شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 294-333

الإتيان بالمتصل، فلا بد حينئذ من الإتيان بالمنفصل، ولا يكون ذلك إلا لمانع منع من الاتصال، فإن طلب العامل باق كما كان، والموانع التي تنمع من الاتصال بالاستقراء ستة: أحدهما: أن يكون العامل غير ملفوظ به، إما لكونه معنويًا نحو: أنا قائم، وإما لكونه محذوفًا نحو: إن أنت قمت أكرمتك فالعامل هنا لم يكن لفظيًا لم يتأت اتصال الضمير به، إذ الاتصال حكم لفظي.
والثاني: أن يقع بين الضمير وعامله فاصل، لا يتأتى وقوعه إلا هنالك كإلا في الحصر، نحو: ما قام إلا أنا، أو "إما" نحو: قام إما أنا وإما زيد، واللام الفارقة نحو: إن قمت لأنت وإن قعد لأنا، أو متبوع نحو: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ فالضمير في هذه ونحوها لا يمكن اتصاله للفاصل الواقع بينه وبين معموله.
والثالث: أن يتقدم الضمير على عامله لموجب اقتضى ذلك نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
فإن موضع الاتصال آخر الفعل، لا أوله/ فكان الاتصال مع قصد التقديم غير متأت.
والرابع: أن يقع اللبس بالاتصال، كما إذا كان الضمير مرفوعًا بصفة جرت على غير من هي له، نحو: مررت برجل ضاربه أنا، فلو اتصل الضمير لأوهم أن الضارب هو الرجل لا أنت، فلم يكن بد من انفصال، ومثله إذا التبس أحد المفعولين بالآخر مع الاتصال في باب

أعطى، فإن الحكم البدء بالآخذ، كما يفعل في الأسماء الظاهرة، فإن كان الآخذ غائبا والمأخوذ مخاطب أو متكلم وجب الفصل، وكذلك إن كانا غائبين، نحو قولك لعبدك: غلامي أعطيته إياك، وأنت تريد أنك المعطي، لأنك لو وصلت لوجب تقديم المخاطب، فكان اللبس موجودًا، فلم يكن بد من الفصل، وقد علل المؤلف بهذا النحو وجوب الانفصال في نحو: علمتني إياي.
قال: ولأن اتصالهما يوهم التكرار، يريد فيقع اللبس لذلك.
والخامس: كون العامل لم يتحقق له شرط العمل، وهو الطلب الاختصاصي أو استحكام الشبه.
فالأول كالنائب عن العامل، مثل "يا" في النداء، فإنك تقول: يا إياك، أو يا أنت، ولا تقول: ياك، وكذلك "ما" الحجازية إذا قلت: ما أنا قائما ولا في نحو: ... لا أنا باغيا... سواها...... و"إن" في نحو: إن هو مستوليا على أحد

فإن هذه الأشياء ليست مختصة بعمولاتها أما النائب فإنما اختص من حيث النيابة، وأما "ما" وأخواتها فلدخولها على الأسماء والأفعال فلم تقو في الطلب قوة ما نابت عنه، أو ما أشبهه، فكأنها غير طالبة، فصارت ضمائرها في حكم ما ليس بمطلوب لعامل، فلم يكن الاتصال.
والثاني: كخبر "إن" وأخواتها، فإن منفصل أبدا من جهة أن الحروف أصلها أن لا تعمل في معمولين، وأن لا تعمل رفعا لاختصاص ذلك بالفعل لكن لما أشبهت الأفعال عملت عملها معكوسا، ومن شأن المشبه بالشيء أن لا يقوى قوته، ولا يقوم في كل شيء، وقد وجدنا من الأفعال الماضية ما ينفصل عنه منصوبه، وإن كان واحدا كباب "كان" حسب ما يذكره الناظم، فلا يلزمه اتصال الضميرين معا، ضمير الرفع وضمير النصب، فهذا أولى لضعفه عن مقاومته فوجب الانفصال.
والسادس: قبح اللفظ في الاتصال، وذلك نحو: أعطيتكك ومنحتنيني ومنحتهوه وظننتنيني وما أشبه ذلك، فإن العرب تراعي قبح اللفظ فتجنبته كما قالوا في كان: وإن زيدا لقائم ونحو ذلك، هذه هي الموانع المعتبرة عندهم فحيث وجد واحد منها امتنع الاتصال، إلا أنه قد توجد موانع أخر تمنع لزوم الاتصال خاصة، من غير أن توجب انفصالا، فيجوز الوجهان، وهي التي نبه عليها في قوله: (وصل أو افصل هاء سلنيه... ) إلى آخره فتلخص من هذه القاعدة ثلاثة أقسام:

واجب الاتصال: وذلك إذا تاتى الاتصال بغير عارض.
واجب الانفصال: وذلك إذا لم يتأت الاتصال ولم يمكن.
وجائز الاتصال والانفصال: وذلك إذا تأتى الاتصال، لكن منع من لزومه مانع، وكلها أشار إليها الناظم كما ترى، إلا أنه لم يذكر السبب في عدم التأتي لبيانه، وأشار إلى ذكر السبب في جواز الوجهين مع التأتي، على حسب ما يفسر إن شاء الله.
وقوله: (وفي اختيار) تنبيه على أنه قد يأتي المنفصل حيث/ يتأتى المتصل بلا مانع وذلك في الضرورة نحو ما أنشده سيبويه لحميد الأرقط: إليك حتى بلغت إياكا ووجه الكلام أن يقول: "حتى بلغتك" وقال الفرزدق: بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إياهم الأرض في دهر الدهارير

أراد ضمنتهم الأرض وأنشد النحويون أيضا: وما أصاحب من قوم فأخبرهم... إلا يزيدهم حبا إلى هم فـ "هم" الآخر فاعل يزيد، أراد إلا يزيدون أنفسهم حبا إلي، وأنشد الفارسي قول الآخر: أصرمت حبل الوصل أن صرموا... يا صاح بل صرم الحبال هم

أراد بل صرموا الحبال وهذا ونحوه مما يحفظ ولا يقاس عليه، وقد نبه الناظم على الشذوذ في آخر الفصل.
فإن قيل: إن موضع الضرورة لا يتأتى فيه الإتيان بالمتصل، فإنه لو تأتى لم يسغ الإتيان بالمنفصل، وأيضا لا معنى لاضطرار إلا عدم تأتي المجيء بالمتصل، فإذا كان كذلك فكيف يقول الناظم على ما اقتضاه مفهوم كلامه، لأن الاضطرار يبيح الإتيان بالمنفصل في الموضع الذي يمكن فيه الإتيان بالمتصل، بل ظاهر هذا الكلام التناقض؟ فالجواب: أن يقال ليس معنى التأتي أن يستقيم الوزن بالمتصل والمنفصل مثلا، ثم يجاء بالمنفصل عوضا منه، وإنما معناه أن الموضع الذي وقع فيه هذا الضمير يمكن على الجملة أن يتصل فيه الضمير لا من حيث هو شعر، بل من حيث أنه خال عن الموانع الموجبة للانفصال أو المخيرة فيه، فقول الشاعر مثلا: (قد ضمنت إياهم الأرض) متأت على الجملة أن يقع فيه المتصل، لأن ضمير النصب لم يتقدم ولا فصل بينه وبين معمول فاصل، ولا فيه شيء مما تقدم، فهو على الجملة مما يسع فيه أن يقول: ضمنتم الأرض كذلك ما أشبهه من الشذوذات، لكن من الضرورة تقتضى مقتضاها مما هو خارج عن الموانع المتقدمة بخلاف ما إذا قلت: هو قائم، فإن "هو" هنا لا يتأتى فيه الاتصال إذ ليس له ما يتصل به، وكذلك: (إياك نعبد) إذ كان ما يتصل به مؤخرا عنه وجميع ما فيه مانع من الموانع

