحك) في تقدير: ضاحكًا، وذلك فاسد.
فالجواب: أن هذا منتقض بالفعل الماضي فإنه مقدر باسم الفاعل ومع ذلك فلم تمتنع الواو، فتقول: جاء زيد وضحك، وإن كان في تقدير: وضاحكًا؛ اعتبار بلفظ الجملة الآن، وإذا قدر المفرد سقطت الواو، فكذلك تقول في المضارع: إن الواو دخولها من حيث كان لفظه مع فاعله لفظ الجملة.
والتقدير بالمفرد أمر آخر تسقط معه الواو، فإن العرب تراعي أحكام اللفظ وتحافظ في التقديرات على ما يليق بها، ويُصدق هذا وجود الواو مع المضارع سماعً كما تقدم كما وجدت مع الماضي، فلا فرق بينهما في المعنى.
وهذا كله مع عدم التعرض إلى التأويل الذي ذكر مع كون المضارع يُقدر قبله المبتدأ.
ثم إنه لم يكتف بهذا الطريق من الاستدلال حتى جعل الجملة الفعلية في تقدير الاسمية بأن قال (بعدها انو مبتدأ) إلى آخره، يريد: قدر بعد الواو مبتدأ يكون الفعل المضارع مسندًا إليه- أي خبرًا عنه- فقوله: قمت وأصك عينه في تقدير: وأنا أصك عينه، وكذلك قول عنترة: (وأقتل قومها) تقديره: وأنا أقتل قومها، وكذلك سائر الأمثلة، فإنه إذا كان الأمر في المسألة على هذا التقدير صارت في عداد الجمل الاسمية، ولم يبق إشكال، ولا احتيج إلى اعتذار عن الواو.
والذي يسوغ تقدير المبتدأ هنا أن الباب الأكثر والطريق المهيع مع المضارع تقدم الاسم عليه إذا وقعت جملته حالًا، فتقول: جاء زيد وهو يضحك، وضربته وأنا أبكي، وما أشبه بذلك، فإذا كان معظم الباب هكذا حملنا على الأقل- وهو
عدم ظهور المبتدأ مع الواو- على ما هو الأكثر فقدرناه على القاعدة المستمرة في حمل ما خُفي على ما ظهر، ولا يدل هذا التأويل على الوقف على السماع؛ إذ يمكن القياس على ذلك تأويل بعينه، وهذا صحيح من الاعتبار.
ويمكن في ترتيب هذا الكلام وجه آخر وه أن يكون قوله (حوت ضميرًا ومن الواو خلت) معطوفًا أحدهما على الآخر، واقتضى المضارع المثبت يقع حالًا بشرطين: أحدهما: أن يكون معه ضمير يعود على ذي الحال.
والآخر: أن يخلو من واو تتقدمه، فيكون الخلو من الواو شرطًا لازمًا في القياس.
وقوله (وذات واو) إلى آخره جملة مستقلة تفيد تأويل ما جاء من المضارع المثبت حالًا، وقد دخلت عليه الواو، بأن يكون على إضمار مبتدأ، كأنه قال: إن جاءت جملة المضارع بالوا فقدر قبلها المبتدأ- أعني قبل الجملة وبعد الواو- لتخرج بذلك الملة عن كونها مبدوءة بالمضارع، وانتصب (ذات) على إضمار فعل من باب الاشتغال يفسره قوله: انو مبتدأ) ولا يُعترض هذا التفسير بما تقدم من توهم استغناء ذات الواو عن الضمير، لأن شرط احتواء الجملة على ضمير ثابت لم يتخلف عنه شيء بخلاف شرط الخلو من الواو.
وهذا الوجه أسهل مما تقدم لكنه يقتضي المخالفة لما ذهب إليه/ في التسهيل من أن ذلك قياس، فإن هذا التنزيل يقتضي كون دخول الواو موقوفًا على السماع من حيث أولها على إضمار المبتدأ بعدها، ولو كانت المسألة عنده قياسًا لم يحتج إلى ذلك، ونظير هذا قوله في الإلغاء في باب ظن:
وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
من موهم إلغاء ما تقدما
إلا أن هذه المخالفة لا تضر؛ فهو بذلك موافق لأكثر النحويين في أنه لا يجوز في الكلام: جاء زيد ويضحك، وكثيرًا ما يرى هنا خلاف ما يراه هنالك.
وقد تقدم منه أشياء، وستأتي أخر غن شاء الله.
وإذا قلنا بالتفسير الأول، وأن ابن مالك وافق هنا قوله في التسهيل فكونه ذهب إلى التأويل بإضمار المبتدأ نبذ لمذهب
من لم يره، فإن من النحويين من لم يقدر شيئًا كما لم يحتج إلى تقديره مع الماضي.
