شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 190-229

والجواب عن الثاني أن يقال: يحتمل أن يكون مراد الناظم أن باب "سنين" شاذ أيضا حسب ما تقدم، غير أن شذوذه على غير جهة شذوذ ما تقدم فإن القاعدة الأصولية أن الشاذ على ثلاثة أضرب: شاذ في القياس والاستعمال معا، وذا هو الذي لا يوجد إلا في الشعر، أو في قليل من الكلام.
ومثله ابن جني بتصحيح عين مفعول مما عينه واو نحو: فرس مقوود ورجل معدود، وما ذكره الناظم من أهلين وأولي وعالمين وأخواتها هو من هذا الضرب، إذ ليس بشائع، وإنما هو قليل وشاذ في القياس دون الاستعمال وهو الذي يوجد كثيرا في الكلام، ولكنه مع ذلك غير مقيس، ومثله ابن جني بتصحيح عين أفعل واستفعل في مثل: أخوص الرمث، وأغليت المرأة واستحوذ فلان على البلد، واستصوبت الأمر، فمثل هذا شائع في الكلام إلا أنه لم يبلغ مبلغ القياس، وما ذكرت من باب "سنين" من هذا القبيل عنده، إذ هو مع شياعه لم يبلغ مبلغ القياس، فلم يخرج عن باب الشذوذ، فإذا لادرك عليه في إطلاق لفظ الشذوذ على القسمين لصحة الإطلاق.

وشاذ بعكس هذا الثاني كماضي يذر ويدع ونحوه من مسائل باب الاستغناء ولا حاجة بنا إلى هذا الضرب، والحاصل أن كلامه هنا وفي "التسهيل" صحيح، وقد يحتمل أن يكون مراد الناظم أن باب سنين أجرى أيضا مجرى الجمع السالم في الإعراب هكذا على الجملة، من غير تعويض لكونه شاذا أو غير شاذ بل يقدر خبر المبتدأ الذي هو "والسنون وبابه" كأنه قال: والسنون وبابه كذلك، أو مثل ما مر، يعني في الإعراب، أو ملحق بالجمع، كما قال في باب عشرين أنه ألحق به ودل على هذا المقدر الكلام قبله، فيكون قد أتى بثلاثة أنواع مما أجرى مجرى الجمع، وليس به.
أحدها: أسماء الأعداد كعشرين.
والثاني: باب ستين.
والثالث: ألفاظ شذت لا ضابط لها.
وإنما أخر باب "سنين" لما تقدم، ولا يبقى بعد هذا في كلامه إشكال، والله أعلم.
ثم قال: ومثل حين قد يرد ذا الباب "مثل" منصوب على الحال من "ذا" ويريد أن هذا الباب الذي أشار إليه بقوله: "والسنونا وبابه" قد يرد عن العرب مثل حين، أي في جعل الإعراب على النون، فتعامل النون فيه معاملتها في حين، كأنها من أصل الكلمة ويجري الإعراب عليها، بالرفع والنصب والجر بالحركات، ويتبعها التنوين، لكن بشرط نبه عليه التمثيل بحين، وهو أن يكون قبل النون الياء، كما كان

ذلك في لفظ "حين".
قال في "شرح التسهيل": وإنما ألزموه إذا أعربوه بالحركات الياء دون الواو؛ لأنها أخف عليهم؛ ولأن باب الياء في مثل هذا كغسلين أوسع من باب الواو كالسيلَجُون ولأن الواو كانت إعرابا صريحا إذ لم يشترك فيها شيئا فلو لزمت عند الإعراب بالحركات لكان الرفع بالضمة معها كرفعين، وليست الياء كذلك، إذ لم ينفرد بها شيء واحد لوجودها علما للنصب والجر، فعلى هذا تقول: في "سنين" على ما قرر الناظم: أتت عليه سنين حسنة "وإن سنينا يطاع الله فيها لسنين" وفي سنينك كثرة، ولا تسقط النون للإضافة، بل حكمها حكم حين على الإطلاق ومما جاء في ذلك في السماع قول الشاعر -أنشده السيرافي-: دعاني من نجد فإن سنينه... لعبن بنا شيبا وشيبننا مرادا وقول الآخر -وهو كثير عزة-: حرام على الدهر نضر أمانة... لذات هوى عندي وإن طال حينها طوال الليالي ما بقيت وما مضى... شهور وأيام لها وسنينها حياتي ما غنت حمامة أيكة... وما طاوعت يسرى يدي يمينها

وأنشد بعضهم هذا البيت هكذا: أرى مر السنين أخذن مني... كما أخذ السرار من الهلال وحكى أيضا في جمع مائة مئين، ومنه قول حسان بن ثابت -رضي الله عنه-: وذاك بأن ألفكم قليل... بواحدنا أجل أيضا ومين أراد: ومئين، فحذف الهمزة، ومثل هذا فعل بقلة، أنشد السيرافي مثل المقالي ضربت قِلِينها وفي البرة أيضا: إلى برين الصفر الملويات

وقد فعل هذا ببنين.
أنشد السيرافي: وإن لنا أبا حسن عليا... أب بر ونحن له بنين كما جمع ما فيه الهاء جمع سنة، وإن لم يحذف منه شيء، وقوله: (وهو عند قوم يطرد) مرجع الضمير يحتمل وجهين: أحدهما: أن يرجع إلى الحكم الذي قرره بقوله: (ومثل حين قد يرد ذا الباب) ويعني أن هذا الإعراب يطرد عند قوم في سنين وبابه مما حذف فيه اللام وعوض منها الواو والياء، والقوم هاهنا عند العرب لا النحويون، قال في "شرح التسهيل": من العرب من يشبه سنين ونحوه بغسلين، فيلزمه الياء ويعربه بالحركات، ومثل ذلك، ثم قال: وإنما اختص هذا النوع بهذه المعاملة لأنه أعرب إعراب جمع التصحيح، وكان اللائق به إعراب جمع التكسير لخلو واحده من شروط جمع التصحيح، ولعدم سلامة نظمه، وكان جديرا بأن يجري مجرى صنوان وقنوان، فلما كان ذلك له مستحقا ولم يأخذه نبه عليه بهذه المعاملة وكان بها مختصا قال: ولو عومل بهذه المعاملة نحو: رقين،

يعني مما حذفت فاؤه لا لامه لجاز وكان قياسا وإن لم يرد به سماع، ثم ذكر أنه لو عومل بهذه المعاملة عشرون وأخوته لكان حسنا؛ لأنها (ليست) جموعا' فكان لها حق في الإعراب بالحركات كسنين، وحمل ذلك الأربعين في بيت سحيم: وماذا يدري الشعراء مني... وقد جاوزت حد الأربعين قال: ويمكن أن يكون كسرة ضرورة، ثم قال: وإذا جاز لهم الانقياد إلى التشبيه اللفظي في الخروج عن أصل أحق بالجواز، وذلك أنهم قالوا في نحو: يا سمين وشياطين، ياسمون وشياطون، فأعربوهما إعراب جمع التصحيح تشبيها للآخر بالآخر، وإن كان نون بعضها أصليا، مع أن هذا الإعراب فرع، والإعراب بالحركات أصل، فكان تشبيه باب سنين وظُبين بباب قرين ومبين أنسب وأقرب.

