شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 655-694

الأول: أن تلحق أخيرًا وحدها، كعلقًى وسائر ما تقدم من الأمثلة.
وما قاله النظام فيه صحيح.
والآخر: أن تلحق طرفًا بعد ألف زائدة، فتنقلب همزة نحو: علباء، وحرباء، فإنهما ملحقان بقرطاس وسربال، وكذلك: قوباء، وملحقة له ببناء فسطاس، وغوغاء، وضوضاء، عند من نون، ملحق بفضفاض، وصلصال.
وإذا ثبت هذا وأن الهمزة أصلها الألف فيقتضي كلام الناظم أن نحو: (علباء) لا ينصرف إذا سمي به؛ إذ للقائل أن يقول: إنها أضبهت همزة التانيث في (صحراء) ونحوه، لأن كل واحدة منهما منقلبة عن ألف يمتنع الصرف بها، شبهت ألف الإلحاق قبل الإبدال همزة بألف التأنيث قبل الإبدال أيضا، وكذلك تشبه بها بعد الإبدال، فيمتنع الصرف.
وهذا الحكم هنا غير صحيح؛ بل الصحيح أن (علباء) و (حرباء) ونحوهما من الملحقات التي آخرها همزة إذا سمي بها تنصرف البتة، ولا يجوز المنع، لأن همزة الإلحاق لا تشبه همزة التأنيث، من جهة أن همزة الإلحاق منقلبة عن ياء لا على ألف، وهمزة التأنيث منقلبة عن ألف لا عن ياء، فافترقا في الحكم لأجل افتراقهما في التقدير.

بهذا علل الصرف ابن أبي الربيع، وبينه الأستاذ- رحمه الله- بأن الحرف إذا كان منقلبا عن مانعٍ منع، كالهمزة في (صحراء) وإذا كان منقلبا عن غير مانع لم يمنع كهمزة (علباء).
وإذا كان كذلك، فإطلاق الناظم مخل، وكان الواجب عليه أن يقيد الألف بالمقصورة، كما فعل في "التسهيلين" و"الفوائد".
والوجه الثاني: أن ألف التكثير في هذا الحكم مساوية لألف الإلحاق، كما إذا سميت بقبعثري، وضبغطري، ونحوهما مما ألفه للتكثير، فإن صرفه ممتنع لشبه الألف بألف التأنيث، ولا فرق بين الألفين في هذا الحكم.
فلم اقتصر على إحداهما وترك الأخرى، وتركها موهمٌ بجواز الصرف؟ والجواب عن الأول: أن الألف إذا أطلقت فحقيقة مفهومها أنها غير المنقلبة؛ إذ كان انقلابها يصيرها إلى حقيقة أخرى تسمى همزة، فلا تحمل على غير صورتها الأصلية إلا لموجب.
فإن قلت: فلم حملت ألف التأنيث حيث ذكرها أول الباب على وجهيها، (ولم تحمل هذه على وجهيها) كذلك؟ فالجواب: أن ألف التأنيث هنالك أردفها بقول: "مطلقًا منع" وهذا الإطلاق ليس إلا لحالتيها معًا، من بقائها على أصلها وانقلابها

همزة، وإلا فلا معنى لقوله: ثم "مطلقًا" أو لقوله: "كيفما وقع" على ما تقدم من التفسيرين.
وأما هذه فلم يطلق الحكم فيها؛ بل ذكرها بالاسم الذي يسبق إلى الفهم من لا صورتها الأولى، اتكالًا على ذكاء الفطنة على عادته في هذا النظم، وهي من محاسنه فيه.
وقد سبق من نحو هذا أشياء كثيرة.
وبالله التوفيق.
والجواب عن الثاني: أن ألف التكثير ليست بالكثير، وإنما وقعت في قليل من الألفاظ، فلم يعتن بذكرها بحسب القصد في هذا المختصر، وعلى أنه لم ينبه على ذلك في "التسهيل" فالله أعلم لم ترك ذلك، ألندوره، أم لعلةٍ أخرى، أم للغفلة عنه؟ أما هنا فلا اعتراض عليه.
وقوله: "فليس ينصرف" اسم "ليس" ضمير عائد على مدلول ما في قوله: "وما يصير علمًا" والخبر "ينصرف" ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، كقولهم: ليس خلق الله مثله، والأول أولى.
والعلم امنع صرفه إن عدلا... كفعل التوكيد أو كثعلا العدل على أربعة أقسام: عدل على (فعال) وعدل على (مفعل) وقد تقدم ذكرهما، وهما مختصان بالصفات وعدل على (فعل) وعلى (فعال) وهما مختصان بالأعلام، ويلحق بهما خامس، وهو العدل عن الألف واللام، وهو مختص بـ (أخر) في الصفات، وقد تقدم، وبـ (سخر) في المعارف، وهو الذي ذكر هنا.

فالذي يتكلم عليه هنا ما كان من العدل في المعارف، لأنه من القسم الذي ينصرف في النكرة، فبين أن العلم يمنع صرفه إذا كان معدولا إلى (فعل) كفعل المختص بباب التوكيد، وكجشم الذي هو علم لرجل.
فقوله: "امنع صرفه إن عدل ككذا" يريد إن عدل على هذا الوزن الذي هو على (فُعَل) وأتى فيه بنوعين: أحدهما: (فُعل) التوكيد، يعني ما كان موازنًا لـ (فعل) في ألفاظ التوكيد، وذلك (جُمَع، وكُتَع، وبُصَع، وبُتَع) فإن هذه معدولة عما كان الأصل فيها إلى (فُعَل).
واختلف في المعدول عنه ما هو؟ فالذي قاله الفارسي إنه معدول عن (جماعي) لأنه جمع (فعلاء) و (فعلاء) إذا كان غير صفة قياسه (فعالى) كصحراء وصحارى، فعدل إلى (فُعَل) تخفيفا.
وقيل: إنه معدول عن (فعل) لا عن فعالى لأنه جمع (فعلاء) و (فعلاء) مؤنث (أفعل).
وقياس (فعلاء أفعل) أن يجمع على (فعل) فكان قياس (جُمع) أن يكون (جمعًا) فعدل عنه إلى (فعل) وكذلك سائر الألفاظ.
واعترض هذا الفارسي بأن (أفعل فعلاء) لا يجمع على (فعل) إلا إذا امتنع مذكره من الجمع بالواو، والنون، كحمراء وحمر، لأنه لا يقال: أحمرون.

