شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 1-40

أحرف الابدال هدأت موطيا... فأبدل الهمزة من واو ويا آخرا اثر ألف زيد وفي... فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي ولا بد قبل الكلام على هذه الحروف التي ابتدأ بذكرها أن يذكر معنى الإبدال وحقيقته، وهو في الأصل بمعنى تنحية الشيء وجعل غيره في موضعه بدلا منه، وهذا بخلاف القلب، فإنه تصيير الشيء على خلاف ما كان عليه ونقله من صورة إلى صورة، فالقلب حكم يجري في الشيء نفسه، كقولك: قلبتُ هذه الصحيفة البيضاء إلى جهتها الأخرى التي هي حمراء، فاختلف الحكمان معا على شيء واحد، والإبدال يجري في الشيئين لا في شيء واحد؛ لأنك تقول: أبدلت هذه الصحيفة بصحيفة أخرى، إذا أزلت الأولى وجعلت في موضعها ثانية، هذا أصل المعنى فيهما، ثم نقلوا ذلك إلى الحروف على ما أذكره لك.
وذلك أن من الحروف متقاربة ومتباعدة، أعني التقارب والتباعد في المخارج والصفات، فأما الحروف المتباعدة فلا يقع فيها قلبٌ ولا إبدال، أي: لا تقلب الحرف حرفا متباعدا من أصله ولا يبدل أيضا من متباعد منه، وإنما يكون ذلك

في الحروف المتقاربة، ولذلك لم يدَّع البصريون في نحو حثحث أن الحاء الثانية مبدلة من ثاء حثَّث، لتباعد ما بينهما، وقد مر ذلك.
والمتقاربة على مراتب، منها حروف يقرب بعضها من بعض من وجوه كثيرة، ومنها (حروف) يقرب بعضها من بعض من وجوه قليلة، فالأول يجري (فيه) الحرفان عندهم لشدة التقارب مجرى الحرف الواحد، بخلاف الثاني فحروف العلة قريب بعضها من بعض جدا، فأطلق على تحول بعضها إلى بعض قلبا، كما تقول في قام: أصله قَوَمَ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفي قِيلَ: أصله قُوِل، فقلبت الواو فيه إلى الياء لعلة كذا؛ لأنهما كأنهما شيء واحد.
فإذا قلت: اتصل أو ادَّكر، فالعمل الحاصل (فيهما) من جعل التاء عوض الواو، والدال عوض الذال أو التاء سمي بدلا؛ لأنهما لما تباعدا شيئا عدا شيئين مختلفين.
وأما التعويض فهو أعم من هذا، فقد يكون في الحروف المتباعدة والمتقاربة، ولذلك لا يلزم أن يقع العوض في موضع المعوض منه، كتعويض الياء قبل آخر المكسر والمصغر عوضا من محذوف ونحو ذلك، فقد ظهر الفرق بينهما.

وأصل هذا التقرير في القلب والإبدال للرماني، ولابن جني تفرقة أيضا بين العوض والبدل ذكره في التعاقب وغيره.
وقد يوقع النحويون أحد اللفظين مكان الآخر، ولا مشاحة في الإطلاق إذا فهم المراد، فإن الناظم قد يطلق لفظ الإبدال في موضع لفظ القلب، وبالعكس، فلا اعتراض عليه فيه.
وإذا تقرر معنى الإبدال فقوله: (أحرف الابدال هدأت موطيا) يريد أن الأحرف التي (يكون) لها هذا الحكم هي المجموعة في هذا الكلام، وهو قولك: هدأت موطيا، وهي تسعة أحرف: الهاء والدال والهمزة والتاء والميم والواو والطاء والياء والألف.
وهي حروف الزيادة ما عدا السين واللام والنون، وزاد عليها الطاء والدال.
ثم يتعلق بهذا الكلام مسائل: إحداها: أنه لا يريد أن هذه هي حروف الإبدال على الإطلاق، فإن ثم حروفا أخر زيدت في حروف الإبدال، كالجيم والصاد والزاي ونحوها، إلا أنه اقتصر على التسعة منها لأنها المطردة في الإبدال، كما أنه لما تكلم على حروف الزيادة ثم ذكر مواضعها لم يأت منها إلا بمواضع الاطراد، ولأجل ذلك قسمها في التسهيل قسمين وجمعها جمعين فقال: (يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام (قولك): لجد صرف شكس آمنٍ طي ثوب عزيه)) فأتى بحروف البدل الكثير الوقوع في كلام العرب مطردا كان أو غير مطرد، لكنه شرط

الشياع، ثم قال: (والضروري منه في التصريف هجاء: طويت دائما) فأتى بالقسم الضروري المطرد، وهو الجاري في مسائل التصريف، والذي جرى فيه القياس.
وإلى هذا القسم الثاني نحو هنا، إذ عليه تكلم، وإياه بسط في هذا النظم.
وهدأت معناه: سكنت، وموطيا: اسم فاعل من أوطأت الرجل إذا جعلته وطيئا، إلا أنه خفف همزته بإبدالها ياء لانفتاحها وانكسار ما قبلها.
كذا قال ابن الناظم.
وقد أتى الناس بحروف البدل أكثر مما أتى به هنا، فأتى بها سيبويه أحد عشر حرفا، يجمعها قولك: أجد طويت منها.
وذكر بعد اللام فضمت إلى الأخر، فجمعت هكذا: أجد طويت منهلا.
وجمعها بعضهم: طال يوم أنجدته.
وزاد إليها الرماني حرفين، وهما الصاد والزاي، ويجمعها: طال يوم صد أنجزته، وهي على ما جمعها في التسهيل اثنان وعشرون حرفا، واقتضى كلامه فيها ما هو أعم من ذلك، وهو حروف البدل على أعم من أن يكون شائعا أو غير شائع، وذلك الحروف كلها، لا يستثنى منها شيء، ومن تتبع ذلك وجده، وقد استوفاها (ابن جني) إلا النادر، فعليك بذلك في سر الصناعة.

المسألة الثانية: أن حروف الإبدال قد يمكن أن يكون أراد بها الحروف التي تبدل من غيرها ويبدل غيرها منها، فيريد الحروف التي يقع فيها الإبدال من كلا طرفيه، فالألف تبدل من غيرها، ويبدل غيرها منها، والهمزة كذلك، والواو والياء، وما سوى ذلك.
وقد يمكن أن يريد ما يكون بدلا من غيره مطلقا، كان بعد ذلك مبدلا منه أو لا.
وهذا الثاني هو المتعين، إذ ليس مقصوده النظر في المبدل منه؛ لأنه قد يكون هو الأصل، وهو الشائع في البدل أن يكون من أصل كقام وما أشبهه، فإن الألف فيه بدل من واو هي الأصل، فما فائدة التعرض لكون الواو هي المبدل منها.
وقد يكون المبدل منه غير أصل، كياء ملهى التي انقلبت منها الألف، لكن ليس المقصود منها كونها مبدلا منها، وإنما المقصود كون الألف بدلا منها، فلا تعرض لغير هذا.
فإن قيل: ما الدليل على هذا من اللفظ؟ فالجواب: إنه لا دليل عليه من لفظه، وإنما أطلق العبارة اتكالا على فهم المراد؛ إذ لا كلام في الحرف إذا كان على أصله إلا من حيث يخلفه غيره، فالنظر في ذلك الخَلَف - وهو العارض- هو الذي يُقصد مثله، وإن قصد المبدل منه فبالقصد الثاني، من حيث تعيينُ الذي أبدل هذا منه فقط.
المسألة الثالثة: فيما يمكن أن يعترض على عبارته به، والاعتراض عليه من أوجه: أحدها: أن قصده هنا بحصر حروف الإبدال إما أن يكون لحصر الحروف المطردة الإبدال دون المشهورة من غير اطراد، والنادرة، أو يكون