فإذًا يكون معنى كلام الناظم هذا الإعراب بالحركات على حد إعراب "حين" يطرد عند الناس من العرب في كل مكان من باب "سنين".
والثاني: أن يكون الضمير عائدا على إعراب سنين وبابه، بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا، أي: وإلحاقه بالجمع الحقيقي في الإعراب يطرد عند قوم، والقوم هاهنا النحويون وهو سيبويه ومتابعوه، فإن القاعدة عندهم: أن ما حذفت لامه من الثلاثي، ولم يعوض منها ألف الوصل، فإن قياسه أن يجمع بالألف والتاء، وبالواو والنون، وإذا جمع بالألف والتاء لم يرد المحذوف، وإذا جمع بالواو والنون غير أوله إلى الكسر إن لم يكن مكسورا، وهذا كله ما لم تكسره العرب، فإن كسرته لم يجمع هذا الجمع، استغناء به عن هذا الجمع، والتكسير في هذا النوع شاذ نحو: أمه وإماء وآمٍ، وشفه وشفاه، وشاة وشياه، وكان القياس في باب "سنين" الجمع بالألف والتاء، ليكون محذوفا في الجمع، كما كان في المفرد محذوفا، ولما لم يمكنهم ذلك في التكسير للزوم رد المحذوف فيه، جمعوه بالواو والنون، وكسروا الأول، فكان ذلك نوعا من التكسير للزوم رد المحذوف فيه، جمعوه بالواو والنون، وكسروا الأول، فكان ذلك نوعا من التكسير، وقد لا يكسرون وهو قليل، وقد يكون الكسر في النية، إذا كان أول المفرد مكسورا، ولما صح القياس عدم رد المحذوف كان التكسير فيه شاذا، وكان رده في الجمع بالألف والتاء قليلا كذلك، ودل على قياس الجمع بالواو والنون في هذا عند سيبويه قوله -في باب جمع الرجال والنساء-: ولو سميت رجلا بربة في لغة من خفف والتكسير في هذا النوع] فقال: ربة رجل، فخففت ثم جمعت [قلت: ربات وربون

في لغة من قال: سنون، وقال أيضا: وإن جاء شيء مثل برة لم تجمعه العرب، ثم قست ألحقت التاء والواو والنون؛ لأن الأكثر مما فيه هاء التأنيث من الأسماء التي على حرفين، جمع بالتاء والواو والنون ولم يكسر على الأصل.
فهذا قياس نحوي فيما اجتمعت فيه أربعة الشروط، وهي أن يكون محذوف اللام، وألا يعوض منها ألف الوصل، وألا تكون العرب قد سمع منها تكسيرة، وأن يكون مؤنثا بالهاء، وهذه الشروط موجودة في تمثيله بسنين، فإن مفرده سنة، وهو محذوف اللام، غير لاحق له ألف الوصل، ولا سمع له جمع تكسير، وهو مؤنث بالهاء، فلا يحق به ما لم يحذف لامه وإن جمع هكذا فشاذ نحو: حرة وحرون وأرض وأرضون وإوزة وإوزون، وكذلك ما لحقته ألف الوصل، لا يجمع إلا شاذا نحو: بنون في ابن، وكذلك ما جمع تكسيرا يشذ جمعه هكذا نحو: ظبة وظبا وظبون وبرة] ويرى [ويرون، وكذلك ما لم تكن فيه الهاء نحو: أخ وأب، فقولهم: أخون شاذ، وكذلك لا يلحق به على مقتضى الشرط الأول ما حذفت فاؤه، لأن جمعه عنده بالواو والنون قليل نحو: رقة ورقون، ولدة ولدون، نص على ذلك في "شرح التسهيل" ثم إن تمثيله بالجمع مكسور الفاء دل على طلب هذا التغيير في المجموع جمع سنين، إذ غير من الفتح إلى الكسر فكذلك ينبغي أن يكون المضموم الفاء كثبة، تقول: فيه ثبون،

وفي قلة قلون.
فإن قلت: فإن المضموم الفاء فيه وجهان: الكسر وبقاؤه على حاله ومثاله يعطي وجها واحدا وهو الكسر، قيل: نعم، وهو مراده هنا وإن أجاز في "التسهيل" الوجهين، فإن ظاهر كلام سيبويه أن البقاء على الضم قليل، فلذلك لم ينبه عليه، وهو حسن.
فإن قيل قوله: (وهو عند قوم يطرد) إذا حملته على هذا التفسير الثاني اقتضى أن قوما آخرين قائلون بعد اطراده، فمن هؤلاء القوم؟ فالجواب: أن ظاهر كلامه في "التسهيل" القول بعدم الاطراد، ألا تراه قال: وشاع هذا الاستعمال فيما لم يكسر من المعوض من لامه هاء التأنيث فلم يلتزم فيه القياس، بل أخبره بشياعه فحسب، فدل ذلك على أنه عنده غير مطرد، وأيضا فإن الجزولي قال: وربما جاء هذا الجمع فيما لا يعقل عوضا من نقص الكلمة لفظا أو توهما كسنين وأرضين وإوزّين فهذا الكلام أيضا ظاهر في عدم القياس والاطراد، ولا يبعد أن يكون ثم مخالف غير من ذكر، وبمثل هذا يخرج قصير الباع مثلى عن عهدة النقل، وقد يمكن في هذا الكلام وجه ثالث من التفسير، وهو أن يكون شاملا للتفسيرين معا ومتضمنا للمسألتين، ويكون المراد بقوم في قوله: (وهو عند قوم يطرد) النحويين خاصة، أما في التفسير الثاني فقد ظهر، وأما في الأول فقد نص السيرافي على أن كثيرا من النحويين أجازوا في المنقوص الذي يجمع بالواو والنون أن يعرب في النون وتلزم الياء قالوا: لأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، فكذلك

يكون ما قام مقامه، وأنشد على ذلك الأبيات المتقدمة، فإذا يكون الضمير عائدا على معنى ما ذكر من الحكمين كما قال رؤبة: كأنه في الجلد توليع البهق وق تقدم مثله.
... ثم قال: ونون مجموع وما به التحق... فافتح وقل من بكسره نطق ونون ما ثنى والملحق به... بعكس ذاك استعملوه فانتبه نون منصوب بـ "افتح" و "ما" مجرورة الموضع عطفا على مجموع وهي عبارة عما جرى مجرى الجمع مما تقدم، و "به" متعلق بـ "التحق" والضمير عائد على مجموع، وفاء "فافتح" فاء جواب شرط محذوف، دل عليه تقديم معمول افتح، والتقدير: مهما يكن من شيء فافتح نون مجموع وما التحق بالمجموع، والتحق افتعل من قولهم: لحقت فلانا ولحقت به لحاقا وألحقته أيضا، ومنه في القنوت "إن عذابك (الجِدّ) بالكافرين ملحق" أي: لاحق، ولحاق غير المجموع به هو كونه أعرب بإعرابه، ويريد أن النون اللاحقة للمجموع وما جرى مجراه يلزم فتحها، ولا يجوز فيها الضم مطلقا، ولا الكسر إلا قليلا يحفظ ولا يقاس عليه، وكان أصلها أن تكون ساكنة، لأنها في مقابلة