وأما إذا جمع مذكره بالواو والنون فليس قياس مؤنثه (فعل) ولا هو من باب (أفعل فعلاء).
وأيضا، العدل: يقصد به ضرب من التخفيف، وهذا نقيض الغرض، لأنه (فعلًا) أخف من (فعل) ولم يبين الناظم وجه العدل.
والثاني من النوعين (فعل) الذي في غير التوكيد كـ "ثعل" الذي مثل به، وهو أبو حي من طيئ، وهو ثعل بن عمرو أخو نبهان، وهم الذين عناهم امرؤ القيس بقوله: رب رامٍ من بني ثعل... مخرجٍ كفيه من ستره وكذلك "جشم" الذي مثل به بعد، وهو أبو حي من الأنصار، وهو جشم بن الخزرج، وكان يقال: إن سرك العز فجحجح بجشم.
و"جشم" في ثقيف، وهو جشم بن ثقيف، وجشم بن معاوية بن بكر بن هوازن.
ومثله (عمر، وزفر) و (زحل) اسم الكوكب، و (قثم)؟ وهذا البناء معدول عن (فاعل) كأنهم أرادوا أن يقولوا: عامر، وزافر، وزاحل، وقاثم، ثم عدلوا عنه إلى (فعل).

وهذا إنما تلقى من السماع، أعني كونه معدولا عن شيء، ولذلك جعل ابن الحاجب هذا العدل مقدرًا، وجعل العدل في (جُمَعَ، وكُتع، وأُخَر) ونحو ذلك محققًا، لأن (جمع) وما ذكر معه أدى القياس إلى حقيقته في الأصل، بخلاف نحو (عمر، وزفر) فإن القياس لم يهتد إليه حتى سمع غير مصروف.
ومن هنا يرد على الناظم اعتراضان: أحدهما: أن ما كان من نحو (عمر، وزفر) منع صرفه عنده مبني على تحقيق العلة المانعة وهو العدل، وهو مما لا يهتدي إليه بقياس، وإنما يتلقى من السماع- أعني كونه معدولا- وليس لنا سبيل إلى ذلك من السماع إلا من جهة صرفه وعدم صرفه.
ولذلك يقول بعض النحويين في ضابط وجود المعدول: هو أن ينظر إلى (فعل) كيف جرى في كلامهم؟ فإن رأيته لم يصرف علمت أنه معدول، وغن كان له أصل في النكرة حكمت عليه بالنقل نحو (صرد، ونغر) وما ليس له أصل في النكرة حكمت بالعدل، نحو (زفر) وقال بعضهم: إذا وجدته معربًا غير مصروف، ولم تعلم له أصلا في النكرات، فهو معدول، نحو (قثم) وإلا فغير معدول، نحو (أدد) يقال

معد بن عدنان بن أددٍ، فإن العرب صرفته وإن لم يعلم له أصل في النكرات.
فإن وجدت له أصلا، فالأصل فيه الصرف، وأنه غير معدول، نحو (حطمٍ) اسم رجل، إلا أن يأتي السماع بمنعه، فتعلم أنه ليس بمنقول من تلك النكرة، نحو: (عمر) وهذا العقد الثاني أسعد بمذهب سيبويه، وهو الصحيح، ألا ترى أنه حكى الصرف في (أددٍ) مع أنه ليس له أصل في النكرة، وهذا يدل من كلام سيبويه على أن أصل (فعلٍ) الصرف وإن لم يسمع له نكرة.
وإذا ثبت هذا فقوله: "امنع صرفه إن عدل" دوري، لأنه وقف الحكم بمنع الصرف على وجود العدل في هذا القانون.
وعندهم أن وجود العدل موقوف على سماع منع الصرف، وإلا فهو مصروف، وهذا دور ظاهر، وهو فاسد.
والاعتراض الثاني: أن العدل في نحو (عمر) موقوف على السماع، وهو قد أطلق القول في ذلك ولم يقيده؛ بل قال: "كفعل التوكيد أو كثعلا" و"ثعل" على وزن (فُعَلٍ) فيقتضي أن كل ما كان على هذا الوزن، وهو مسمى به، يمنع صرفه وإن كان له أصل في النكرات، إذ (الثُّعل) هي الزوائد [في الأسنان] واختلاف في منبتها، يركب بعضها بعضا، فعلى هذا كل (فعل) كل معرفةً أول الوضع فلا يصرف، وكذلك إذا سمي بواحد من النكرات، سواء أكان اسم

جنس كصردٍ ونغرٍ، أم صفة كبلدٍ وحطمٍ، أو مصدر كهدًى، وتقًى، أو جمعا نحو: غرفٍ وظلمٍ، وهذا كله فاسد بنصوص النحويين وكلام العرب.
وقد وافق النحويين في "التسهيل" فقال حين ذكر المعدول عن (فاعل) علما: وطريق العلم به سماعه غير مصروف، عاريًا من سائر الموانع.
اللهم إلا أن يكون العدل محققًا من غير ذلك كـ (فعل) في النداء، نحو: خُبث، وفُسق، ولُكَع، إذا سمي بها، وكذلك ما كان من المعدول في الأوصاف، وفي التوكيد، ونحو ذلك، فهذا محقق العدل.
ومثاله لا يعطي إلا ما كان علما عندهم، نحو (ثُعَلٍ) فحصل من هذا أن ما كان متأكدًا عليه ذكره تركه، وما كان واجبًا عليه أن يبينه، ويخرجه عن مقتضى القاعدة أهمله، فدخل عليه.
والجواب: عن الاعتراضيين معًا أن الناظم إنما تكلم على العلم الذي ثبت كونه معدولا، لأنه قال: "والعلم امنع صرفه إن عدلا" يريد": إن ثبت كونه معدولا قبل النظر القياس فيه.
وثبوت عدله يكون بوجوه: أحدها: أن يثبت من موضعٍ آخر كثبوت كون (أُخر) معدولا، وكذلك (فعال) و (مفعل) في العدد، نحو: أحاد، وموحد، وثناء، ومثنى،

وثلاث، ورباع، وما أشبه ذلك، مما قيس أو لم يقس، فإذا سمينا بواحد منها فقد سمينا بما ثبت عدله، فلابد من منع الصرف، لأنل قد ثبت عندنا عدلها سماعا؛ بل كذلك نقول فيمن سمي بسداس ومسدس، ونحوه إلى عشار ومعشر، وإن لم نسمعه، ولا قلنا بالقياس فيه، لأن طريقة (فعال، ومفعل) في العدد من واحد إلى عشرة، ثبت قصد العدل فيه على الجملة.
فهذا طريق واضح يثبت به العدل وإن لم يكن المعدول علمًا بعد.
والثاني: ما في باب ما لا يقع إلا في "النداء" خاصة، وذلك (فُعل) في المذكر و (فعال) في المؤنث، فإنهما معدولان عن (فاعل، وفاعلة) نحو: يا خبث، ويا خباث، ويا لُكع، ويا لكاع، ويا فُسق، ويا فساق، وهو في (فعال) مقيس عند الناظم، قد نبه عليه في بابه، و (فُعل) شائع عنده غير مقيس، ومقيس عند غيره، وكذلك ما جاء فيه من (مفعلان) معدول أيضا، فكل هذا إذا سمي به مذكر امتنع صرفه، لثبوت عدله في غير باب (ما لا ينصرف).
والثالث: ما ثبت العدل فيه في باب (التوكيد) وذلك: جُمع، وكُتَع، وبُصع، وبُتع، ولا يلزم فيه اعتراض، لأن الذي أثبت فيه عدم الصرف للعدل في باب (التوكيد) فإذا سميت بها الأشخاص صارت إلى باب آخر غير بابها، فحكم عليها بامتناع الصرف.
والرابع: ما ثبت في باب (فعال) وذلك أنه قد ثبت في [منع الصرف] بالعدل في غير التسمية، فالذي لمعنى الأمر، كـ (نزال، وتراك) معدول عن: انزل، واترك، وكذلك ما أشبهه.