وهذا رأي من قوي عندما تقدم من الاحتجاج غير أن الناظم حمل الأقل على الأكثر كما تقدم، وفرق بين المضارع والماضي بأن الماضي قد كثر فيه مصاحبة الواو فدل على أن ذلك فيه أصل، وانه غير راجع إلى غيره، بخلاف المضارع فإن قلة مصاحبته للواو دل على أن له أصلًا يرجع إليه.
وهذا من باب الاستدلال بالأثر، فلذلك رأى الناظم رأي الإضمار.
والله أعلم.
وأما القسم الثاني من قسمي جملة الحال فهو الذي قال فيه الناظم:
وجملة الحال سوى ما قدما... بواو أو بمضمر أو بهما
يعني أن عدا ما تقدم من الجمل الواقعة موقع الحال تارة تكون بالواو خاصة من غير أن يكون فيها ضمير عائد على صاحب الحال، وتارة يكون فيها ضمير من غير واو تدخل عليها، وتارة تجمع بينهما فتكون ذات واو وضمير معًا.
والذي قدم من الجمل هو الجملة المصدرة بالفعل المضارع المثبت بواو كانت أو بغير واو، والذي بقي من الجمل الثلاث، وهي: الجمل المصدرة بالاسم مطلقًا كانت موجبة أو منفية، والجمل المصدرة بالمضارع المنفي، والجملة المصدرة بالماضي مطلقًا كانت موجبة أو منفية.
وكل واحدة منها تأتي- كما قال- على أحد ثلاثة أوجه: فأما الجملة الاسمية- وهي المصدرة بالاسم- فمثالها بالواو خالية من الضمير قولك: جئت والشمس طالعة، وطلع الفجر وزيد قائم، ومنه قوله تعالى ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نُعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾.
فقوله: ﴿طائفة قد أهمتهم﴾ في موضع الحال، ولا ضمير فيها عائد على صاحب الحال.
وقوله تعالى {لئن أكله الذئب ونحن
عصبة إنا إذًا لخاسرون} وقوله ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ وقال امرئ القيس:
وقد أغتدى والطير في وكناتها... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وقال أيضًا:
إذا ركبوا الخيل واستلاموا... تحرقت الأرض واليوم قر
وقوله أيضًا:
بعثت إليها والنجوم طوالع... حذارًا عليها أن تقوم فتسمعا
وهو كثير في الكلام والشعر.
ومثال الجملة الاسمية بالضمير خالية من الواو/ قولك: جاء زيد يده على رأسه، ومنه قول الله تعالى ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [فقوله: بعضكم لبعض عدو] في موضع الحال من واو (اهبطوا).
وقال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو﴾، وقال تعالى: {ويوم القيامة ترى
الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة}، وكذلك قوله تعالى ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾.
وهي من الجمل الداخل عليها الناسخ، وكذلك قوله: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام﴾ وحكى سيبويه: كلمته فوه إلى في، ورجع عوده على بدئه.
ومنه قول الشاعر- أنشده الجمهور-:
فعدت كلا الفرجين تحسب أنه... مولى المخافة خلفها وأمامها
وقال امرؤ القيس:
حتى تركناهم لدى معرك... أرجلهم كالخشب الشائل
ومنه في النفي عند ابن مالك ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾، وأنشد في الشرح:
من جاد لا من يقفو جوده حمدا... وذو ندى من مذموم وإن مجدا
وقال عنترة:
فرأيتنا ما بيننا من حاجز... إلا المجن ونصل أبيض مقصل وهو كثير.
ومثال ما اجتمع فيه الأمران الضمير والواو قولك: جاء زيد ويد على رأسه.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا أنت تعلمون﴾، وقوله ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنت تتلون الكتاب﴾، وقوله ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ومن الشعر قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عال
على أن يكون (وأهلها بيثرب) حالًا من مفعول تنورت، وكذلك قوله:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقوله أيضًا:
أيقتلني وقد شغفت فؤادها... كما شغفت المهنوءة الرجل الطالي
وتخييره بين الوجه الثلاثة في الجملة الاسمية يقتضي أنه مخالف لمن زعم خلاف ذلك.
ومحل الخلاف الواو، فزعم الكوفيون أنه لازمة في الجملة
الاسمية، ونحا هذا النحو الزمخشري في المفصل؛ إذ جعل ما جاء من ذلك شاذًا، فقال: "فإن كانت اسمية- يعني الجملة الحالية، فالواو إلا ما شذ من قولهم: كلمته فوه إلى في، وما عسى أن يعثر عليه في الندرة" قال: "وأما لقيته عليه جبه وشي فمعناه مستقرة عليه جبة وشي" وما قال وقالوه غير صحيح، وقد تقدم جملة من كلام العرب في هذا، وهو من الكثرة بحيث لا يُعذر مخالفة، ولذلك أكثرت من المثل والشواهد بحيث لا يمكن فيها ما تأوله الزمخشري.
