شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 88-127

يصحُّ إدخالُ ما بمعنى إذا في ذلك الحكم؟ ثم إنه لا دليل عليه، فلا سبيل إلى المَصيِر إليه، فكان في كلامه تثبيجُ 1 وتخليط.
ووجه رابعٌ، وهو أنه يقتضي أن الظرف ذو وجهين، وإن كان مثنى نحو اليومين والليلتين، وليس كذلك، بل الإعراب لهذا 2 لازمُ وإن أضيف إلى الجملة.
والجواب أن يقال: أما الأول فهو واردٌ، ولا جواب عنه، إلا أنْ يقال: تركه اعتماداً على إلقاء الشيخ للتلميذ، وهذا المنزع قد كان بعضُ شيوخنا - رحمهم الله- يُؤنِّس به في بعض المواضع من الكتاب المقروء عليه إذا وقعت منه مسألة [مشكلة 3] أو غير مُخَلَّصة حقّ التخليص 4، فيقول: هذا مما تركه الشيخ ليقع الافتقار من التلميذ إلى الشيخ المقرئ في فهم ما أَشكَل، وإلا فلو بَيَّن كُلَّ شيءٍ لم يُعْرَفْ مقدارُ الشيخ، بنحو هذا كان يُؤَنِّس- رحمه الله- لكن على مأخذ آخر، فكذا نقولُ هنا اقتداءً به.
وهكذا يُقال فيما كان نحو هذا.
وأما الثاني فإن جمهور الإضافة إلى المفرد لا يقتضي بناءً أصلا، وإنما اختصت بذلك إِذْ فَبُني المضاف معها وحدها، فهي في ذلك من النادر الخارج عن القياس.
ووجه ذلك أن ذكر إِذْ في نحو: يومئذٍ وحينئذٍ كالتكرار للتوكيد، لأن الحين وإذْ بمعنى واحدٍ، وقد قال الكُميت 5:

لياليَ إِذْ غُصِني وريقٌ ولِمَّتىِ أُكَفِّئُها محلوسَ لبٍّ وخَالِسَا وقد عَدَّهما الناسُ في باب إضافةِ الشيءِ إلى نفسه حَسَب ما تقدّم.
والمتأوِّلُون جعلوهما من باب إضافة المسمى إلى الاسم، وإذا كان كذلك، وكانت إِذْ لازمةً الإضافةِ إلى الجملة، صار الحينُ في حينئذٍ كأنه هو المضاف إلى الجملة، فعُومِل معاملةَ م أُضيف إليه مباشرةً، فلا اعتراض على هذا مع تسليم أن مفهوم كلام الناظم ما قيل في السؤال، وإلا فلا نسلّم أن له مفهوما، لأن قوله: ((وابن أو اعرِب ما كإِذ قد أُجرِيا))، في معنى أن لو قال: وابن أو أَعرِب ما ذُكر، أو: ابنه أو أعربه، لأنه لما قال: ((وما كإذ معنى كإذْ))، كان وجهُ العبارة أن يقول: وابنه أو أعربه، أو: وابن ما ذُكر أو أعرِبْه.
فهو في موضع الضمير، فقوله: ((ما كإذ قد أُجرِيا)) هو كإعادة ذكر الظاهر، وإذا كان كذلك فلا مفهومَ له إلا مفهومُ اللقب، وهو باطل عند الجمهور 1. وأما الثالث فيمكن أن يكون قَصَدَ ذكْر ما هو بمعنى إذ [2 وإذا معاً، ويكون قوله: ((ما كإذْ قد أُجرِيا)) حكمٌ مفردٌ بالذكر، ثم ذكر عبارة تشمل ما هو بمعنى إذ (2)] وما هو بمعنى إذا، وهي محل التفصيل المذكور في قوله: واخَتْربنا كذا إلى آخره، ويسهل الأمر في ترتيب عبارته/.... 374 وأما الرابع فقد تقدّم أنه لا يدخل له من أسماء الزمان في قوله:

((وما كإِذْ معنى كإذْ)) ما هو معدودٌ ولا محدود، والمثنى من قبيل المعدود كالأسبوع ونحوه.
وعلى أنه [قد 1] نقل في الشرح عن ابن كيسان جواز إضافة نحو يومين وليلتين إلى الجملة، ثم ردّه بعدم السماع، فإذاً ليس المثنى بذي وجهين لعدم المقتضى لذلك فيهن وهو عدم الإضافة إلى الجملة، والله أعلم.
وألزمُوا إِذَا إضافةً إلى جُمَل الأفعالِ كَهُن إِذا عتَلَى هذا الكلامُ على إذا التي وُضعت للزمان المستقبل، ويعني أن الإضافة في إذا لازمةٌ، فلا تُوجدُ وهي ظرفٌ دونَها، لكن لا تضاف إلا إلى الجملة، ولا من الجملِ إلا إلى الفعلية، وهي المصدَّرة بالفعل، وهو معنى قوله: ((إلى جُمل الأفعال))، أي: إلى الجمل المنسوبة إلى الأفعالِ، وذلك لا يكونُ إلا إذا صُدرت بالأفعال، وذلك قولك: آتِيكَ إذا قام زيدٌ، وآتيك إذا يأتيك زيدٌ، وما أشبه ذلك، ومنه مثاله: هُنْ إذا اعتلى.
وإنما اختصَّت بالجملة الفعلية لأنها يغلب عليها معنى الشرط، ولذلك تقع جوابها الفاء كما تقع في جواب إِنْ، نحو: إذا جاءك زيدٌ فأكرِمْه، وإذا لم يأتك فأهِنْه.
ومنه: ﴿إذا لَقِيتم فئةً فاثبتُوا 2﴾، ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فَضَربَ الرِّقاب 3﴾، ولذلك يقع بعدها الماضي موضع المستقبل، فتقول: إذا قام أكرمتُه، كما تقولُ: إن قام أكرمتُه، والمعنى فيهما: إذا يقومُ، وإن يَقُمْ؛ ولا يقع موقعها حينٌ ولا غيره من الظروف، فلا تقول: حين جاءك فأكرِمْهُ- وأنت تريد الاستقبال

ولذلك أيضاً يجزم بها في الشعر كَأِنْ، نحو 1: وإذا تُصْبك خصاصةٌ فَتَجَّملِ هذا معنى كلامه على الجملة.
ثم يتعلق به مسائل: إحداها: أن جُمَل الأفعال التي ذَكَر تارة تكون جُمل أفعالٍ لفظاً وحكما، كالمُثُل المتقدمة، وتارة تكون جمل أفعال حكماً وتقديراً، وذلك إذا تصدّر فيها الاسم ورَدِفَه فعلٌ، نحو: إذا زيدٌ قام أكرمتُه.
وفي القرآن: ﴿إذا السماءُ انفطرَتْ.
وإذا الكواكبُ انتثَرتْ 2﴾ ونحو ذلك، فإن الاسم المصدَّر عندهم في هذه المُثُل فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه هذا الظاهر، تقديره: إذا انشقّت 3 السماء انشقت، وإذا انفطرت السماءُ انفطرت؛ إلا أن هذا المقدَّر لا ينطق به لقيام الظاهر مقامه.
وهذا قد مَرَّ له في باب الاشتغال.
والثانية: إنه لما ذكر الإضافة إلى جمل الأفعال، ويم يقيِّد فعلاً ماضياً من مضارع، دل على جواز ذلك ملّه، فسواءٌ كان فعلُ تلك 4 الجملة ماضياً أو مضارعا، فتقولُ: إذا قمتَ أكرمتك، وإذا تقوم أُكرِمُك.
أما الأمر فلا موقع له هنا، فلذلك لم يتحّرر منه وأيضا فإن التمثيل قد يُشِعِر بإخراجه.