والذي بمعنى الصفة كـ (حلاق) للمنية، و (جعار) للضبع، معدول عن: حالقة، وجاعرة، وكذلك نحوه.
والذي بمعنى المصدر كـ (يسار، وفجار) وقد ذكر (فعال) في "النداء".
والذي في النداء والأمر مطرد، وما عداهما سماع.
وعلى كل تقدير إذا سمي بما قيس وما سمع مذكر فإنه يمتنع للعدل والعلمية، وقد يصرف، وذلك قليل، فإن سمي به مؤنث فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله إثر هذا.
وإذا ثبت العدل في هذه الأنواع، وهي قياس أو سماع، فلا دور يلزم في تعريف الناظم، لأنه أحال على ما علم عدله في غير باب (ما لا ينصرف) أو في باب (ما لا ينصرف) لكن في حال أخرى، كالتسمية بـ (فعل) التوكيد، فإنه غير ما ثبت رم الصرف.
وإنما الذي يلزم فيه الدور ما ذكره في السؤال، ونحن لا نقول: إنه قاصد لإدخاله في الباب على الوجه المذكور، لما يلزم من المحذور؛ بل يبقى موقوفا على السماع مطلقا، لأن العدل فيه لم يثبت بعد، فليس بداخل تحت قوله: "إن عدل".
وإنما يتكلم على ما ثبت عندنا.
فإن قلت: هذا خلاف ما ظهر منه بالمثال، فإن جميع ما ذكر هنا مخالف لما مثل به وهو (ثعل) إذ ليس بواحد من تلك الأقسام، ولا يثبت عدله إلا من باب (ما لا ينصرف) فالإشكال باقٍ.
فالجواب أن المثال قد أعطى أنه معدول، وأنه لا ينصرف سماعًا من العرب، والذي قصد بالإتيان به أن ما كان مثله في ثبوت العدل فهو مثله

في منع الصرف مجرى ذلك المسموع.
وباب (عمر، وزفر، وثعل) الصرف.
وإنما كان يلزم الإشكال أن لو أتى به ليقيس عليه مثله، مما لا يثبت عدله إلا بمنع الصرف، وليس كذلك؛ بل أتى به من باب السماع فقط، لتقيس أنت عليه ما يثبت عندك عدله من وجه آخر، وما لم يثبت فلا تجريه في منع العرب صرفه، فلا معنى للأمر بمنع صرفه وقد كان وضعه كذلك.
فإذا تقرر هذا حصل أن ما أجرى الناظم من القياس ليس فيما مثل به، وأن ما مثل به ليس بقياس، وأن ما أورد في المسألة جارٍ على قوانين العرب والنحويين على اختصار عبارته بلطف إشارته، وهي من محاسنه.
ثم أتي بمسألة (سحر) فقال: والعدل والتعريف مانعا سحر إذا... به التعيين قصدا يعتبر يريد أن يبين أن (سحر) إذا قصد به أن يكون ليومٍ بعينه، فإن العرب منعته الصرف، فتقول: جئتك يوم الجمعة سحر، ولقيتك يوم الخميس سحر، وأن السبب لمنع صرفه العدل والتعريف.
وإنما اعتنى بذكر المانع في (سحر) لإشكال منعه الصرف على حسب ما يتبين بحول الله، وذلك أنه وضع لوقتٍ بعينه، فهو معرفة، لأن ما وضع لشيء بعينه خصوصًا فهو معرفة، والتعريف فيه تعريف العلمية الجنسية، وهي مانعة كالشخصية.
ولما كان تعريفه على غير وجه التعريف المعلوم في نظائره، وهو إما بالألف واللام، وإما بالإضافة- صار كأنه عدل عما كان يستحقه إلى وجهٍ آخر

من التعريف، كما عدل (أمس) في لغة من قال: مذ أمس.
وكما عدل (أخر) عما كان الأصل في تعريفه من الألف واللام.
هذا الذي يمكن في توجيه منع الصرف في (سحر) وهو الذي أراده الناظم.
ولما فيه من الإشكال زعم بعضهم أنه مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف التعريف، ورده ابن الناظم بأمور: أحدها: أنه لو كان كذلك لكان غير الفتح أولى به، لأنه في موضع نصب، فكان يلتبس البناء بالإعراب، فوجب اجتنابه، كما اجتنب في (قبل، وبعد) والمنادى [المفرد المعرفة].
والثاني: أنه كان يكون جائز الإعراب كـ (حين) في قوله:

على حين عاتبت المشيب على الصبا لتساويها في ضعف سبب البناء لكونه عارضا.
والثالث: أن دعوى الجمهور أسهل، لأنه أقرب إلى الأصل، بخلاف دعوى البناء، ودعوى الأسهل أرجح.
فثبت أنه غير مبني كما قال الجمهور، وأن معنى حرف التعريف فيه ليس على التضمين؛ بل على العدل عما هو فيه كما تقدم.
وبعد ذلك، فيرد على الناظم في مذهبه إشكالان: أحدهما: أنهم يقولون في (غدوة، وبكرة) لوقتٍ بعينه: إنه ممنوع الصرف للتعريف والتأنيث، لأنه من يوم بعينه، ولدخول الهاء فيه، ولا يقولون فيه: إنه معدول؛ بل يزعمون أنه غير معدول، مع أنه قد عرف على غير ما كان يستحقه من التعريف، وهو الألف واللام، أو الإضافة، وهو المعلوم في بابه، فيقول القائل: لا بد هنا من أحد أمرين: إما أن يكون التعريف على غير جهته المعهودة عدلا، فيكون نفيهم إياه عن (غدوة، وبكرة) خطأ، وكان إذ ذاك يلزم إتيان الناظم بهما مع (سحر) إذ لا فرق على هذا الترتيب.
وإما أن يكون ادعاؤهم العدل في (سحر) باطلا، فلابد من البحث عن علة أخرى، أو صرف (سحر) وصرفه خطأ، لأن العرب منعته، فأشكل هذا كله.