هذا وإن كان ذلك لم يكثر كثرة وجود الواو فإنه جائز قياسًا وذلك ظاهر من كلام سيبويه.
وأما الجملة المصدرة بالمضارع المنفي فمثالها بالواو خالية من الضمير قولك: جاء زيد ولم تطلع الشمس، ومنه قول عنترة:
وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم... /قرائب عمرو وسط نوحٍ مُسلب
ومثالها بالضمير خالية من الواو قوله تعالى ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ وقوله ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا﴾
ومنه قول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزلٍ.... نزلن به حب الفنا لم يُحطم
وقول امرئ القيس:
فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه... يمر كخذروف الوليد المثقب
وقول عنترة:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم... عنها ولو أني تضايق مقدمي
ومثال ما اجتمعا فيه قول الله تعالى ﴿أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء﴾ وقوله ﴿قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾.
ومنه قول كعب ابن زهير:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
وقال النابغة الذبياني:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه... فتناولته واتقتنا باليد
وقال الآخر:
بأيدي رجال لم يُشيموا سيوفهم.... ولم تكثر القتلى بها حين سُلت
والمضارع المنفي بلما كالمنفي بلم قياسًا، إذ لا فرق بينهما، ومما استعمل منه بالواو والضمير معًا قول الله تعالى ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ الآية، وقوله ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾.
وأما الجملة المصدرة بالماضي فمثال مجيئها بالواو خالية من الضمير قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها.... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
وقول النابغة:
فلو كانت غداة البين منت... وقد رفعوا الخدور على الخيام
وقول علقمة:
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم... وقد حان من الشمس النهار غروب
ومثال مجيئها بالضمير بغير واو قول الله تعالى ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ وقوله ﴿قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ وقوله
﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾.
ومنه قول امرئ القيس:
له كفل كالدعص لبده الندى... إلى حارك مثل الغبيط المذاب
وقوله:
درير كخذروف الوليد أمره... تقلب كفيه بخيط موصل
وقول النابغة الذبياني:
وقفت بربع الدار قد غير البلى... معارفها والساريات الهواطل
ومثال اجتماعهما معًا قوله عز وجل ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقًا منهم يسمعون كلام الله﴾ وقوله ﴿قالوا أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون﴾ وقوله ﴿قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون﴾.
ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
كأني وقد خلفت تسعين حجة... خلعت بها عن منكبي ردائيا
وقول علقمة بن عبدة: يُكلفني ليلى وقد شط وليها... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب والأصل في الربط بالضمير؛ لأنه هو الرابط في جملة الخبر، وجملة النعت، وقد أدخلت العرب الواو في جملة / الحال، ربطت بها بين الحال وصاحبها واستغنت بها عن الضمير، وقد يجتمعان تأكيدًا للربط، ولكن الجملة لا تخلو من واحد منهما، فلو لم يأت بواحدٍ منهما لم يحصل الربط بين الجملتين، ولا عُلم أن أحدهما قيد في الأخرى، فلو قلت: جاء زيد عمرو ضاحك، أو: أقبل محمد على عمرو قلنسوة، أو: جئت قد قام عمرو، أو: جئت لم يأت أخوك، على أن تكون هذه الجمل أحوالًا لم يجز؛ إذ لم تأت برابط من واو أو ضمير، غير أنه قد تأتي جملة الحال خالية منهما على تقدير الضمير، ويكون جائزًا كقولك: بيع السمن منوان بدرهم، تقديره: منوان منه بدرهمٍ، ومررت بالبر قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم، كما تقول: البر قفيز بدرهم، ومررت ببر قفيز بدرهم، وأبعد من هذا ما أنشده ابن جني من قول الشاعر: نصف النهار الماء غامره... ورفيقه بالغيب لا يردي يصف غائصًا في الماء من أول النهار إلى انتصافه ورفيقه على شاطئ الماء ينتظر ولا يدري ما كان منه، فهذه الجملة التي هي (الماء غامره)
حالية ولا رابط فيها من ضمير يعود على الاسم المتقدم، ولا واو تنوب عنه، لكن قدر صاحب الحال محذوفًا، والعائد عليه الهاء في (غامره)، فكأنه قال: نصف النهار على الغائص الماء غامره.
هذا تمتم المقصود من شرح كلامه على الجملة، غلا أن في التفصيل نظرًا معتبًرا في الجمل الثلاث.