والثالثة: أنه حين نص على التزام جُمَل الأفعال كان ذلك نصاً في ارتضاء مذهب سيبويه ومخالفة غيره، وهو الأخفش ومن قال بقوله.
والمسألة مختلفٌ فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: هذا، وهو التزامُ وقوع الجملة الفعلية مضافاً إليها، إلا أنه لا/ يلزم أن 375 يتصدر الفعلُ لفظاً بل يجوز أن يتصدر الاسم على أنه معمولٌ لعاملٍ مقدَّرٍ تصديُره، فنحو: إذا زيدٌ يقومُ، على تقدير: إذا يقومُ زيدٌ يقوم، كما تقدم.
والثاني: مذهب الأخفش، وهو جواز وقوع الجملة الاسمية مضافاً إليها إذا، ويستوي في ذلك أن يكون خبرُ المبتدأ فيها اسماً أو فعلاً، فيُجِيز أن تقول: آتيك إذا زيدٌ قادمٌ، فزيدٌ مبتدأ خبره قادمٌ، وأن تقول: إذا زيدٌ قَدِمَ، على أن يكون ((قَدِم)) خبر المبتدأ الذي هو زيدٌ.
والثالث: مذهبٌ لابن أبي الربيع بالفرق بين أن يكون الاسم الواقع بعد إذا مخبراً عنه بالفعل أو بالاسم، فإن كان مخبراً عنه بالاسم فالقولُ ما قاله سيبويه والجماعةُ من منع المسالة إلا أن يُسمع فيوقفَ على محلّه.
وإن كان مخبراً عنه بفعل فالقول ما قال الأخفش؛ إذ لا يتعيّن ما قال سيبويه، وإلى هذا كان يذهب تلميذُه أبو اسحق الغافقي 1. قال شيخنا الأستاذُ أبو عبدالله بن الفخار-رحمةُ الله عليه-: وخلافُ القوم مع الأخفش مبنيٌّ على تغليب ما ضمنته إذا من معنى الشرط، أو تغليب ما وضعت له من الزمان، فمن غَلَّب عليها أصل وضعها

أطلق القول في العامل فيها وفي الجملة الواقعة بعدها، أعني أن العامل فيها لا يلزم التأخير، ولكن يكون معها كما يكون مع ظرف الزمان غير المضمَّن معنى الشرط، وأن الجملة التي بعدها يجوز أن تكون فعلية واسمية.
وإذا كان بعدها مبتدأ لم يلزم أن يكون خبره فعلا.
هذا معنى الإطلاق المنسوب للأخفش.
ومن غلّب عليها الوجه العارض فيها وهو ما ضُمِّنته من معنى الشرط منع الإطلاق، وقيد العامل فيها بالتأخير عنها، وقيد الجملة الواقعة بعدها بأن تكون مصدّرة بفعلٍ لفظاً أو تقديراً.
ومن أوقع المبتدأ بعدها وقيد خبره بأن يكون فعلاً، فإنما ذلك لأن الجميع في حكم إذا وفي قبضتها، فقد حصل الفعلُ فير خبرها على الجملة.
هذا مقال شيخنا-رحمه الله- وهو تحقيق مناط الخلاف، إلا أنه يبقى النظر في استقراء السماع وتنزيله على ما قاله، ولا شك أن السماع على ما قاله الناظم، لأن عامة استعمال ((إذا)) أن يقع بعدها الفعلُ في الجملة التي أُضيفت إليها، فلو غُلِّب عليها حكمُ أصلها من الظرفية لوقع بعها الجملة التي جزآها اسمان صريحان كثيراً، كما كان ذلك في إِذْ، فلما امتنعوا عن ذلك وعُوِمَلتْ معاملةَ الشرط، دلَّ على أن الاسم الواقع بعدها يليها ليس مبتدأ، كما لم يكن مبتدأ مع أدوات الشرط.
وأما قولهم 1: إذا الكواكبُ خاوِيَة

وقوله 1: إذا باهليٌّ تحتَه حنظليَّةً له ولدٌ منها فذاكَ المذَرَّعُ وما كان نحو هذا فنادرُ لا يُبنى عليه.
وقد خالف هنا رأيه في التسهيل 2 حيث اختار هناك رأي الأخفش، ولم يره هنا، واحتجّ عليه في الشرح 3 بأن طَلَبَ إذا للفعل ليس كطَلَب إِنْ، بل طَلَبَها له كطلب ما هو/ 376 بالفعل أولى مما لا عمل له فيه كهمزة الاستفهام، فكما لا يلزم فاعلية الاسم بعد الهمزة لا يلزم بعد إذا، قال: ((ولذلك جاز: إذا الرجل في المسجد فظُنَّ به خيرا.
وأنشد: إذا باهليٌّ.. )) البيت.
ثم قال: فاستُغنى بالظرف عن الفعل، ولا يفعل ذلك بما هو مختصٌّ بالفعل.
وما قاله هنا دعوى لم يأتِ عليها بحجةٍ إلا بالبيت، وهو شاذٌّ.
واستدل أيضاً بدخول أَنْ الزائدة بعد إذا وبعدها جملةٌ اسمية في قوله 4: وَأَمْهَلَهُ حَتَّى إِذَا أَنْ كَأَنَه

وذلك لا يُفعل بما هو مختصٌّ بالفعل.
وأنشد ابن جني لضيغم الأسدي 1: إذا هو لم يَخَفني في ابنِ عَمِّي وإن لم ألقَهُ-الرجلُ الظلومُ وقال: في هذا دليلٌ على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء، لأن هو ضميرُ الأمر والشأن، وضمير الأمر والشأن لا يرفع بفعل يفسره ما بعده.
وأنشد معه المؤلف بيتا آخر مثله 2. وجميعُ ذلك لا ينهض دليلاً مع ندوره ومعارضته بجزمها في الشعر، فلولا اختصاصُها بالفعل لم تجزم.
والحقُّ أن جوازَ وقوع المبتدأ بعدها لا يثبتُ بمثل هذا كلّه، والصواب ما ذهب إليه هنا.
والله أعلم.
والرابعة: أن تمثيله بقوله: هُنْ إذا اعتلى، وقد يُشير إلى التحرُّز من إذا الفجائية، من جهة أن إذا في المثال تُعطي معنى الشرط، والفجائية إنما تُعطي معنى فاجأ، كما إذا قلت: خرجتُ فإذا الأسدُ، أي: ففاجأني الأسدُ.
وكقوله تعالى ﴿ثم إذا دعاكم دَعوةً من الأرضِ إذا أنتم تخرجُون 3﴾، أي: فاجأكم الخروج.
وهكذا سائر مُثُلها، بخلاف قولك: هُنْ إِذا اعتلى، فإنه لا يصحُّ فيه تقديرُ: فاجأك الاعتلاء.
وإذا ساغ هذا التحرّز ففائدة إخراج إذا المفاجأة

وجهان: أحدهما: أنها ليست عند المؤلف ظرفاً، وقد نصّ على ذلك في غير هذا الكتاب، قال في التسهيل: ((وتدل على المفاجأة حرفا لا ظرف زمانٍ، خلافاً للزجاج، ولا ظرف مكان خلافاً للمبّرد 1)).
وقد ذكرها في باب الجزاء، إلا أنه لم يحكم عليها بشيءٍ من حرفيةٍ ولا اسميةٍ، بل جعلها تخلُف فاء الجزاء 2، فدل على أنها عنده حرفٌ مثل الفاء.
وقد استدل على [صحة 3] حرفيتها- وهو رأي الأخفش- بأمور، بدلالتها على معنى في غيرها، وعدم الصلاحية لعلامات الاسم والفعلِ، وأنها لا تقع إلا بين جملتين، فصارت كلاكنَّ حتّى، وأنها لا يليها إلا جملةٌ ابتدائية مع انتقاء علامات الأفعال، ولا يكون ذلك إلا في الحروف، ولو كانت ظرفاً لم يختلف في ظرفيتها، هل هي زمانية أو مكانية، إذ ليس في الظروف ذلك.
ولم تربط بين جملتي الشرط والجزاء كالحرف، ولوجب اقترانها بالفاء إذا صُدِّر بها جواب الشرط، فلذلك لازمٌ لكل ظرف صُدِّر به الجواب، ولأغنت عن خبر ما بعدها، فيكثر نصبُ ما بعده على الحال، شأنُ الظرف المجمع عليه، كعندي زيدٌ قائماً، ولم يقع بعدها إن المكسورة غير مقترنة بالفاء كسائر الظروف 4، نحو