التنوين والتنوين ساكن، فكذلك كان الأصل في مقابله، وأيضا أصل البناء السكون، وإنما حركت لالتقاء الساكنين وكانت الحركة فتحة، لأنها أخف من الضمة والسرة، وأيضا فلما يلزم في الضم والكسر من توالي الأمثال، أما الضمة فكان يلزم باجتماعها مع الواو اجتماع الأمثال فانتقلوا إلى ما ليس فيه ذلك من الحركات وهي الفتحة، وأيضا فللفرق بينها وبين نون التثنية.
وقوله: (وقل من بكسرة نطق) أراد به أن الذين كسرو هذه النون من العرب قليل، وإنما ذكر قلة من نطق بالكسر فقد قل الكسر في نفسه، فاستغنى بذكر السبب وهو قلة الناطقين، عن ذكر المسبب وهو قلة الكسر، وأطلق لفظ القلة ها هنا ومراده به الشذوذ، وغالب استعماله له مرادا به ما جاء في الكلام قليلا، لا على ما اختص بالشعر، كما أن أصل استعماله للفظ الشذوذ أن يكون مرادا به الاختصاص بالشعر كما تقدم، لكن قد يخرج عن هذا الأصل فيطلق الشذوذ على ما جاء فيا لكلام، كما قال: في أهلين ونحوه، ويطلق لفظ القلة على الشاذ كهذا الموضع، اتساعا واتكالا على فهم المقصود ومثال كسر نون المجموع حقيقة قول الشاعر وهو سحيم بن

وثيل فيما ذكره الجوهري: عرين من عرينة ليس منا... برئت غلى عرينة من عرين عرفنا جعفرا وبني عبيد... وأنكرنا زعانف آخرين وقال ذو الإصبع العدواني: إني أبي ذو محافظة... وابن أبي أبي من أبين لا يخرج الفسر مني غير ما بيه... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني ومثال ذلك فيما جرى مجراه قول سحيم:

وماذا يدري الشعراء مني... وقد جاوزت حد الأربعين أخو خمسين مجتمع أشدى... ونجدني مداورة الشؤون وفي الحماسة: أقول حين أرى كعبا ولحيته... لا بارك الله في بضع وستين من السنين تعلّاها بلا حسب... ولا حياء ولا عقل ولا دين وقوله: (ونون ما ثنى والملحق به) إلى آخره، يعني أن نون المثنى من الأسماء حقيقة وما ألحق به مما ليس بمثنى حقيقة استعملوه بعكس نون المجموع وما لحق به، أي: جعلوا كسر النون منه واجبا وقل من نطق بفتحه، ومعنى العكس لغة: رد الشيء أوله، ومنه عكس الوليّة وهي الناقة المتروكة عند قبر صاحبها ليحشر عليها بزعمهم كانوا يربطونها معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي صدرها وبطنها ويقال: مما يلي ظهرها ويتركونها هناك حتى تموت جوعا وعطشا، وعلى هذا المعنى جاء في اصطلاح أهل المنطق، فالعكس في القضية عندهم هو تصيير موضوعها محمولا ومحمولها موضوعا، على وجه يصدق الكلام به، فالعكس في كلام الناظم أن تقول: فاكسر وق من بفتحه نطق، وذلك راجع إلى الكلام الأول، وهو قوله: (فافتح وقل من بكسره نطق) وهو المنعكس هنا، وإنما حركت النون هنا لالتقاء الساكنين، وخصت بالكسر على أصل التقاء الساكنين ومثال فتحها قول

حميد بن ثور: على أحوذيين استقلت عشية... فما هي إلا لمحة وتغيب وقال الآخر: فعلته لا تنقضي شهرينية... شهرى ربيع وجماديينه وأنشد السيرافي: أعرف منها الأنف والعينانا... ومنخرين أشبها ظبيانا ويرد على الناظم سؤلان: أحدهما: أنه عبر هنا بالكسر في قوله: (وقل من بكسره نطق) والكسر إذا أطلق في الاصطلاح المعهود فالمراد به كسر البناء، لا كسر الإعراب، وإذا كان كذلك أشكل هذا الإطلاق؛ إذ لا دليل على كونه كسر بناء، لاحتمال أن يكون كسر إعراب، بل ثم ما يدل على كونه كسر إعراب، وهو أنه لم يأت جميع ما استشهد به على الكسر إلا مع تقدم عامل الجر على ذي النون كقوله: (من أبيين) وقول الآخر: وقد جاوزت حد الأربعين

وقول الآخر: (وفي بضع وستين) ولم يأت في حالة رفع ولا نصب، فدل ذلك على أنه جار على مقتضى العامل، وقد نص في "شرح التسهيل" على جواز كونها كسرة إعراب وقد تقدم التنبيه على شيء منه، وعلى القطع بهذا الاحتمال حمل الأخفش الأصغر والأعلم هذا النحو فقال الأخفش في بيت ذي الإصبع جعله بمنزلة الجمع المكسر، وجعل إعرابه في آخره، كما يفعل في فتيان وغلمان فيقول: هؤلاء أبين فاعلم، ورأيت أبيينا فاعلم ومررت بأبيين فاعلم، ونحو هذا ذكر الأعلم في بيت الحماسة إلا أنه قال: وهو في الستين ونحوها من العقود أمثل منه في المسلمين ونحوه؛ لأنه لفظ مخترع للعقود غير جار على واحد، فهو أشبه بالواحد الذي إعرابه بحركة آخره من المسلمين ونحوه، وإذا ثبت هذا كان قطعه بأنه كسر بناء معترضا عليه.
والجواب من وجهين: أحدهما: أن النحويين لم يتفقوا على ما قال الأخفش والأعلم، بل منهم

من ادعى أنه كسر التقاء الساكنين، نص ابن جني في "التنبيه" على أن المبرد قال بذلك في قول سحيم: ... حد الأربعين وحمل عليه ابن جني قول الآخر: (في بضع وستين) وذكر أنه فعل ذلك ضرورة، ولذلك فتح نون "السنين" في البيت الثاني على الأصل كما ذكر الأعلم في مذهبه أن ذلك ضرورة وإلى هذا ذهب المؤلف في "التسهيل"، وإن أمكن عنده الوجه الآخر، ويظهر هذا المذهب من كثير من النحويين وإذا كان كذلك لم يبعد أن يكون ذهب إلى رأي من رآه كسر بناء.
والثاني: أن المذهبين في حقيقة المسألة لا فرق بينهما؛ لأن الجميع ضرورة، فإن قلت: بل الفرق بينهما ظاهر في التفريغ عليهما ألا ترى أن القائل بأنه كسر بناء يلتزم أنه إن اضطر إلى الكسر كسر، وإن تقدم عامل النصب؛ فيكسر النون في نحو: رأيت الزيدين، وجاوزت الأربعين بخلاف القائل بأنه كسر إعراب، إذ لا يتأتى إلا مع عامل الجر كالشواهد المتقدمة.
فالجواب: أن هذا ليس بفرق في حقيقة قصده، إذ كلامه وكلام غيره في المسألة في توجيه شيء مسموع، لا في القياس عليه، فطائفة تقول: إنه كسر إعراب، وأخرى تقول: كسر بناء، وكلا القولين لا ينبني عليه في لك المسموع شيء، وإنما يحتاج