المذكورة هذا شأنه، وأما "ضمنت إياهم الأرض" فليس له في نفسه مانع، لأن وقع في موضع يجب فيه الاتصال وإنما الضرورة أمر طارئ على الكلام، وهو إقامة الوزن، والناظم إنما اعتبر الكلام في نفسه، فكلامه صحيح.
ثم أخذ في ذكر القسم الذي منع من لزوم الاتصال فيه مانع مع تأتيه فقال: أوصل أو أفصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمي كذاك خلتنيه واتصالا... اختار غيري اختار الانفصالا فذكر مواضع ما يتأتى في الاتصال، ومع ذلك جيء فيها بالضمير منفصلا في أحد الوجهين، ويشملها أن يقال: كل ضمير ولي ضميرا قبله متصلا بفعل منصوبا مطلقا، أو مرفوعا من باب كان فقط، فهذا هو الذي خير الناظم في وصله وفصله، وهو الهاء في أمثلته المذكورة، لكن على الشرط الذي ينكره بعد هذا، وحصر ذلك في ثلاثة أبواب ذكرها: أحدها: باب أعطى، وهو الذي أشار إليه بقوله: (سلنيه) لأن سأل فعل يتعدى إلى/ معفولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
والثاني: باب "كان" وهو المراد بتمثيله بـ (كنته).
والثالث: باب "ظن"، وهو المنبه عليه بقوله: (خلتنيه) لأن خلت يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وابتدأ بباب أعطى فقال: (وصل أو افصل هاء سلنيه وما أشبهه "يعني أنه مخير في

وصل هاء سلنيه وفصله، فإن شئت أتيت به متصلا بعامله يلي الياء التي هي ضمير المفعول الأول، وإن شئت أتيت بالضمير المنفصل عوضا عن الهاء فتقول: التوب سلنيه، وسلني إياه، وكذلك أشبهه مما كان من باب "سل" وإليه يعود الهاء في (وما أشبهه)، أي: وما أشبه سلنيه نحو: أعطى وكسا، تقول: الدرهم أعطيتكه، وأعطيتك إياه، والثوب كسوتكه، وكسوتك إياه، ومن الاتصال قوله تعالى: ﴿أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ وقوله: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا﴾، ومن الانفصال قول النبي عليه السلام: "فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم" ولم يرد بقوله: "هاء سلنيه" خصوص الهاء، وإنما أراد المفعول الثاني لسلنيه كان هاء أو غيرها، فيجرى مجرى ذلك ما إذا قلت لعبدك زيد: سألنيك وكذلك سألنيها وما أشبه ذلك، والاتصال هنا جار على الأصل الذي قدمه.
وأما الانفصال فمخالف له، فلذلك اختار هنا الاتصال الذي أشار إليه بالتقديم حين قال: (وصل أو افصل) والله أعلم.
والنظر هنا إنما هو في المفعول الثاني، أما الأول فلا نظر في وجوب اتصاله، ولذلك قال: (هاء سلنيه) فعين للكلام الثاني ولم يتعرض للأول، ثم ذكر باب "كان" فقال: (في كنته الخلف انتمى) أراد: وفي كنته الخلف، فحذف حرف العطف وذاك كثير في كلامه، وقد تقدم الاستشهاد عليه، وهو على حذف مضاف تقديره: وفي هاء "كنته" لأن الكلام إنما وقع له في الهاء، وليس كلامه في نفس "كنته" ولا في ضميريه جميعا، لكنه حذف ذلك المضاف لتقدم الكلام في مثله، وهو "هاء" "سلنيه"، وكذلك

قوله: "كذلك خلتنيه" أي: هاء خلتنيه، وإتيانه بالمثال المعين من غير أن يقول: وما كان نحوه ولا ما أشبهه، لا يدل على أن الخلاف الذي ذكر مختص به، بل يريده وما كان مثله من بابه فكما جرى الخلاف في "كان"، كذلك جرى في أصبح، وأمسى وظل وصار، وسائر أفعال الباب، وكذلك قوله إثر هذا: (كذاك خلتنيه) أي: ما كان من بابه، ودل على أن مراده هنا ذاك قوله في (سلنيه، وما أشبهه) و (الخلف) أراد به الخلاف، وعادة المتأخرين استعمال لفظ (الخلف) مرادفا لمصدر خالفه في كذا مخالفة وخلافا، ولست منه على تحقيق أنه استعمال لغوي، والخلف المشار إليه بين النحويين أن سيبويه يختار الانفصال في باب "كان" والناظم ومن أخذ هو بمذهبه يختار الاتصال على ما يتقرر بعيد هذا إن شاء الله.
ثم ذكر باب ظننت فقال: (كذاك خلتنيه) أي: إنه مثل (كنته) يعني في كونه مختلفا في اختيار اتصاله أو انفصاله، فسيبويه يختار الانفصال والناظم اختار في هذا النظم الاتصال، في المسألتنين معا: مسألة (كنته) ومسألة (خلتنيه) وهو قوله: (واتصالا اختار) خلاف ما ذهب إليه في "التسهيل"/ فإنه اختار في مسألة (خلتنيه) ما اختاره سيبويه من الانفصال، وفي مسألة (كنته) ما اختاره هنا.
فأما وجه اختياره الاتصال في (كنته) فمن جهة القياس والسماع.
أما القياس: فما تقدم في القاعدة الأولى، من أنه لا يجاء بالمنفصل مع إمكان المجيء بالمتصل، وقد أمكن هنا، فهو الذي

كان يجب، وأيضا، فاسم "كان" وخبرها مشبهان بالفاعل والمفعول، وقد بسط سيبويه في باب "كان" بسطا شافيا، أن "كنته" شبيهة بضربته وضربته لا يجوز فيه إلا الاتصال، فكذلك كنته، فهو أولى بالاتصال من باب سلنيه فإنه لم يساو باب ضرب في وجوب الاتصال من أجل سماع، فلا أقل من أن يكون راجحا.
وأما السماع: فإن الاتصال ثابت نظما ونثرا، فمن النثر ما في الحديث من قوله عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: "إياك أن تكونيها يا حميراء"، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في ابن صياد: "إن يكنه فلا تسلط عليه وإلا يكنه فلا خير لك في قتله" وفي الحديث: "كن أيا خيثمة فكانه".
وقال بعض العرب: "عليه رجلا ليسنى"، حكاه سيبويه، وحكى عن بعض العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسنى، وكذلك كانني.
ومن النظم قال أبي الأسود الدؤلي (أنشده سيبويه): فإلا يكنها أو تكنه فإنه... أخوها غنته أمه بلبانها

وأنشد السيرافي: قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد: عددت قومي كعديد الطيس... إذ ذهب القوم الكرام ليسي وأما الانفصال فلم يأت إلا في النظم نحو ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: ليت هذا الليل شهر... لا نرى فيه هريبا ليس إياي وإيا... ك ولا نخشى رقيبا أو في الاستثناء، نحو: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك، وهذا قد يتعين انفصاله لإجراء "ليس" و"لا يكون" في باب الاستثناء مجرى "إلا" لوقوعها موقعها فلا يقاس على ذلك، وأما وجه اختيار الاتصال في (خلتنيه) فلأن باب ظننت مشبه في العمل بباب أعطيت، فإذا كان باب أعطيت يلزم فيه الا تصال على ظاهر سيبويه لما تقدم من القاعدة، فلا أقل من أن يكون الاتصال