عندي أنك قائم، لكنهم قالوا 1: إِذا إِنه عبدُ/ القفا واللهازِمِ... 377 فدل ذلك كلّه على الحرفية وانتفاء الظرفية.
والوجه الثاني من وجهي فائدة إخراج إذا المفاجأة: أنها لا تُضاف إلى جملة فعلية أصلا، وإنما هي مختصة بالدخول على الجملة الاسمية، نحو: ﴿إذا هُم يقنَطونَ 2﴾، ﴿إذا أنتم تخرجون 3﴾، ((فإذا أنه عَبُد))، فلذلك أخرجها بالمثال.
و((إضافةً)): مفعولٌ ثان لألزموا، والمفعول الأول لفظ ((إذا))، أي: الزموا هذا اللفظَ حكم كذا.
ومعنى ((هُنْ إذا اعتلى)): خَفِّض له من نفسك، وأعطه من جانبيك اللِّين.
وفي المثل: ((إذا عَزَّ أخوك فَهُن 4))، يُقال بضم الهاء وكسرها.
والخامسة: أنه لم يذكر في إذا ما ذكر في إِذْ من أن ما كان مثلها في المعنى فهو مثلها في الحكم، فقد قالوا: إذا أُريد بالظرف المبهم الاستقبال فيجوز فيه ما لزم في إذا من الإضافة إلى الجملة الفعلية،

ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿يومَ هم على النار يُفْتَنُون 1﴾: إن ((هم)) مرفوع بفعل مضمر دل عليه الظاهر.
وكذلك ما كان مثله من نحو: ﴿يومَ هم بارِزُون 2﴾، وبابه.
كما قَدَّروه في باب ﴿إذا السماء 3 انشقت﴾ وبابه.
وهو صحيح.
فكان من حق الناظم كما ذكر هذا الحكم في مرادف إِذْ أن يذكره في مرادف إذا، لكنه لم يفعل، فكان فيه إيهام انفراد إِذْ بذلك الحكم دون إذا، وذلك إخلال.
لمفْهِم اثنَينِ مُعَرَّفٍ بِلاَ تَفَرُّقٍ أُضِيفَ كِلْتا وكِلاَ يعني أن حكم كلتا وكلا في هذا الباب أن يُضافا إلى الاسم بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون ذلك الاسم المضاف إليه مُفِهم اثنيت، وهو أن يكون دالا على اثنين لا على مفرد، ولا على أكثر من اثنين، وذلك قوله: ((لمفهم اثنين)).
فلو دلّ على واحدٍ لم يُضافا إليه، نحو: كلا الرجل قام، أو: كلتا المرأة قامت.
فهذا لا يجوز.
وكذلك لو دلّ على أكثر من اثنين لم يضافا إليه، نحو: كلا الرجال، أو كلتا الجواري، وإنما يضافان إلى ما يدل على اثنين، والذي يدلّ على اثنين أربعة أشياء: أحدها: المثنى وما جرى مجراه، فالمثنى نحو: كلا الرجلين قام، وكلتا المرأتين قامت وفي القرآن الكريم: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها 4﴾، ومنه قولُ جُبيهاء الأشجعي 5:

كلا عَقَبِيهِ قد تَشَعَّثَ رأسُها من الضرب في جَنْبَي ثَفَالٍ مباشرِ وأنشد سيبويه للبيد 1: فغَدَت كلا الفَرْجينِ تحسِبُ أَنّه مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُها وأمامُها وقال ذو الرمة 2: حتى إذا كنّ محجوزاً بنافذةٍ وزاهقاً، وكلا روقيه مختضبُ وهو كثير.
والجاري مجرى المثنى اسمُ الإشارة إن قلنا إنه ليس بمثنى حقيقة، نحو: كلا هذين قائم، وكلتا هاتين قائمة، وكذلك الموصول إن قيل: إنه لا يُثَنّى حقيقةً، نحو: كلا اللَّذين قاما أكرمته.
والثاني: الضمير الموضوعُ للمثنى، شاركه فيه غيره أو لم يشاركه، كان لمتكلم أو مخاطبٍ أو غائبٍ.
فالمتكلم نحو: كلانا قائم، وكلتانا قائمةٌ.
ومنه/ قولُ جميلِ بن مَعْمر 3: 378

كلانا بَكَى أو كاد يَبْكِي صَبَابةً إلى إِلْفِهِ، واستعجَلتْ عَبرةً قبلي وأنشد الفارسيُّ للنَّمِر 1: فإنَّ الله يَعْلَمْني وَوَهبا وَيَعْلَمُ أن سَنَلْقاهِ كلانَا وقال طرفة 2: غَنِينا، وما نَخْشَى التفرُّقَ حِقبةً كلانا غَرِيرٌ ناعم العيشِ باجلُه والمخاطب نحو قولك: كلاكما قائم، وكلتاكما قائمة.
والغائب نحو: كلاهما قائم، وكلتاهما قائمة.
وفي التنزيل: ﴿إمَّا يبلغَنّ عندك الكَبِرَ أحدهما أو كلاهما 3﴾.. الآية وقال الفرزدق 4: كلاهُا حين جَدَّ الجريُ بينهما قدْ أَقْلَعَا، وكلا أَنْفَيهما رابى

وقال الآخر أنشده ثعلب 1: وكلتاها قد خطَّ لي في صحيفتي فلا العيشُ أهواه ولا الموت أروحُ وهو كثير.
والثالث: اسم الإشارة الموضوع للمفرد البعيد، فإنّ العرب قد اتسعَت فيه فاستعملته للمثنى، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿عَوانٌ بين ذلك 2﴾، أي: بين الفارض والبِكْر، فأوقع ((ذلك)) على الإثنين 3. وكذلك استعملته للجمع فأضافت كُلا إليه في نحو: ﴿وإِنْ كلُّ ذلك لما متاعُ الحياةِ الدنيا 4﴾. فعلى هذا يجوز أن تقول: جاءني زيدٌ وعمرو، وكِلاَ ذلك فاضلٌ.
ومنه ما أنشده ابن هشام في السيرة، والفارسيّ في الشِّيرازيات لعبدالله بن الزِّبَعْري 5: إِنَّ للخَيرِ وللشَّر مَدَىً وكِلاَ ذَلِكَ وَجْه وقَبَلْ قال الفارسيُّ: فهذا يراد به التثنية كما أُرِيدَتْ بالضَّمير في ((كلانا)) التثنية، وإن كانت اللفظة تقعُ على الجميع.
والرابع: الجمعُ الذي يُراد به المثنى في نحو: قطعتُ رُءوسَ الكبشَينِ

وقوله 1: ظهراهما مثلُ ظهورِ التُّرْسَين فتقول على هذا في نحو: ((وكلا أنفَيهما رابى)): وكلا أُنوفهما رابى، وقطعت كلا رءوس الكبشين، وجدعتُ كلا أُنوف الزيدين.
وما أشبه ذلك، فهذا والذي قبله داخلٌ تحت قول الناظم: ((لِمُفْهِم اثنين)).
فإن قلت: هذا بِدْعٌ من القول في كلا وكلتا! وأين السماع في هذا؟ فالجواب: أنَّ السماع إِن يأت فالقياس قابلٌ؛ قال الفارسيّ في المسائل الشيرازيات: فإن قلت: فهل يجوزُ في قول الفرزدق: ((وكلا أَنفَيهما رابى)): وكلا أنوفهما رابى، لأن هذا يُجْمع فيه المثنى؟ فالقول: أَنَّ ذلك ليس بحسن، لأن هذا النحو قد يُستعمل فيه التثنية كما يُستعمل الجمع، نحو: ((ظهراهما مثلُ ظُهور الُّترسَين))، فإذا كان كذلك قبح استعمالُ الجمعِ بعد كلا؛ لأنه موضعٌ لم يُستَعمل فيه هذا الضربُ من الجمع.
قال: فإن قلت: إن هذا

الضرب من الجمع قد جرى مجرى التثنية عندهم؛ ألا تراهم قالوا 1: رءُوس كَبِيرَيهنَّ ينتطحانِ فأخبِر عنه بالتثنية وقد تقدم الجميع.
وقيل في قوله 2: ... جونتا مصطلاهما إنه على هذا التقدير، يعني أن ((هما)) عائد على ((الأعالي))، لأن المراد الأعليان.
قال: فإن حُمِل هذا فمذهبٌ.
ثُمَّ قوي ذلك بمجئ لفظ الجميع في كلانا، لما أريد به التثنية، وباسم الإشارة المذكور.
فعلى هذا لا يمتنع القياسُ في هذه المواضِعِ، فيصحّ اشتمالُ قوله: ((لمفهم اثنين)) على جميع ما تقدّم.
والشرطُ الثاني من شروط المضافِ إليه كلا وكلتا: أن يكون المضافُ إليه معرفةً، وذلك قوله: ((لمفهم اثنين معرَّفٍ))، يعني أنهما لا يضافا إلا إلى/ معرفةٍ بأحد وجوه التعريف، أما... 379 الضمير كقوله: ﴿أحدهُما أو كلاهُما 3﴾، وأما العلمُ كقوله: كلا الزيدين قام، وإما المبهمُ