إلى الفرق المذكور، ويكون مفيدا حيث يتكلم في القياس على ذلك المسموع، وذلك من باب الضرائر الشعرية، وهو لم يتعرض لذلك ولا غيره، حين وجهوا المسموع' فإذا لا فرق بين القولين في هذا القصد، نعم يبقى الاعتذار عن تعبيره بالكسر في هذا الوجه وهو قريب، إذ الكسر لمطلق يطلق على كسر الإعراب، كما يطلق على كسر البناء، وهو على هذا الإطلاق أعم من كونه كسر بناء، أو كسر إعراب، فعبر بالعبارة العامة تحاميا أن يلتزم أحد المذهبين، أو فسحا لمجال النظر في المدركين، والله أعلم.
والسؤال الثاني: أن قول الناظم: (ونون ما ثنى والملحق به) شيء واحد لا شيئان وإنما يعني أن كل ما كان مرفوعا بالألف، ومنصوبا ومجرورا بالياء، فإن نونه قد تفتح في بعض المواضع فلا يلزم في الفتح، وإن كان قليلا أن يأتي في كل قسم من أقسامه، بل في أي قسم أتى يلزم وجوده في الجملة، كما تقدم في الاستشهاد عليه، وكذلك قوله: (ونون مجموع وما به ألتحق) معناه أن كل مرفوع بالواو، ومنصوب ومجرور بالياء، قد تكسر نونه قليلا، فالباب واح وإن كان الكسر قد حصل في الملحق كما تقدم، لكنه لم يعينه الناظم من حيث قال: (وما به التحق)، بل من حيث الجملة، واتفق أن وجد ذلك

في الملحق وهذا حسن في الجواب فتدبره، وبالله التوفيق.
وقوله: "فانتبه" معناه انتبه لتحقيق العكس وتنزيله على كلام العرب.
...... وما بتاء وألف قد جمعا... يكسر في الجر وفي النصب معا كذا أولات والذي اسما قد جعل... كأذرعات فيه ذا أيضا قبل هذا نوع آخر من أنواع النيابة، وهو من (المواضع) التي تنوب فيها الحركات عن الحركات على غير ما تقدم، وذلك موضعان: أحدهما: جمع المؤنث السالم وما جرى مجراه، والثاني: الاسم الذي لا ينصرف، فأخذ أولا في ذكر جمع المؤنث السالم، فبين أن ما جمع بالألف والتاء حكمه أن يكون في الجر والنصب معا مكسورا، على أن الكسر هي العلامة في النوعين فتقول: مررت بالهندات، ورأيت الهندات.
قال الله تعالى: ((إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات... )) إلى آخر الآية، وأما الرفع فسكت عنه، لأنه داخل له في حكم الكلية التي قدمها في قوله (فارفع بضم... ) إلى آخره فلم يحتج هاهنا إلى ذكر ذلك، لأنه إنما يذكر ما خالف تلك الكلية، وهنا يقال له: كان الأولى ألا تذكر الجر؛ لأنه بالكسر وقد تقدم

الكلية وإنما يخالفها هذا النوع في النصب خاصة، ووجه ما فعل من ذلك أنه لم يقصد الإخبار بحكم الجر، بل قصد الإخبار بالمشاركة الحاصلة بين النصب والجر، فكأنه أراد بيان حكم النصب، وبيان كونه مشاركا للجر، كما شاركه في التثنية والجمع على حدها، وقدم الجر في قوله: (يكسر في الجر وفي النصب) لأنه الأحق بالكسرة كما تقدم، وإنما كان النصب ها هنا تابعا للجر في كونه بالكسرة، لأنه نظير جمع المذكر السالم، وجمع المذكر السالم حمل فيها النصب على الجر في كونه بالياء، فكذلك حمل النصب ها هن على الجر في مونه بالكسرة، لنوع من المقابلة، كما جعلوا ها هنا التنوين في مقابلة النون هنالك، فلم يزل مع وجود مانع الصرف في اللغة الفصحى، كما لو تزل النون هنالك.
وقوله: (معا) أتى به على معنى التوكيد لإثبات مشاركة النصب للجر في الكسر، ثم ذكر ما ألحق بهذا الجمع في الإعراب، وإن لم يكن منه حقيقة، فقال: (كذا أولات) وهو بمعنى ذوات: اسم جمع لذات، مؤنث بمعنى صاحب، وأراد أن حكم "أولات" حكم هذا الجمع من النصب بالكسرة كالجر، كقوله تعالى: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن)) ورفعه بالضمة من مقتضى الكلية الأولى، كقوله تعالى: ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)).

ثم قال: (والذي اسما قد جُعل كأذرِعاتٍ.. ) إلى آخره يعني أن الذي سمي به من الجُموع يقبل فيه هذا الحكم، أي: الإعراب كإعرابه قبل أن يسمى به ومثَّل بأذرعات.
قال ابن سيده: هما موضعان، وقال الجوهري مواضع بالشام تنسب إليها الخمر، وأنشد لأبي ذؤيب الهذلي: فما إن رحيق سَبَتْها التجارُ... من أذْرَعَات فوادى جَدَر وهو اسم علم لها، وأنشد سيبويه لامرئ القيس: تنوَّرْتُها من أذرعات وأهلها... بيثربَ أدنى دارِها نظر عالِ ومثله: " عرفات " حكمه هذا، وهو اسم / علم للموضوع المعروف واستدل سيبويه على ذلك بقولهم: " هذه عرفات مباركًا فيها " فنصب مباركًا على الحال، ولو كان نكرةً لجرى عليه صفةً، وبأنه لو كان نكرةً لدخلت عليه الألف واللام، وهي لا تدخل عليه، ولم يُفصل الناظم في حكم هذا الجمع بعد التسمية بين كونه منونًا وكونه غير منونٍ، بل أطلق القول في إعرابه هكذا، ولم يلتفت إلى صرف أو غيره، والإطلاق صحيح، فقد ذكروا أن للعرب هنا وجهين: أحدهما: بقاءُ التنوين كما كان قبل التسمية به، وهي اللغة

الفاشية وبها نزل القرآن.
والثاني: ترك صرفه، إلا أن من لم يصرفه من العرب قسمان: فمنهم من يتركه على حاله كما لو كان منونًا، فينصبه ويجره بالكسرة فيقول: هذه عرفاتُ، ورأيتُ عرفاتِ، ومررتُ بعرفاتِ، وعليه أنشد بعضهم بيت الأعشى: تخيّرها أخُو عانات شهرًا ومنهم من يجعله مثل: أرطاة، إذا سمى به، فيجره وينصبه بالفتحة فيقول: رأيتُ عرفاتَ، ومررتُ بعرفاتَ، وعليه أنشدوا: تخيرَها أخُو عاناتَ شهرًا وقال امرئ القيس: تنورتُها من أذرِعاتَ وقال الهذليُّ: من أذرعاتَ فوادي جَدَرْ

