شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 164-166

وليس من هذا القسم.
وقالوا: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك، والظباء على البقر، وهو في كلامهم كثير، ويجوز في هذه الأشياء إظهار الفعل المقدر.
قال سيبويه: لما ذكر جملة من هذه الأشياء قال: "وكلهم يفسر ما ينوي" قال: وإنما سهل تفسيره عندهم؛ لأن المضمر قد استعمل في هذا الموضع عندهم بإظهار" وأما الذي لا يجوز إظهاره فنحو قول العرب: هذا ولا زعماتك، تقديره: ولا أتوهم زعماتك، وقالوا: كليهما وتمرا، كأنه قال: أعطني كليهما وزدني تمرا، وقالوا: كل شيء ولا شتيمة حر، أي: ايت كل شيء ولا ترتكب شتيمة حر، وفي القرآن: ﴿انتهوا خيرا لكم﴾ كأنه قال: إيتوا خيرا لكم، ومن ذلك قولهم: أخذته بدرهم فصاعدا، ومن أنت زيدا، وأما أنت منطلقا انطلقت معك، وأما زيد ذاهبا ذهبت معه، ومما جاء من ذلك في اشعر قول غيلان- أنشده سيبويه: ديار مية إذ مي تساعفنا... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب

كأنه قال: أذكر، وأنشد أيضا لابن أبي ربيعة: فواعديه سرحتي مالك... أو الربا بينهما أسهلا تقديره: إيتي موضع كذا وكذا.
وأنشد للقطامي: فكرت تبتغيه فوافقته... على دمه ومصرعه السباعا تقديره: وافقت السباع، وأنشد أيضا لابن الأسلت: لن تراها ولو تأملت إلا... ولها في مفارق الرأس طيبا أي: رأيت في مفارقها طيبا، وأنشد أيضا لابن قميئة: تذكرت أرضا بها أهلها... أخوالها فيها وأعمامها.

تقديره: تذكرت أخوالها وأعمامها، ومثل ذلك عند الخليل أيضا: إذا تغنى الحمام الورق هيجني... ولو تعزيت عنها أم عمار أي تذكرت أم عمار، وهذه كلها لا يجوز فيها إظهار الفعل.
وإليها أشار الناظم بقوله: "وقد يكون حذفه ملتزما" أي: حذف الناصب، وبين بقد أن ذلك قليل، وهو كما قال، إلا أنه يشعر بأنه قياس، فإنه قال: "ويحذف الناصبها، إن علما" فأجرى القياس بإطلاق، ولم يقيده بأحد القسمين دون الآخر، ثم قال: "وقد يكون حذفه ملتزما" فجرد قسم اللازم الحذف، وجعله قليلا، وأيضا فقد مر من عادته أنه حيث يأتي بقد للتقليل فهو عنده مما يقاس عليه على قلته، وليس كذلك بإطلاق؛ إذ لا يقاس على: كليهما وتمرا، ولا على: هذا ولا زعماتك، ولا غير ذلك من الأمثلة، ولا الأبيات، ففي هذا ما فيه.
والجواب: أن ما لا يجوز إظهاره في هذا الموضع على ضربين: أحدهما: جائز فيه القياس كالتحذير، والإغراء، وباب النداء، ونحو: أما أنت منطلقا، وما أشبه ذلك مما نبه عليه في أبواب/ والثاني: ما لا يدخل تحت قياس، فأتى هنا بمجرد التنبيه على وجود هذا القسم، ثم نبه على ما كان منه قياسا، فأشعر أن ما دون ذلك سماع، وإذا كان كذلك صح كلامه، وكل ما التزم حذفه من هذه الأشياء فإما لكثرة الاستعمال وإما لجريان الكلام مجرى المثل، وإما لجعل الكلام أو بعضه كالعوض عنه لما كان يعطي معناه.

جارٍ التحميل