نحو قوله: ((وكلا ذلك وجهٌ وقَبَل))، وأما ذو الألف واللام نحو: ﴿كِلتْا الجنتَين آتَتْ أُكُلها 1﴾، وإما المضافُ إلى معرفة نحو: وكلا أنفَيهما رابى)).
ولا يجوزُ أن يُضافا إلى نكرةٍ، فلا يُقال: كلا رَجُلين قام، قال الفارسيّ في كِلاَ: لم نعلمها أُضِفَتْ إلى المنكور لا مفرداً ولا مضافاً.
قال الأخفش: العرب لم تضع ذا إلا على المعرفة.
ونَقَلَ بعضهم عن الكوفيِّين 2 أنهم يُجِيزون ذلك لكن بشرط أن تكون النكرةُ محدودةً مخصَّصةً.
فيقولون: كلا رَجُلين عندك قائم، وكلتا امرأتين في الدار مُرْضعٌ؛ وحكَوا عن العرب: كلا جاريتَينِ عندك مقطوعةٌ يدُها (2) - قالوا: وقَطْعُ اليد هنا: تَرْكُ الغَزْل - فلو كانت النكرة غير محدودةٍ لم تُضف إليها كِلاَ وكِلْتا، نحو: كلا رجلين قائم، وكلتا امرأتين مرضع.
وهذا يحفظه البصريون، وهو شاذٌّ لا يُبنى عليه، ولذلك لم يُعوِّلِ الناظم عليه ولا غيره.
والشرط الثالث: أن يكون فهم الاثنين من لفظٍ واحدٍ، فلا يكون ذلك المعنى 3 مفهوما من لفظين، معطوفٍ ومعطوفٍ عليه، وذلك قوله: ((بلا تفرُّقِ))، يعني أن اللفظ المفهم للاثنين لابدَّ أن يكون واحداً غير مفرَّق بالعطفِ كما تقدَّم، فلا يقالُ: كلا زيد وعمروٍ قام، ولا الحرّ والعبد خرج.
وما جاء مخالفا لذلك فشاذٌّ مختصٌّ بالشعر، نحو ما أنشده في الشرح من قول الشاعرِ 4: كلا أَخِي وخَلِيلي واجِدِى عَضُداً وساعداً عند إلمام المُلِمَّاتِ

ويُروى: في النَّائباتِ وإلْمامِ الملماتِ وقول الآخر 1: كلا الضَّيفَنِ المَشْنُوءِ والضَّيف نائل لديَّ المُنَى والأمنَ في البسر والعُسْرِ وأنشد الفارسي 2: كلا السيفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ به على دَهَش.................. ولم أقيد باقي البيت.
قال الفارسيّ: لم يُجِيزوا إلى المظهر المخصوص وإن عطفت عليه مثله، لم يجيزوا: كلا أخيك وابيك ذاهب، كما لم يُجيزوا: كلُّ عبدالله وأخيه وأبيه ذاهبون، وكما لم يقولوا: جميع زيد وعمرو ذاهبان.
قال الأخفش: لأن هذا يجري مجرى: ثلاثة رجال وأربعة أناسيَّ، ولو قلت: اربعة صاحبين، وأنت تريد أربعة اصحاب، لم يَجُزْ.
وإنما ذلك في الشعر لأن العطف بالواو كالتثنية في المعنى، فحمل الكلام في الشعر على المعنى؛ ألا ترى أنك تقول: زيد وعمرو قاما، كما تقول: الزيدان قاما.
ولو قال: كلا زيد وعمرو، لم يجز في شعرٍ ولا غيره، لأن كِلاَ فيه مضافةٌ إلى واحدٍ غير جارٍ مجرى المثنى، وذلك لا يجوزُ في كلا وكلتا.

وهذا الشرط من الناظم يقتضي أن لا يجوز نحو: كلاكَ وكلا زيدٍ قائم، وكلتاك زولتا زينبَ قائمةٌ، لأن هذا تفريق.
وأحسب أني وقفت على إجازته لبعض النحويين حملا على المعنى، لأن الكلام على معنى: كلاكما قائم، وكلتاكما قائمة.
ولم يأت في ذلك سماع، ولكنّهم قاسوه/ 380 على إجازة ذلك في ((أيّ))، إذ جاء في كلام العرب نحو: أيّي وأيُّك كان شراً فأخزاه الله؛ لأن المعنى: أَيَّنا، وأيّ الثانية توكيدٌ كالمطّرح، فكذلك تكون كِلاَ الثانية هنا كالمطَّرحة.
وأيضاً فقد قالوا: هو بيني وبينك، والمراد: بيننا، فتجوز مسألتنا كما يجوز هذا.
فالناظم إمَّا أن يكون لم يرتضِ هذا المذهب لعَدَمه في السماع، أو لضعفه في القياس، وإمَّا أن يكون تركَ التنبيه عليه رأساً لِقِلَّة القائلين به، وغَرابة نقله.
فإن قيل: كلا وكلتا مما تلزم فيه الإضافة فلا يُفْردان أصلا كما يُفْرَدَ كُلٌّ في اللفظ وإن كان غير مُفْرَدٍ في المعنى، وإنما هما لازمان للإضافة اللفظية، وكلامُ الناظم هنا لا يُعطي لزومَ الإضافة وإنما فيه أَنَّ الإضافة لا تكون إلا للمثنى غير المفُرَّق، فقد يُتَوهَّم أنهما مما يصحّ فيه الإفراد.
فالجواب: أنَّه يؤخَذُ له لزومهما الإضافة من مَسَاقِ كلامه، فإن الفصل كله من لدن قوله: ((وبعض الأسماءِ يُضَافُ أَبَدا)) إلى قوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خَلَفَا)) في الإضافة اللازمة، وإذا كان كذلك لم يضطَرَّ إلى التنبيه على اللزوم، بل إن أطلق القول فيها أخذت له على حقيقتها من مطلق اللزوم، ومفهومه الأول- وهو اللزوم لفظاً ومعنىً- وَإِنْ قَيَّدها فذكر فيها لفظاً، أخذنا به حيث ذكره، فلا إيهام في كلامه على هذا التقرير، والله أعلم.

وقوله: ((لمفهم اثنين)) متعلّق بأضيف.
و ((بلا تفرق)) متعلّق باسم فاعلٍ محذوفٍ هو صفةٌ لمفهم، والتقدير: أُضِيفَ كلتا وكلا لاسمٍ مفهمٍ اثنين معرّفٍ كائن بلا تفرُّق.

وَلاَ تُضِفْ لمفرَدٍ مُعَرَّفِ أيّا، وأنْ كرَّرْتَها فَأضِفِ أو تَنْو الأجزا، واخْصُصَن بالمعرفَهْ مِوصُولَةً أياً، وبالعكسِ الصِّفَهْ وَإِنْ تَكُن شرطاً أِوِ اسِتفْهامَا فَمُطلقا كَمِّل بِها الكَلاَمَا هذا فصلُ الكلام في إضافة أيٍّ، وهي على الجملة لازمةٌ للإضافة في هذه الأقسام التي ذكر، ويتبيَّن ذلك من سياقِ الكلامِ كما تقدَّم في البيت المذكور آنفا.
فإن قلت: لم يَذْكُر هنا لقسمٍ من أقسامها الإفرادَ في اللفظ، فاقتضى - على ما تقدم- لزومَ الإضافة لفظا، وذلك غير صحيح، بل أيّ في ذلك ضربان: ضربٌ لا يجوز فيه الإفراد لفظاً البتّة، وذلك الواقعة صفةً وفي معناها الواقعةُ حالاً، فإنك تقول: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ، وبفارسٍ أيِّ فارسٍ.
ولا تقول: مررتُ برجلٍ أيٍّ، ولا بفارسٍ أيٍّ، وإن عُلِم المحذوفُ، لأن العرب التزمت ذكر المضاف إليه هنا، فلا يجوز مخالفتها.
وضربٌ يجوز [ذلك 1] فيه، وذلك إذا كانت شرطاً أو استفهاماً أو