بفتح التاء في الجميع.
قال ابنُ خَروف: كذا وقع بخط ابن خالوية، يعني بيت الهذليُّ، بفتح التاء وهذه اللغة الأخيرة نادرةٌ فلم يعتبرها الناظم ولم يشر إليها، وإنا أشار بمقتضى إطلاقه إلى اللغتين المتقدمتين، والإشارة بذا في قوله: (فيه ذا أيضًا قُبِلْ) إلى النصب بالكسر المتقدم الذِّكر، أي أن هذا الحكم مقبول فيما سمِّي به من هذا الجمع وبقي في هذا الفصل مُشاحةٌ لفظية في مواضع ثلاثة من كلامه: أحدها: قوله: (وما بتا وألِف قد جُمِعَا) فأطلق القول في التاء والألف، ولم يقيدهما معا بالزيادة، ولابد من ذلك، لأن عبارته إن دخل فيها الهندات والزينبات، فكذلك يدخل تحتها نحو: قضاة وأبيات، فإن كل واحد منهما يصدق عليه أنه مجموع بالألف والتاء؛ لأن ألف قضاة منقلبة عن أصل، لا زائدة، وتاء أبيات أصل لا زائدة، فلم تجتمعا معًا في الزيادة، فلم يكن من الجمع السالم بالألف والتاء، فالحاصل أن جمع التكسير يدخل عليه ما كان آخره ألف وتاء، فيقتضي أنه ينصب بالكسر وهذا غير صحيح، ولأجل هذا قيّد الألف والتاء بالزيادة في " التسهيل " حين ذكر نيابة الكسرة عن الفتحة وعين لذلك نصب أولات، والجمع بالألف والتاء الزائدتين، وبين في " الشرح " أنه تحرز مما ذكرته، فكان ينبغي أن يتحرز هنا من

ذلك أيضًا.
والثاني: قوله: (والذي اسما قد جُعِل) جُعِلَ هنا بمعنى صُيِّرَ، أي: لم يكن اسمًا ثم صار اسمًا، وهذا اللفظ غير مبين للمقصود، لأن أذرعات مثلًا لم يكن غي اسمٍ، ثم صيّر اسمًا، بل هو اسم في الحالتين معًا، حالة العَلَمية وقبل ذلك، فكان الأولى به أن يقيد لفظه فيقول: والذي اسما علَمًا قد جُعِل أوو الذي نقل إلى العَلَمية، أو ما كان نحو هذا، ليظهر مقصودهُ.
والثالث: قوله: (فيه ذا أيضًا قُبِل) أراد أن هذا الإعراب فيه مقبول، وذلك لا يعطى / كونه قياسًا أو سماعًا، إذ كلاهما مقبولٌ في الجملة، ومرادنا نحن أن نبين أهو قياس أم سماع؟ وذلك لا يُعطيه لفظ القبول، فكان لفظه غير محرر.
والجواب عن الأول: أن المجرور في قوله: (بِتَا وألفٍ) متعلق بـ" جُمع " وذلك يقتضي أن بهما حصول الجَمع، فالباء باءُ الاستعانة أو السببية، وتقدير الكلام: وما بسبب حصول ألفٍ وتاء جُمع، أو ما بهذه الآلة جُمع، فإذا الألف والتاء هما اللذان حصل بهما الجمع، فهما لاحقان لأجله، وإذا لحقا لأجله فهما زائدان بلا شك، فقوة الكلام أعطت هذا الشرط، وأيضًا لا يصدق على هذا التقدير في قُضاة وأبيات أنهما جُمعا بالألف والتاء، إذ ليستا آلة للجمع ولا سببًا فيه، وإنما سبب الجَمع فيهما تغيير بِنْيَيةِ المفرد إلى فُعَلَةٍ أو أَفعال، وإنما كان يحتمل ما قال على فرض أن تكون الباء متعلقة باسم فاعل محذوف، يكون حلًا من ضمير جُمِعَ، أي: وما جمع حال كونه بتاء وألف، أي ملتبسًا بهما، لكن هذا المعنى لا محصول له، إذا تدبرته،

فوجب أن تكون متعلقة بالفعل نفسه، وإذ ذاك لا يبقى إشكال.
وعن الثاني: أن مراده أنه جُعِل اسمًا علمًا، كأنه قال: والذي جُعِلَ اسمًا خالصًا وهو العَلَمَ أو الذي جُعل اسمًا، أي: مفردًا بعد أن كان جمعًا وذلك إنما يكون يالتّمية، وها ظاهر من قوة كلامه.
وعن الثالث: أن مرادَه القبول القياسي، والذي عين مراده وأنه القبول القياسي ما هو آخذٌ فيه من بيان الأصول القياسية، فهو السابق للفهم، بحسب صناعته، والله أعلم.
و"فيه" متعلق بـ " قُبل " وضميره عائدٌ على الذي، و " ذا " مبتدأ خبره "قُبل " وفي تقديمه المجرور على المبتدأ وهو معمول الخبر نظر، وفي جوازه خلاف، ولكن الناظم يرتكبه في هذا النظم كثيرًا، وهو مذهبه فيه ومنه ما قد مضى، وسننبّه على بعضه إن شاء الله عز وجل.

ثم قال: وجر بالفتحة ملا ينصرف... ما لم يُضف أويكُ بعد أل ردِفْ هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين تنوب فيهما الحركة عن الحركة، وهو ما لا ينصرف، وما لا ينصرف - هو عند المؤلف - ما منع التنوين لعلتين، أو علّة قائمة مقامهما، فأراد أن ما لا ينصرف من الأسماء حُكمه أن يجر بالفتحة كأَحمد وأحمر ويوسف وإبراهيم وغضبان وغضبى

وأسماء وعمر وثلاث ومعدى كرب ونحو ذلك تقول: مررت بأحمد، وجئت إلى رجل أحمر غضبان وكذلك سائر الأمثلة، ولم يذكر حكم الرفع والنصب لدخوله تحت الكلية سائر الأمثلة، ولم يذكر حكم الرفع والنصب لدخوله تحت الكلية المتقدمة ثم شرط في هذا الإعراب شرطا، وهو ألا يضاف ولا يصحب الألف واللام، وذلك قوله: (ما لم يضف أو يك بعد أل ردف) بمعنى أنه إنما يعرب كذلك إذا لم يضف إلى غيره، ولم تدخل عليه الأللف واللام، فإنها إن دخلت عليه لم يجر بالفتحة، وإذا لم يجر بالفتحة رجع إلى ما تقدم أولا، من الجر بالكسرة نحو: مررت بأحمر القوم، وبالحمراء، وجئت إلى مساجد بني فلان، فذلك لم يذكر حكمه إذا أضيف أو صحب الألف واللام، و "ردف" معناه تبع، ومنه قوله تعالى: ((قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون)) أي: تبعكم، يردي ما لم يكن الاسم ردفها، أي الألف واللام، فحذف الضمير لفهم المراد، ومعناه أن يكون الاسم الذي لا ينصرف تابعا لها، وفي ردفها، متصلا بها، ومذهب المؤلف أن العلتين إنما منعتا التنوين فقط، وأما الجر فلشيء آخر، قال: لأنه لو جر بالكسرة مع عدم التنوين لتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، أو أنه مبني على الكسرة؛ لأن الكسرة لا تكون إعرابية إلا مع التنوين، أو ما يعاقبه من الألف واللام أو الإضافة، ولذلك إذا أضيف أو دخلت عليه الألف واللام انجر بالكسرة.
وقوله: (ما لم يضف) أطلق القول في الإضافة ولم يقيدها فدل