فيما أشبهه راجحا إن لم يكن لازما.
وأعلم أن الجمهور على ما ذهب إليه سيبويه، فإن السماع معه وهو الأصل للقياس، ولذلك قال: قف حيث وقفوا ثم فسر، فالقياس إذا وجد السماع بخلافه متروك، وقد وجه سيبويه وغيره رجحان الانفصال في (كنته) و (خلتنيه)، فأشار سيبويه في (كنته) إلى أن المضمرات لم تستحكم مع هذه الأفعال التي هي "كان" وأخواتها، إذ ليست بأفعال حقيقة، وإنما هي أدوات دالة على الزمان فلم تبلغ بسبب ذلك مبلغ باب ضرب، وزاد السيرافي ثلاثة أوجه: أحدها: أن "كان" وأخواتها أفعال دخلن على المبتدأ والخبر، والخبر يكون فعلا وجملة وظرفا غير متصرف نحو: زيد قام، وزيد أبوه منطلق، وزيد عندك فلما كانت هذه الأشياء لا يجوز إضمارها ولا تكون إلا منفصله من الفعل اختير فيما يمكن إضماره الخروج عن الفعل أيضا.
والثاني: أن الاسم والخبر كل واحد منهما منفصل عن الآخر، غير مختلط به/ فإذا وصلنا ضمير الخبر جاز معه أن يضمر الاسم، إذ هو الأصل في الإضمار، من جهة أنه كالفاعل، فيؤدي إلى أن يكون الخبر مختلطا مع الاسم، وغير منفصل عنه، وذلك نقص الغرض.
والثالث: أنا لو وصلنا ضمير الخبر بضمير الاسم والفاعل والمفعول في هذه الأفعال لشيء واحد، لزم أن يتعدى فعل الفاعل إلى نقسه متصلا وذلك لا يكون، وإنما يتعدى إليه منفصلا، وإنما جاز ظننتني لأن هذا الباب لا يقع على المفعول الأول حقيقة، فلم يعتد به، وإنما المعتد الثاني.
وأما باب "خلتنيه" فإنما اختير فيه الانفصال

  • على ما ذكره سيبويه- لأن حسبت بمنزلة "كان"، وإنما تدخلان على المبتدأ والمبني عليه فيكونان في الاحتياج على حال، ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما، كما لا تقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبان بعد "حسبت" بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد "كان"، و"ليس"، وكذلك الصروف التي بمنزلة "حسبت" و"كان": لأنهما إنما يجعلان المبتدأ والمبني عليه فيما مضى يقينا أو شكًا، وليس بفعل أحدثته منك إلى غيرك، كضربت وأعطيت إنما يجعلان الأمر في علمك، أو فيما مضى، هذا نص سيبويه، وهو مشير إلى ما تقدم.
    والناظم نبه على تأكيد الاتصال عنده يقوله: (واتصالا أختار) فقدم المفعول إشعارًا بذلك.
    ثم قال: (غيري اختار الانفصالا) والغير هنا هم الجمهور، وهذا دليل على أن له في المسألة مستندًا قويًا، وسماعًا يرجع إليه، وقد أشار إلى القياس أول المسألة، وبين في "شرح التسهيل"، مستنده من السماع وأنه الحديث أما القياس المتقدم فصحيح، ما لم يعارضه ما يهمل حكمه، وقد وجد.
    وأما السماع فقد تضمن عهدته نقل الجمهور، ويبقى النظر في اعتماد الناظم على الاستشهاد بالحديث، وليس بمستند عند الجهور من أهل اللسان وهي مسألة أصوليه لا يسعني الآن ذكرها، ولعلها تذكر في موضع هي به أخص من هذا الموضع والله المستعان، وعلى الناظم بعد في هذا الفصل

درك من خمسة أوجه: أحدهما: أن قوله: "في كنته الخلف انتمى" لم ينص فيه على موضع الخلاف، فإنه محتمل أن يريد الخلف في اختيار أحد الوجهين الجائزين ويحتمل أن يريد به الخلف في جواز الوجهين، والذي قصد منها هو الأول لكن مساقه يدل على الثاني، لأنه خير أولا في الفصل والوصل، ثم قال: و (في كنته الخلف) فاقتضى أن الخلف إنما هو فيما تقدم ذكره من التخيير، فكان بعضهم يخير بين الوجهين في "كنته" وبعضهم لا يقول بذلك، وهذا الخلف هكذا لا أعرفه، بخلاف الاحتمال الأول، فإنه مقول به كما تقدم.
والثاني: أنه ذكر الخلف في الموضعين الأخيرين، وترك ذكره في باب "سلنيه" والخلاف فيه موجود، لكن على وجه آخر، فإن السيرافي أجاز الوجهين، وحكى ذلك عن بعض النحويين، وهو الذي نص عليه الناظم هنا، وظاهر كلام سيبويه لزوم الا تصال، إذ لم يعرج على خلافه، وذلك لقوة الفعل وأنه الأصل في اتصال الضمائر/ المنصوبات به، وأن الاتصال أخص، وإذا ثبت الخلاف في المواضع الثلاثة فذكره إياه في الموضعين وتركه له في الثالث موهم عدم الخلاف فيه، وهذا إخلال.
والثالث: أن إطلاقه القول في باب (كنته) ظاهر في شمول ذلك الحكم لكان وأخواتها وهو صحيح فيما عدا "ليس"، وأما "ليس" فحكى ابن هانئ عن النحويين الاتفاق على أن الاتصال فيها ضعيف.
قال: فلو قلت: لسته على حد كنته لم يكن صوابًا.
ومن الشاذ قولهم:

"عليه رجلا ليسنى" ووجهه في القياس ظاهر، فإن ليس في معنى الحرف لتعريها عن الدلالة على الحدث والزمان، وكلام الناظم، يقتضى القياس في الا تصال وإن كان الانفصال هو المختار ويقتضى أن الخلاف متقرر فيها، والأمر في كلا الفصلين على خلاف ما قال حسبما ذكره ابن هانئ ففي إطلاقه ما ترى.
والرابع: أن قوله: (واتصالا اختار) أراد في باب (كنته)، وفي باب (خلتنيه) أما باب (خلتنيه) فما اختار فيه من الاتصال ممكن أن يختاره مختار لوجوده في كلام العرب نثرًا، وإن كان قليلا عند سيبويه وأما باب (كنته) فما اختار فيه من الاتصال يقتضى أن الانفصال جائز أيضا في القياس، إلا أنه قليل في السماع، فغيره أحسن منه، وهذا عنده غير مستقيم؛ لأن الانفصال على ما قرره في "شرح التسهيل" إنما هو مخصوص بالشعر وبليس ولا يكون في باب الاستثناء وكلاهما لا يقاس عليه عنده كما تقدم ذكره، فعنه نقلت هذا المعنى، وإذا كان كذلك لم يصح على مذهبه في كنته إلا الاتصال فكيف يقول: (واتصالا اختار) فيأتي بعبارة مشعرة بجواز الوجه الآخر، لا يقال إنه اختار الاتصال، بمعنى أنه لا يجيز غيره، لأنا نقول يرد عليه.
قوله: (غيري اختار الانفصالا) أو لأنه لا يمشي له في (خلتنيه) فتأمله، وهذا الاعتراض لازم له أيضا في كتابه "التسهيل".