موصولة تقول: أيَّا تضرِبْ أضرِبْ.
وفي القرآن: ﴿أيامَّا تدعو فله الأسماءُ الحُسنى 1﴾. وفي الحديث ((أيُّ العمل أفضلُ؟ فقال: الصلاةُ لميقاتها.
قال: ثمّ أيٌّ؟ قال كذا.
قال: ثم أيٌّ؟ قال كذا 2)).
وتقول في الموصولة: اضرِبْ أيَّا أفضلُ، وأيَّا هو/ أفضل.
وذلك كلُّه مع العلم بالمحذوف، 381 فكيف يُطلقُ القولَ هنا بلزوم الإضافة لفظا ومعنى؟ هذا لا يستقيم! فالجواب: أنه قد بيّن في باب الموصول أن أيّاً الموصولة تُفَردُ عن الإضافة، أشار إلى ذلك قولهُ: ((أيٌّ كما، وأعربت مالم تُضَفْ)) إلى آخره، وأما غيرها من أقسام أيٍّ فلم يذكر فيها شيئاً، فالسؤالُ ورادٌ.
وقدَّم أولاً في إضافة أيٍّ حكماً عاماً، وهو أنها لا تُضاف إلى مفردٍ معرَّفٍ، وأراد بالمفرد هنا مفرد الشخص، فلا تقول: أيّ زيدٍ جاءك؟ ولا: أيُّ الرجلِ الفاضل جاءك؟ لأنّ أيّا موضوعةٌ على الإبهام فيما يصحُّ فيه التبعيض، فلا يجوز أن يقعَ المفردُ المعرفةُ، بخلاف المفردِ النكرة، والمعرفةِ غير المفرد، فإنه يجوز أن يقع بعدها كلّ واحدٍ منهما على الجملة، فتقول في الأول: أيُّ رجلٍ جاءك؟ وأيُّ رجل يأتِكَ أكرمُه.
وتقول في الثاني: أيُّ الرجال جاءك؟ وأيُّ الرجال يأتِكَ أَكرِمْه.
وكذلك: أيّ رجلين جاءاك؟ وأيُّ رجال جاءوك؟ حسب ما يأتي؛ فقوله: ((ولا تُضف لمفردٍ معَّرف أياً))، يعني مطلقاً في جميع أقسامها التي يذكرها، ثم استثنى من هذه الجملة موضعين صحّ فيهما الإضافة إلى المفرد المعرفة: أحدهما: أن تتكرر أيّ بالعطف فإِذْ ذاك يجوزُ أن تضاف إلى

المفرد المعرفة، فتقول: أَيِّيِ وأيُّ زيدٍ قائمٌ؟ وأَيِّيِ وأيُّك كان شراً فتاب الله عليه.
ونحو ذلك.
وهذا معنى قوله: ((وإن كرَّرتها فَأَضِف)).
يعني: إن كرَّرت أيَّا، وذلك مثلُ ما أنشد سيبويه من قول العبّاسِ بن مرداس 1: فأيِّيِ، ما، وأيُّك كان شراً فَسِيقَ إلى المنيَّةِ لا يَرَاها وأنشد أيضاً لخِدِاشِ بن زُهير 2: ولقد علمتُ إذا الرجالُ تناهَزُوا أِيَّي وأيُّكُمُ أَعزُّ وأمنَعُ وأنشد له أيضا 3: فأيِّيِ وأيُّ ابن الحُصَين وعَبْعَبٍ غَداةَ التقينا كان عندكَ أعذَرا وقال عنترةُ 4: فلئن لقيتُك خالِييَن لتعْلمْن أيّي وأيُّك فارسُ الأحزاب

وقال جُمَيح بن الطَّمّاح، وهو جاهليّ 1: وقد علم الأقوام أييّ وأيكمُ بني عامرٍ أوفى وفاءً وأكرمُ وقال قرط اليربوعي، جاهلي 2: أبني سُلَيطٍ لأ أبا لأبيكم أيَّي وأيُّ بني صُبَيرةَ أكرمُ وإنما جاز ذلك لأن الكلام محمول على معناه، إذ معنى ذلك: أيُّنا؟ قال سيبويه: ((وسألتُه-رحمه الله- يعني الخليلَ- عن ((أِسِّي وأيُّك كان شرا فأخزاه الله)).
فقال: هذا كقولك: أخزى الله الكاذب مِنِّي ومِنْكَ، وإنما يريد: مِنّا.
وكقولك: هو بيني وبينك.
تُريد: بيننا 3، قال: فإنما أراد: أيُّنا كان شراً، إلا أنهما لم يشتركا في أَيٍّ- يعني فيقال: أيّنا- ولكنهما أخلصاه لكل واحدٍ منهما 4))، يعني: ((ولكن المتكلم والمخاطب أخلصا أيَّا لكلّ واحد منهما 5)).
وإذا ثبت هذا لم تُضَف أيُّ في حقيقة المعنى إلى المفرد المعرفة، وإن كان ذلك في محصول اللفظ.
والثاني من الموضعين: أن تنوي التبعيض في المضاف إليه، وذلك فيما يصحُّ فيه التبعيضُ.
وهذا معنى قول الناظم: ((أوتَنْوِ الاجزا)).
وهو معطوفٌ على

((كرّرتها)) عطف الموضع، لأن موضعه جزمٌ، كأنه قال: وإن تكرِّرْها/ أو تنو الأجزاء... 382 فيما أُضيفَتْ إليه فأضِفْها إلى المفرد المعرفة، وذلك قولك: أيُّ ثوبك خَلَق؟ معناه: أيّ النواحي منه خَلَق؟ فالتبعيض في هذا متأتٍّ فجازت الإضافة باعتباره.
وكذلك تقول على هذا: أيَّ غرناطةَ نزلتَ؟ المعنى أَيَّ نواحيها نزلْتَ؟ أو أَيَّ مواضعها نزلْتَ؟ ومن ههنا جاز في بين أن تضاف إلى المفرد كقول امرئ القيس 1: ((بين الدَّخول فحوملِ.
فتُوضِحَ فالمقْراةِ (1)))، لأن الدَّخولَ موضع يحتوي على أماكن فكأنه قال: بين أماكن الدَّخول فأماكن حَوْمَلِ، وكذلك تُوضِحَ والْمِقراةِ.
وإلا فلا يجوز أن تقول: جلست بين زيد فعمرو 2، إذ لا بينَ لزيدٍ وحده ولا لعمرو وحده، وإنما جاز ذلك كلُّه لأنَّ اعتبار الأجزاء يُخرج الاسم عن باب الإفراد إلى باب الجمع، فكأنك قلت: أيُّ أجزاء ثوبك خَلَق؟ وأيَّ نواحي غرناطةَ نَزَلْتَ؟ وعلى الناظم في قوله: ((وإن كرَّرتها فأضِفِ)) دَرْكٌ من أوجه أربعةٍ: أحدها: أن هذا التكرار لم يُبيِّن على أيّ وجه يكون؟ فقد يمكن أن يفهم على أنه بغير عطفٍ كقولك مثلا: أَيِّي أيُّك قائم؟ أو بحرفِ عطفٍ غير الواو نحو: أَيِّي فأيّك، أو أَيِّي ثم أيكّ؟ وما أشبه ذلك من حروف العطف.
وذلك كله غير صحيح، وإنما التكرار مخصوص بالواو وحدها من

حروف العطف، فلا يجوز أن تقول: أَيِّي فأيُّ زيد أكرم؟ ولا أَيِّي ثم أيّ زيد أفضل؟ وإنما يجوز ذلك مع الواو، لأن المفردين مع الواو في حكم الاسم المثنى بخلاف غيرها، وذلك من حيث كانت لا تعطي رتبةً، وإنما تعطي مجرّد الجمع من غير زيادة، فصارت كالتثنية.
وأما غيرها من الحروف فإنما يقتضي تفريق المعطوف من المعطوف عليه ولو في الرتبة الزمانية، فلم يرادف المفردان مع غير الواو التثنية، فصار كلُّ اسم عُطِف بغيرها له حكم نفسه، فامتنع العطف ههنا بما عدا الواو، وكلامُ الناظم لا يعطي شيئا من هذا، فكان مُعتَرَضاً.
والثاني: أن هذا التكرار في ظاهرِ مَسَاقِه قياسيّ، فجائز أن يَتَكلَّمَ به في غَير الشعر، لأنه قال: ((وإن كرَّرتها فأضِف)).
فوكَلَ ذلك إلى السامع لا إلى العرب.
وليس الأمر كذلك، بل هو موقوفٌ على السماع، وقد نَصَّ على ذلك الفارسي، وجعل جوازه كجواز تكرار المفرد بعد كِلاَ في نحو قوله 1: كلا السيفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ بِهِ في أنّ كلّ واحدٍ منهما موقوف على السماع، محمول على معناه.
ولا يقاس عند الناظم على نحو: كلا السيف والساق، فكذلك ينبغي في: أَيِّي وأيُّ زيد أعرف؟ وهكذا قيل.
ويظهر من مساق سيبويه في باب أَيّ، وإذا كان كذلك ظهر أنّ ما أعطاه مساق الكلام من القياس غير صحيح.
والثالث: لو سُلِّم أَنَ التكرار قياسيّ فإنما يكون كذلك حيث كان المجرور بأ] ٍّ أولاً ضمير المتكلم، نحو: أَيِّي وأيُّ زيدٍ أعلم؟ وهو الذي عيّنه السماع كما تقدّم، فلا يقال: أيّك وأيّ زيدٍ أفضل؟ ولا: أيّ زيد وأيّ عمرو أعلم؟ وعبارة