على جريان الاحتراز من كل إضافة، محضة كانت أو غير محضة، فتقول: مررت برجل أحمر الوجه، أزرق العينين، غضبان الأب، ومررت بأحمديك، أحمد بني فلان، وإبراهيمهم، وما أشبه ذلك، وكذلك قوله: (أويك يعد أل ردف) أراد أن هذا عام في جميع أقسام الألف واللام، فلا يفترق الحكم فيها بكونها زائدة أو موصولة أو غير ذلك كقول الشاعر: رأيت الوليد بن يزيد مباركا... شديدا بأعباء الخلافة كاهله وقال الآخر: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وقال الآخر: وما أنت باليقظان ناظره إذا... رضيت بما ينسيك ذكر العواقب ...... ولما أتم الكلام على النيابة في الأسماء، شرع في ذكر نحو ذلك في الأفعال فقال: واجعل لنحو يفعلان النونا... رفعا وتدعين وتسألونا وحذفها للجزم والنصب سمه... كلم تكوني لترومي مظلمه يعني أن النون تكون علامة للرفع فيما كان من الأفعال على نحو:

يفعلان وتدعين وتسألونا، وضابط ذلك -على ما أشار إليه تمثيله-: كل فعل مضارع لحقه من آخره ألف اثنين أو واو جماعة أو ياء واحدة مخاطبة، فألف اثنين نحو: يفعلان، وواو الجماعة نحو: تسألون، وياء المخاطبة نحو: تدعين، أصله تدعوين، ثم نقله الإعلال إلى تدعين، فوزنه في الأصل تفعلين وفي اللفظ تفعين، وإطلاقه القول في يفعلان ويفعلون يدخل له ما كانت الألف فيه والواو ضميرين نحو: أنتما تفعلان، وهم يفعلون وما كانت فيه علامة نحو: يعلان الزيدان ويفعلون الزيدون، ومنه قول الشاعر -أنشده السيرافي-: يلومونني في اشتراء النخيل... قومي فكلهم يعذل وذلك على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" و (رفعا) مفعول ثان، لـ (اجعل) على حذف المضاف، أي علامة رفع أو أداة رفع على أن تكون (جعل) بمعنى صير، أو حالا، أي: رافعا، أو ذا رفع على أن تكون بمعنى الوضع أو نحوه.

وفي قوله: (تدعين) وتخصيصه دون أن يقول: ترمين فائدة، ويطلق الإتيان بالمعتل فائدة أخرى، فأما إتيانه بفعل معتل فلبيان كون هذا الحكم شاملا للمعتل وغيره من الأفعال، فتضربان مع تدعوان أو ترميان على حكم واحد رفعا لتوهم المخالفة ولو بوجه ما، كما في الفعل المعتل إذا لم تلحقه من آخره أحد هذه الثلاثة، فإن الحكم فيه يختلف بحسب التقدير للإعراب وعدم التقدير، وأما هذا القسم فلا يختلف الأمر فيه، بل النون هي العلامة مطلقا في الرفع والحذف فيما سواه، وكذلك إذا قلت: أنت يا هند تدعين حكمه حكم تخرجين في الإعراب من غير مخالفة، وأما تخصيصه المعتل بالواو دون الياء في مثال لحاق ياء المخاطبة، فليتبين ما أشار إليه، إذ لو أتى بالمعتل بالياء مثل: ترمين لم يتبين ونه مما لحقه ياء المخاطبة دون ما لحقه نون جمع المؤنث، لأنك تقول: أنتن يا هندات ترمين، فيكون الفعل هنا مبنيا للحاق نون المؤنث وتقول: أنت يا هند ترمين، فيكون هنا معربا بالنون رفعا وأصله ترمين كتضربين بخلاف الأول فإنه ترمين كتضربين، فلما أتى بما هو من ذوات الواو لم يشكل أنه مما النون فيه علامة للرفع والياء للمخاطبة، إذ لو كان لجماعة المؤنث لقلت: أنتن تدعون بالواو على تفعلن كتخرجن لا بالياء، وهذا

الموضع مزلة أقدام الشادين، فقد قال الحضرمي في "إعراب أشعار الستة" في قول امرئ القيس: يظل العذارى يرتمين بلحمها... وشحم كهداب الدمقس المفتل إن النون من "يرتمين" نون الرفع، وإنما هي نون جماعة المؤنث فهو مبني لا معرب، ولو قال الناظم: وتدعون وتسألينا، لما تبين مثال ما قصد لاحتمال أن تكون النون ضمير جمع المؤنث، وكذلك لو قال: وتخشين وتسألون ولو قال: وتخشون وتسألينا، لما التبس، كما لم يلتبس في "تدعين وتسألونا" فالحاصل أن هذا الموضع مما يحتاج إلى التثبت فيه ولأجل هذا لم يمثل الناظم بمحتمل، بل عين ما لا يغلط فيه، والله أعلم.
حدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبدالله بن الفخار رحمة الله عليه قال: حدثني بسبتة بعض المذاكرين أن أبا عبدالله بن خميس لما ورد عليها بقصد

الإقراء بها اجتمع إليه عيون طلبتها، فألقوا عليه مسائل من غوامض الإشتغال، فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم: أنتم عندي كرجل واحد يعني ابن أبي الربيع ازدراء بهم، فاستقبله أصغر القوم سنًا وعلمًا بأن قال له: إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك.
فإن جئت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدراك والتحصيل، وإن أخطأت فيها لم تسعك هذه البلاد وهي عشرٌ، الأولى: أنتم يا زيدون تغزون، الثانية: أنتن يا هندات تغزون، الثالثة: أنتم يا زيدون ويا هندات تغزون، الرابعة: / أنتن يا هندات تخشين، الخامسة: أنت يا هند تخشين، السادسة: أنت يا هند ترمين، السابعة: أنتن يا هندات ترمين، الثامنة: أنتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقولُ؟، التاسعة: أنت يا هند تمحون أو تمحين كيف تقول؟، العاشرة: أنتما تمحوان أو تمحيان على لغة من قال: محوت كيف تقول؟، فهل هذه الأفعال كلها مبنية أم معربة أم بعضها معرب وبعضها مبني، وهل هي كلها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة علينا السؤال وعليك التمييز هلُم الجواب.
قال: فبهت الشيخ وشغل المحل بأن قال: إنما يُسأل عن هذا صغار الوِلدان.
فقال له الفتى: فأنت دونهم إن لم تجب، فأنزعج الشيخ وقال: هذا سوء أدب ونهض منصرفًا، ولم يصبح إلا بمالقة متوجهًا إلى غوناطة، فلم يزل بها مع الوزير ابن الحكيم إلى أن مات جميعهم -رحمهم الله-.
وإنما أتيت بهذه الحكاية لما تضمنته من فوائد المسألة التي نبه عليها الناظم -رحمه الله- بإشارته، وبيان المسائل العشرة موكولٌ

إلى الناظر في هذا التقييد وبالله التوفيق.
ثم قال: (وحذفها للجزم والنصب سمه) ضمير (حذفها) عائد على النون التي هي علامة الرفع، والسمة: العلامة، يقال: وسمه وسمًا وسمةً، إذا جعل فيه علامة يعرف بها أو غيره.
ويريد أن حذف النون التي هي علامة الرفع علامة للجزم والنصب في هذه الأفعال المذكورة وما كان نحوها كقولك: إن تكرموا زيدًا فأكرموا أخاه، وأعجبني أن تأتيا زيدًا، وإن تكرمي غلاميك يخدماك وما أشبه ذلك، وقدم الجزم على النصب؛ لأنه أولى بالحذف لوجوده في المعتل على ما سيأتي، فكأنه أصل فيه ولأنك إذا اعتبرته وجدت عمل الجزم الحذف مطلقًا، أما في المعتل فحذف حرف، وأما في الصحيح فحذف حركة، ولذلك كان يقول الأستاذ أبو عبدالله بن عبد المنعم شيخ شيخنا: ليس للجزم إلا علامة واحدة وهي الحذف، فالنصب إذًا في هذا الحذف محمول عليه، فكما حمل النصب على الجر في الأسماء، كذلك حمل النصب على الجزم في الأفعال؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء كما تقدم التنبيه عليه في قول الناظم: والاسم قد خُصص بالجرِّ كما... قد خصص الفعل بأن ينجزما وأتى بمثالين للجزم والنصب وهما قوله: (كلمْ تكوني لترومي مظلمة) فالأول: حذف النون فيه للجازم وهو "لم".
والثاني: حذف النون فيه للناصب