والخامس: أنه قصد في هذا المختصر ذكر الضروري والمشهور من قوانين النحو، وقد ترك من الضروري والمشهور أِشياء كثيرة وضابطها على التقريب والإرشاد إلى من طلب الاستقصاء أن نقول: العوامل التي يمكن اتصال الضمائر بها ثلاثة أنواع: أفعال وحروف وأسماء.
فأما الأفعال فيتصل بها فاعلوها، وما أشبه فاعليها، كاسم كان وعسى.
وأما المفاعيل فكذلك إلا ما استثناه الناظم من خبر "كان"، وثاني مفعولي "أعطى" و"ظن"، ولا عبرة هنا بخبر "عسى"، إذ لا يكون ضميرًا، وإن فرض ذلك فهو مثل "كان"، ولا بثالث المنصوبات في أعلم، لعدم التكلم به، وإن كان فالانفصال فيه واجبًا لعدم تأتيه قياسًا، فهذا لا نوع مستوفى في النظم فلا اعتراض به.
وأما الحروف فثلاثة أضرب: ضرب عمل بالأصالة، وذلك حروف الجر فيتصل بها ضمائرها عملًا بالقاعدة الأولى، وضرب عمل بشبه الفعل الحقيقي، وذلك "إن" وأخواتها، فيتصل بها منصوبها عملا ً بالقاعدة ولا يتصل بها مرفوعها لعدم التأتي كما مر، وضرب عمل بشبه ما أشبه الفعل غير الحقيقي، أو بشبه الحرف المشبه للفعل "كما" و"لا" العاملتين عمل "ليس"، فلا يتصل بها شيء لعدم التأتي قياسًا، فهذا الاعتراض به/ أيضًا من جهة ما تقدم له من القاعدة المذكورة أولا.
وأما الأسماء فهي على ضربين: ما يعمل بمعنى الإضافة، فهذا يتصل به معموله وهو واحد أبدًا، كحرف الجر، وما يعمل بجريانه

مجرى الفعل وهذا ينقسم إلى ما يعمل بكونه وضع موضعه في الأصل، أو ناب عنه في الاستعمال، أو تضمن معناه وجرى على لفظه، فهذه ثلاثة أقسام فالأول: أسماء الأفعال وحكمها حكم أفعالها، فكما تقول: اتركها كذلك تقول: تراكها من إبل تراكها وكما تقول: امهله، كذلك تقول: رويده، إلا أن هذا القسم إذا كان وضعه وضع الفعل استعماليًا حتى لحق بالوضعي كعليك ودونك وإليك فإن الوجهين فيه جائزان فتقول: عليكه وعليك إياه، ودونكه ودونك إياه، نص على ذلك سيبويه، وقد جعل بعضهم من هذا رويد، فأجاز رويد إياه، ولم يذكر سيبويه فيه إلا الاتصال، وإنما اعتبر فيه سيبويه أنه اسم فعل بالوضع الأول كـ "تراك"، واعتبر غيره أنه ليس بالوضع الأول، وإنما هو من قبيل "عليك" و"لديك"، ألا تراه يستعمل مصدرًا نحو: رويدًا زيدًا، وأما ما ناب عن الفعل استعمالًا فذلك المصدر الموصول فيجري أيضا مجرى

الفعل في اتصاله الفاعل به وحده، أو المفعول به وحده، على لفظ المضاف إليه، فإذا اجتمعا اختير الانفصال، كقولك: أعجبني إكرامي إياك، وجاز الاتصال أيضا نحو: وكان فراقيها أمر من الصبر وقال: ومنعكها بشيء يستطاع

وأما ما جرى على الفعل وأشبهه لفظًا ومعنى حتى استتر فيه الضمير المرفوع فإنه يجرى في اتصال الضمير به مجرى فلعله فتقول: أنا معطيكه وأنا ظانكه وتفصل الثاني إن شئت وهو أولى من الفعل، ولم أنكر هنا الصفة المشبهة وأفعل التفضيل لدخولها في النوع الأول.
فأنت ترى أن شيئًا من أقسام هذا النوع لم يشر إليه الناظم مع تشعب أضربه واختلاف أحكامها فيه زائدًا على كونه ضروري الذكر والاعتراض عليه في "التسهيل" وارد أيضا.
والجواب عن الأول: أن موضع الخلاف قد بينه بما يرفع ذلك الاحتمال ويزيح الإشكال بقوله حين حكى الخلف في الموضعين (واتصالا اختار غيري اختار الانفصالا) فبين أن الاختلاف إنما هو في اختيار الوجهين لا في غير ذلك وهو ظاهر.
والجواب عن الثاني: أن الخلاف في باب (سلنيه) غير متقن، وذلك أن سيبويه لما ذكر الاتصال لم يحك غير ولا نفاه، بل سكت عنه، والسكوت لا يقتضى نفي السكوت عنه بلابد، فلما كان كذلك كان غير سيبويه قد أجاز الوجهين وليس ذلك الأنباء على السماع، وقد وجده الناظم في الحديث في قوله عليه السلام: إن الله ملككم إياهم- والحديث عنده عمدة في الاستشهاد به- بني على إطلاق الوجهين من غير إشارة إلى خلاف حيث لم يتحقق له خلاف.
والجواب عن الثالث: ما ذكره شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار- رحمه الله- فيما نقله عنه شيخنا الأستاذ أبو عبد الله البلنسي-

حفظه الله- أن ابن/ مالك لم تدخل به "ليس" في كلامه، لأنه إنمام مثل بـ "كان" وما كان نحوها، وهي فعل متصرف، فلا ينتظم المثال إلا ما كان منها متصرفًا فخرجت "ليس" عن مراده وإشارته بهذا الاعتبار، فلا اعتراض عليه بما لم يتضمنه كلامه، وقد يقال: إن هذا الجواب غير كافٍ فحسب مراد ابن مالك فإنه جعل قول العرب "ليسنى" حجة في ثبوت الاتصال، كما تقدم بيانه، وأيضا فكذلك فعل سيبويه إذ لم يفرق بين الفعلين، أعني بين "كان" و"ليس" بل جعل السماع في كل واحد حجة للآخر، وإذا ثبت هذا من مذهبه ومذهب غيره كان مؤذنًا بأن "ليس" عنده داخلة في حكم "كان"، وإذ ذاك يبقى السؤال كما كان، ولعل الجواب أن الإجماع الذي ذكره ابن هانئٍ في "ليس" وحدها أن الاتصال فيها ضعيف، وغير مقيس، فيه نظر، إذ النحويون إذا ذكروا في هذا الباب "كان" ذكروا معها "ليس" على مساقٍ واحد، فإن كان في "ليس" إجماع فهو في "كان" وبالعكس، وإن كان اختلاف ففيها جميعا لكن ابن هانئٍ يسلم في "كان" وقوع الخلاف، فليسلمه كذلك في "ليس" وإن فرضنا أن الأمر في "ليس" كما قاله، من الاتفاق فالاعتراض على ابن مالك لازم له والله أعلم.
والجواب عن الرابع: أن ذلك الاعتراض إنما يلزمه على كلامه في "التسهيل" حيث شرحه بمقتضى ذلك التقرير، أما في هذا

الموضع فلا يلزمه إذا لعله لم ير هنا من الاحتجاج ما رأي هنالك، بل أثبت السماع بالاتصال وأتكل في نقل الانفصال على غيره، إلا أنه مال به نحو القلة، وهذا هو الظاهر، وعليه يحمل رأيه هنا، والله أعلم.
والجواب عن الخامس: أن الحاصل من مقصده بمقتضى كلمه أنه لم يصرح بالكلام على ما يخالف تلك القاعدة إلا في الأفعال، وترك ما عداها في محل النظر، إذ قد يدرك مما ذكر من الانفصال في هذه الأعمال على تجرى فيما لم يذكر، وذلك أن علة الانفصال فيما ذكر أمران: أحدهما: معارضة السماع، كما عارضنا في باب سلنيه.
والثاني: كون الفعل المتصل به الضمير لم يتحقق في باب الأفعال كما تقدم، في (كنته) و (خلتنيه) فصارا كأنهما أداتان، أو قريب من الأداتين، والأدوات لا أصل لها في هذا العمل المعين، فلم يستحكم الضمير في الاتصال بهما لذلك، وقد يقال أن علة الانفصال في (سلنيه) بعد ورود السماع هو (التشبيه) بباب (ظننت) فيحمل عليه في جواز الانفصال، وقد يحمل الفرع على الأصل فيما هو أصل في الفرع فرع في: الأصل، فإن علة الانفصال في باب "ظننت" مستحكمة، فاقتضت معلومها بحكم الأصل، ثم حمل عليه باب "سألت" فخرج عن أصل الاتصال إلى الانفصال، وعلى هذا تتخذ علة جواز الانفصال، وإذا ثبت هذا انبنى النظر في (فراقيها) و (تاكها) و (معطيكه) على ذلك، فإن الأسماء لها جهتان: جهة تقتضى الانفصال، إلا في ضمير واحد يجرى مجرى المضاف إليه، وجهة تقتضى الاتصال مطلقا، فالجهة الأولى هي جهة كونها أسماء أصلها أن لها