على أعم من ذلك، وهذا الثاني لا يمكن كما تقدم قبل هذا، لكن كلامه لم يتقيد بذلك، بل هو مطلق يصلح للقياسي وغيره، وإذا قلنا إنه يريد الأول فإذ ذاك نقول: ثم حروف أخر يكون الإبدال فيها قياسيا، وذلك الصاد والزاي والنون (والصاد) تبدل من السين إذا وقع بعدها قاف أو غين أو خاء أو طاء في كلمة واحدة، نحو: صُقت في سقت، وصملق في سملق، وصالح في سالح، وصاطع في ساطع، ومن هذا قراءة من قرأ: ﴿الصراط﴾ بالصاد، في قراءة غير قنبل وحمزة.
وذلك لأن هذه الحروف مستعلية، والسين مستفلة، فأرادوا أن يكون العمل فيها من وجه واحد، فأبدلوا الصاد من السين لذلك، والزاي أيضا تبدل من السين قياسا إذا سكنت وبعدها الدال في نحو: يُسْدل، تقول: يزدل، وفي يسدر: يزدر، وكأنهم كرهوا اجتماع السين والدال، لما بينهما من المقاربة في المخرج مع التباعد في الصفات، فأبدلوا من السين حرفا يقرب من الدال، وهو الزاي، إذ كلاهما مجهور وغير مطبق، وكذلك الصاد تبدل زايا أيضا، قال سيبويه: (وسمعنا العرب الفصحاء يخلصونها -يعني الصاد- زايا)، يريد في نحو: يصدر، والتصدير، ونحو ذلك.
والنون أيضا تبدل الألف منها في الوقف إذا قلت في اضربَنْ: اضربا، فتبدلها ألفا.
وقد

تقدم له ذلك، فهي إذًا من حروف الإبدال المطردة، ولم يذكره هنا، وكذلك أبدلت الألف من التنوين، والتنوين نون، وقد ذكر ذلك أيضا.
ولعل من يتتبع حروف البدل يجد فيها من هذا النوع القياسي أشياء، فليست إذًا حروف البدل القياسي بمنحصرة في هذا العدد.
والثاني: إنه [أنه] حين عزم على جمع حروف البدل المقيس كان يقتصر على ما قاله في التسهيل من هجاء (طويت دائما)، فأتى بثمانية أحرف وترك الهاء، لأن إبدالها غير قياسي في بدلها وفي البدل منها، أما البدل منها فأبدل منها الياء كقولهم في: دهدهت الحجر: دهديت، وقالوا: صهصيت بالرجل، إذا قلت له: صه، صه.
وأصله: صهصهت.
وأبدل منها الهمزة في آل، وأصله: أهل، فأبدل من الهاء الهمزة (فصار) أأل، ثم أبدل الهمزة ألفا لاجتماع الهمزتين على ما يجب في تسهيل الثانية هكذا قالوا.
ومن ذلك ماء، أصله موه، فقلبت الواو ألفا، وأبدلت الهاء همزة، فصار ماء.
وقالوا: أمواء، فأبدلوا أيضا، والأصل

أمواه، وأنشد ابن جني، عن أبي علي: وبلدة قالصة أمواؤها... تستن في رأد الضحى أفياؤها وأما بدلها فمن الهمزة، نحو هياك في إياك، أنشد الأخفش: فهياك والأمر الذي إن توسعت... موارده أعيت عليك مصادره (وقال ابن جني): وطيء تقول: هِنْ فعَلَ، يريدون: إن فعل، وقال: لهنك قائم، والأصل: لأنك، قال: ألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنك من برق علي كريمُ وقالوا: هيا زيد، يريدون: أيا زيد، قال ابن جني: قرأت على الفارسي

فانصرفت وهي حصان مغضبة... ورفعت بصوتها: هيا أبهْ قال ابن السكيت: يريد أيا أبه.
قال: وهو قريب؛ لأن أيا أكثر من هيا، وقالوا: هَمَا والله، في: أما والله لقد كان كذا، وقال: هراق، وهنار الثوب، وهراح الدابة، والأصل: أراق، وأنار، وأراح.
وقالوا: هزيد منطلق؟ يريدون: أزيد؟ وأنشد الأخفش: وأتى صواحبُها فقلن: هذا الذي... منح المودة غيرنا وجفانا وحكى اللحياني: هردت الشيء أهريده، يريد: أردته.
وأبدلت أيضا من الألف، كقوله: أنشده ابن جني: قد وردت من أمكنه... من ههنا ومن هنه إن لم أروِّها فمه؟ أراد: ومن هنا.
وأما (فمه) فيمكن أيضا أن يكون من هذا، أي: فما أصنع؟ أو نحو هذا.

وأبدلت أيضا من الياء في قولهم: هذي، قالوا في الوقف: هذه، بالهاء.
ومنهم من يبدل وصلا ووقفا.
وقالوا في تصغير هَنَة: هنيهة، والأصل الواو، لبيت سيبويه: على هنوات شأنها متتايع وأبدلت أيضا من الواو، قال ابن جني: أبدلوها في حرف واحد، وهو قول امرئ القيس: وقد رابني قولها: يا هنا... هُ ويحك ألحقت شرا بشر فالأصل: هناو، لأن لام الكلمة واو، فأبدلوا الهاء من الواو.
كذا قال أصحابنا.
قال: ولو قيل: إن الواو قلبت ألفا، ثم أبدلت الهاء منها لكان قولا قويا، فتكون الهاء كالهمزة في كساء، في أنها بدل من الألف المبدل من الواو، وهو أشبه من قلب الواو في أول أحوالها هاء؛ لأن الواو إنما اطرد قلبها ألفا في هذا الموضع، وأيضا فقلن [فقلب] الألف هاء أقرب من قلب الواو لبعدهما.
فأنت ترى أن الهاء إنما أبدلت أو أبدل منها في مواضع مسموعة غير مقيسة، أو في لغات ضعيفة لا يعتد بمثلها في هذا النظم، فلم ذكر الهاء هنا؟

فإن قلت: إنما ذكرها لموضع فيها قياسي، وهو إبدالها من تاء التأنيث في الوقف، وقد تقدم فمن أجل ذلك عدها في حروف البدل.
فالجواب: أن ذلك مختص بالوقف، فله بابه، ولذلك لم يذكر الهاء في التسهيل في هجاء (طويت دائما) وأيضا فكان يلزمه أن يذكر هنا النون؛ لأنها تبدل في الوقف ألفا، وذلك نون التنوين، ونون التوكيد الخفيفة، وقد تقدم ذكرهما في بابهما، لكنه لم يفعل ذلك، فأحد الأمرين يلزمه، إما ترك ذكر الهاء، وإما ذكر النون.
والثالث: أن البدل على قسمين: أحدهما: أن يكون بسبب الإدغام، والثاني: ألا يكون كذلك، فأما الثاني فهو الذي أراد النحويون الكلام عليه ههنا، وأما الأول فلم يقصدوه هنا، وإنما باب ذكره الإدغام، وأيضا فهو يكون في الحروف كلها إلا في الألف.
وكلام الناظم لم يتقيد بما قصدوه هنا دون الآخر، فاقتضى أن حروف البدل هذه التسعة كان ذلك في إدغام أو في غير إدغام، وذلك غير صحيح باتفاق، وقد تحرز من هذا في التسهيل حيث قال: يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام كذا.
فأخرج البدل للإدغام، وذلك يكون في إدغام المتقاربين، كما تقول في اذبح خروفا: اذبح خروفا [اذبخ خروفا] فتبدل الحاء خاء؛ لأجل إدغامها في