وهو "أن" المقدرة بعد لام "لترومي"، تقديره: لأن ترومي ولكنهم التزموا حذفها بعد هذه اللام وتسمى لام الجحود، ولم يبين الناظم حركة هذه النون وكان ينبغي له ذلك، ولعله ترك ذلك تعويلًا على التمثيل إذ أتى بها مكسورة مع الألف غالبًا، ومفتوحةً فيما عداها؛ ولأن النون هنا تشبه النون في المثنى والمجموع وهي مكسورة في المثنى مفتوحة في الجمع بالواو والياء، وقد ذكر ذلك هنالك، فترك هنا ذكر ذلك، لسبق الفهم إلى أنها / مثلها؛ لأن كل واحد منهما واقعة بعد الأحرف الثلاثة الدالة على المثنى والمجموع.
وفي كلها حمل النصب فيها على غيره فكان في ذلك إشعار باستحقاق الكسر مع الألف، والفتح مع الواو والياء وقد ندر هنا فتح النون مع الألف كقراءة الحسن: (أتعدانني أن أخرج) وهي أيضًا مروية عن نافع وأبي عمرو، كما أن النون قد تحذف في الرفع وتثبت في النصب، فالأول نحو قول الشاعر -أنشده ابن خروف-: أبيت أبكي وتبيتي تدلكي... وجهك بالعنبر والمسك الذكي وأنشد أيضًا لأيمن بن خريم:

وإذ يغصبوا الناس أموالهم... إذا ملكوهم ولم يغضبوا وقال عمر في قتلى بدر: "يا رسول الله كيف يسمعون، أنَّى يجيبوا وقد جيًّفوا؟ والثاني: كقول الشاعر -أنشده السيرافي-: أن تقرآن على أسماء ويحكما... منى السلام وألا تُشعرا أحدا وأنشد غيره: أن تهبطين بلاد قومٍ... يرتعون من الطِّلاحِ وقد نبّه على هذا في الجملة في النواصب حيث قال: وبعضهم أهمل أن حملا على... ما أختها حيث استحقت عملا ولكنّ الجميع قليل لا يفتقر إلى التنبيه عليه لعدم القياس فيه، والله أعلم.

ثم قال: وسم معتلا من الأسماء ما... كالمصطفى والمرتقي مكارما هذا فصلٌ يذكر فيه ما يقدر فيه الإعراب كله أو بعضه، في الأسماء أو الأفعال، وكان ما تقدم إنما تكلم فيه على مجيء الإعراب بحق الأصل، وهو أن يكون ظاهرًا، وذلك إذا كان آخر المعرب صحيحًا على غالب أحواله وأما المعتل الآخر فيختلف الحال فيه، فأخذ ذكره، ولما كان السبب في الخفاء في الغالب هو الاعتلال، وكان موجودًا في الأسماء والأفعال أخذ في ذكر معنى الاعتلال أولًا، ثم في الخفاء ثانيًا - بالنسبة إلى كل من الضربين، وابتدأ بذكر المعتل من الأسماء، فعرفه بأنه: ما كان آخره ألفًا أو ياءً قبلها كسرةٌ، كما أعطاه مثال: المصطفى والمرتقي وذلك أن الأسماء على ضربين، صحيح الآخر، وهو ما آخره حرف صحيح كزيد وقائم وعامر، ومعتل: وهو ما آخره حرف علة ألف أو واو أو ياء، والمعتل ينقسم إلى قسمين: جارٍ مجرى الصحيح، وهو ما كان الحرف الذي قبل حرف العلة فيه ساكنًا، نحو: غزوٍ وعدوٍ وظبيٍ ورعيٍ، يدخل في ضمنه المضاعف، نحو: عدوّ وعتوّ ووليّ وكميّ.
أما الألف فلا يكون ما قبلها ساكنًا أبدًا، فخرج ما آخره ألف عن هذا القسم، وهذا القسم حكمه في ظهور الإعراب كله حكم الصحيح، كما ظهر في الأمثلة.
والقسم الثاني: ما كان الحرف الذي قبل حرف العلة فيه متحركًا ولا يتحرك في الاستعمال إلا بمجانس الحرف المعتل، وذلك نحو: الفتى

والرحى والقاضي والغازي، أما ما آخره واو قبلها ضمة فمعدوم في كلام العرب، وإن اقتضى ذلك قياس رفض نحو: أجر وأدل في جمع جرو ودلو، أصله أجروُ وأدلوُ فرفض ذلك وصير إلى جنس ما آخره ياء قبلها كسرة، إلا "ذو" بمعنى صاحب و "فو" في قولك: قولك فو زيد وهما عند الناظم من الأسماء المعربة بالحروف، فعلى هذا لا يسمى من الأسماء معتلا بحسب قصده، إلا ما كان آخره ألفا أو ياء قبلها كسرة، لأن القسم الأول قد جرى في ظهور الإعراب فيه مجرى الصحيح، فدخل في قم الصحيح، فيجري بالحركات مثله، وهذا هو الذي قصده الناظم بقوله: وسم معتلا من الأسماء ما... كالمصطفى والمرتقى مكارما فكأنه يقول: كل ما آخره ألف مطلقا، أو ياء قبلها كسرة، فهو المسمى معتلا عند النحويين، وما عداه ليس كذلك، فما آخره واو هو من قبيل الصحيح، إذ لا يوجد إلا وما قبل الواو فيه ساكن، وكذلك ما آخره ياء من غير ما ذكر هو من قبيل الصحيح في الحكم، لا من قبيل المعتل فالمثال الأول يدخل له فيه جميع ما آخره ألف، كانت أصلا أو لا، نحو: الفتى والقفا والحبلى والذكرى والحثيثى وجمادى، وما أشبه ذلك.
والثاني: يدخل له به جميع ما آخره ياء قبلها كسرة، كان ذلك بحق الأصل نحو: القاضي والداعي والعمى والمستجدى والمعتدي، أو محولا إليه نحو: الأدلى والأجرى والتداعي والتناهي، والقلنسي