تعمل إلا في المضاف إليه وهو واحد، وما عدا ذلك فلا عمل لها فيه، والجهة الأولى (جهة) كونها متضمنة معاني الأفعال/ وجارية مجراها، فهي تطلب من تلك الجهة أكثر من معمول واحد، فاجتمع في الأسماء العاملة النظران وكل نظر منهما يطلب بضد ما يطلب الآخر، فمعنى الاسم يطلب الانفصال إذ لم يتحقق في باب الأفعال الطالبة بالاصتال، فلم يستحكم الضمير في الاتصال به، ومعنى الفعل يطلب بالاتصال، إذ هو ظاهر معنى ولفظًا، فكان للنظر القياسي هنا مجال، فتركه الناظم لما أشار إلى أصل العلة في ذكر الأفعال، فإذا يجب أن ننظر فيما تقتضيه تلك العلة، وليس إلا ما تقدم، أما ما عمل بمعنى الإضافة فواجب في معموله الاتصال، لأنه كالمجرور بحرف، ولأنه حل من الاسم محل تنوينه الذي هو كجزء منه.
وأما أسماء الأفعال فلما كان القصد بها أن لها تظهر بأنفسها، وإنما وضعت لتكون عوضا من أفعالها، وجب فيها ما وجب في الأفعال، إلا ما ظهر فيه شيء من الاعتبار اللفظي، فإنه روعي، فأنتج مجموع الاعتبارين جواز الوجهين كدونك وعليك.
وأما ما ناب عن الفعل استعمالًا وهو المصدر الموصول، فالاعتباران فيه ظاهران، ألا ترى أن ضمير الرفع إذا اتصل به يعامل معاملة المضاف إليه، فلا يستتر فيه، فصار الثاني كأنه غير معمول له، لكن لما طلب بما فيه من معنى الفعل، اقتضى الاتصال،

فجاز فيه الأمران وقد شرح هذا المعنى السيرافي وأصله لسيبويه، وأما اسم الفاعل والمفعول فهو أقعد بالفعل من حيث يضمر فيه، كما يضمر في الفعل ويتصل به الضمير مع اعتقاد نصبه لا جره بالإضافه نحو: الضاربك، على رأي سيبويه، فكان حقيقًا بأن يعامل معاملة فعله الجاري هو عليه، وهذا كله راجع إلى اعتبار العلة المذكورة في باب (خلتنيه) والنظر إلى فوة جانب الفعل المتقضى للاتصال، أو جانب الاسم المقتضى لانفصال ما زاد على الواحد، فإن كان الناظم قد ترك الكلام على ما سوى الأفعال، فقد أدرج فيما ذكر ضابطًا حسنًا، وتنبيهًا أصليًا، يقف بك على ما أردت، مع أنه بحسب قصد الاختصار، وعدم الاستيفاء معذور، ولا عذر له في تركه في "التسهيل" بل الاعتراض عليه هنالك (وارد) ولا يخلصه هذا الجواب هنالك، لاختلاف مقاصد الكتابين، والله الموفق.
وقدم الأخص في اتصال... وقدما ما شئت في انفصال وفي اتحاد الرتبة إلزم فصلا... وقد يبيح الغيب فيه وصلا مع اختلاف ما نحو ضمنت... إياهم الأرض الضرورة اقتضت كلامه هنا في ترتيب الضمائر بعضها مع بعض في الاتصال والانفصال، قد قدم القاعدة فيما يتصل من الضمائر العاملة، وما لا، وما فيه الوجهان وعلى ذلك بنى هذه المسألة فيعني أنه إذا كان الضميران أو الضمائر

مجتمعة، فإما أن تكون في رتبة واحدة، أو في رتب مختلفة/ والرتب هنا هي التي بحسب التكلم أو الخطاب أو الغيبة، وذلك أن الضمائر على ثلاثة أقسام: ضمير تكلم، وضمير خطاب، وضمير غيبةٍ، وأخصها ضمير المتكلم، لأنه يدل على المراد بنفسه، وبمشاهدة مدلولهِ، وأيضا فإنه بعيد عن الصلاحية لغيره، ويليه ضمير المخاطب، لأنه يدل على المراد به حاضرًا أو غائبًا على سبيل الاختصاص، ويليه ضمير الغائب لأنه دونهما، فإذا اجتمعت ضمائر فأما أن تكون في رتب مختلفة، أو في رتبة واحدةٍ، فإن كانت في رتب مختلفة كضمير مخاطب مع غائب، أو ضمير متكلم مع مخاطب أو غائب، فإن كان العامل فيها يقتضي اتصالها قدم الأخص في الرتبة، وذلك قوله: (وقدم الأخص في اتصال) وذلك نحو: أعطاكه وأعطيتكه، وأعطتنيه ولا تقول: أعطاهوك ولا أعطاهوني، قال سيبويه: لأنه قبيح لا تتكلم به العرب.
قال: وإنما قبح عند العرب كراهية أن يبدأ المتكلم في هذا الموضع بالأبعد قبل الأقرب ثم ذكر أن العرب تنتقل في هذا إلى الفصل فتقول: أعطاك إياي، وأعطاه إياك وما اختاره من هذا الترتيب هو مذهب سيبويه والجمهور وحكى سيبويه عمن تقدم من النحويين أنهم يقولون بالقياس: أعطاهوك وأعطاكني، فلا يلتزمون الترتيب المذكور وارتضاه المبرد، وجعل ضمير الغائب والمتكلم والمخاطب سواء، فأجاز أعطاهوني واستجداه، وهذا المذهب مرجوح بمخالفة كلام العرب، فقد زعم سيبويه أن العرب لا تتكلم بهذا، وأن كلامها جارٍ على اعتبار المراتب، وهذا يكفي في

المسألة، وقد شنع عليهم سيبويه بأنه يدخل عليهم أن يقولوا في الرجل إذا منحته نفسه: منحتنيني.
ألا ترى أن القياس قد قبح إذا وضعت "ني" في غير موضعها، يريد أن موضع "ني" هنا النفس فتقول: منحتني نفسي كما كان موضع "ني" في أعطاهوني إياي، فلو جاز لك أن نضع الشيء على غير ما وضعته العرب عليه لجاز لك في كل موضع، وهذا شنيع من الارتكاب.
قال ابن خروف: بنى سيبويه على الشايع، يعني فإنه يجوز منحتنيني لكن قليلا.
قال المبرد: منحتنيني جيد، وإنما احتج به على جهة التشنيع الذي يشنع به المتكلمون وهو جائز.
قال ابن خروف: والذي قال هو صواب غير أن منحتنيني نفسي هو الكثير فصار بمنزلة أعطاهوها، لا بمنزلة أعطاهوني، فإن استدل من خالف الناظم وأصحاب مذهبه يقول العرب: عليكني، من حيث تقدمت الكاف على الياء، والياء أخص، فلا دليل فيه، لأن الكاف في عليك فاعلة في المعنى، فتقديمها على الياء بمنزلة تقديم التاء في أكرمتني، فلا ينبغي أن تجرى كاف لا حظ لها في الفاعليه، مجرى ما لها حظ فيها، وهذا ظاهر وإن اقتضى العامل انفصال بعض الضمائر أما لعدم تأتيه كقولك: ما أعطيتك إلا إياه، وأما لجواز ذلك فيه كقولك: ظننتك إياه وأعطيتك إياه، فأنت بالخيار