الخاء، إذ لا يمكن الإدغام مع بقاء الأول حاء.
وكذلك سائر (الحروف) المتقاربة في الإدغام.
فإن قلت: فقد ذكروا الإدغام للإبدال ههنا أيضا، وذلك في نحو قولهم: اتسق، واتعد، واتزن، وكذلك: اطلع، واطرد، إذ أصلها: ايتعد من الوعد، وايتزن من الوزن، وايتسق من مادة: وس ق، وكذلك اطلع أصله: اطتلع، و (اطرد أصله) اطترد)، من طلع وطرد، لكن وقع الإبدال في حرف العلة وفي التاء، ثم وقع الإدغام، وكذلك (ما أشبهه مما ذكروا فيه الإبدال بلا شك، وليس بقليل ولا غير مطرد، بل قاسوه، وذكره الناظم معهم، وإذا كان كذلك لم ينبغ أن يقيده بإخراج الإبدال في الإدغام، إذ يخرج عن حروف الإبدال بهذا التقرير الطاء والتاء، فإن الشائع في إبدالها لما يدغم، لكنهم أدخلوا في الإبدال هذا النوع، فالاحتراز منه على الإطلاق لا يصح.
فالجواب: أن) هذا القبيل لم يقع الإبدال فيه للإدغام أصلا، ولربما وقع فيه الإبدال لعلة أخرى، كما يقال في ايتعد ونحوه: لما ثقل عليهم ذلك لأجل تلاعب الحركات به في ايتعد، وياتعد، وموتعد، فتارة

يصير ألفا، وتارة واوا، وتارة ياء، أرادوا أن يبدلوا منه حرفا جلدا يبقى على حالة واحدة مع اختلاف الحركات، فأبدلوه تاء، ثم أدغموا لضرورة اجتماع المثلين، فهو من قبيل اجتماع المثلين لا من قبيل إدغام المتقاربين.
على هذا النحو جرى الحكم في اطرد واطلع ونحوه، وذلك أنه من باب اضطلع واصطبر، لما أرادوا تقريب التاء لانسفالها من حروف الاستعلاء، أبدلوها طاء، فحين لم تلق الطاء المبدلة طاء أخرى بقي الأمر على (حاله) كاصبطر [كاصطبر] واضطرب، ولما لقيت طاء ألزم الإدغام بحكم الاتفاق ولم يقصد إلى إبدال التاء طاء لأجل كون ما قبلها طاء، فالقصد التقريب لا الإدغام.
وستأتي الإشارة إلى هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذًا القيد المذكور معترض به على الناظم، وهو قوله: (في غير إدغام) إذ لا بد منه، إذ معناه في غير قصد الإدغام، وههنا لم يقصد الإدغام، وإنما أدى إليه الحكم.
والجواب عن الاعتراض الأول: أن كلامه إنما هو في الإبدال المطرد؛ لأن النحوي لا كلام له في الأمور السماعية إلا بالعرض، والمقصود بالذات هو ما تعلق به القياس، وإذا كان كذلك فليس إلا ما ذكر.
وما اعتُرض به من إبدال السين صادا أو زايا ليس بالكثير، وإنما يكون ذلك في لغة قليلة، ولذلك حين بوَّب سيبويه على ذلك قال: هذا باب ما تقلب فيه السين صادا في بعض اللغات

وكذلك قال هو وغيره في إبدال الزاي منها، فلما كان ذلك قليلا بالنسبة إلى اللغة الشهيرة لم يعتن بذكره.
فالحاصل من هذا أن ما خرج عن عقده فإما سماع، وإما لغات قليلة، وأما النون فقد دخلت له تحت ذكره الألف والميم؛ لأن الميم تبدل من النون، فالميم هي التي أخذت هذا الحكم، فلم يحتج إلى ذكر النون.
وكذلك الألف مع نون التوكيد والتنوين، فلم يخرج له شيء من ذلك عن كلامه، وأما إبدال الألف منها فقد ذكر ذلك في مواضعه، فلا اعتراض عليه.
والجواب عن الثاني: أن الهاء إنما ذكرها لأجل إبدالها القياسي في الوقف، ولم يتعرض هنا في التفصيل لذكرها؛ لأنه كان يكون تكرارا حين تقدم له ذكر ذلك.
وكلامه في التسهيل أولى بالاعتراض؛ إذ يقتضي كلامه أن الإبدال في الهاء ليس من قبيل المطرد، إذ أدخلها في حروف البدل الشائع وأخرجها من المطرد.
فإن أجيب عن كلامه في التسهيل لزمه الاعتراض هنا، فإن الوجه الذي لأجله ذكرها في المطرد ينقض عليه ذكرها هنا.
فالحاصل أنه لا بد من ورود النقد عليه في أحد الكتابين، إلا أن قال: إنه لحظ في أحد الموضعين غير ما لحظ في الآخر، حتى يمكن الجمع بين اللحظين، فحينئذ يرتفع النقد جملة.
وبيان ذلك أنه قصد هنا -كما تقدم- بيان حروف البدل المطرد، ولا شك أن الهاء مما يطرد إبداله في موضع تقدم له ذكره فيه، وأما قصده في التسهيل فأمر آخر مضموم إلى

الاطراد، وهو كونه من ضروريات (باب) التصريف وهو معنى قوله: والضروري في التصريف هجاء: طويت دائما) ولم يقل: (والمطرد) من ذلك هجاء كذا، فدل على أن مقصوده: ذكر الحروف التي يجتمع فيها الاطراد والاختصاص بباب التصريف، (ولا شك أن الإبدال المطرد في الهاء ليس من ضروريات باب التصريف) بل من ضروريات باب الوقف.
وقد ذكر ذلك في الوقف، ولم يذكره في التصريف كما فعل هنا، فإذا كان كذلك ثبت أن إسقاط الهاء من الضروري لقصد نص عليه ليس الاطراد وحده، بخلاف ما قصد (هنا) فإنه لم يرد إلا مجرد الاطراد خاصة، فاستقام الكلامان، وظهر قصده في الموضعين.
وهذا من منازعه المعدودة في المقاصد الحسان، والله أعلم.
والجواب عن الثالث: أن اصطلاح أهل التصريف استمر في حروف الإبدال على أحد القسمين، وهو الذي ليس للإدغام، فلا تسمع حروف الإدغام تطلق إلا على ما لا يضطر فيه الإدغام إلى الإبدال، ولا شك أن هذا هو مقصد الناظم، فلم يحتج إلى بيانه لسبق الفهم إليه، وإنما بين ذلك في التسهيل توكيدا لما اصطلحوا عليه، فلا ضير في تركه.
ثم أخذ في تفصيل مواضع هذه الحروف في الإبدال، فابتدأ بالهمزة فقال: (فأبدل الهمزة من واو ويا، آخرا اثر ألف زيد) فقرر أن هذا الإبدال في الهمزة الذي يذكره لازم إذ لم يخير فيه، بل حتم الحكم به، وهذا صحيح