فأما الجملة الاسمية فلا يخلو أن تكون مؤكدة أو غير مؤكدة، فإن كانت غير مؤكدة فالحكم كما ذكر، وإن كانت مؤكدة فلا تدخل عليها الواو أصلًا، فتقول: هو الحق لاشك فيه، ويمكن أن يكون منه قوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ أي: ذلك الكتاب يقينُا، وهكذا أيضًا يجري الدرك فيما إذا وقعت الحال المؤكدة جملة فعلية نحو قوله: أخوك زيد قد عرفته، وقال امرئ القيس:
خالي ابن كبشة قد علمت مكانه... وأبو زيد وكلهم أعمامي
فهذه الجملة لا تدخل عليها الواو، ووجه امتناعها أن الجملة مؤكدة، والمؤكد هو المؤكد في المعنى، فالواو تنافي الدخول بين التوكيد والمؤكد، فكما لا يصح أن تقول: قام زيد نفسه وعينه، لا يقال: هو الحق ولا شك فيه، على أن تكون الجملة حالًا، ولا أخوك زيد وقد عرفته كذلك.
وأما الجملة الفعلية المصدرة بالماضي فلا يجري فيها ذلك الحكم إذا كان الماضي تاليًا لإلا، نحو قوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ إلا استمعوه﴾، ﴿وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون﴾.
وهو كثير، فقد نص هو على أنه لا يصح الإتيان بالواو هنا، وكذلك إذا كان الماضي متلوا بأو، نحو: أكرم زيدًا أحسن أو أساء؟ وأنشد في الشرح:
كن للخليل نصيرًا جار أو اعتدلا... ولا تشيح عليه جاد أو بخيلًا
فالواو عنده أيضًا لا تصلح ههنا، فلا /تقول: ما يقوم زيد إلا وبكى، ولا أكرم زيدًا أحسن أو أساء؛ إذ لم يُسمع في كلام العرب، وأيضًا فقد تقدم ما في الجملة المؤكدة.
وأما الجملة المصدرة بالمضارع المنفي فإنما يجري فيها ذلك الحكم- على ما نص عليه في التسهيل- إذا كان النفي بلم حسب ما مر في التمثيل، وأما إذا نفُي بلا أو ما فلا سبيل للواو، وغنما لا تأتي بلا واو كقوله تعالى ﴿ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق﴾ ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم﴾ وقال امرئ القيس في ما:
ظللت ردائي فوق رأسي قاعدًا... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
وأنشد في الشرح:
عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة... فما لك بعد الشيب صبًا متيمًا وأيضًا فإن الجملة المصدرة بالماضي لابد فيها من قد ظاهرة أو مقدرة،
فقولك: جاء زيد وقد ركب هو الأصل، فإن قلت: جاء زيد وركب، فيجوز لكن على تقدير قد، فإن لم تقدرها لم يجز أن تكون حالًا، ويلزم ظهورها عند ابن مالك إذا لك يكن في الجملة ضمير يعود على ذي الحال، نحو قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
وقول النابغة:
فلو كانت غداة البين منت... وقد رفعوا الخدور على الخيام
وقول علقمة:
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم... وقد حان من شمس النهر غروب
وسبب التزام قد لفظًا أو تقدير أمران:
أحدهما: أن الفعل الماضي لا يدل على الحال، فينبغي ألا يقوم مقامه.
والثاني: أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه الآن أو الساعة، وهذا لا يصلح في الماضي فينبغي ألا يكون حالًا، ولهذا لم يجز أن يقول: مازال زيد قام، ولا: لبس زيد قام؛ لأن ما زال وليس يطلبان الحال، وقام فعل ماضي الزمان، فلو جاز أن يقع الماضي حالًا لجاز هذا، وأيضًا فإذا لم يقع المستقبل في المعنى حالًا إلا بتأويل، نحو: زيد في يده اليوم صقر صائدًا به غدًا، فهو على تقدير: مقدرًا اليوم الصيد به غدًا، فكذلك لا يجوز في الماضي إلا بقرينه تقربه في الحال، وذلك قد، فإنها تقرب الماضي إلى الحال؛ ولذلك كان جوابها، لما يقم.
ولما لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، ولذلك تقول: قد
قام الآن، وقد خرج اليوم.
قال ابن الأنباري.
فإذا ثبت هذا فالناظم لم يتعرض لهذا التقدير، فاقتضى أن جملة الفعل الماضي تقع حالًا قدر مع الماضي قد أو لا، وذلك غير صحيح على ما تقرر، وأيضًا، فإن الجملة المصدرة بالمضارع الماضي معنى محتاجة إلى الواو في القياس كان فيها ضمير أو لم يكن.