والثاني: أن (ضحى، وضحوة، وعشاء، وعشية) وأخواتها مما هو لوقت بعينه، قد صرفتها العرب، مع أنها معارف، لكونها لوقت بعينه كـ (سحر، وغدوة، وبكرة) ومع أنها موضوعة في التعريف غير وضعها؛ إذ كان حقها أن تعرف بالألف واللام، كما في نظائرها.
فالعرب لم تعتبر هنا ما زعموا أنها اعتبرته في (سحر) وهذا تناقض من القول، واعتبار لما أهملته العرب.
ولما ثبت أن العلتين المذكورتين في (سحر) غير معتبرتين في ظاهر الأمر- أراد الناظم أن يحقق لك ما قاله النحويون، ويثبته عندك بالتنبيه على بخصوصه، لتعلم أن ما قالوه من ذلك إنما ارتكبوه لمعنى صحيح، لا يغفلون عنه فقال: والعدل والتعريف مانعا سحر وأحال الناظر على البحث في وجه ذلك.
ووجه ما قالوه من ذلك أنهم وجدوا (سحر) غير منصرف، فعلموا أن لابد من العلتين.
فأما التعريف فأوضحه المعنى؛ إذ كان لوقت معين.
وأما العدل: فبينه كونهم لم يتصرفوا فيه، ولم يستعملوه على غير جهة الظرفية، فتبينوا أن ذلك إنما هو لأجل وضعه في غير موضعه، واستعماله على غير طريقته.
وهذه قاعدة عربية إذا استعمل الشيء في غير موضعه وعلى غير وجهه، لم يتصرف تصرف ما هو باقٍ على أصله.
وقد بين ذلك ابن خروف في الظروف، خصوصا في شرح "الكتاب" في باب (ما يحتمل الشعر).

وإذا ثبت هذا فـ (غدوة، وبكرة) لما كانا متصرفين على غير طريقة (سحر) ظهر أن العدل فيهما غير مراد، وأن تعريف العلمية فيهما بحق الأصل، لا بالخروج عن الأصل؛ إذ لو كان كذلك لم يتصرفوا فيها.
فقالوا: إن المانع فيهما مع العلمية التأنيث.
وأما (ضحى، وضحوة) وبابه، وإن كان ليومٍ بعينه، فإن عدم التصرف فيهما دل على أن التعريف فيهما ليس بحق الأصل؛ بل عدل بهما عن طريقهما من التعريف بالألف واللام، أو الإضافة.
ولما كانوا قد صرفوها دل على أنها في أنفسها ليست بمعارف؛ بل جرت مجرى قولهم: ما رأيته أول من أمس، وأنت تريد اليوم الذي قبل يومك، وما رأيته عامًا أول، وأنت تريد العام الذي قبل عامك، فاللفظ لفظ النكرة، والمعنى على خلاف ذلك، فكذلك (ضحى، وضحوة) لفظه نكرة، والمعنى معنى المعرفة.
وهذا كله من الاستدلال بالأحكام وهو باب واسع في الأصول، وعليه المعول في كثير من الأحكام العربية.
ثم قال: وابنِ على الكسر فعالٍ علما... مؤنثًا وهو نظير جشما عند تميم واصرفن ما نكرا... من كل ما التعريف فيه أثرا يعني أن (فعال) على وزن (حذار، وتراك) إذا صار علمًا، سواء أكان أصلها الأمر أم غير ذلك من أقسام (فعال) وكانت تلك العلمية معلقة على مؤنث- فإن فيه وجهين: أحدهما: البناء على الكسر مطلقا، وهو مذهب عرب الحجاز، وذلك قوله: "وابنِ على الكسر".

والثاني: الحكم له بحكم (جشم) وغيره من المعدولات إذا كانت أعلاما، وذلك إعرابه إعراب ما لا ينصرف، وهو مذهب بني تميم، وذلك [قوله] و"هو نظير جشما عند تميمٍ" أي نظيره في الإعراب غير منصرف كما تقدم فيه.
و(فعال) المسمى به قد تكون العرب هي التي سمت به، نحو (حذامِ) اسم امرأة.
قال الشاعر: إذا قالت حذامِ فصدقوها... فإن القول ما قالت حذام و(قطام) اسم امرأة.
قال النابغة: أتاركةً تدللها قطامِ... وضنا بالتحية والكلام و(رقاشِ) وكذلك، قال الشاعر، ونسبه الجوهري إلى امرئ القيس:

قامت رقاشِ وأصحابي على عجل... تبدي لنا النحر واللبات والجيدا و(غلابِ) اسم امرأة كذلك.
وفي غير الآدميين (سفارِ) اسم ماء، وقال الجوهري: اسم بئر، وهو واحد.
قال الفرزدق: متى ما ترد يومًا سفارِ تجديها... أديهم يرمي المستجيز المعورا و(حضارِ) اسم كوكب، ويقال: حضار والوزن محلفان، وهما نجمان يطلعان قبل: سهيل، فيخلف إذا طلع أحدهما أنه سهيل لشبهه به.
وهذان اللفظان قد يظهر أنهما مذكران، لأن الماء مذكر، والنجم مذكر، وليس في الاعتبار كذلك؛ بل القصد في التسمية بهما لحفظ التأنيث، ذكره سيبويه.

و (وبارِ) اسم أرض كانت لقوم عاد، وهي التي ذكرها الأعشي في قوله، أنشده سيبويه: ومر دهر على وبارِ... فهلكت جهرة وبار فكل ما كان على (فعال) من هذا القسم فيه وجهان على ما قال الناظم، البناء مطلقا لأهل الحجاز، والإعراب من غير صرف لبني تميم.
ودل على إرادة أهل الحجاز، وإن لم يذكرهم، مساق الكلام، لأنه قال في الإعراب: "وهو نظير جشما عند تميم" فبقي الوجه الآخر، وهو البناء لأهل الحجاز، لأنه ليس في الاستعمال من يخالف بني تميم سوى أهل الحجاز.
وتميم: هو تميم بن مر بن أد بن طلحة بن إلياس بن مضر.
وقد تكون (فعال) لم تسم العرب بها أحدا، وذلك ثلاثة أنواع: أحدها: (فعال) في الأمر، نحو: نزال، وتراك، وحذار، ومناع، وقد تقدم ذكره.
والثاني: (فعال) في المصادر، كقولك: فجارِ، تريد الفجرة.
أنشد سيبويه للنابغة:

أنّا اقتسمنا خطتينا بيننا... فحملت برة واحتملت فجارِ و(يسارِ) اسم لليسرة أو الميسرة.
قال الشاعر أنشده سيبويه: فقلت امكثي حتى يسارِ لعلنا... نحج معًا قالت أعامًا وقابله! و(بدادِ) اسم لـ (بددًا) قال الجعدي، ويقال هو للقيظ بن زرارة، وقيل: لابن كراع، أنشده سيبويه: وذكرت من لبن المحلق شربة... والخيل تعدو بالصعيد بداد

وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه: كنا ثمانية وكانوا جحفلا... لجبًا فشلوا بالرماح ومنه قولهم: (لامساس) تقول العرب: أنت لامساسِ" أي [لا] تمسني ولا أمسك.
وقرئ في غير السبع "قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس" قرأها أبو حيوة، فهو اسم للمس.
وكذلك همامِ، يقال لا همامِ، أي لا أهم بذلك همًا، قال الكميت: عادلًا غيرهم من الناس طرًا... بهم لا همامِ لي لا همامِ

و (كفافِ) اسم للكف، يقال: دعني كفاف.
والثالث (فَعَالِ) في الصفات، وهو قسمان: قسم لا يكون إلا في النداء، نحو: يا فساق، ويا خباث، وما أشبه ذلك، وقد تقدم في بابه.
وقسم يقع في النداء وغيره، مثل: جَعَارِ، للضبع، اسم للجاعرة، أنشد سيبويه للنابغة الجعدي: فقلت لها عيثي جعارِ وجرري... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره ويقال لها: قثامِ، لأنها تقثم، أي تقطع.
وقال الشاعر في (حلاقِ) اسم للحالقة، وهي المنية، أنشده سيبويه:

لحقت حلاقِ بهم على أكسائهم... ضرب الرقاب ولا يهم المغنم وأنشد أيضا لمهلهل: ما أرجي بالعيش بعد ندامي... قد أراهم سقوا بكأس حلاقِ! وتكثير المثل هنا يحصل به الاتساع في التسمية، لأنها أبواب مسموعة، وإنما القياس منها (فعال) في الأمر، وفي النداء، وقد ذكر الزمخشري منها كثيرا.
ونقل ذلك ابن خروف، فانقله من ثمة إذا أردته.
فإذا كل ما سمي به من هذه الأشياء فإنه يمتنع صرفه عند بني تميم، ويبنى على الكسر عند أهل الحجاز.
وبقى على كلام الناظم سؤالان.
أحدهما: أنه قد تقرر عند أهل النحو أن (فعال) في جميع أقسامه معدول، ولذلك أتى به الناظم في (باب العدل) وإذا ثبت أنه معدول فهو أيضا معرفة، كان للأمر أو لغير ذلك.
وقد بين ذلك سيبويه، ونص عليه بقوله: وإذا كان جميع هذا نكرة، يعني ما سمي به من أقسام (فعال) انصرف كما ينصرف (عمر) في

النكرة، لأن (فعال) لا يجيء معدولا عن نكرة.
فقوله: "إن هذا لا يجيء معدولًا عن نكرة" دليل على أن (فعال) في جميع أحوالها معرفة.
وثبت أيضا أنه كلها مؤنثة، استدل سيبويه على ذلك بأشياء كثيرة.
وبسط المسألة الشلوبين في "كتاب الأسئلة والأجوبة" بما فيه مقنع، فحصل من جميع ذلك أن (فعال) قد اجتمع فيه العلتان، التعريف والعدل، وثالثة وهي التأنيث.
وكل علم مؤنث: فالحجازيون يبنونه على الكسر، وبنو تميم يعربونه ممنوع الصرف، كما ذكر الناظم، فيقتضي ذلك كله أن (فعال) إذا كان للأمر، نحو: (نزال) فيه للعرب وجهان من حيث ثبت أنه علم لمؤنث معدول.
وكذلك باقي الأقسام، نحو: حلاق، وحماد، ولكاع، وهذا غير صحيح، لأنهم متفقون على لزوم الكسر فيما سوى (رقاشِ) ونحوه من أسماء المؤنث.
فإذا سمي بـ (نزالِ، أو حمادِ، أو بدادِ) امرأة كان كـ (رقاشِ) فإن بقي على أصله فلا خلاف في لزوم البناء على الكسر.
وقد قال في "التهسيل": واتفقوا على كسر (فعالِ) أمرًا أو مصدرًا أو حالًا أو صفةً جارية مجرى الأعلام، أو ملازمة للنداء.
والسؤال الثاني: أنه أطلق القول في اللغتين معًا، وأن تميما تعربه مطلقا عند التسمية به، والحجازيون يبنونه مطلقا.
أما بالنسبة إلى الحجازيين فالإطلاق صحيح.
وأما بالنسبة إلى بني تميم فغير صحيح، لأنهم يفرقون بين ما آخره راء وغيره، فما آخره راء يوافقون فيه الحجازيين، حرصًا على الإمالة، نحو: حضار، وسفارِ، ووبارِ، ويسارِ.

وما آخره غير راء فهو الذي يعربونه غير منصرف.
وأين هذا من كلام الناظم؟ فيقتضي أن نحو (سفارِ) معرب عند بني تميم مطلقا، وليس كذلك.
والجواب عن الأول أن قوله: "علمًا" يبين أنه لا يريد إلا ما سمي به مؤنث.
وبيان ذلك: أن (فعال) تقرر في السؤال أنه في أصل وضعه معرفة معدول، وإذا كان كذلك فكان اجتزاؤه بأن يقول: "وابنِ على الكسر فعال مطلقًا" كافيًا، لأنه على تقدير: وفي كل نوع كذلك، فصارت فائدة قوله: "علمًا" ساقطة.
وكذلك قوله: "مؤنثًا" لأنه قد تقرر تأنيثه، ولما كان قد حافظ على ذكر قيد العلمية والتأنيث، دل ذلك على قصد إليهما، وتعريف بمعنى لا فيهما، وما ذاك إلا ما كان عند التسمية.
وأيضا، فلفظ العلم إنما الغالب في استعماله ما كان مسمًى به، وواقعًا على الأناسي، وما يألفون ذلك ثانٍ عن أصل الوضع، فليس معنى كونه علمًا مؤنثًا إلا كونه مسمًى به، وذلك يشمل ما سمت العرب به، نحو: حذامِ، ورقاشِ، وما سمينا نحن به من سائر الأقسام.
وهنا يظهر لقيد التأنيث فائدة هي مقصودة للناظم أيضا، وهي حاصلة من مفهوم تلك الصفة، أن هذه الأشياء إذا كانت علما لمذكر فلا يكون حكمها البناء؛ بل غيره.
وقد تقدم اشتمال القاعدة الأولى من العدل عليه، فهو إذًا مما يمتنع صرفه مطلقًا في لغة الحجازيين ولغة التميميين معًا، وهذا هو الأشهر فيه.