كما سيتبين لك [إن] شاء الله تعالى، ويعني أن الهمزة تبدل لزوما من كل واو وكل ياء كانا على هذه الأوصاف المذكورة، وهي كونهما آخرا إثر ألف زيد، وهي ثلاثة: أحدها: كون الواو والياء آخرا، يريد آخر الكلمة، فإنهما إذا كانتا كذلك حصل لها الحكم المذكور، وهو القلب همزة، فإن لم تقعا طرفا بل وقعتا وسطا أو أولا، فذلك الإبدال اللازم غير محكوم به بمقتضى مفهوم كلامه، فالمعاينة والمقاومة ونحوهما تصح فيهما الياء والواو لعدم وقوعهما آخرا؛ لأن العلة التي لأجلها يقع الإعلال مفقودة في غير الآخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: (آخرا) يحتمل أن يكون منصوبا على الحال من الواو والياء وإن كانا نكرتين، لكنه قليل.
وكان حقه إذ ذاك أن يقول: آخرين؛ لأنه حال منهما.
ويحتمل أن يكون آخرا (إنما) انتصب على الظرف، والعامل فيه اسم فاعل، وهو صفة الواو والياء، كأنه قال: من واو وياء كائنتين في الآخر.
وهو الأجود، أو حال (منهما)، وهو جيد أيضا.
ويكون (قوله): (إثر ألف) بدلا من (آخر) على أنه صفة أو حال كما تقدم.
والثاني: أن يكون الواو أو الياء إثر ألف كما قال، فإذا كانت كذلك ثبت حكم القلب همزة، فإن لم يكن كذلك فمفهومه ألا تقلب همزة وإن كانت

آخرًا / نحو: رمى ودعا، إذ أصله رَمَيَ ودَعَوَ، فانقلبتا ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ولا يجوز أن تقلبا همزة، إذ لا موجب لذلك.
وكذلك الأدلي في جمع دلو، والأجري في جمع جرو، وأصله: أدلِوٌ وأجرِوٌ، فقلبوها ياء ولم يلبوها همزة.
والثالث: أن تكون تلك الألف الواقعة قبل الواو أو الياء زائدة، وذلك قوله: (إثر ألف زيد)، فزيد في موضع صفة لألف، أي ألف زائد، فلو كانت الألف أصلية أي منقلبة عن أصل، لم تقلب همزة، وإن وقعت آخرا، كقولك: آي، وزاي، وآية، وطاية، وراية، وراي، قال العجاج: رايٌ إذا أورده الطعنُ صَدَرْ وكذلك ما أشبه هذا؛ إذ أصلا لألف فيها الواو، وبهذا يحكم عليها قياسا إلا أن يرد اشتقاق أو غيره كما في آية؛ لأن اللام إذا كانت ياء حكم على العين بأنها واو؛ لأن باب طويت وشويت ورويت واسع جدا، بخلاف باب حييت وعييت فإنه قليل.
وكذلك (واو) لم يُعلُّو [يعلوا] آخره لأن الألف منقلبة عن أصل وهو الواو أو الياء، على اختلافهم في ذلك، وكذلك إذا بنيت من الرمي مثل جحمرش فقلت: رميايٌ، لم تقلب الياء همزة؛ لأن الألف منقلبة عن الياء الثانية المقابلة لراء جحمرش، وإنما صحت الواو

والياء لأنهما وقعتا موقع اللام، وهم قد أعلوا العين، فلم يكونوا ليجمعوا على الكلمة إعلالين، وذلك أن هذه الأحرف خارجة عن القياس، لأن سبيلها في القياس أن تصح العين وتعل اللام، فيقال: أيًا، وروًى، وأياة، وطواة، ورواة، كما قالوا: نواة وشواة، لكنهم أعلوا العين فامتنعوا من إعلال اللام لذلك.
وما جاء على خلاف هذا فهو شاذ غير مقيس، نحو: باء، وتاء، وثاء، وحاء، وخاء، وسائر حروف الهجاء التي على هذا النوع.
وشذ في راية راءة، حكاه سيبويه.
ومن هنالك قرر الفارسي في بعض مجالس إقرائه الحكم في باء وتاء وثاء وغيرها مما اعتل فيه العين واللام (من حروف الهجاء، فقال له بعض حاضري المجلس، وكان فتى يعرف بالبوراني: أفيجمع على الكلمة إعلال العين واللام)؟ ! فقال أبو علي قد جاء من (ذلك) أحرف ساكنة فيكون هذا منها، ذكر ابن جني تلك الأحرف المشار إليها في سر الصناعة.
فالحاصل أن الكلمة إذا اعتلت لم تعل لامها، إلا أن يجيء شيء فيحفظ، ولذلك حكم على آءة ونحوها أن اللام منها همزة ليس ببدل عن شيء تحاميا من القول بإعلال العين واللام.
وهذا كله لم ينشأ إلا من أصالة الألف التي قبل الواو والياء.
فلو كانت زائدة كما قال لم يكن في الكلمة إذا قلبت

الياء والواو همزة إلا إعلال واحد فيؤتى به، فتبدل الواو في ذوات الواو، والياء في ذوات الياء همزة لاجتماع ثلاثة الشروط التي ذكر، نحو قضاء من قضيت، وعطاء من عطوت، وسقاء من سقيت، وكساء من كسوت، ورداء من الردية.
وكذلك علباء من علبيت السقاء، وغُزَّاء وعداء من غزا يغزو وعدا يعدو، وكذلك ما أشبهه.
وما جاء على خلاف ذلك فشاذ محله الضرورة، نحو ما أنشده المازني: ولاعب بالعشي بني أبيه... كفعل الهر يحرش [يحترش] العظايا فأبعده (الإله) ولا يؤبِّي... ولا يشفى من المرض الشفايا أراد: العظاء والشفاء فتركه على الأصل، وأول الشعر على ما قاله ابن جني:

إذا ما الشيخ (صم) ولم (يكلم)... ولم يك سمعه إلا ندايا وأنشد ابن جني قول الراجز: أهبى التراب فوقه إهبايا وقول الآخر: عشية أقبلت من كل أوب... كنانة عاقدين لهم لوايا وكأنهم شبهوا ألف الإطلاق للزومها القافية بتاء التأنيث، من حيث لزم فتحُ ما قبلهما، وكانتا زائدتين، ولذلك لم (يأت) هذا إلا في موضع (النصب).
هذا بيان كلامه إلى غاية ما قصد فيه، لكنه ظاهر بل صريح بأن الهمزة مبدلة من الواو والياء من غير توسط عمل بين ذلك، وهو يظهر من كلام كثير من النحويين، إذ يقولون في مثل هذا: هذه الواو والياء وقعت طرفا بعد ألف زائدة فوجب قلبها همزة.
وعليه كلامه في التسهيل.
والذي يذهب إليه ابن جني، ونص عليه المازني في تصريفه أن الأصل في قضاء وسقاء ونحوهما: قضاي وسقاي.
وفي

نحو كساء وعلاء: كساوٌ وعلاو، فلما وقعت الياء والواو طرفين بعد ألف زائدة ضعفتا لتطرفهما ووقوعهما بعد الألف الزائدة المشبهة للفتحة في زيادتها، فكما قلبت الياء [والواو] ألفين لتحركمها وانفتاح ما قبلهما في نحو: عصا ورحا، كذلك قلبتا أيضا ألفا لترفهما وضعفهما، وكون ألف زائدة قبلهما في نحو كساء ورداء، فصار التقدير: قضاا، وسقاا، وكساا وعلاا، فلما التقى ساكنان لم يكن بد من أحد أمرين، إما أن يحذفوا أحدهما فيعود الممدود مقصورا، وهذا مكروه؛ لأنه نقض لغرض من المد، وإما أن يحركوا الألف الثانية، وإذا حركوا فإما أن يردوها إلى أصلها ليتحرك؛ لأن الألف في نفسها لا تقبل الحركة، وذلك أيضا مكروه؛ لأنه رجوع إلى ما رُفض، وإما أن يقلبوها همزة، وهذه عادتهم إذا أرادوا تحريك الألف أبدلوها همزة، نحو قراءة أيوب السختياني: ﴿ولا الضألين﴾، وحكى أبو زيد في كتاب الهمز: شأبة ودأبة، وأنشدوا: يا عجبا لقد رأيت عجبا... حمار قبان يسوق أرنبا خاطمها زأمَّها أن تذهبا إلى أشياء من هذا النحو، وذلك أن الهمزة أقرب الحروف إلى الألف، فقلبوها إليها لتقبل الحركة فصارت: قضاء، وسقاء، وكساء، وعلاء.
قال ابن جني: فالهمزة في الحقيقة إنما هي بدل من الألف، والألف التي أبدلت