قال ابن خروف، كقول النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه... فتناولته واتقتنا باليد
إلى غير ذلك من الشواهد المذكورة، ولا يقال عنده قياسًا: سار زيد لم يسرع.
وهذا خلاف ما قاله الناظم في ظاهر إطلاقه.
والجواب: أن الجملة المؤكدة لا يتعين كونها في موضع الحال، لاحتمال كونها في المواضع المذكورة خبرًا أو بعد خبر/ أو جملًا لا موضع لها من الإعراب، وإنما أتى بها توكيدًا لما قبلها، وإذا لم تتعين لم يثبت أن الحال المؤكدة تأتي جملة فعلية بعد الدليل على إثباتها، وإن سلمنا أنها أتت فهي بالجملة قليلة فلم يعتبرها.
وأما ما اعترض به في جملة الماضي ففيه نظر؛ فإن النحويين لا يفصلون ذلك التفصيل الذي ذكر في التسهيل.
وإنما يأتون بالمسالة على ما أشار إليه هنا.
قال ابن عصفور: "إن كانت الجملة فعلية وكان الفعل ماضيًا لفظًا ومعنى أو معنى دون لفظ واشتملت على ضمير فالاختيار الواو، وقد يجوز ألا تأتي بها، وإن لم تشتمل على ضمير فلابد من الواو" وهذا المعنى ذكره الجزولي أيضًا.
وقال صاحب المفصل في الجملة الفعلية "لا يخلو أن يكون فعلها مضارعًا أو ماضيًا، فإن كان مضارعًا لم يخل من أن يكون مثبتًا أو منفيًا، فالمثبت بغير واو، وقد جاء في المنفي الأمران وكذلك في
الماضي ولا بد من قد ظاهرة أو مقدرة" فإذا كان هؤلاء وغيرهم يقرون المسالة على هذا الترتيب اعتمدت، وبقي النظر فيما أتى به من الشواهد، وما الذي يليق هنالك من الإعراب.
وأما المضارع المنفي بلا فقد لا يدخل هنا من حيث اشترط في جملة الحال ألا تكون مفتتحة بدليل استقبال، وظاهر سيبويه وعليه عول الأكثرون أن لا مخلصة للاستقبال.
وإنما يرد السؤال على مذهبه في أنها لا تختص بالاستقبال، ولا يُدرى ما مذهبه حين نظم هذه الأرجوزة، فإن فُرض أن رأيه ما قال في التسهيل، فالسؤال وارد، إلا أنه حكى في التسهيل أن الواو قد تدخل على المضارع المنفي بلا، واستشهد عليه بقوله تعالى ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ في قراءة غير نافع، فقوله: (ولا تسأل) جملة حالية دخلت عليها الواو.
وهذا الشاهد لا شاهد فيه لعطفه على بشيرًا ونذيرًا فالواو عاطفة، وإنما الشاهد في قراءة ابن ذكوان: ﴿ولا تتبعان﴾ بتخفيف النون.
فالنون فيه نون الرفع، وهو خبر لا نهي، والجملة في موضع حال، أي: فاستقيما غير متبعين، أجاز ذلك
الفارسي وغيره، ولم يجيزوا إلا وهو عندهم جائز أن يقع المضارع المنفي بلا حالًا، وإن كان ذلك قليلًا.
وأما النفي بما فما قاله في التسهيل من امتناع دخول الواو عليه فيه نظر، فإنها إذا دخلت على المنفي بلا، وهي تدخل على المستقبل، فأولى أن تدخل على المنفي بما؛ لأنها خاصة بفعل الحال مع عدم القرائن، فقد قال: عهدتك وما تصبوا، وأعد الحصى وما تنقضي عبراتي، فلنظر في هذا الموضع.
وأما تركه الكلام على قد فالاعتذار عنه أن رأيه في التسهيل عدم التزامها في اللفظ ولا في التقدير، كمذهب الكوفيين والأخفش، ورد على من قال بالتزام ذلك- وهم جمهور البصريين- بأن الأصل عدم التقدير، فالقول به دعوى، ولأن وجود (قد) مع الفعل المشار إليه لا يزيده معنى/ على ما يفهم به إذا لم يوجد، ومن حق المحذوف المقدر ثبوته أن يدل على معنى لا يدرك بدونه.
فإن قيل: إنما تدل على التقريب.
قلنا: دلالاتها على التقريب مستغنى عنه بدلالة سياق الكلام على الحالية كما أغنى عن تقدير السين وسوف- سياق الكلام في مثل ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ بل كما استغنى عن تقدير (قد) مع الماضي القريب الوقوع إذا وقع نعتًا أو خبرًا، وأيضًا فلو كان الماضي معنى لا يقع حاًلا إلا وقبله قد لامتنع وقوع النفي بلم حالًا ولكان النفي بلما أولى منه بذبك؛ لأن لم
لنفي فعل، ولما لنفي قد فعل.