إن شئت قدمت الأخص فقلت: ظننتك إياه، وإن شئت عكست فقلت: ظننته إياك، وظننتك إياي، وذلك قول الناظم: (وقدما ما شئت في انفصال) يعني أنك مخير في تقديم أي الضمائر شئت، إذ وجد الانفصال ووجه ذلك أن المنفصل جارٍ مجرى الظاهر/ فلا عليك أن تقدم ما شئت من الضمائر لا اعتبار بالرتبة، والعرب إذا أرادوا تقديم غير الأخص على الأخص لجأوا إلى الانفصال، فأتوا بالضمير المنفصل الجاري مجرى الظاهر ليتأتى لهم الإتيان بغير الأخص مقدمًا على الأخص، لكن هذا الإطلاق هنا وفي القسم الأول فيه نظر.
وأما الأول فإنه زعم فيه أن لها لا بد من تقديم الأخص بقوله: (وقدم الأخص في اتصال) يعني على غيره مما هو في الاختصاص دونه، فظاهره انحتام ذلك كان بعض الضمائر في موضع رفع أو لم يكن ذلك، وهو غير صحيح، بل ضمير ارفع لا يعتبر به في هذه المسألة لوقوعه موقع الخبر من عامله فإنك تقول: زيد أعطانيها، فتقدم ضمير الفاعل وهو للغائب، وتؤخر ضمير المفعول وهو للمتكلم، وكذلك تقول: خلتنيه، فتقدم ضمير المخاطب على ضمير المتكلم، وضمير المتكلم أخص، وقالوا: عليه رجلا ليسنى، وفي القرآن الكريم: ﴿وإذ يريكموهم﴾ الآية، وعلى هذا كلام العرب، ولا خلاف فيه أعلمه، وإنما فرضوا المسألة في الضميرين المنصوبين، فهنالك يلزم تقديم الأخص عند الجمهور خلافا للمبرد والقدماء، فقد ظهر أن إطلاق الناظم في القسم الأول غير صحيح.

وأما الثانية: فإطلاقه فيه غير محرر، إذ يقتضى جواز أي الضميرين المنصوبين شئن كان، ثم لبس أولا، وليس كذلك، بل أفعال هذا الباب في ذلك على وجهين: أحدهما: ما لا يلتبس أحد مفعولية بالآخر نحو: الدرهم أعطيتكه فالحكم فيه ما قال من التخيير، فتقول: أعطيته إياك إن شئت، وأعطيتك إياه إن شئت.
والثاني: ما يلتبس أحد مفعولية بالآخر، كما إذا كان لك عبدان فأعطيت أحدهما الآخر، فإذا قلت لأحدهما: غلامي أعطيتك إياه، فإما أن يكون الآخذ هو الغائب أو المخاطب فإن كان المخاطب لزم أن تقدمه فتقول: أعطيتك إياه، ولا تقول: أعطيته إياك إذ يلتبس الآخذ بالمأخوذ، فإن كان الآخذ هو الغائب وجب تقديمه أيضا خوف اللبس فتقول: أعطيته إياك، ولا يجوز هنا أن تقول: أعطيتك إياه من أجل للبس، فإذا قوله: (وقدما ما شئت في انفصال) غير صحيح على اطلاقه كما ترى.
فأما النظر الأول فظاهر الورود، ولا أجد الآن جوابا عنه، إلا أن يقال: إن تمثيله قبل (سلنيه) و (خلتنيه) يشعر بخروج ضمير الرفع عن إطلاق مسألته، لأن قدم في المثالين المرفوع وهو غير الأخص إذ يعيد أن يأتي بمثال غير حائز، فكان التمثيل قيد طلاق هذه المسألة وهذا اعتبار ضعيف (والله أعلم), وأما الثاني: فقد يجاب عنه بأنه قد أشار إلى التحرز من ذلك لأنه قال

في "باب تعدي الفعل ولزومه: (ويلزم الأصل لموجب عصرا) وقال في باب الفاعل والمفعول: (وآخر المفعول إن لبس حذر) وهذا جار بين المعفول الأول والثاني كما هو جار بين الفاعل والمعفول، وإذا لزم تأخير المأخوذ وكان ضميرا أخص من ضمير الأخذ لمي جز اتصاله، إذ شرط فيه تقديم الأخص، والأخص هنا لا يتقدم، فوجب انفصاله فيدخل إذًا تحت إطلاقه قوله: (وقدما ما شئت في انفصال) فإن هذا الكلام إنما يعطي أنك إذا فصلت أحد الضميرين فلا تبال أكان هو الأخص أم لا؟ وبقي كون الفصل واجبا ًيؤخذ له من قوة كلامه في قاعدة الوصل وافصل، حيث قال: (وفي اختيار لا يجئ المنفصل.. ) إلى آخره فتقول: لما شرط في اتصال/ الضميرين تقديم الأخص، وبين وجوب تأخير ما يقع بتقديمه اللبس، في باب تعدي الفعل ولزومه جاء من ذلك أن لا بد من الانفصال وصح أن هذا من الأسباب الموجبة له، إذ لا يتأتى فيه المتصل، فظهر بهذا استقامة كلامه، لكن على استكراه شديد، ونداءٍ من مكانٍ بعيد وإن كانت الضمائر في رتبة واحدة، فسواء اقتضى العامل في الأصل اتصالها أو انفصالها جوازا ً أو وجوبًا لا بد من الانفصال، وذلك قوله: (وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا) يعني أن الضميرين إذا كانا في رتبة واحدة من تكلم أو خطاب أو غيبة فيتعين انفصال الثاني فتقول: زيد الدرهم أعطيته إياه، وعمرو بشر خلته إياه، وعلمتني إياي، وعلمتك إياك ولا تقول: أعطيتهوه ولا خلتهوه، ولا علمتنيني ولا علمتكك.
قلا في "شرح التسهيل" انفصال ثاني الحاضرين متعين أبدا؛ لأنه لا يكون إلا مثل الأول

لفظًا، ومتحد به معنى، فاستثقل اتصالها، ولأن اتصالها يوم التكرار، قال: وانفصال ثاني الغائبين متعين أيضا؛ لأنه لا يكون إلا مثل الأول لفظًا ومعنى إن كان هو الأول في المعنى أو شبيها بما هو الأول في المعنى، فهذا وجه ما ذكره الناظم من الحكم إلا أن عليه فيه دركًا من وجهين: أحدهما: لفظي، وهو أنه قال: (الزم فصلا) فحتم الحكم باللزوم واللزوم ضد الجواز فهو يقتضي أن لا يجوز الاتصال البتة، لكنه قال: (وقد أن لها يبيح الغيب فيه وصلا) فأجاز وجهًا آخر في بعض المسائل الداخلة تحت الإطلاق الأول، فإذا الفصل غير لازم، فظهر أن هذا الأخير مناقض للأول، وإنما كان الوجه أن يأتي بعبارة لا تقضى اللزوم فيما ليس فيه لزوم.
والثاني: معنوي وهو أن قوله: (وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا) يقتضي بإطلاقه إنك تأتي بالضمير الثاني منفصلا، وهذا مبني على صحة الإتيان بالمنصوب الثاني ضميرا، وهو صحيح إذا كان (الضميران) في رتبة الغيبة في نحو: مال زيد أعطيته إياه، وأما إذا كانا في رتبة التكلم أو الخطاب فلا يكون ذلك في أعطى إلا قليل من الكلام، وكذلك في رتبة الغيبة إذا اتخذ الأخذ والمأخوذ ذلك كله نادر لا يعتد به مثل ابن مالك في مثل هذا النظم فإن قولك: منحتنيني أو منحتني إياي، وكذلك منحتكك، ومنحتك إياك، وعندي: منحتهوه أو منحته إياه كأنه من قبيل المسوع عند الجمهور خلافا ً للمبرد، حيث أجاز منحتنيني ومثله منحتكك، وإنما كلام العرب على أن تعوض من الضمير النفس فتقول: منحتني نفسي، ومنحتك نفسك، أما أفعال القلوب فما قال فيها صحيح، وإذا ثبت هذا كان إطلاق