وقد حكي الصرف وهو ضعيف، فإذًا لا إشكال في كلام الناظم على هذا.
والجواب عن الثاني: أن بعضهم حكى عن بعض بني تميم طرد القاعدة في (فعال) مطلقا، فيما آخره راء، وفي غير ذلك.
وأجاز ذلك سيبويه، قال: وقد يجوز أن ترفع وتنصف ما كان في آخره الراء، وأنشد قول الأعشي: ومر دهرٌ على وبارِ... فهلكت جهرة وبارُ لكن الأشهر عندهم فيما آخره راء موافقة الحجازيين، فكأنه لما رآهم مختلفين فيه أطلق فيهم القول بطرد القياس، وهو صحيح في الجملة، إلا أن الأولى بيان ذلك لو اتفق.
وبقي الكلام في وجه بناء ما بني من ذلك.
أما (فعال) في الأمر فقد تقدم له في "المعرب والمبني" وجه ذلك، وهو شبه الحرف في النيابة عن الفعل، من غير أن يكون معمولا لعامل، فأشبه "إن" وأخواتها، وذلك في قوله: "وكنيابة عن الفعل بلا تأثر".
وتقدم مذهب من ذهب إلى أن البناء فيها لتضمن معنى لام الأمر، وحمل اسم الفاعل الخبري على الأمري.
وما ذكره أولى وأجرى في القياس.
وأما ما عدا ذلك من الأقسام فإنما بني بالحمل على الأمر، لشبهه به في التأنيث والعدل والتعريف، لأن البنية مؤنثة فيها كلها، ومعدولة عن حدها فيها، ومعرفة كذلك.
فلما شابهتها هذا الشبه عوملت معاملتها في البناء.
والدليل على أن البناء للشبه بـ (فعال) التي للأمر أنه حيث كثر الشبه لم يكن فيه إلا البناء،

لغةً واحدة، وحيث نقص كان فيه اللغتان، وذلك إذا سمي بواحدة منها.
وذلك أن غير العلم منها فيه الدلالة على المصدر كالتي للأمر، فـ (فعال) في المصدر شديدة الشبه بـ (نزال) و (فعال) في الصفة شديدة الشبه بـ (فعال) في النداء، وقد وجب البناء لهما.
و (فعال) في النداء شديدة المشبه بالأمر، فإذا وقعت التسمية بعد الشبه فأعرب غير منصرف.
وإنما وافق التميميون الحجازيين فيما آخره راء حرصًا على الإمالة، لأن إجناح الألف، أي إمالتها، أخف عليهم، ليكون العمل من وجه واحد، فأرادوا الخفة، وعلموا أنهم إن كسروا الراء وصلوا إلى الإمالة لأجل الكسر، فإن رفعوا أو نصبوا لم يصلوا إليها، فألزموه الكسر لذلك، وهو تعليل الخليل.
وقد تم كلامه في المعدول.
ثم ذكر حكما آخر يعم جميع أنواع هذا القسم، فقال: "واصرفن ما نكرا" إلى آخره، يعني أن كل ما أثر فيه التعريف، فكان فيه منعا معتبرا ومؤثرا، بعد أن كان الاسم مصروفا قبل التعريف، فإنه إذا نكر بعد تعريفه انصرف، وعاد إلى ما كان عليه قبل التعريف.
فتقول في المركب: رأيت معديكرب ومعديكربًا آخر.

وفي ذي الألف والنون: مررت بعثمان العاقل وبعثمانٍ آخر، ومررت بطلحة وطلحةٍ آخر، ورأيت زينب وزينبًا أخرى، ومررت بإسماعيل وإسماعيلٍ آخر، وكذا إلى آخر ما ذكر.
فإن قلت: إن ما تقدم، مما يمتنع فيه الصرف مطلقا، تؤثر فيه العلمية [مع أنه إذا نكر لا ينصرف، كما إذا سميت بـ (ثلاث ورباع وأخر) ونحو ذلك، فإنه إذا سمي به أثرت العلمية لمنافاة الوصف لها، وكذل كل ما منع من الوصف، كبناء (أفعل) وزيادتي (فعلان)، فلم يبق مع العدل أو مع الوزن أو مع زيادتي (فعلان) إلا العلمية، فأثرت، ولولاهن، لانصرف مع فرض زوال الوصفية، وإذا كان كذلك اقتضى أن ذلك كله ينصرف في النكرة، وذلك غير صحيح لما تقدم ذكره من رجوعه لشبه الأصل الذي هو كونه وصفا.
فالجواب أن العلمية لما لم يظهر لها أثر [في الظاهر؛ إذ كان الاسم قبل التسمية ممنوع الصرف، ثم بعد التسمية كذلك عدها فيه كأنها لم تؤثر أصلا، وهو قد قال: "من كل ما التعريف فيه أثرا"] فخرج بهذا الاعتبار ما تقدم من تأثير العلمية.
أو يكون المعنى في قوله: "في كل ما التعريف فيه أثر" أي: ما كان التعريف مختصًا بالتأثير فيه، وعلى هذا التقدير لا إشكال فيه.
ثم لما كان مذهبه في (جوارٍ) ونحوه أنه في الرفع والخفض منون بين أن هذا مطرد فيما كان مثله مما يزول بإعلاله سبب المنع فقال:

وما يكون منه منقوصا ففي... إعرابه نهج جوارٍ يقتفي الضمير في "منه" عائد على ما قدم مما أثرت فيه العلمية، يعني أن ما يكون من الأسماء التي أثرت فيها العلمية منقوصا، وهو ما آخره ياء قبلها كسرة، فإنك تحكم فيه بحكم (جوارٍ) المتقدم، وتسلك في ذلك سبيله، فتجعله في حالة الرفع وحالة الخفض منصرفا، والتنوين فيه تنوين عوضٍ لا تنوين صرف، كما تقدم في مسألة (جوارٍ) قبل هذا.
فإذا سميت امرأة بقاضٍ، أو شجٍ شبحٍ، أو عمٍ، زو مرامٍ، أو نحو ذلك صرفته الرفع والجر، أي ألحقته التنوين عوضًا من المحذوف، سواء أقلت: إنه عوض من ذهاب الحركة أم عوض من الياء على ما مضى في التعليلين، فهما يجريان في هذا الموضع فتقول: هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ، ورأيت قاضي يا هذا، وكذلك هذه شجٍ، وهذه عمٍ، ورأيت شجي وعمي يا هذا، وكذلك باقي الباب.
وتقول في (جوارٍ) اسم رجل أو امرأة: هذا جوارٍ، ومررت بجوارٍ، ورأيت جواري قبل.
وتقول إذا سميت بـ (يغزو، ويدعو): هذا يغزٍ، وهذا يدعٍ، ومررت بيغزٍ ويدعٍ، قلبت أولا الواو ياء، لأن الواو المضموم ما قبلها لا تقع في أواخر الأسماء المعربة، وإن اقتضى ذلك قياس رفض، فصار كـ (يقضي، ويرمي) مسمًى به.
وأنت تقول فيه: هذا يقضٍ، ومررت بيقضٍ، وهذا يرمٍ، ومررت بيرمٍ، فكذلك ما آخره واو إذا صار إلى الياء.