وقد حصل بهذا كله الجواب عن توجيه تقديرها إذا لم توجد.
وإذا كان مذهبه عدم الاحتياج غليها فلا يلزمه ذكرها لكن يرد عليه ما التزم من إظهارها إذا لم يكن في الجملة ضمير.
وقد يُجاب عنه بأن ذلك لا يلزم فقد تقول: آتيك طلعت الشمس.
وما الفارق بين أن يعود من الجملة ضمير على ذي الحال أو لا يعود، ففي التزام ما قال هناك نظر.
وأما ما ذهب إليه ابن خروف فلم يرتضه الناظم بل رده بالشواهد المتقدمة الدالة على خلاف ما ذهب إليه.
هذا ما يمكن في البحث من المقال في الجواب عن ذلك الاعتراض.
والحق أنه إنما أتى فيما عدا الجملة المصدرة بالمضارع المثبت بحكم جملي أكثر يصح إذا أخذت المسألة مأخذ الناس؛ إذ غالب الناس لم يُفصلوا ذلك التفصيل كله، وكثير منه غنما [هو] استقراء من ابن مالك قلما تجده كذلك لغيره.
وقد تقدم من كلام الزمخشري والجزولي، وابن عصفور، وغيرهم ما يشير إلى نحو مما ارتكب هنا.
وذلك كاف في مثل هذا المختصر.
فإن قيل: فكان الأولى ألا يعترض لهذه الإشكالات وأن تجتنب تلك الإيرادات التي يغلب على الظن أن الناظم لم يقصدها حتى يقصر من هذا التقييد ما استبان طوله، ويكتفي بحاصل ما نص عليه خاصة.
فالجواب: أن القصد في الشرح غير ما ذكرت، وهو استيعاب ما يسر الله من الكلام على ألفاظه وما احتملته بمنطوقها أو مفهومها، وتفصيل مجمل ما ذكر لتتضح معانيه وتكثر مسائله، وتعظم الفائدة به، ويكون عونًا للناظر على التهدي إلى النظر والبحث والاستنباط وفي غيره مما يحتمل ذلك النظر، ولا يكون تعسفًا على مقصده.
ونحن نعلم أن ابن مالك في كتبه مما يقصد في وضع
الألفاظ وضبط القوانين، والتحرز من الاعتراض، والتوقي من تداخل القواعد، وانكسار الأصول ما لا يقصده غيره، وقد ظهر بما تقدم من ذلك ما يُستحسن ويُستملح، ويُنشط الكسل، ويُنهض العزائم في النظر في هذا النظم خصوصًا، وسيأتيك من ذلك ما تقر به عين المنصف من مفيد ومستفيد بحول الله.
وقوله: (وجملة الحال سوى ما قدما) / مبتدأ خبره (بواوٍ) وما بعده معطوفات.
و (سوى) منصوب على الاستثناء.
والحال قد يحذف ما فيها عمل.... وبعض ما يُحذف ذكره حظل
هذه مسألة من أحكام العوامل في الحال، وهو المحذوف، فبين أن عامل الحال قد يُحذف في بعض المواضع كما يُحذف عامل غيره كعامل المفعول به، والعامل في خبر المبتدأ، وهو المبتدأ، ومن شأن العرب الحذف اختصارًا إذا استطالت الكلام، فهو من جملة تصرفاتها في الكلام، ثم إن الناظم هنا ترك بيان أمور:
أحدها: أنه لابد من أن يكون على المحذوف دليل، فربما يوهم ذلك أن هذا العامل يجوز حذفه وإن لم يكن عليه دليل، كما قد يوجد بعض المحذوفات لا دليل عليه.
والثاني: أن عامل الحال قد يكون فعلًا، وقد يكون صفة، وقد يكون حرفًا من الحروف المشربة معنى الفعل، أو من الأسماء الجامدة التي أشربت معنى الفعل، فلم يبين ما الذي يحذف من هذه الأمور، وقد يتوهم أنه مستعمل في هذه الأنواع كلها، أو قد يختص ببعضها، وذلك البعض لم يتعين فيقع الإشكال.
والثالث: أن هذا الحذف يمكن أن يكون قياسًا كله أو سماعًا كله أو يكون بعضه قياسًا ويعضه سماعًا.
وهو قد أطلق هنا القول بقلة الحذف على الجملة، ولم يحصل تصريح بقياسٍ ولا سماع، فقد يُوهم إطلاقه أمرًا لم يقصده الناظم.