الناظم في الإتيان بالضمير مخلا بالمقصود.
فالأول: أسماء الأفعال وحكمها حكم أفعالها، فكما تقول: اتركها كذلك تقول: تراكها من إبل تراكها وكما تقول: أمهله، كذلك تقول: رويده، إلا أن هذا القسم إذا كان وضعه وضع الفعل استعماليًا حتى حلق الوضعي كعليك ودونك وإليك فإن الوجهين فيه جائزان فتقول: عليكه وعليك إياه، ودونكه ودونك إياه، نص على ذلك سيبويه، وقد جعل بعضهم من هذا رويد، فأجاز رويد إياه، ولم يذكر سيبويه فيه إلا الاتصال، وإنما اعتبر فيه سيبويه أنه اسم فعل بالوضع الأول كـ"تراك"، واعتبر غيره أنه ليس بالوضع الأول، وإنما هو من قبيل "عليك" و"لديك"، ألا تراه يستعمل مصدرًا نحو: رويدًا زيدًا، وأما ما ناب عن الفعل استعمالًا فذلك المصدر الموصول فيجري أيضا مجرى الفعل في اتصاله الفاعل به وحده، أو المفعول به وحده، على لفظ المضاف إليه، فإذا

اجتمعا اختير الانفصال، كقولك: أعجبني إكرامي إياك، وجاز الاتصال أيضًا نحو: وكان فراقيها أمر من الصبر والثاني: أن يختلف لفظهما بعض اختلاف، فإنهما إن لم يختلفا لفظًا لم يزل القبح اللفظي، فلا بد من الفصل فقولك: مال زيد أعطيته إياه لا يجوز فيه الوصل، فلا تقول: أعطيتهوه ولا جارية هند أعطيتهاها، فإذا وجد الاختلاف فحينئذ يجوز ذلك على ما قال من القلة، والاختلاف الذي أشار إليه هو أن يكون أحدهما مذكرًا والآخر مؤنثًا، أو أحدهما مفردًا والثاني مثنى أو مجموعًا نحو: أعطاهوها، وأعطاهاه وأعطاهماه، وأعطاهوهم

وأعطاهاهما وأعطاهموهن، وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه جاز وهو عربي، ولا عليك بأيهما بدأت من قبل أنهما كلاهما غائب، وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم، والكثير في كلا مهم أعطاه إياه، ثم أنشد قول مغلس بن لقيط الأسدي: وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظم نابها وروى غير سيبويه: أعضهماها يقرع العظم نابها وحكى الكسائي: (هم) أحسن الناس وجوها وأنظر هموما، ووجه إباحة الوصل ما تقدم من زوال بعض القبح اللفظي وزوال إيهام التكرار.
وقوله: (وقد يبيح الغيب فيه) أتى بقد دالة على القلة، وهكذا شأنه أن

يأتي بها للدلالة على قلته في الكلام، والغيب مرادف للغيبة.
يقال: غاب عنه غيبًا وغيبة وغيوبًا ومغيبا، وحكى عن اللحياني أيضا غيابه وغيابًا بالكسر وغيبة بالكسر أيضا، فأراد وقد تبيح الغيبة فيه وصلًا، و"ما" في قوله/: "مع اختلافٍ ما" صفة أريد بها الايهام، فالعرب تضعها لايهامها مواضع الإيهام كقول العرب: "لأمرٍ ما جدع قصير آنفه وأنشد سيبويه: عزمت على إقامة ذي صباحٍ... فأمرٍ ما يسود من يسود أي: لأمرٍ عظيم، وعلى هذا النحو استعملها الناظم، كأنه قال: مع اختلاف، أي اختلاف (كان)، ثم قال: (ونحو ضمنت إياهم الأرض... إلى آخره)، أراد إن الضرورة اقتضت تسويغ انفصال ما لا يجوز انفصاله، نحو (ضمنت إياهم الأرض) فإن الواجب أن يقال: ضمنتهم، كما يقال: ضربهم زيد وهو الذي أشار

إليه أولًا في قوله: (وفي اختيار لا يجئ المنفصل... ) إلى آخره، وقد مر الاستشهاد عليه، وكان الأولى أن يأتي بهذا المعنى في ذلك الموضع، لا ها هنا، والذي أشار إليه بقوله: (ضمنت إياهم الأرض) هو بيت للفرزدق اقتطع منه موضع الشاهد وهو قوله: بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إياهم الأرض في دهر الدهارير والضرورة: مبتدأ خبره اقتضت ونحو: مفعول به قد تقدم على المبتدأ والقاعدة في هذه المسألة أن المعمول لا يتقدم إلا حيث يصح تقدم العامل وتقدم العامل هنا لا يصح لأنه يوهم فاعلية المبتدأ، وقد قال في باب المبتدأ حين نص على منع التقديم: (كذا إذا ما الفعل كان الخبرا) فإذا القياس منع هذا التقديم على ما قالوا إلا أن يكون نحو: مبتدأ حذف الضمير العائد عليه، وهذا الوجه ضعيف، وقد نازع المؤلف في صحة تلك القاعدة وخالفها في بعض المواضع في "شرح التسهيل" فلعل هذا جارٍ على إجازته التقديم والله أعلم.

ثم قال: وقبل يا النفس مع الفعل التزم... نون وقاية وليس قد نظم لما أتم الكلام على الضمائر وأحكامها وألفاظها شرح في فصل يتعلق بها وذلك الكلام على نون الوقاية وهي النون اللاحقة آخر الكلمة، وقبل ياء المتكلم لتقيها من الكسر لكونها من جنس ما لا يدخله الكسر أو لشبهها بما هو كذلك وأصل ذلك للفعل، وذلك أنهم حرسوا أواخر الأفعال من دخول كسرة عليها لازمة لتباعد الأفعال من الجر والسكرة لفظها لفظ الجر: لأن الياء المتكلم يكسر لها ما قبلها إذا كان مما يتحرك، فلما كرهوا كسر الفعل وأثروا سلامة لفظه أدخلوا نونا يقع الكسر عليها نحو: ضربني ويضربني، (وأدخلوها) أيضا في المعتل نحو: أعطاني ويخشاني ويدعوني ونحوه، وإن كان لا يتحرك حملا للمعتل على الصحيح، ولأنه كان يلزم في يدعوني قلب الواو ياء كهذه عشري في إضافة العشرين للياء.
والدليل على أ، لحاقها لذلك قولهم: الضاربي، فلم يزيدوا النون، فإن قيل، فأنت تقول: اضرب الرجل فيدخل الكسر الفعل "قيل: هذا ليس من الكسر الذي يختص بالأسماء كالجر وإنما هو لالتقاء الساكنين، فلم يكن ذلك مما يتوقى منه، لما لم يكن مختصا، هذا معنى ما علل به سيبويه وغيره، وقد علل ابن مالك في "شرح التسهيل" هذه التسمية بمعنى آخر بمعنى آخر فخذه من هنالك.