الناظم هنا وكذلك في التسهيل 1 / تقتضي جواز الجميع، فهو مشكل!... 383 والرابع: أن قوله ((فأضِفِ)) يقتضي لزومَ الإضافة إلى المفرد المعرفة، لأن قوله ((فأضِفِ)) أمرٌ بذلك، لم يُقيِّده بالجواز، كما قال في المسألة قبل هذا: ((أضِفْ جوازاً)) فدلّ على أنه يريدُ وجوبَ الإضافة التي قَدَّم، وهي الإضافة إلى المفرد المعرف.
وذلك حكمٌ غير صحيح؛ بل هو على الجواز إذا كُرِّرت، فلك أن تَضِيفَ إلى النكرة، فتقول: أيَّ رجل وأيَّ امرأةٍ أكرمتَ؟ وإلى المعرفة غير المفردة فتقول: أيُّ الرجلين وأيُّ المرأتين أكرمُ؟ وكذلك أيُّ بني تميم وأيُّ بني فلان أفضلُ؟ وما أشبه ذلك.
فلا يُقتصر به على المفرد المعرفة، خلافُ ظاهر كلامه.
والجواب عن الأول: أنَّ تأتيِّ التكرار في محصول الاعتياد 2 إنما يحصلُ مع العطف، والواو أصلُ البابِ، فهو الذي يَسبقُ للأذهان، فترك ذكره اتكالاً على فهمه، وعلى أنه قال عِوَضَ ذلك: ولا تُضِفْ لمفرَدٍ مُعَرَّفِ أيّا وكرّرها بواوٍ تُضِفِ أو انْوِ الاجزا...... .................................. لكان أولى.
وعن الثاني: أن ظاهر كلامه هنا وفي التسهيل 3 إجراء القياس،

إذْ لم يقيِّد ذلك بأمرٍ، وليس في كلام سيبويه نصُّ بأنه سماعٌ، وقد تقدَّم نصُّ كلامه.
وأيضا قد يبعُد الفرق بين قولك: أيِّي وأيّك 1 أعلم؟ وبين قولك: أيِّك وأيّ زيد أعلم؟ وما أشبه ذلك.
وإذا فرض أنه قائل بالقياس فلا اعتراضَ إلا من جهة بطلان القياس من نفسه، وذلك نزاعٌ في أصل خلافٍ لا يعترض بمثله على الناظم بأن يقال: لم خالفت فلانا ولم توافقه؟ لأن الدليل هو المتّبع، ولا إجماع يعارَضُ به هذا القياس، بل نقول ان سيبويه والخليل شبَّها قولهم: ((أيِّي وأيُّك كان شراً فأخزاه الله))، بقولهم: هو بيني وبينك، ونحوه، ومثل هذا لا يُقتَصَرُ به في ((بين)) الأولى على ضمير متكلم دون مخاطب أو غائب، بل يقال: هو بينك وبينه، وهو بينك وبين زيد، وفي القرآن: (فإذا الذي بينَكَ وبينه عداوةٌ كأنّه وليٌّ حميم) 2، وكذلك الأمر في: ((أخزى الله الكاذب منّي ومنك))، لا مانع من أن بقال: منك ومن زيد، فكما يجوز هنالك فكذلك يجوز هنا.
فإن قيل: فَلْيجُزْ على ذلك: كلاك وكلا زيدٍ قائمٌ، وكذلك: كلا زيد وعمروٍ قائمٌ؛ إذ لا فرق.
قيل: قد مَرَّ القولُ على هذا، وأيضاً لما فَهِم من العَرَب اعتزامهم على إضافة كلا وكلتا للمثنى غير المفرَّق، قال: يمنع التفريق بإطلاق، وكأنه لم يفهم مثل ذلك عن العرب في أيٍّ فأطلق الجواز.
فإن قيل: فإن جاز مثلُ: أيُّ زيدٍ وأيُّ عمرو في الدار؟ فليُجزْ: المال بين زيد [وبين 3] عَمْرو، بتكرير بين، وذلك غير جائز، وقد عُدَّ ذلك من لحن

الخواصِّ حسب ما نصّ عليه الحريريُّ في ((دُرَّة الغواص 1)).
وغيره.
وكذلك يلزم أن يجيز: أخزى الله الكاذب من زيدٍ زمن عمرو.
فالجواب: أنه يقال: لعلّه أجاز ذلك بناءً على قياسه وإن كان ضعيفا، أو على سماع شيء منه.
والله أعلم.
وهذا قد حصل الاعتذار- على ما فيه- عن الثاني/ والثالث من الاعتراضات.
384 وأما الرابع فالجوابُ عنه: أن الأمر هنالك إنما هو للإباحة لا للوجوبِ، بقرنية تَقَدُّم الحظر في قوله: ((ولا تُضِف لمفردٍ معرَّفِ)).
والأمر إذا ورد في الشريعة بعد الحظر فهو للإباحة حسب ما ذكره الأصوليون، فهو الراجح عندهم من المذهبين، وإذا كان على الإباحة فهو معنى التخيير، فقوله: ((وإن كرّرتها فأضِفِ))، معناه: إن شئت.
فلا محذور.
[أقسام أيّ] ثمَّ فصّلَ الكلام في أقسام أيٍّ، كيف تكون الإضافة إليها فقال: ((واخصُصَنْ بالمعرفة موصولةً أيّا)).. إلى آخره، فذكر لها أقساما ثلاثة: قسم تكون فيه مضافةً إلى المعرفة خاصةً، وقسم يُخَصّ بالنكرة وحدها، وقسم يجوز فيه الأمران.
فأما الأول فهو الذي ذكر أوّلاً، وهو قسم الموصولة.
و((موصولةً)) حال من ((أيّ)) تقدمت عليها، كأنه قال: واخصُصْ بالمعرفة أياً حالة كونها موصولةً.
يعني أنها إذا كانت موصولة كالذي والتي فلا تُضاف إلاّ إلى

المعرفة، فتقول: اضرِبْ أيَّهم هو قائم، وسلِّم على أيِّهم هو أفضلُ، لأن معناها معنى الذي، ولا يجوز أن تقول: أيَّ رجلٍ هو أفضلُ، أو: سلِّم على أيِّ رجلٍ هو قائم.
ومن ذلك في القرآن: (ثمَّ لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ أُّهم أشدُّ على الرحمن عتياً 1). وأنشد سيبويه 2: إذا ما أتيتَ بني مالك فسلِّم عَلى أَيُّهم أفضَلُ وأما الثاني فهو أيُّ إذا وقعتْ صِفةً، وذلك قوله: ((وبالعكسِ الصِّفَهْ))، يعني أنها إذا وقعت صفةً فإضافتُها على العكس من إضافة الموصولة، وقد تقدّم أن الموصولة تضافُ إلى المعرفةِ، فإذاً الصفة لا تضافُ إلى المعرفة، وإنما تضاف إلى النكرة، فتقول: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ، ومررتُ بفارسٍ أيِّ فارسٍ، وبفتىً أيِّ فتىً، ومنه قوله 3: دعوتُ امراً أيَّ امرِئٍ فأجابني وكنتُ وإيّاه ملاذاً وموئِلاَ وقال الآخر، إلاّ أنه حذَفَ الموصوف 4: إذا حارَبَ الحجاجُ أِيَّ منافقٍ علاه بسيفٍ كلما هُزَّ يَقطعُ