الهمزة عنها بدل من الياء والواو، لكن النحويين إنما اعتادوا هنا أن يقولوا: إنما الهمزة منقلبة عن ياء واو [وواو] ولم يقولوا: من الألف، لأنهم تجوزوا في ذلك، ولأن تلك الألف التي انقلبت عنه الهمزة هي بدل من الياء أو الواو، فلما كانت بدلا منهما جاز أن يقال: إن الهمزة منقلبة عنهما، وأما (في) الحقيقة فإن الهمزة بدل من الألف المبدلة عن الياء والواو.
قال: وهذا مذهب أهل النظر الصحيح في هذه الصناعة، وعليه حذاق أصحابنا فاعرفه.
فهذا ما قال، وما اعتذر به عن الفريق الآخر هو العذر للناظم فيما فعل من ذلك، مع أنه لم ينفرد [يتفرد] به، بل هو تابع لغيره، قال سيبويه في باب ما اعتل من الأسماء المعتلة على اعتلال الأفعال: (اعلم أن فاعلا منها مهموز العين، وذلك أنهم يكرهون أن يجيء على الأصل مجيء ما لا يعتل (فعل) منه، ولم يصلوا إلى الإسكان مع الألف، وكرهوا الإسكان والحذف فيه فيلتبس بغيره)، قال: (فهمزوا هذه الواو والياء إذا كانتا معتلتين، وكانتا بعد الألف).
فهذا ظاهر منه أن الهمزة مبدلة من الياء والواو لا من الألف، لكنهم حملوا المسألة على ما قرره ابن جني، وبه فسر

السيرافي كلامه في الكتاب، فلا اعتراض على الناظم في مساق المسألة على ما رأيت؛ إذ كتابه في غاية الاختصار، ولا يليق استيفاء وجه الصناعة على الحقيقة إلا بالمطولات، مع أن ما قال ليس بمنافر للصناعة، إذ يمكن أن تكون الهمزة على حقيقة (ما قال من إبدالها من الياء والواو)، كما أبدلوها من الواو في وُقتت ووشاح وأواصل، ونحو ذلك من المواضع التي يمكن فيها دعوى القلب ألفا ثم همزة.
وأيضا فما نص عليه هو الظاهر، والحمل عليه أولى حتى يدعو داع إلى غيره.
وقد جعل ابن جني في الخصائص الحمل على الظاهر أصلا وإن أمكن أن يكون على غير ذلك، وأخذ ذلك من سيبويه حين تكلم على سِيد، وأنه من ذوات الياء حملا على ما ظهر، مع إمكان أن يكون من ذوات الواو مشتقا من ساد يسود، فكذلك مسألتنا، والله أعلم.
إلا أن في قاعدته نظرا، وذلك أنه أطلقها إطلاقا فيقضي جريان حكمها في كل ما دخل تحتها، والأسماء التي آخرها واو أو ياء بعد ألف زائدة على قسمين: أحدهما ما كان منها غير لاحق به تاء التأنيث، كالأمثلة المتقدمة الذكر، وهذا لا إشكال في صحة جريان الحكم فيه.

والثاني: ما لحقته تاء التأنيث، ولا يجري الحكم فيه على الإطلاق، بل الأمر فيه ينقسم قسمين: أحدهما: أن تكون الكلمة مبنية على التاء، فهذا لا تبدل فيه الواو والياء همزة البتة، بل تبقى على ما كانت عليه في الأصل، فتقول فيما أصله الواو: شقاوة وإتاوة ونقاوة وإداوة وهراوة وعلاوة.
وفيما أصله الياء: (نهاية وبداية) ونفاية، ورواية، وما أشبه ذلك، فلا تعل فيه الواو والياء، وما جاء من ذلك معلا فنادر، قال سيبويه في تعليل التصحيح: (قويت حيث لم تكن حرف إعراب كما قويت الواو في قمحدوة) يعني أنها إنما أعلت لما وقعت طرفا، والطرف أضعف مما ليس بطرف، ولذلك يلحقه من الإعلال ما لا يلحق غير الطرف، فلما وقع الإعراب على التاء قويت الواو والياء، فلم يدخلها الإعلال حين تحصنت بالتاء، كما تحصن قمحدوة وقلنسوة وعرقوة ونحوها بالتاء فلم تعل (اللام)؛ إذ القاعدة -على ما يأتي- أن الواو المتطرفة في

الاسم لا تثبت بعد الضمة حرف إعراب، بل تقلب الضمة كسرة، والواو ياء، فإذا وقع بعدها التاء صحت ولم تعل.
هذا تعليل سيبويه، وهو صحيح، فأما صلاءة وعباءة وإعلالهم للكلمة هنا مع بنائها على التاء، فكأنه مبني على صلاء وعباء وإن لم ينطق به على ذلك المعنى، كما قالوا: مسنية ومرضية، فقلبوا الواوين ياءين وإن لم تقعا طرفا، إذ القاعدة ألا يكون هذا الحكم إلا في المتطرفتين، لكن قدر أن التاء دخلت على الكلمة مقلوبة فتركته على حاله.
والثاني: ألا تكون الكلمة مبنية عليها، فلا أثر لها، ويدخلها حكم الإبدال كأن لم توجد التاء، فتقول: امرأة معطاءة للدراهم، وميفاءة بالعهد، وإغفاءة واحدة الإغفاء، ولقاءة واحدة، وإعطاءة (واحدة)، وذلك لوجود المذكر وما أشبه ذلك مما التاء فيه عارضة لا لازمة.
فهذا القسم هو الذي يدخل في كلام الناظم، وهو صحيح، إذ لا اعتداد بالتاء.
فالحاصل أن قسم ما يبنى على التاء داخل فيه.

ويجاب عن هذا أن تاء التأنيث لما اعتدوا بها وصار ما قبلها بسببها في حكم ما ليس بطرف، اعتبر الناظم فيها هذا المعنى، فلم تدخل له تحت قوله: (آخرا) (إذ ليست الواو والياء آخرا) كما أنها ليست الواو في قمحدوة آخرا، قضي بذلك التصحيح، ولو كانت آخرا) حقيقة لاعتلت، فقوله: آخرا، يريد (به) ما وقع آخرا في الحقيقة، وما وقع (آخرا) بالحكم، فمما [فما] لم يقع آخرا على أحد الوجهين فلا اعتلال فيه، ثم قال: (وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي) في فاعل: متعلق باقتفي، والفاعل أراد (به) ما كان من الأسماء على هذا الوزن.
وما: واقعة على الفعل الذي انتسب إليه وزن الفاعل، وهي موصولة، أو نكرة موصوفة.
وعينا: تمييز، أصله الفاعل، كاشتعل الرأس شيبا، وأصله: ما اعتلت عينه.
وهذا موضع ثان من مواضع إبدال الهمزة من الواو والياء، يريد أن الياء والواو تبدلان أيضا همزة في الفاعل المأخوذ من الفعل الذي اعتلت عينه، (ولا يريد بما اعتلت) (عينه) ما كانت عينه حرف علة، وإنما يريد بذلك ما دخل عينه الإعلال بالقلب أو الإبدال.
وقوله: في فاعل ما أعل عينا.
لم يعين في هذا الوزن موضع الإبدال، ولكنه يتعين بتعيين موضعه من الفعل، إذ قال: ما أعل عينا، فكأنه يقول: في عين الفاعل مما أعل من الأفعال عينا ذا اقتفي.
وهذا الكلام المختصر قد أحرز أوصافا بها يتم هذا الحكم:

أحدها: أن يكون الاسم على وزن فاعل، فإنه إذا كان كذلك جرى فيه الإبدال، فإن لم يكن على هذا الوزن لم تُعل العين، نحو: مفاعل، ومتفاعل، ونحو ذلك.
فإنك إنما تقول: ملاوذ، ومعاود، ومباين، ومعاين.
وكذلك: متساوٍ، ومتجاوز، ومتباين، ومتماين، وما أشبه ذلك، فتبقى العين على تصحيحها، ولا تقول: ملائذ، ولا مبائن، ولا متساءٍ، ولا متمائن، بالهمز؛ لأن اسم الفاعل محمول في الإعلال على فعله، وأفعال هذه الأوزان غير معتلة العين، نحو: لاوذ، وعاود، وباين، وعاين، وتجاوز، وتساوى، وتباين، وتماين، والقاعدة: أن اسم الفاعل إنما يعتل باعتلال فعله، فإذا صح صح، فكذلك هذه الأشياء.
والثاني: أن يكون هذا الوزن منسوبا إلى فعل، ومعنى كونه منسوبا إليه أن يكون في الاشتقاق راجعا إليه (خاصة)، لا أنه يريد أن يكون اسم فاعل جاريا عليه؛ لأن هذا الحكم جار فيما إذا كان جاريا على الفعل نحو: قام فهو قائم، وباع فهو بائع، ودام فهو دائم، وبان فهو بائن، وفيما لم يكن جاريا كحائض، وامرأة زائر، من زيارة النساء، وعلى هذا يشمل ما كان من فاعل بالتاء وبدونها كقائمة وقائلة وصائمة، ونحو ذلك؛ لأن النسبة إلى الفعل هنا موجودة، فههنا يجري على الفعل في الإبدال، فإن لم يكن جاريا على فعل فمقتضى هذا الكلام ومفهومه أن الإبدال لا يكون هنا، فنحو: الحائر وهو مجتمع الماء، والصائر لشق الباب، والعائر

للرمد، والحائش لجماعة النخل؛ لا يعل، لما كان غير جار على فعل ولا منسوب إليه، هذا ما يعطيه كلامه.
والثالث: أن يكون ذلك الفعل المنسوب إليه قد أعلت عينه كقائم، فإنه منسوب إلى (قام المعتل العين، وبائع منسوب إلى باع، وهائم منسوب إلى هام، وكذلك ما أشبهه مما هو جار على الفعل اسم فاعل له، وكذلك ما ليس بجار نحو حائض، فإنه منسوب إلى حاضت، وزائر منسوب إلى زار وإن لم يكن عليه، فاعتل (لذلك من جهة أن الاسم محمول في اعتلاله على الفعل، فكما اعتل الفعل بقلب عينه ألفا سواء كانت واوا أم ياء، فكذلك اعتل) الاسم بقلب عينه الياء أو الواو همزة.
وقد ظهر من مفهوم هذا أن الفعل إذا لم يدخل عينه الإعلال، وإن كان واوا أو ياء، فإن فاعلا (منه) لا يعل، بل يبقى على أصله، فتقول في فاعل من عوِر، وحوِل، وروِي، وهوِي: عاور (غدا) وحاوِل، وراوٍ، وهاوٍ، وكذلك ما عينه الياء من نحو: صيِد، وعيِس البعير، وغيِف، وغيِد، تقول في فاعله: صايد غدا، وعايس، وغايف، وغايد، فلا تهمز، بل تصححه لتصحيح فعله.
هذا معنى كلامه، وفيه من النظر الصناعي ما في مسألة كساء، من أنه (اعتد) في ظاهر كلامه على أن الهمزة مبدلة من الواو والياء.
والذي ذكر

ابن جني وغيره أن الواو والياء أبدلت منهما الألف، وأن الهمزة مبدلة من الألف.
وذلك أن (قائل) و (بائع) أصلهما قاول وبايع، كما أن أصل قال وباع قوَل وبيَع، فسكن حرف العلة من قاول وبايع كما سكن في فعله، ووجب قلبهما ألفا كما انقلبا في قال وباع؛ لأن الألف قبل حرف العلة من حيث كانت زائدة تشبه الفتحة، فانقلب حرف العلة ألفا كما انقلب في قال وباع، للفتحة المحققة، فصار: قاال وبااع، وهكذا بألفين، فلما اجتمع الساكنان لم يكن بد من الحذف لأحدهما أو التحريك، والحذف لا يمكن فيصير اسم الفاعل على لفظ الماضي فيلتبس، وأما التحريك فلا يمكن أن يرجع لأجله إلى الأصل من الياء والواو، فيكون رجوعا عما منه فُر، فلم يبق إلا تحريك الألف نفسها، وذلك لا يمكن فيها، فأبدلوها حرفا يقرب منها غاية القرب ويمكن تحريكه، وهو الهمزة، فأبدلوا الثانية همزة ولم يبدلوا الألف الأولى إلى الهمزة؛ لأن الألف الزائدة في (فاعل) لا أصل لها في الحركة، ولم تتحرك قط؛ فكانت الألف الثانية أولى، وهذا النحو هو الذي مضى في مسألة كساء، فيمكن أن يكون الناظم قائلا بهذا النحو، إلا أنه تجوز في العبارة، واختصر العمل اختصارا وهو يريده، وإما أن يكون بنى على ظاهر كلام كثير من النحويين في هذا، وعلى ظاهر الأمر لم يثبت درجة مقدرة لم تظهر قط.
ثم بعد في كلامه معترض، وهو أنه شرط في فاعل أن يكون منسوبا إلى فعل فيقتضي كلامه أمرين:

أحدهما: خروج حائض ونحوه من هذا الحكم؛ لأنه ليس له فعل يجتمع معه في الاشتقاق، إذ لو كان له فعل لكان جاريا عليه اسم فاعل، لكنه معدوم، فإذا امتنع الجريان امتنعت النسبة الاشتقاقية (أيضا)؛ لأن (حائض) هذا الذي لا تدخله التاء ليس بمشتق من حاضت، وإنما يشتق من حاضت اسم الفاعل الجاري، إذا قلت: هي حائضة غدا، وأما غير الجاري فليس له فعل ولا معناه معنى الفعل، وإنما معنى حائض معنى أن لو قلت: حيضى، وإذا لم يكن له فعل فقد خرج باشتراطه أن يكون الاسم فاعل ما أعل عينا، وبذلك خرج (عن) أن تقلب عينه همزة، فكنت تقول على هذا: حايض، على الأصل.
وكذلك سائر الباب، وهذا فاسد.
والأمر الثاني، وهو أبين من هذا: أن يكون ما كان من الجوامد المعتلة العين نحو: حائر، وحائش، وعائر، وصائر، لا تعتل عينه، فكنت تقول: حاير، وحاوش، وعاور وصاير.
وهذا غير صحيح، بل حكمه عندهم في الإعلال حكم الجاري على الفعل؛ لأن الإعلال في الأسماء ليس بمختص بما جرى على فعل، بل الأسماء كلها المشتقة والجامدة جارية على الفعل في حكم الإعلال مطلقا، ولذلك أدخل هذا القسم في التسهيل إذ قال: (وتبدل الهمزة أيضا وجوبا من كل ياء أو واو وقعت عينا لما يوازن فاعلا أو فاعلة، من اسم معتزٍ إلى فعل معتل العين، أو اسم لا فعل له).
فقوله: (أو اسم لا فعل له) استدراك ضروري، وهو الذي اعتُرض به ههنا.