وعلى الجملة، فكل ما سمي به مما آخره ياء قبلها كسرة، وكان التعريف قد منع صرفه، فإنه في الرفع والجر مثل (جوارٍ) والعلة الموجبة لذلك في (جوارٍ) هي الموجبة في هذا كله.
كما ذكر، والتنوين تنوين عوض، وليس بتنوين صرف، لأنه لو كان تنوين صرف لأدى إلى أن يكون التعريف والتأنيث في نحو (قاضٍ) اسم امرأة غير موجب لمنع الصرف، وهذا باطل باتفاق.
وقد تقدم بيان هذا، وبيان أن مذهب الناظم إنما هو أن التنوين عوض لا تنوين صرف، لإحالة هذا الفصل على ذلك في الحكم، وأنه منتهج نهجه، وجار على سبيله.
وأما النصب: فحكمه حكم الصحيح، لأنه لما كانت الحركة ظاهرة فيه، غير مستثقلة على الياء، صارت الياء في قولك: رأيت جواري قبل، ورأيت يرمي، ويقضي، وقاضي، كدال (مساجدَ ويزيدَ) ونحو ذلك، وهو مفهوم قول الناظم في تقييده الإتيان بالتنوين بالرفع والجر.
وما تقرر هنا هو مذهب الخليل.
وأما يونس: فوافق في الجمع وخالف في المفرد، وزعم أن نحو (جوارٍ) إذا سمي به، فإنه يجري مجرى الصحيح، يعني في عدم حذف الآخر، فتقول: هذا جواري يا فتى، بإثبات الياء، ورأيت جواري، ومررت بجواري، فتظهر فتحة الخفض، كما تظهرها في الصحيح، وكذلك ما سمي به من نحو: قاضٍ، وغازٍ، ويرمي، وغير ذلك مما تقدم.
فتقول: هذا قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي.

وكذلك هذا يرمي، ورأيت يرمي، ومررت بيرمي، إذا كان اسمًا لمؤنث.
وهذا مذهب عيسى والكسائي.
حكى ذلك السيرافي.
ولم يرتضه الناظم، فلم يبن عليه حكما.
وقد رد الخليل على يونس قوله بأنه لو كان من شأنهم أن يلزموا الحركة حالة الجو، فيجرونه مجرى الصحيح- لكان من حقهم أن يلزموا الحركة في حالة الرفع أيضا، فكما يلزمهم أن يقولوا: مررت بقاضي، اسم امرأة، فكذلك يلزمهم أن يقولوا: هذا قاضي؛ إذ كانوا يجرون المعتل هنا مجرى الصحيح، وكذلك حكم التسمية بالجمع، لا فرق بينهما، وذلك لأن العرب تفتح الياء في الجر عند الضرورة، وتكسرها أيضا عند الضرورة.
فأما الفتح: فنحو قول الهذلي، أنشده سيبويه:

أبيت على معاري واضحات... بهن ملوب كدم العباط وأنشد أيضا للفرزدق: فلو كان عبد الله مولًى هجوته... ولكن عبد الله مولى مواليا وأنشد أيضا، وهو مما استشهد به يونس: قد عجبت مني ومن يعيليا... لما رأتني خلقًا مقلوليا وأما الكسر: فنحو ما أنشده أيضا لابن قيس الرقيات:

لا بارك الله في الغواني هل... يصبحن إلا لهن مطلب وأنشد أيضا لجرير في نحوه: فيومًا يوافين الهوى غير ماضي... ويومًا ترى منهن غولًا تغول فكما أن العرب لا يفتحون إلا إذا اضطروا، ولا يظهرون الكسر أيضا إلا إذا اضطروا، ويونس يفتح في الكلام، فكذلك حقه أن يكسر في الكلام، ويضم في الرفع أيضا، وهذا لا يقوله عربي بالقياس أصلًا، ويزيد الجمع زيادةً أخرى إذا سمي به، لو حكم له في الجر بحكم الصحيح لكان لازما لهم ذلك فيما قبل التسمية، فيقولون: مررت بجواري قبل، لأن ترك التنوين في النكرة والمعرفة على حد واحد، وهذا لا تقوله العرب في السعة أصلًا.
وما أنشده يونس شاهدًا من قوله: قد عجبن مني ومن يعيليا

فمن باب ما تقدم.
وقوله: "نهج جوارٍ يقتفي".
النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج.
وقفوت أثره قفْوًا وقفُوًا، واقتفيته، وتقفيته، إذا اتبعته، أي تتبع في إعرابه طريق (جوارٍ) المتقدم.
ولاضطرارٍ أو تناسب صرف... ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف هذه تكملة تكر على الباب، ويعني أن ما شأنه أن لا ينصرف لكون المانع موجودا قد يوجد منصرفًا مع وجود ذلك المانع، وإنما يكون ذلك لسببٍ أهمل لأجله سبب المنع، والسبب الموجب لذلك أمران على ما ذكره: أحدهما: الاضطرار، وهو أن يكون الوزن لا يستقيم للشاعر إلا بصرف ما لا ينصرف، فهذا سبب موجب، رد به الاسم إلى أصله، لأن أصله الانصراف، وهو في الشعر كثير جدا، وذلك كقول امرئ القيس: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت لك الويلات إنك مرجلي وقال النابغة الذبياني:

فلتأتينك قصائد وليركبن... جيش إليك قوادم الأكوار وقال الآخر: فأتاها أحيمر كأخي السهم... بعضبٍ فقال كوني عقيرا وأنشد سيبويه للعجاج: قواطنًا مكة من ورق الحمي وقال الآخر: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب

وقال الآخر: ما إن رأيت ولا أرى في مدتي... كجواريٍ يلعبن في الصحراء وقال النابغة الذبياني: علي لعمروٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ... لوالده ليست بذات عقارب وقال أيضا: وثقت له بالنصر إذ قيل قد غرضت... كتائب من غسان غير أشائب إطلاق الناظم في صرف ما لا ينصرف يدل على موافقة الجماعة في موضعين: أحدهما: عدم إخراج (أفعل التفضيل) من هذه الكلمة، خلافًا للكسائي وتلميذه الفراء في قولهما: إن (أفعل منك) لا يصرف، واستدلوا بأن (من) هي المانعة له من ذلك.