ويجري مجرى الصفة الحال، فتقول: رأيت الرجلَ أيَّ رَجُلٍ، وأي فتىً، أنشد في الكتاب للراعي 1: فأومأتُ إيماءً خفياً لَحبْترٍ ولله عينا حَبْتَرٍ أَيَّما فَتَى ولا يجوز أن تضاف إلى المعرفة، فلا تقول: مررتُ بالرجل أيِّ الرجل، ولا: بالفارسِ أيِّ الفارسِ، وما أشبه ذلك.
وفي قوله: ((وبالعكس الصفه)) شيءٌ من النظر؛ لأن العكس في اللغة ردُّك آخر الشيء أوَّله، وهكذا هو في اصطلاح أهل النظر، فإنهم قالوا: عَكْسُ القضية تحويلُ مُفرَدَيها على وجه يصدق.
ونحن لا نجد في كلام الناظم ذلك، لأنه قال: ((واخصُصَن بالمعرفَه موصولةً أيا)) وليس في هذا الكلام ما يصحّ فيه العكس بحيث يُعطي ما قَصَد من المعنى، وإنما يظهر أن موضع العكس في كلامه للضدِ، فلو قال: ((وبالضدّ الصفَهْ))، لكان صحيحاً، لأن النكرة ضدّ المعرفة وليست بعكسٍ لها، ولم يقصد الناظم إلا ذلك المعنى، ولكن ذهب عليه هذا، فوضع العكس موضع الضدِّ.
وقد يُجاب عن ذلك بأن العكس المصطلح عليه يصح هنا من قوّة الكلام/،... 385 من جهة أن قوله: ((واخصُصَن بالمعرفَةَ كذا، في قوة أن لو قال: لا بالنكرة، فكأنه قال: اخصُصَنْ كذا بالمعرفة دون النكرة.
فلو صَرَّح

بهذا لكان عكس الكلام: اخصُصَن الصفة بالنكرة دون المعرفة.
وذلك صحيح.
فالناظم إنما قصد العكس بحسب اللفظِ المقدّر الذكر مع الملفوظ به، فلا دَرْك عليه.
وأما القسم الثالثُ الذي يجوزُ فيه الأمران فأيُّ الشرطية أو الاستفهامية، وذلك قوله: ((وإن تكن شرطاً أو استفهاما)).. إلى آخره.
ضمير ((تكن)) عائدٌ على ((أيّ)).
و ((مطلقاً)): حال من التكميل المفهوم من قوله: ((كَمِّل))، على حدّ قولهم: ضربته شديداً.
يعني أن أَيّا الشرطية، وأيّا الاستفهامية، يَكمُلُ فيها الكلامُ بالإضافة مطلقاً، أي: سواءً أكانت الإضافة إلى معرفة أم نكرة، فالضمير في ((بها)) عائد على الإضافة المتقدمة الذكر؛ فتقول في الشرط: أيُّ الرجالِ يُكرمْنِي أكرِمْه، وأيُّ رجلُ يكْرِمني أكرِمْه.
ومن الإضافة إلى النكرة ما أنشده سيبويه لابن هَمّامٍ السلولي 1: لما تّمكَّنَ دُنياهم أطاعَهُمُ في أيِّ نَحوٍ يُميلوا دينَه يَمِلِ وتقول في الاستفهام: أيُّ الناسِ جاءك؟ وأيُّ رجلٍ جاءك؟ ومن النكرة قولُ الله عزَّ وجل: ((وسيعلم الذين ظَلَموا أَيَّ منقلبٍ ينقلبونَ 2)).
ومن المعرفة قوله: (لنعلم أيُّ الحِزْبين أحصى لِما لَبِثُوا أمَداً 3).

والحاصلُ للناظم من أضرُبِ أيٍّ أربعةٌ، وذلك: الموصولة، والصفة، والشرطية، والاستفهامية.
وترك ذكر قسمين، وهما: النكرة الموصوفة، وصلة المنادي.
فالأولى نحو: مرت بأيٍّ مُعجِبٍ لك.
والثانية نحو: يأيُّها الرجل.
وكلا القسمين لم يحتج إلى ذكره.
أما الموصوفة فمن وجهين، الأوّل: أن إثباتها في هذا القسم للأخفش؛ إذ لم يذكرها سيبويه، ولم يرتض في التسهيل رأي الأخفش من جهة أن السماع بما قال معدوم أو نادرٌ، والقياس على ما ومن في وقوعها نكرتين موصوفتين، ضعيف.
والآخر أنها على تقدير ثبوتها لا تحتاج إلى إضافة، فتَرَكَ ذكرها كسائر مالا يلزم الإضافة.
وكذلك صلة المنادي قد كفَّتها ((ها 1)) عن الإضافة، وحكمها يذكر في بابه، فلا مدخل لها هنا.

وألزمُوا إضافةً لَدُنْ فَجَرْ ونَصْبُ غُدْوةٍ به 2 عَنْهُم نَدَرْ إضافةً: مفعولٌ ثان لألزموا، والأول لفظ لَدُنْ.
والضمير في ((به)) عائدٌ على لَدُن.
ويريدُ أن لَدُنْ من الظروف، يلزم الإضافة فيجرُّ ما بعده مطلقاً، فتقول: سِرْتُ من لَدُنْ الظهرِ إلى العَصْر، وجاء الأمرُ من لَدُنْ فلان.

وفي القرآن: (لِيُنْذِرَ بأساً شَديداً من لَدُنْه 1(قد بَلَغْتَ من لَدُنِّي عذراً) 2. وأنشد الأصمعي 3: مِن لَّدُ ما ظُهرٍ إلى العُصَيرِ حَتّى بَدَتْ لي جَبْهةُ القُمَيرِ لأربع غَبَرُن من شُهَير وقد يُنْشد: مِن لَّدُنِ الظُّهر إلى العُصَيرِ حَتَّى بَدَتْ لي جَبْهةُ القُمَيرٍ لأربع غَبْرنَ من شُهَير وقد يُنْشد: مِن لَّدُنِ الظُّهر إِلَى العُصَيرِ وقال الآخر 4:

/ مِن لَدُ لَحْيَيْهِ إلى مُنْحُورِهِ... 386 وإنما كانت خافضةً على حكم سائر الظروف غير المتصرّفة، ويقتضي هذا الإطلاقُ جَرَّ ((غدوة)) أيضا، وأن يقال: سرت من لدن غُدْوَةٍ إلى العَصْرِ، وهو نصّه في الشرح أنّ الجرّ بها مع ((غدوة)) جائز على القياس، وانما ينصب غدوةٌ بعدها ندوراً، وذلك قوله: ((ونصبُ غدوةٍ بها عنهم ندر))، يعني عن العرب.
ويظهر هذا من الجوهريِّ حيث قال: ((وقد حمل حذفُ النون بعضَهم-يعني في لَدُ-إلى 1 أن قال: لَدُن غدوةً، فنصب غدوةً بالتنوين)) 2. فاقتضى [هذا 3 أن] بعض العرب هم الذين ينصبون بها غُدْوةً وحدها.
وهذا النصبُ حكاه سيبويه 4 وغيره، ومنه قول كُثَير 5: لَدُن ما غدوةً حتى اكتسينا لِثِنْىِ الليل أَثناء الظلالِ وقال ذو الرمة 6: لَدُن غدوةً حتى إذا امتدَّتِ الضُّحىَ وَحَثَّ القطين الشِحشحانُ المكلَّفُ

وقال أوسُ بن حجرٍ 1: لَدُن غُدوةً حَتَّى أغاثَ شَرِيدهم طويلُ النباتِ والعيونُ وضَفْلَعُ وقال الآخر 2: وما زال مُهرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهمُ لَدُن غدوةً حتَى دَنَتْ لغرُوُبِ ولم يأت ذلك في غير غُدوة، ولذلك عيّنه الناظم بقوله: ((ونصبُ غدوةٍ به 3 عنهم ندر))، وإلا فكان يقول: والنصب به نادرٌ.
فإن قلت: فقد أنشد سيبويه 4: من لَدُ شولاً فإلى إِتْلاَئِها فنصب شولاً بعد لَدُ.
فالجواب: أن شولاً هنا ليس بمنصوب بلَدُ، بل بإضمار فعلٍ هو كان ونحوها، والتقدير: من لد كانت شولاً، لأن شولاً هنا جمع شائلة، فلا يجوز أن