والعرقي، جمع قلنسوة وعرقوة، وما أشبه ذلك، فإن قيل: هذا الاصطلاح في المعتل، إما أن يكون فيه ناقلا لكلام غيره ممن اصطلح، وإما أن يكون مخترعا لاصطلاح غير سابق فلا يجوز أن يريد هذا الثاني لقوله في الأفعال: (فمعتلا عرف) يعني أن هذه المعرفة سواء كانت معروفة قبل في الفعل، فكذلك الاسم، لأنهما سواء في هذا الاصطلاح، فليس مراده إلا أنه يسمى معتلا عند النحويين، وإلا ذاك فيشكل كلامه فيه، لأن المعتل في اصطلاحهم أعم من هذا، فالمعتل الفاء أو العين يسمى عندهم معتلا، وكذلك المعتل اللام لكن على أعم مما قال، فمثال غزو وظبي يسمى أيضا عندهم معتلا، وإذا ثبت هذا فتخصيصه هذه التسمية بما كان معتل الآخر مطلقا في الفعل، أو بالألف والياء التي قبلها كسرة في الاسم، إخلال بالاصطلاح المعروف.
فالجواب من وجهين: أحدهما: أن لفظ العتل في اصطلاحهم يطلق بإطلاقين: إطلاق بحسب النظر التصريفي، وهو الاطلاق الأعم، المعترض به، وليس بمراد هنا، وإطلاق بحسب خفاء الإعراب فيه، استثقالا أو تعذرا، وذلك لا يكون في المعرب إلا فيما ذكر دون ما سواه، وهو المراد هاهنا.
فقوله في الاسم: (وسم معتلا) وفي الفعل: (فمعتلا عرف) أراد في هذا الباب وحده، وأما باب التصريف فله اصطلاح آخر، أوسع من هذا لا حاجة به إليه هاهنا، وإذا كان كذلك لم يكن في كلامه إشكال لاختصاص ما

نص عليه ببابه.
والوجه الثاني: إذا سلمنا أن المعتل إنما يطلق بالإطلاق الأعم دون ما سواه فلا يلزم عليه اعتراض؛ لأنه إنما ذكر أن ما كان نحو: المصطفى والمرتقى يسمى معتلا، وكذلك ما كان نحو: يخشى ويغزو ويرمي، وذلك صحيح هنا، وفي باب التصريف؛ لأن المعتل اللام يسمى معتلا في كل باب، ولم يقل إن ما عداه هذه الأشياء لا يسمى عتلا، بل أثبت إطلاق لفظ المعتل عليها فقط، مع قطع النظر عما عداها، إذا لم يحتج هنا إلى غير ذلك، وإنما كان الإشكال يلزم أن لو شاء إلى نفي الاعتلال عما سواه، فإذا لم يخرج عن الاصطلاح التصريفي، وإذا كان كذلك لم يبق إشكالا، والحمد لله.
والمصطفى معناه المختار، مأخوذ من صفو الشي وصفوته، وقد تقدم تفسيره.
والمرتقى: مفتعل من الرقي، وهو السمو والارتفاع، إما حسا كارتقاء السلم ونحوه، وإما معنى كالارتقاء في منازل الشرف أو الكرم وهو المراد هنا.
والمكارم: جمع مكرمة، وهي الفعلة التي بها ينسب الإنسان إلى الكرم، ونصب مكارما على الظرف مجازا، كأنه ارتقى في نفس المكارم أو على حذف المضاف، أي: درج المكارم، أو منازل المكارم، والناظم جعل في البيت الثاني "مكارما" قافية مع قوله في الأول: "الأسماء ما" فاعتد في "الأسماء ما" تأسيسا، مع

كون كلمة الروي منفصلة منه وليست بضمير، والوجه يكون متصلا بكلمة الروى، ما لم يكن ضميرا أو لم يعتد بها تأسيسا، مع إتيانه بالتأسيس في البيت الثاني في قوله: "مكارما" وكلا الأمرين عيب في القافية عند الجمهور، مذهب سيبويه جواز كون التأسيس من كلمة أخرى مطلقا، كما في كلام الناظم فإياه اتبع في هذا الموضع، وأيضا فقد جاء المؤسس مع غير المؤسس قليلا ومنه قول الراجز: تحلف لا تنزع عن ضراريه... حتى لطمت خذها بكفيه فيحمل هذا على ذلك، وعادة الناظم ارتكاب الشذوشات والنوادر في هذا النظم، حسب ما تراه إن شاء الله عز وجل.
...... ثم قال: فالأول الإعراب فيه قدرا... جميعه وهو الذي قد قصرا والثان منقوص ونصبه ظهر... ورفعه ينوي كذا أيضا يجر يعني بالأول هنا مثال المصطفى وما كان مثله، فهذا القسم يقدر فيه جميع الإعراب، أي: جميع الأنواع التي تصلح له وهي الرفع والنصب والجر فتقول: جاءني الفتى، ورأيت الفتى، وإنما قدر لتعذر تحريك الألف بخلاف الواو والياء، فإنهما يقبلان الحركة، وإن كان التحريك مسثقلا فيهما، والألف لا يصح فيها التحريك، فلما اضطروا يوما إلى تحريكها أبدلوا منها حرفا يصح تحريكه وهو الهمزة، كما قرأ أيوب

السختياني ((ولا الضالين)) فرارا من اجتماع الساكنين، وكما قال: خطامها زأمها أن تذهبا وهو مبين في التصريف، ثم قال: (وهو الذي قد قصرا) يعني أنه الذي سمي مقصورا، وإنما سمي مقصورا؛ إما لأنه في مقابلة الممدود فكأنه قصر عن التمام، وإما لأنه قصر آخره، أي: حبس عن أن يظهر فيه الإعراب فيختلف فكأنه قصر على حلة واحدة.
ثم قال: (والثان منقوص) الثاني هو مثال المرتقى، وما جرى على شاكلته، ويعني أن هذا القسم يسمى منقوصا، للنقص الحاصل فيه، إذا قلت: مرتق وقاض وغاز؛ لأن الياء لما استثقلت الضمة أو الكسرة عليها حذفتا، فالتقى الساكنين، وهما الياء والتنوين، فوجب حذف الياء لالتقاء الساكنين، وتسمية نحو: قاض وغاز منقوصا، فلذلك قال في "التسهيل" فإن كان -يعني حرف الإعراب- ياء لازمة تلي كسرة فمنقوص عرفي، وذكر في "الشرح" أنه تحرز من نحو: يد وعدة؛ لأن العرف الصناعي قد غلب إطلاق المنقوص على نحو: شج وقاض، فإذا أراد بالمنقوص هنا التسمية العرفية، وحذف الياء من الثاني فذلك

جائزةٌ.
قال الله تعالى: ((مهطعين إلى الدّاع)) وقال: ((يوم يدع الدّاع إلى شيء نكر)) وهو كثير.
ثم ذكر حكمه فقال: (ونصبه ظهر، ورفعه ينوَى.. ) إلى آخره يعني أن النصب يظهر في المنقوص، على حد ما يظهر في الصحيح، فتقول: رأيت القاضي، وأجبت الداعي، وكذلك ما أشبه.
وأما الرفع والجر فلا يظهران بل يكونان منويين في آخر المنقوص، كما ينوى جميع الأعراب في آخر المقصور، فتقول: جاء القاضي، ومررت بالقاضي، وهذا رامٍ، ومررت بداعٍ، ووجه ذلك أن الضمة والكسرة مستثقلتان على حرف العلة، فأدى الاستثقال إلى أن قدروا الحركتين، وليست الياء هنا كالألف، فإن الألف يتعذر تحريكها، والياء إنما في تحريكها استثقال، ولذلك يصح ظهور الضمة والكسرة فيها في الضرورة مثل ما أنشده السِّيرافي وغيره من قول الشاعر: فيومًا يجاريني الهوى غير ماضي... ويومًا ترى منهن غولًا تغول وأنشد أيضًا قول الآخر - وهو ابن قيس الرقيات-:

جارٍ التحميل