وقد يجاب عن الأول بأن حائضا ونحوه في تقدير الجاري على الفعل وإن لم يكن كذلك في الحقيقة الاستعمالية، والفعل أصله، ومنه اشتق، لكن عرض الآن فيه اعتبار معنى النسب، فتنوسي أصله، ولذلك يقول فيه سيبويه: إنه محمول على مقدر يجري عليه، كأنك قلت: شيء حائض.
وما هذا إلا تحقيق لأصله الذي هو اسم الفاعل الجاري على الفعل، وإذا كان في الأصل كذا دخل تحت معنى النسبة إلى الفعل، إذ لا شك أنه على هذا النحو منسوب إليه، فصح كلام الناظم بالنسبة إليه.
وأما حائر ونحوه فقد يقال: إنه يقدر له فعل في أصل الاشتقاق يجري عليه حتى يرد إلى طريقة اسم الفاعل المشتق، وهو جواب متكلف، وبعيد من لفظه، لكن الحكم بالإعلال يقتضي ذلك، قال الفارسي في التذكرة وتكلم على كون حائض ونحوه جاريا على شيء في الأصل: إن مما يدل على ذلك (إعلال) العين في حائض، بالهمز، قال: فلولا أنه على حاضت لما اعتلت.
قال: وليس ينبغي أن يتشكك في همزة حائض، لأنهم قد قالوا: موت مائت، بالهمز البتة، ولولا ذلك لقيل: ماوت، قال: فيجب على هذا الذي ذكرناه من همز مائت وحائض أن يكون قولهم: شعر شاعر، ووتد واتد، ودارع، ونابل وتامر، ولابن، جميعها جار على

فعل مقدر وإن لم يظهر إلى الاستعمال.
هذا ما قال، وهو قياس صحيح، فإن كان الناظم يريد بقوله: (فاعل ما أعل عينا) سواء كان ذلك الفعل مستعملا أم لا فكلامه صحيح، وإن أراد به الاستعمال فقط فهو غير صحيح، إلا أن يقال: إن الحائش والحائر ونحوه من الألفاظ النادرة التي لم يبن عليها، فهو الأظهر من كلامه، والجاري على ما يقتضيه القياس، وإن كان ظاهر التسهيل أنه قياس فيه، فتأمله.
واقتف: معناه اتبع هذا الحكم في فاعل ما أعل عينا.

والمد زيد ثالثا في الواحد... همزا يرى في مثل كالقلائد هذا موضع ثالث مما تبدل فيه الهمزة من حرف اللين، والمد أراد به حرف المد، فسماه مدا بوصفه اللازم فيه، ويريد أن حرف المد إذا كان زائدا، وكان في الواحد قد وقع ثالثا فإنه يبدل همزة في الجمع على مثال القلائد، وهو ما شاكله مما هو على مفاعل.
وهذا العقد قد جمع في هذا الإبدال شروطا لا بد منها في إبدال ذلك الحرف همزة:

أحدها: أن يكون حرف مد، وحرف المد عبارة عن الألف والواو والياء إذا كان ما قبلهما من جنسهما، فانضم ما قبل الواو وانكسر ما قبل الياء ولا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحا، فإذا كان الحرف المبدل منه كذلك ثبت الإبدال، فلو لم يكن كذلك لم يصح الإبدال، كقولك: جهور، فإن الواو هنا ليست بحرف مد، فلا تبدلها في الجمع همزة، وكذلك عثير وحثيل، لا تهمز الياء في الجمع، وإنما تقول: جهاور وعثاير، وحثايل، وكذلك تقول في هبيخ: هبايخ، وفي جدول: جداول، وفي قسور: قساور، وإنما صحت ههنا لأن الواو والياء في هذه الأمثلة جعلت في مقابلة الأصول، إذ الكلمة بها ملحقة، فكان الواجب أن يجري مجرى ما قابلته من الحروف الصحاح فتسلم من الإعلال، وأيضا لما يأتي في علة الإبدال بحول الله تعالى.
والثاني: أن يكون حرف المد زائدا، وهو قوله: (والمد زيد) و (زيد) جملة في موضع الحال من المد، والعامل فيه الفعل المتأخر من حيث عمل في ضميره، فإذا كان حرف المد غير أصلي ثبت له الحكم، فإن كان أصليا بنفسه أو منقولا عن أصل فمفهوم كلامه أنه لا يبدل همزة، فمقام ومعاش ومقال لا تعل فيه الألف، وإنما تقول (فيه) في الجمع على مفاعل: مقاوم ومعايش ومبايع، وأنشد

المازني للفرزدق: وإني لقوام مقاوم لم يكن... جرير ولا مولى جرير يقومها فقال: مقاوم، ولم يقل: مقائم، وكذلك معيشة ومدينة، على من جعلها من دان يدين: إذا أطاع، وتقول في جمعهما: معايش ومداين، وأما من جعل مدينة من مدن وجمعها على مدن فإنه يهمز على مقتضى الشرط، لأن الياء زائدة فتقول: مدائن وكذلك تقول إذا جمعت معونة على مفاعل لم تهمز وإنما تقول: معاون، وفي ملومة: ملاوم، وفي محوزة محاوز، وكذلك ما أشبهه، وما أتى به من هذا مبدلا همزة فمحفوظ غير مقيس، مثل ما روى (خارجة بن مصعب) عن نافع من همز (معائش) وقالت العرب: مصائب في جمع مصيبة، ومنارة ومنائر، ومزادة ومزائد، ومسيل ومسائل، فيمن جعله من السيل.
ووجه هذا

الشاذ تشبيه الأصلي بالزائد فكأن معيشة ومصيبة كصحيفة، وكذلك سائر المثل.
ووجه ترك الإعلال أن هذه الحروف أصلها الحركة لأنها عين الكلمة التي على مفعلة أو مفعِل (أو مفعَل) أو مفعلة أو نحو ذلك، فإذا وقعت بعد ألف الجمع تحركت بحركتها فلا موجب لإبدالها.
فإن قلت: فإن المفرد منها معل فهلا أعل (الجمع) حملا عليه كما أعل قائم وبائع بالحمل على فعله؟ فالجواب: أن المفرد أعل لشبه الفعل الحاصل فيه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فلما جمعوه زال (بالجمع البناء الذي كان به) شبه الفعل، لأن الفعل لا يجمع، فبعد عن الإعلال، فلم يبدلوا العين همزة، ولما كان الشبه حاصلا في قائل وبائع لكونه على وزن الفعل وعاملا عمله أعل بقلب الواو والياء همزة، بخلاف الجمع، ولذلك صحح لُوَمة وحُضُض، ومِرَر، ونحوها لما فرجت [خرجت] عن شبه الفعل.
هذا محصول جواب الفارسي في الإغفال، وأصله للمازني في تصريفه.
والثالث: أن يكون حرف المد ثالثا في المفرد، وذلك قوله: (ثالثا في الواحد)، فإذا كان كذلك أبدل في الجمع، فإن كان غير ثالث لم يبدل، فالمدة

الثانية لا تبدل في الجمع همزة، فلا تقول في طابق: طآبق (ولا في كاهل وغارب كآهل ولا غآرب).
وما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر: تربعن من وهبين أو بسويقة... مشق السآبي عن رءوس الجآذر فأبدل الهمزة من ألف السابياء، وهي ثانية تقع قبل ألف الجمع، كما أبدلوها بعد ألف الجمع إذا كانت ثالثة، فشاذ يحفظ.
وبتلك المنزلة أن لو كانت المدة رابعة نحو قنديل وبهلول وشملال، فإنما تقول فيه: قناديل، وبهاليل، وشماليل.
وإنما تبدل المدة حرفا آخر غير الهمزة على ما سيذكره هو.
وإنما قال: (في الواحد) فقيد ذا المدة، لأنه إنما يريد أن المدة التي في الواحد تبدل في الجمع.
والرابع: أن يقع حرف المد في الجمع على مثال القلائد، وهو مثال مفاعل، فإنه إن لم يكن في الجمع على هذا المثال لم تقلب همزة، إذ لا موجب