يُقَال: من لدن زيدٍ إلى دخوله الدارَ، والبيت على هذا المعنى، فلما لم يصحّ جرّه على هذا التقدير أُضمرِ ما يَصِحُّ معه الكلامُ، فصار المعنى: من لَدُنْ كونها شولاً إلى إتلائها.
بخلاف: لَدُنْ غدوةً، فإنه لا مانع من الجرّ، فلما نصبت دلّ على أن ذلك من جهة ((لَدُن)) لا من جهة الإضمار.
فإن قيل: ما فائدةُ قولِ الناظم: ((فَجُرّ)) ومعلوم أن الإضافة لا يكون معها إلا الجرّ، فهو إذاً حشوٌ من غير مزيد فائدة.
فالجواب: أنه إنما ذكر الجرّ لِذِكْرِ مُقَابِلِه وهو النصب.
وهنا مسألتان: إحداهما: أنه أتى بلَدُن تامّةً غير محذوفة النون، ثم أسند الحكم إليها، فلابَّد أن يؤخذ له مقيّدا بتمامها، وينبني على ذلك أمران، أحدها: أنها لا تنصبُ إلاّ على لغة التمام، وأما إذا حُذِفت نونُها فلا.
والنقلُ موافقٌ لهذا التقييد، فلم يُسمَع منهم مثل: لَدُ غدوةً، وانما تكلّموا به مع النون.
والثاني: الإشعارُ بوجه النصب، وذلك أن من نَصَب شبَّه نون لَدُنْ بنون عشرين، حين كان بعض العرب يقول: لَدُ، من غير نونٍ، فانتصب غُدوةً انتصاب الاسم بعد المقادير، كقولك: عشرون درهماً.
هذا معنى تعليل سيبويه، فيكون على هذا غدوة منصوباً على التمييز لإبهام لدن 1، كما استبهم/ العشرون فَفُسرِّ، وهذا حسنٌ من التنبيه.... 387 والثانية: أَنه أسند النصب إِلى لَدُن، لقوله: ((بِهِ عنهُم نَدَرْ))، أَي: بلدن، وأراد أنه منصوبٌ عن تمامه، كما انتصب الدِّرهم عن تمام العشرين بالنون.

فإن قيل: فَلِم نَسَبَ العملَ إلى لَدُنْ وهي لم تعمل في الحقيقة؟ قيل: بل هي العاملةُ لأنها شُبِّهت بالعشرين، والعشرون شُبَّه في عمله بالضاربين، والضاربون هو العامل في بابه، فكذلك ما تفرَّع عليه بالتشبيه، فإذا سمعتَ النصبَ عن تمام الاسم فمعناه أنّ الاسم هو الناصب، إلا أنهم عبَّروا بتلك العبارة إِشارةً إلى أنه لولا التمام لانجرَّ بالإضِافَةِ، كما أنَّ الضاربين زيداً لولاَ تمتمه بالنون لانجرَّ فقلت: ضاربو زيدٍ.
فافهم هذا من اصطلاحهم، وأيضاً فلقوله: ((به)) فائدةٌ أخرى، وهو التنبيه على أن ((غدوة)) ليس منصوباً بإضمار فعلٍ، كما كان ((شولاً)) في قوله: ((من لَدُ شولاً)) منصوبا بإضمار فعلٍ.
وهو تنبيه حسن أيضاً.

ومَعَ مَعْ فيها قليلٌ ونُقِلْ فَتْحٌ، وكسرٌ لسكونٍ يَتَّصِلْ هذا أيضاً من الظرف اللازمة للإضافة كغيره مما تقدَّم ذكرُه، نحو قولك: جئتُ مَعَك، وذهبتُ مَعَ زَيدٍ، وأتيتُ مَعَ الناسِ.
ودلَّ على لزومه للإضافة من كلامه مساقُه له في جملة ما يلزمُ الإضافةَ.
فإن قلت: إنّ ((مع)) على وجهين، أحداهما هذه التي مَثّلت، والأخرى تأتي [غير 1] مفتقرة إلى الإضافة نحو قولك: جاء الزيدان معاً، وجاء الناسُ معاً، ومنه قول امرئ القيس 2:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبرِ معاً وقوله 1: ......... وشعبا كما معاً وما أشبه ذلك، وقد قال السيرافي: إن معاً أُردت يجوز أن تكون ظرفاً وحالاً، وإنما أضيف في الوجه الأول إلى غير الأول، فإذا قلت: ذهبا معاً، فليس في الكلام غير المذكورين تضيفُ ((مع)) إليه، ولا يجوز أن تضيف ((مع)) إليهما، لأنه لا يصحُّ أن يُقال: ذهب زيد مع نفسه، فلذلك أفردت عن الإضافة هنا 2. فعلى الجملة قد ثبت استعمالُ ((مع)) الظرفية على وجهين، فكيف يصحّ جعلُها لازمةً للإضافة مطلقا؟ فالجوابُ: أن الذي استُقرِئَ من كلام الناظم صحيح، ولا تكون إذا أُرِدَت عنده ظرفاً، بل تكون بمعنى جميع، فتجري مجراه في الأحوال كلها من كونها تقع حالاً، نحو: ذهب الزيدان معاً، ومنه قول المرقِّش 3: بِأَنّ 4 بنى الوخْم ساروا معاً بجيش كضوءِ نجوم السَّحَرْ وخبراً نحو: الزيدان معاً، أي مجتمعان، ومنه قول الصِّمَّة بن عبدالله، ويُروَى لقيس بن الملوَّح، وهو من أبيات الحماسة 5:

حَنَنْتَ إلى رَيَّا ونَفْسُك باعَت مَزَارك من ريَّا وشَعبا كما مَعِّا وقال حاتم 1: أكفُّ يَدِي عن أن يَنَال التماسُها أكفَّ صحابي حين حاجتُنا معاً من أبيات الحماسة.. وما قاله السيرافي وابن خروف وغيرهما من الظرفية، لا يلزم المؤلِّفَ القولُ به مع/... 388 أنَّ ظاهر.
كلام سيبويه موافقٌ لما ارتكبه في التسهيل وشرحه، مع موافقته لجميعٍ في المعنى، وجميعٌ لا يكون ظرفاً، وهو المفهوم هنا؛ قال سيبويه: ((وسألت الخليل-رحمه الله- عن معكم، ومعَ، لأيِّ شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استُعمِلَتْ غير مضافةٍ اسماً كجميع، ووقعت نكرة، وذلك قولك: جاءا معاً، وذهبا معاً)).
يعني أنها انتصبت كما انتصب جميعُ، قال: ((وقد ذهبوا مَعَه، ومِنْ مَعِهِ، صارت ظرفاً، فجعلوها بمنزلة أمام وقُدَّام))، يعني إذا لم يفردوها، فهذا الكلام غيرُ ما فُهِم من مقصود الناظم.
فإن قيل: فإذا كانت كذلك فكان الواجبُ أن تُرفَعَ إذا قلت 2: الزيدان معاً، فتقول: معٌ، كما تقول: الزيدان جميعٌ.

فالجواب: أنّ معاً من الثلاثي هنا الذي لم يُحذَفْ منه كفتىً، لا 1 أنه محذوف كَيَداً.
والمسألة مختلفٌ فيها، فيونُس والأخفش على أنها كفتىً، وسيبويه والخليل على أنها كيداً.
والأصح ما ذهب إليه يونسُ بدليل المعنى واللفظ، والكلام في صحَّة مذهبه يطولُ، وليس مقصوداً هنا.
وإذا ثبت هذا كلَّه فمع المذكورة هنا هي اللازمةُ للإضافة، ولم يتعرض للأخرى إِذْ ليس لها في هذا البابِ مدخَلٌ.
وقوله: ((ومَعَ مَعْ فيها قليل))، يعني أنَّ الوجه فيها أن تكون مفتوحة العين، وهو مشهور كلام العرب، فتقول: قعدتُ مع زيدٍ، وجئت مَعَك.
وما أشبه ذلك.
وانشد سيبويه للراعي 2: يشِي مِنْكُم وَهَوايَ مَعْكُمْ وإن كانَتْ زيارتُكم لِمَامَا ثم يتعلّق بهذا الكلام مسألتان: إحداهما: أنّ مَعَ اسم من الأسماء إذا كانت مفتوحة العين، إذ لو كانت عنده حرفاً لذكرها في حروف الجرّ دون هذا الباب، وهذا مالا أعلم فيه خلافاً.
وأما الساكنة العين فالظاهر من الناظم أنها اسم كذلك؛ إذ لم يُفَرِّق بينهما في الحكم، بل أشعر بأنها [3 هي قوله: مَعْ فيها قليل.
يريد أنَّ للعربِ استعمالين في اللفظ، ولم يقل إنها (3)] مع السكون حرف

جارٍ التحميل