فهذه مواضع كان الأولى بها بيانها، والظاهر أنه لم يفعل، وقد يقال: إنه وإن لم يُصرح فقد أشار وقصد البيان.
أما الأول، فإن قاعدة الحذف أنه لا يحذف إلا ما دل عليه لدليل، ولو عدم الدليل لم يجز الحذف.
أما بالنسبة إلى الكلام المنقول عن العرب فإن إدعاء الحذف في موضع لا دليل فيه تحرص على الغيب، وأيضًا إذا قصدت البيان ثم لم تدل على المحذوف لكان نقص الغرض.
وأما بالنسبة إلينا أيها القائسون فإن الحذف من غير دليل ليس من كلام العرب، وأيضًا إذا لم يجعل على المحذوف دليلًا فهو غير مخبر به، ولا عنه فليس بمحذوف في الحقيقة، إذ المحذوف ما جُعل له في الكلام اعتبار ومنزلة، وما لم يدل عليه ليس كذلك أصلًا، فمدعي الحذف من غير دليل مدع لما لا برهان عليه، ومن عادة الناظم ألا يذكر الحذف إلا مع التنبيه على الدليل عليه.
كقوله:
ولا تجز هنا بلا دليل
إلى آخره.
وقوله:
ويحذف الناصبها إن عُلما
أو شبه ذلك.
وإنما ترك ذكره في المفعول به الذي ليس أصله المبتدأ والخبر؛ للزوم الدليل عليه، فكذلك ترك التنبيه هنا عليه علمًا بتلك القاعدة لتقدم ذكرها مرارًا.
وأما الثاني، فإن القاعدة أن الحذف نوع من أنواع التصرف، وأصل /252/ التصرف إنما هو للفعل حسب ما تقرر في غير موضع، فالفعل/ إذًا أول ما يدعى أنه المحذوف، وأيضًا فإن أصل العوامل الفعل، وإنما عمل غيره بالتشبيه به- أعني عوامل الأسماء في الغالب- فإذا كان ثم عامل محذوف فأول سابق إلى الذهن أنه الفعل، فالمحذوف إذا هنا الفعل لا غيره.
إن قلت: فإن اسم الفاعل أيضًا قريب الفهم فلمدع أن يدعي أنه المحذوف.
فالجواب: أنه ما قرب إلا من جهة فهم الفعل به، فالفعل إذًا سبق للذهن فلا يدعى خلافه، فلأجل هذا ترك الناظم تعيين الفاعل المحذوف، وأيضًا فإن الفعل في باب العمل أكثر دورًا في الكلام فقد صارت له أصالة في العوامل التي تؤدي معنى الفعل، فكان هو الأولى بأن يتصرف فيه بالحذف نظيره (أن) في عوامل الأفعال لما كثر دورها في الكلام دون أخواتها صارت هي التي تنوى من بين سائر النواصب التي لم تدر دورها، ولا استعملت استعمالها وهذا ظاهر.
وأما الثالث: فإن قول الناظم: (والحال قد يحذف ما فيها عمل) يشعر بالقياس، لأن (قد) في استعماله وإن دلت على التقليل إنما يطلقها في موضع القياس، وإلا فيقول شذ أو ندر أو ما يعطي هذا المعنى.
وقد تقدم لذلك نظائر كثيرة.
وهذا الإطلاق شامل لما الحذف فيه جائز أو واجب؛ لأنه لما أطلق هذا القول قسم الحذف إلى جائز ولازم، فقوله: (وبعض ما يحذف ذكره حظل) يعني أن هذا الحذف المذكور بعضه لا يجوز ذكر المحذو معه فذكره حظل أي منع فلا ينطق به البتة- وأصل الحظل: المنع من التصرف والحركة، ويقال حظل عليه يحظل وحظله أيضًا يحظله حظلًا وحظلانًا إذا منعه، ومنه حظل الأيم وهو منعها النكاح.
قال الراجز:
فلا ترى بعلًا ولا حائلًا... كهو ولا كهن إلا حاظلا
والحظل والحظر يتقاربان معنى- وبعضه يجوز معه ذكر المحذوف.
وهذا القسم لم يصرح به لكنه مفهوم من كلامه، ولم يعين للقياس في القسمين موضعًا، فأما الجائز الحذف فلا يحتاج إلى تعيين موضع.
وأما اللازم الحذف فله مواضع يقاس فيها لم يعتن الناظم بتعيينها بل اكتفى بالإشارة خاصة، فمثال الجائز قولك للراحل عنك: راشدًا مهديًا، تقديره: تذهب راشدًا مهديًا، دلت قرينة الحال على ذلك.