لقلبها.
فعجوز إذا جمعتها على عُجُز، ذهبت المدة في الجمع، وكذلك إذا جمعت مدينة على مُدُن، وصحيفة على صحف، وما أشبه ذلك من الجموع التي تذهب فيها المدة أو تكون على حالة أخرى.
(فأما) إذا كانت في وزن القلائد وجب سبب الإبدال فقلت في رسالة: رسائل، وفي حمالة: حمائل، وفي [كنانة] كنائن، وفي مدينة -على أشهر اللغات- مدائن، وفي سفينة: سفائن، وفي خريدة: خرائد، وفي عجوز عجائز، وما أشبه ذلك.
وقوله: (في مثل كالقلائد) أراد في مثل القلائد، فزاد الكاف ضرورة، نحو: فصُيِّروا (مثل) كعصف مأكول وهذا مثل البيت من كل وجه، حيث أقحم الكاف بين مثل ومجرورها.
ووجه الإبدال هنا أنك لما جمعت رسالة مثلا على فعائل، جاءت ألف الجمع ثالثة، ووقعت بعدها ألف رسالة، فالتقت ألفان، فلم يكن بد من حذف إحدى الألفين أو تحريكها، فلو حذفوا الألف الأولى لبطلت دلالة الجمع، ولو حذفوا الثانية لتغير بناء الجمع، لأن هذا الجمع لا بد له أن يكون بعد ألفه الثانية حرف مكسور بينها وبين حرف الإعراب، ليكون

كماعل [كفاعل، كمفاعل]، ولم يجز أيضا حركة الألف الأولى مخافة أن تزول دلالتها على الجمع؛ لأنها إنما تدل عليه ما دامت ساكنة إلى لفظها، ولو حركت أيضا لانقلبت همزة وزالت دلالة الجمع، فلم يبق إلا حركة الألف الثانية بالكسر لتكون كعين مفاعل، فلما حركت انقلبت همزة فصارت رسائل، كما ترى، وهذه العلة جارية فيما حرف المد فيه ألف، ثم شبهت الياء في صحيفة والواو في عجوز بألف رسالة؛ لأن (ما) قبلهما من جنسهما وما هو بعض منهما، وهما ساكنتان، فجرتا مجرى الألف.
والأصل في هذا إنما هو الألف، لأنها أقعد في المد من الواو والياء.
ذا [هذا] تعليل ابن جني، وتعليل الخليل يشبه هذا، وهو أن قال: إنما همزت في صحائف ورسائل وعجائز لأن حروف اللين فيهن (ليس) أصلهن الحركة، وإنما هي حروف ميتة لا تدخلها الحركات، فلما وقعن بعد الألف همزن ولم يظهرن، إذ كن لا أصل لهن في الحركة، قال: فلو ظهرن في الجمع متحركات كانت الحركة ستدخلهن في غير الجمع في بعض المواضع.
يعني في مثل ما إذا خففت خطيئة ومقروءة، فلو جاز أن تحرك حرف المد لخففت الهمزة بإلقاء حركتها على حرف المد وحذفها كما تفعل في الصحيح، وهذا لا يجوز، لبطلان الغرض الذي سيقت له من المد، لأن الحركة تذهب عنها المد، فلما كان تحريك حروف المد لو قيل: عجاوز وصحايف يؤدينا إلى تحريكها في موضع آخر سدوا هذا الباب، فأتوا بالهمزة بدلا منها محافظة على ما فيها من المد.

وكلام الناظم في هذا الإبدال على ظاهر ما قال فيه، إذ ليس في حروف المد غير ما قال، كما كان فيما تقدم من المسائل، إلا أن عليه في هذا التقرير دركا في قوله: (والمد) لأنه لا يخلو أن يريد به المد كيف كان من تمكين أو لين مع مجانسة الحركة أو عدم المجانسة، فيدخل عليه كل واو أو ياء ساكنة كان ما قبلها من الحركة ليس من جنسها؛ لأنها إذا كانت على هذا الوصف ففيها مد، ولذلك لا يقع قول أو سيل في قافية مع وَبْل أو جهل، لما في الواو والياء من المد، ولأجل ذلك أيضا يجمع بين ساكنين في نحو أصيْمّ وقميْدّ في أصمّ وقمدّ، فتقول على هذا في عشوزن: عشائر [عشازن]، وفي عدولى -إن حذفت الألف-: عدائل، وهذا لا يكون، وإنما تقول: عشاوز، وعداول، وكذلك ما أشبهه، لا تهمزه البتة، أو يريد به المد الذي هو التمكين دون ما هو لين، ولا يكون ذلك إلا مع مجانسة الحركة.
وهو الذي يظهر منه كما تقدم تفسيره، فيخرج عنه همز الياء في نحو كليبة وجريرة [حريرة] علمين منقولين إلى العلمية بعد حصول التصغير، فإنك إنما تقول: كلائب وحرائر بالهمز، وذلك كله لأجل أن المعتبر في حرف اللين إنما هو السكون والزيادة في الواحد خاصة ولا مبالاة بحركة ما قبله، فيستثنى منه ما جر فيه الحكم إلى تقدير الحركة كعشوزن وعدولى؛ لأنك لما حذفت النون والألف لإقامة بنية التكسير لم يكن بد من تقدير تحريك الواو لتصير عشوز وعدول، كجهور وجدول، لأن مثل عَدَوْل وعَشَوْز غير موجود، فصارت الواو بهذا التقدير متحركة، فيفعل بها ما يفعل بالمتحركة من

تصحيحها، بخلاف كلائب في كليب وحرائر في حرير، فإن الياء لم تتحرك قط لفظا ولا تقديرا، فوجب الهمز، وأصل هذه المسألة فيما رأيت لابن جني في الخصائص، لما تكلم في فك الصيغ، على نقل عشوزن في التكسير من عشوز إلى عشوز، أخذ يستدل على هذا بأنه لو كسره وهو (على) ما كان عليه من سكون واوه دون أن يكون قد حركها لوجب عليه همزها، وأن يقال: عشائز، لسكون الواو في الواحد كسكونها في عجوز ونحوها، قال: فأما انفتاح ما قبلها في عشوز، فلا يمنعها الإعلال، وذلك أن سبب همزها في التكسير (إنما هو) سكونها في الواحد لا غير، فأما اتباعها ما قبلها وغير اتباعها إياه فليس مما يتعلق عليه حال وجوب الهمز أو تركه.
ثم استدل على هذا أيضا بقولهم في ألندد: أليدّ، لأنك لما حذفت النون للتصغير بقي ألدد، وهو مثال منكور، فيصير إلى مثال غير منكور وهو أفعل، فلما صار إلى ذلك أدغمه، فصار كألدّ مذكر لداء، فعامله معاملته، قال: فلذلك قالوا في تحقيره أليدّ، فأدغموه ومنعونه الصرف، هذا ما قال، وهو ظاهر كما ترى.
والجواب أن يقال: أما القسم الأول فهو غير داخل عليه؛ لأنه عبر بالمد، والمد على حقيقته إنما هو في تلك الحروف إذا كان ما قبلها من جنسها، وأما إذا خالفها فإنما فيها بعض اللين المشبه للحركة، ولذلك لا تقع الياء ولا الواو

جارٍ التحميل