قال السيرافي: وهذا فاسد، بدلالة قولهم: خير منك، وشر منك، وإذا كان كذلك دل على أن مانعه ليس وجود (من) بل الصفة والوزن، كأحمر وأصفر.
والصرف هنا لا يكون بالتنوين وحده إلا في المرفوع والمنصوب.
وأما المجرور: فإنما يكون بالجر بالكسرة والتنوين معا، سواء أقلنا: إن المانع منع الجر والتنوين معًا أم قلنا: إنه مع التنوين فقط، وزال الخفض بالكسرة لعلة أخرى على حسب اختلافهم في ذلك.
أما على قول من قال: إنما امتنع الجر لئلا يلتبس بالمضاف إلى الياء المحذوفة فظاهر.
وأما على القول الآخر: فكذلك، لأن التنوين لا يتبع في الجر إلا الكسرة، فلا يقال مثلا: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ولا ما أشبه ذلك.
والموضع الثاني: موافقتهم في صرف ما آخره ألف مما لا ينصرف كغيره، خلافًا لابن عصفور، حيث زعم أنه لا يجوز صرفه، لأنه لا فائدة فيه، لأنه إذا نون حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فسقط منه مثل ما رد إليه، فلم يقع فيه زيادة، ولا يمكن أيضا تحريك الألف فيكون كقوله:

عصائب طير تهتدي بعصائب فلا يمكن الزايدة ولا البدل، ولأجلهما صرف ما لا ينصرف في الضرورة.
قال ابن الضائع: مثل هذا لا ينبغي أن ينبه عليه لو كان صحيحا، فقد يقول القائل: يمكن أن يكون له فائدة، وذلك أنه قد يكون بعد تلك الألف [ساكن فيجب حذف الألف، فإذا نونا الاسم حركنا التنوين لالتقاء الساكنين، فزدنا حرفا متحركا، وكذلك يمكن أن يكون بعد الألف] همزة، فإذا نونا نقلنا حركة الهمزة إلى التنوين، فسقط حرف، وعلى هذا يكون في صرف ما لا ينصرف زيادة تؤول إلى نقص.
انتهى ما نصه ابن الضائع.
وهذا التقرير قد يضاده ما تقدم في (باب النداء) في تنوين المنادى ولكن قد يقال: إنه لم يقصد فيه الكلام على ما آخره ألف؛ بل يكون ما تقدم مشعرا بارتضائه مذهب ابن عصفور، لأن كلامه هنالك مقيد، وكلامه هنا مطلق، والمقيد قاضٍ على المطلق عند المحققين.
ومعنى ذلك أنه قد تقدم وجه منعه لتنوين المنادى المبني إذا لم يظهر فيه الضم، وأن ذلك لا فائدة فيه.
وهذه المسألة بعينها جارية في غير المنصرف إذا أريد تنوينه، وهو عين احتج به ابن عصفور، فكأن الناظم رآه دليلًا واضحا فقال بمقتضاه.

وما ألزمه ابن الضائع لا يلزم، فإن الغالب في معهود الضرورات أن لا زيادة في لحاق التنوين ما آخره ألف ولا نقصان، وما صوره أمور اتفاقية نادرة لا تلتفت العرب إلى مثلها، فلا ينبغي أن يعول عليها.
وإذا أمكن هذا لم يكن بين الموضعين في كلام الناظم تعارض.
والأمر الثاني الموجب لصرف ما لا ينصرف: التناسب، وهو أن ينونن لموازنته لمنون ليس فيه موجب للمنع، وهذا لا يقع إلا في الكلام المسجع، لأن الكلام المسجع يجري في الحكم مجرى الشعر المقفى.
ألا ترى أنه قد جاء حرف الإطلاق في السجع، قال الله تعالى: ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾.
فأتى بالألف للإطلاق، كما قال الشاعر: ظننت بآل فاطمة الظنونا وكذلك قول الله تعالى: ﴿يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا﴾.
وبعد ذلك ﴿فأضلونا السبيلا﴾.
فإنما هذا لمناسبة ما قبل ذلك وما بعده، من الوقف على الألف المبدلة من التنوين، فكذلك يصرف ما لا ينصرف لمناسبة المنصرف.
ومنه قوله تعالى: ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسلًا وأغلالًا وسعيرًا﴾ وكذلك قوله: ﴿كانت قواريرًا.
قواريرًا من فضةٍ قدرها تقديرًا﴾.

قرأ ذلك كذلك نافع وأبو بكر وهشام والكسائي.
ووجه ذلك ظاهر، فـ (سلاسلًا) نون لمناسبة مجاوره، وهو (وأغلالًا وسعيرًا) و (قواريرًا) الأول: لمناسبة الفواصل، والثاني: لمناسبة الأول، وهذا ظاهر.
وقول الناظم: "أو تناسبٍ" يشعر أن التناسب هو العلة في صرف ما لا ينصرف.
وكذلك: "ولاضطرارٍ" مشعر بأنه العلة في صرفه، ويستوي في ذلك النثر والنظم.
وقد حكى ابن جني أن المتنبي أنشده قوله: وقد صارت العينان قرحى من البكا... وصار بهارًا في العيون الشقائق قال: فقلت له: هلا قلت: "قرحًا من البكا" بصرف "قرحًا" لتناسب قوله في المصراع الثاني: "وصار بهارًا" قال: فاستحسن المتنبي ذلك.
وهذا النوع من الصرف جائز، وهو رأي الجمهور.
وقد زعم بعض النحويين أن صرف ما لا ينصرف مطلقًا لغة، وحكى الكسائي أن بعضهم يصرف كل ما لا ينصرف إلا (أفعل منك) وقال الأخفش:

سمعنا من العرب من يصرف هذا، ويصرف جميع ما لا ينصرف.
وقال: هذا لغة الشعراء، لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك، واحتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة، كما يحتمل النقصان.
وهو الذي حكوا، من أنها لغة، لم يثبت، ولا عرف في كلام العرب أن مثل هذا يكون في الكلام إلا للتناسب.
وأما الشعر: فمحل الضرورة، فلا تثبت به لغة.
ثم قال: "والمصروف قد لا ينصرف" يعني أن الاسم المنصرف الباقي على أصله قد تمنع العرب صرفه، وإن لم توجد فيه علتا المنع، لكن ذلك قليل، دل على ذلك بـ "قد" في قوله: "قد لا ينصرف" وأكثر ما جاء هذا النوع في الأعلام، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي: فما كان حصن ولا حابس... يفوقان مرداس في مجمع وقال الآخر: وممن ولدوا عامر ذو الطول وذو العرض

جارٍ التحميل