وقولك للقادم: مبرورًا مأجورًا، أي: قدمت على هذه الحال، وللمحدث: صادقًا، أي: تقول ذلك صادقًا، وللمشتكي: محقًا أو مبطلًا، وما أشبه ذلك.
وهذا مما حذف فيه العامل لقرينة حالية.
وتقول فيما حذف لقرينةٍ لفظية: راكبًا، لمن قال: كيف أتيت؟ [أي: أتيت] راكبًا، لمن قال: كيف أتيت؟ [أي: أتيت] راكبًا، وكذلك قولك: بلى مسرعًا، لمن قال لك: لم تلأتني أو لمن قال: لا تأت فلانًا، ومن ذلك في القرآن ﴿أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه.
بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ تقديره: بلى نجمعها قادرين.
وقال سويد المرائد الحارئي- من أبيات الحماسة-:
/لعمري لقد نادى بأرفع صوته... نعي حي أن فارسكم هوى
أجل صادقًا والقائل الفاعل الذي... إذا قال قولًا أنبط الماء في الثرى
أي: تقول ذلك صادقًا.
فهذه المثل، وما كان نحوها يجوز إظهار المحذوف معها وأما الذي يلزم فيه الحذف ولا يجوز الإظهار، فله مواضع: منها: حيث يكون الحال تبين ازدياد ثمن أو غيره شيئًا فشيئًا، أو نقصه كذلك، نحو قولك: أخذته بدرهم فصاعدًا، واشترتيه بدينار فزائدًا، والتقدير: فزاد الثمن صاعدًا، وكذلك تصدقت بدينار فسافلًا، تقديره: فنقص الثمن سافلًا، أو ما أعطيته سافلًا، أو انحط سافلًا، أو نحو ذلك.
ومنها الحال السادة مد الخبر في قولهم: ضربي زيدًا قائمًا، وأكثر شربي السويق ملتويًا، وأخط ما يكون الأمير قائمًا، وما أشبه ذلك وقد مر ذكره في باب المتبدأ.
وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، وما أشبه ذلك وقد مر ذكره في باب المتبدأ.
ومنها الواقعة بدلًا من اللفظ بالفعل في التوبيخ كان مع استفهام وهو الأكثر أو بدونه، فالاستفهام، نحو قولهم: أقائمًا وقد قعد الناس؟ وأقاعدًا وقد سار الركب، ؟ وذلك أنه رأى رجلًا في قيام أو قعود فأراد أن ينبهه ويوبخه، فكأنه قد لفظ بقوله: أتقوم قائمًا، وأتقعد قاعدًا، ولكنه حذفه لدلالة الحال على المحذوف، وصار بدلًا من اللفظ بالفعل فلزم ألا يؤتي به مع الاسم، ومثل ذلك قولهم: أتميميًا مرة وقيسيًا أخرى.
يقال ذلك لمن هو في حال تلونٍ وتنقل، فكأن التقدير: أتتحول تميمًا مرة وقيسيًا أخرى؟، ولكنهم حذفوا الفعل.
وحكى سيبويه عن بعض العرب أن رجلًا من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطير، فقال: يا بني أسد: أعور وذا تابٍ؟ فالمعنى: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك على جهة التنبيه لهم ليحذرهم لا على أنه يستفهمهم عنه.
وأنشد سيبويه لهند بنت عتبة:
أفي السلم أعيارًا جفاء وغلظة... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
أي أتتلونون وتنتقلون مرة كذا ومرة كذا، فتتحولون في السلم مثل الأعيار- وهي الحمير- جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء الحيض جبنًا وضعفًا، وأنشد أيضًا:
أفي الولائم أولادًا لواحدةٍ... وفي العيادة أولادًا لعلات
أي: أتتحولون عند الولائم متواصلين، وعند النوائب متقاطعين.
ومن ذلك في غير الاستفهام قولك: قاعدًا قد علم الله وقد سار الركب، وقائمًا قد علم الله وقد قعد الناس، يوبخه بذلك، كأنه قال: يقوم قائمًا ويقعد قاعدًا.
وقد يدخل تحت المقيس ما كان منه في الدعاء نحو: عائذًا بالله من كذا، تقول العرب: عائذًا بالله من شرها، كأنه رأى شيئًا يتقى فصار عند نفسه في حال استعاذةٍ، وحذف الفعل؛ لأن الاسم بدل منه، كأنه قال: أعوذ بالله من شرها، وأنشد سيبويه لعبد الله بن الحارث رضي الله عنه:
ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا/ وعائذًا بك أن يعلوا فيطغوني
وتقول على هذا: بريئًا إليك من كذا، ومتوسلًا بكذا على حسب ما يفهم الحال.
هذا كله مما يقبل القياس فيدخل تحت كلام الناظم.
والله أعلم.