والمسألة ذاتُ أقوال ثلاثة:
أحدها: أنها -أعنى عسى- حُمِلت على لعلّ، فنصبت الاسم ورفع الخبر:
والثانى: أنها باقيةٌ على أصلها، إلا أن الضمير خيرٌ مقدّم، والاسم أَنْ والفعل.
وهذا رأى المبرّد، والأولُ رأىُ سيبويه.
والثالث: ما تقدم للأخفش.
قال المؤلف: «وقولُ الأخفش هو الصحيح عندى لسلامته من عدم النظر؛ إذ ليس فيه إلا نيابة ضمير غير موضوع للرفع عن موضوع له؛ وذلك موجودٌ لقول الراجز:
يا ابنَ الزُّبَيرِ طالَما عَصَيْكا
أراد: ما عصيت، فجعل الكاف نائبة عن التاءِ؛ ولأن نيابه غيره عنه؛ ولأَنّ العرب قد تقتصر على عساك ونحوه، فلو كان الضمير في موضع نصبٍ لزم مه الاستغناء بفعلٍ ومنصوبه عن مرفوعه، ولا نظير لذلك، #بخلاف كونه في موضع رفع، فإن الاستغناء به نظير بمرفوع كاد في نحو: من تأتّى أصاب أو كاد، ومن تعجل أخطاء أو كاد».
قال: «ولأن قول سيبويه يلزم مه حملُ فعلٍ على حرفٍ في العمل، ولا نظير له».
ويلزمُ المبردَ الاكتفاءُ بالمنصوب أيضًا في نحو: عساك
تقومُ -بغير أَنْ، والإخبار باسم عين جامدٍ عن اسم معنى، ووقوع الخبر في غير موضعه بصورةٍ لا تجوز فيه إذا وقع موقعه؛ لأنك إذا قلت في عساك أن تفعلَ: عسى أن تفعلَ إياكَ، لم يجز، وما لم يَجُزْ في الحالة الاصلية حقيق بأن لا يجوز في الحالة الفرعية فثبت أن رَأْىَ الأخفش أولى الأقوال/ بالصواب.
وعند ذك يكون قولُك: عساك أن تقومَ، وزيد عساه أن يخرج بمنزلة: زيد عسى أن يخرج -والضمير في عسى- غير أنه يبقى بيان هذا الاختلاف، وذلك موكول إلى نظر الناظر أو الكتب المطولة.
واعلم أَنّ وقوع الضمير المنصوب (في) موقع المرفوع مختصّ بعسى دون اخلولق وأوشك؛ لأن عسى هى المرافقة للعلّ في المعنى، فعوملت في اللفظ معاملتها، بخلاف الفعلين الآخرين.
ثم قال الناظم:
وَالفَتْحَ والكَسْرَ أَجِزْ فِى السِّينِ مِنْ
نَحْوِ عَسَيْتُ، وانْتِقَا الفَتْحِ زُكِنْ
هذه تتمة القول في إحدى المسألتين في هذا الباب، وهى أن الفعل المذكور الذى هو عسى، إذا أسند إلى ضمير متكلم أو نحوه، وهو ضمير المخاطب، فإن لك في سين عسى وجهين:
أحدهما: فتقول: عَسَيتُ أَنْ أقومَ، مثل: عَنَيتُ.
والثاني: الكسر، فتقول: عَسِيتُ أنْ أقومَ، مثل: نَسِيت.
وكذلك ما كان نحو عَسَيِتُ أَنْ أقومَ، مثل: نَسِيت.
وكذلك ما كان نحو عَسَيِتُ، مثل عَسِينا، وعَسَيِتَ، وعَسَيْتُما، وعَسِيتُمْ، وعَسَيتُنّ في ذلك كله الوجهان.
والضابطُ الذى أشار إليه بالمثال هو أن تُسنِد عسى إلى ضمير يسكن معه آخر الفعل؛ فقولهُ:
من نحو كذا، إخبارُ عن كل موضع كانت فيه مسندةٌ إلى ضمير يسكن معه آخر الفعل، فيدخ كل مسند في التاء وحدها نحو عَسِيت، أو مع غيرها نحو عَسِيتم، أو النون: الهندات عَسِينَ، أو نا نحو عَسِيا.
فهذا كله فيه الوجهان.
وقد قُرِئ قولُ الله تعالى: ﴿قَالَ: هَلْ عَسَيتم إِنْ كُتِب عَليكُم القِتَالُ أن لا تُقَاتِلوا﴾، وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيتم إن تَوَلّيتم أن تُفْسِدُوا في الأَرْض﴾، بالوجهين.
وقوله: «والفتح والكسر»، منصوبٌ بأجِزْ.
و «في السين»، متعلقة به.
و «من نحو» متعلق باسم فاعل محذوف ثم نبّه على اختيار الفتح بقوله: «وانتقا الفتح زُكِن»، الانتقاء بالمدّ فقصره ضرورة، معناه: الاختيار؛ يقال: انتقيت كذا، أى: اخترته.
ومعنى زكن: علم.
يريدُ أن اختيار الفتح هو المعروف المعلوم.
قال في الشرح: ولذلك قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، ولم يقرأ بالكسر إلا نافع.
وإنما كان المختار لأنه اللغة الفاشية الشهيرة، قال مكي في
اختصار الحجة للفارسي: «حجة من كسر أنها لغة في هذا الفعل إذا اتصل بمضمر خاصة، ويدلّ على ذلك ما حكاه ابن الأعرابي من قولهم: هو عَسٍ بكذا، مثل: شَجٍ وحَرٍ، قال: فهو إذًا فِعْلٌ مثل شَجِى».
قال: «وحجة من فتح أنها اللغة الفاشية المستعملة مع المضمر والمظهر، ويقوّى ذلك أنه قد أُجْمِع على فتح السين مع المظهر، فواجب أن يكون مع المضمر كذلك؛ لأن المضمر يصيبُ المظهر».
وذكر أنّ قياس لغة الكسر إذا أُسنِدَ الفِعلُ إلى ظاهر أن يكون: عَسِى زيدٌ، الكسر مثل رَضِى، إلا أن نافعًا أخذ بالأمرين فكسر مع المضمر وفتح مع المظهر.
وقد قال بن دَرَسْتُويه: إن الكسر لغة رديّةٌ شاذة.
/فالحاصل أنّ سببَ الاختيار لفتح وجهان: كونه اللغة الفاشية، بخلاف الكسر.
وكونُه جارٍ على القياس لعدم اختلافه مع الظاهر والمضمر، بخلاف الكسر فإنه يختلف الأمرُ فيه، فيكون موجودًا مع المضمر، ولا مع كل مُضْمر، ومعدوما إلى الرجوع إلى الفتح مع الظاهر.
فهى لغة مضطربةٌ في القياس.
فاختيارهُ الفتحِ للسماع والقياس معًا.