فقوله: (وقبل يا النفس مع الفعل التزم) إلى آخره، أراد أنه/ يجب الإتيان بنون تسمى نون الوقاية مع الفعل المتصل به "يا النفس"، وذلك ما بين الفعل والياء، وياء النفس هي الياء الدالة على النفس، أي التي هي ضمير المتكلم، وأراد ياء النفس بالمد لكنه قصر ضرورة، ولأنه حكى شربت ما يا هذا.
وقوله: (مع الفعل) يعني أن هذا اللزوم إنما هو مع الفعل لا مع غيره، فإن لحقت غير الفعل فليس ذلك إلا على الجواز دون اللزوم، وبالسماع دون القياس، فإذا احترازه من الاسم والحرف، أما الاسم فلأن الكسر ًاصلٌ فيه فلا يحتاج إلى نون الوقاية، أن تلحقه، فإن لحقته فسماعًا لا قياسا، ولحاقها الأسماء إما لشبهها بالحروف التي تلحقها النون، وإما لشبهها بالفعل، فشبه الحرف سيذكره وشبه الفعل اسم الفاعل قرئ في غير السمع: ﴿هل أنتم مطلعون﴾ بإسكان الطاء وكسر النون، وهي رواية أبي عمروٍ، وقراءة ابن عباس وابن محيصن، وعمار بن أبي عمار.
وأما الحرف فلأن الكسر مما يدخله على الجملة، فالأصل فيه ع دم الاحتياج إلى النون إلا أنه أشبه الفعل منه بعض أنواعه، فلحقته النون بمقتضى الشبه لا بالأصل، وعلى الجواز في الغالب لا على اللزوم، وسيذكر ذلك، فلأجل هذا كله قيد لحاقها للفعل باللزوم حين قال: "مع الفعل التزم": فالحاصل أن نون الوقاية تلحق الاسم والفعل والحرف على الجملة فقدم كلام على الفعل الذي هو الأصل.

ثم قال: (وليسي قد نظم) فنبه على أنه قد جاء في النظم سقوط نون الوقاية مع الفعل، قبل ياء المتكلم، ومخالفة الحكم باللزوم ونبه على أنه إنما جاء في الضرورة لا في الاختيار، لقوله: (قد نظم) أي: إنما نظم نظمًا ولم يأت في النثر، وذلك دليل على أنه اضطراري والذي أشار إليه هو ما أنشده السيرافي.
وقال أنشدنا أبو بكر بن دريد: عددت قومي كعديد الطيس... إذ ذهب القوم الكرام ليسي ولم يذكروا ذلك في غير هذا البيت، ووجهه أن "ليس" شبيهة بالحرف لعدم تصرفها فعوملت معاملة "ليت" فلم تلحق النون في الشعر، كما لم تلحق في "ليت" كما سيأتي إثر هذا، وفي تنبيهه على السماع في "ليس" بيان أن مراده بالفعل عموم الأفعال متصرفة كانت أو غير متصرفة، فالمتصرفة نحو: أكرمني ويكرمني وأكرمني وغير المتصرفة نحو: "عليه رجلا ليسنى"، وما أحسنني عساني في نو ما أنشده سيبويه لعمران بن حطان: ولي نفس أقول لها إذا ما... تنازعني لعلي أو عساني

ثم ذكر دخول النون في الحرف فقال: وليتني فشا وليتي ندرا... ومع لعل اعكس وكن مخيرا في الباقيات واضطرارا خففا... مني وعني بعض من قد سلفا فذكر من ذلك ثمانية أحرف: إن وأخواتها، ومن حروف الجر: من وعن.
أما إن وأخواتها فقسمها في هذا الحكم ثلاثة أقسام: قسم شارع فيه لحاقها وندر عدم لحاقها.
وقسم بالعكس شاع فيه عدم لحاقها، وندر لحاقها.
وقسم شارع فيه الوجهانت/ معا.
وأصل هذه الحروف أن لا تلحقها النون مع ياء المتكلم، إذ ليس الكسر مما يمتنع من الحروف على الجملة، لكن هذه الحروف أشبهت الأفعال الماضية، ولذلك عملت عملها، فرفعت ونصبت حسب ما ذكره النحويون في باب "إن"، فثبت لها بحق الشبه أن عوملت معاملتها في لحاق النون، ولما كان المشبه لا يقوى قوة المشبه به لم يكن هذا الحكم لازمًا فيها، بل كان جائزًا على الجملة، فإن شئت ألحقت النون، وإن شئت لم تلحقها، وقد يغلب أحد الوجهين في بعضها دون الوجه الآخر.
فالقسم الأول: (ليت)، وهو الذي نبه عليه بقول: (وليتني فشا وليتي ندرًا) يعني أن الفاشي الشهير في كلام العرب لحاق النون في "ليت"، فتقول: ليتني اشتريت كذا، ومنه في القرآن: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾ و ﴿يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا﴾، وقد لا

تلحق فتقول: ليتي فعلت كذا، ومنه قول زيد الخيل: كمنية جابر إذا قال ليتي... أصادفه وأتلف بعض مالي ووجه هذا النادر أن الحروف أصلها ألا تلحقها نون الوقاية، فجاء على مراعاة الأصل، فلم تلحق.
والقسم الثاني: (لعل)، وهو الذي أراد بقوله: (ومع لعل اعكس)، ويريد أن "لعل" حكمها بعكس حكم "ليت"، وحقيقة العكس تبديل مفردي القضية المفروضة على وجه يصدق، والمراد هنا عكس الحكم، لما كان دائرًا بين وجهين، وذلك قوله في "ليت": إن عدم اللحاق فشا، واللحاق ندر، فإذا عكست أنت هذا الحكم بالإضافة إلى "لعل" ثبت لك أن اللحاق فشا، وعدم اللحاق ندر، وهذا صحيح، ومثال الفاشي: ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ و ﴿لعلي أطلع﴾ وهو كثير، ووجه ذلك أن لعل آخره لام، واللام قريبة من النون، ولذلك تدغم فيها حتى تبدل لامًا، وذلك قولك: ملك في: من لك، فحذفوا ها هنا النون لمكان قربها من اللام حتى إنهما لكالأمثال، وهم مما يحذفونها في هذا الباب كراهية التضعيف، حين

وافقت مثلها نحو: إني وكأني، فكذلك فيما قرب من المضاعفين، ومثال النادر ما أنشدوه من قول الشاعر: فقلت أعيراني القدوم لعلني... أخط بها قبرًا لأبيض ماجد ووجهه مراعاة أصل الشبه بالفعل مع عدم الالتفات إلى تقارب الحرفين في المخرج، وقد علل في "شرح التسهيل" عدم اللحاق وكونه هو الشائع في لعل بوجه آخر، وما تقدم هو تعليل الخليل في المعنى.
والقسم الثالث: وهو الشائع فيه الوجهان، فأنت فيه بالخيار في إلحاق النون وعدم إلحاقها، وهو أربعة أحرف: "إن" و"أن" و"كأن" و"لكن"، وإياها أراد الناظم بقوله: (وكن مخيرًا في الباقيات) أي: في الأحرف الباقيات، يريد من باب "إن"، ودل على أن الباقيات من باب إن ذكره "ليت" و"لعل" في القسمين الأولين، فعلم أن ثالث الأقسام مختص أيضا بباب "ليت" و"لعل"، فمثال لحاقها قول الله تعالى ﴿إنني لكم [منه] نذير وبشير﴾ وأنشد ابن جني عن قطرب لمهلهل:

جارٍ التحميل