«كَذَا إِذَا يَسْتَوْجِب التَّصْدِيرا».
الضميرُ فى «يستوجبُ» عائدٌ على الخبر، يعنى أنّه يلزمُ أيضا تقديمُ الخَبَر إذا استحقَّ أن يكون صدرَ الجملة لموجب أوجب له ذلك، مثل أن يكون فيه معنى الاستفهام، كأين في مثال الناظم، فمن: موصولة، صلتها «علمته نصيرا»، وهى مُبْتَدأ، خبره أين.
فلا يجوز على هذا أن تقول:
من علمته نصيرا أين؟ وكذلك يجب أن تقول عنده: كيف زيد؟ ومتى قيامك؟ وَمِن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السّاعَةٍ: أيّانَ مُرْسَاهَا؟ ﴾ ولا يجوز أن تقول: زيدٌ كيف؟ ولا قيامك متى؟ ولا مرساها أيّان؟ لو فرضته في غير القرآن.
وكذلك قولهم: كم مالك؟ وكم جريبًا أرضُك؟ على رأى الفارسيّ، حيث جعل «كم» خبرا لا مبتدأ، نقله عنه ابن خروف في شرح «الكتاب».
وهذا الذى قرر هو رأىُ الجمهور.
وأجاز الأخفش والمازني: زيدٌ كيف؟ وعمرو أين؟ فلم يريا وجوبَ التقديم هنا.
ولا أدرى ما مستندهما في ذلك إِنْ كان النقل عنهما على ما هو الظاهر؟ وإلا فوجوبُ التّصدير على الجملة في أسماء الاستفهام كقولهم: ضرب مَنٌ منّا؟ وقولهم: كان ماذا؟ وأُليْفاظٌ مِنْ هذا النّمَطِ لا تثبت بها إجازاة ما أجازه، وسيأتى ذكر شئ من ذلك في مواضعه، إن شاء الله، فالحق رأى الجماعة في ذلك.
ومثلُ ذلك المضافُ إلى اسم
الاستفهام نحو: غلامُ أىّ رجلٍ غلامك؟ وصبحِةَ أىّ يوم سفرُك؟ وعشَيةَ أىّ يوم قدومُ زيد.
وما أشبه ذلك.
والنصير بمعنى الناصر، والجمع: الأنصار، مثل شريف وأشراف.
والضرب الرابع: الخبر الذى يوقع مبتدؤُه محصورًا، وهو الذى قال فيه: «وَخَبَر المَحْصُورِ قَدِّم أبَدَا».. إلى آخره.
خَبَرَ: مفعول مُقَدَّم، أى: قَدِّم خبر المبتدأ المحصور أبدًا، فلا تؤخه البتّة نحو قولك: إنما في الدار أخوك، وما عندى إلا زيدٌ.
ومن أبيات الكتاب:
وما لى إِلّا اللهُ لا رَبّ غَيرَه
وهو كثير.
وسببُ تقديم الخَبرِ هنا قد مَرَّ مثله.
وعبّر هنا بالمحصور عن المحصور فيه، وقد تقدم الاعتراض عليه والجواب عنه في المسألة التى قبلها.
وقوله: «مَا لَنَا إِلّا اتباعُ أَحْمَدَا»، مثال من ذلك.
وأحمد: هو رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أى: إِنَّ اتباعا في الدين والنِّحلة محصور في اتباع محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقد نَقَصَ الناظمُ مما ذكر في التسيهل ضربان:
/ أحدهما: الخبرُ الدالّ عند تقديمه على ما لا يدلُّ عليه عند تأخره،
ومثّلَ ذلك بقولهم: لله درُّك! ولله أنت! فإنّه يدُلُّ مع التقديم على معنى التعجب، ولو قلت: دَرُّك لله، وأنت لله، لم يدلّ على ذلك.
وكذلك قولُهم: سواء علىّ أقمت أم قعدت، فقولهم: «أقمت أم قعدت» هو المبتدأ م جهة المعنى، والتقدير: سواءٌ علىّ قيامك وقعودك.
ولو قلت: أقمت أم قعدت سواء علىَّ، لتوهّم السامعُ أنّك مستفهمٌ حقيقةً، وذلك غير متوهم مع تقديم الخبر الذى هو سواءٌ.
والثاي: الخبر الذى مبتدؤُه أنّ المفتُوحة المشدّدة ومعمولاها، نحو قولك: في علمي أنّك صادق، وعندي أنَّ زيدًا قائم.
ولا تقولُ: أنك صادقٌ في علمي، ولا أن زيدًا قائم عندي.
ووجه ذلك عنده إِما خوفُ التباسِ المفتوحةِ لو قدمت بالمكسورة، وإما خوف التباس المصدرية بالتى لمعنى لعلّ، وإما تعريضها لدخول إِنّ المكسورة عليها مباشرة.
وهو نحو تعليل سيبويه.
وإمّا يلزم تأخير «أَنّ» وتقديم الخبر إذا لم يتقدم الكلام أمّا، فإن تقدمت لم يلزم تقديم الخبر، نحو: أمّا أنَّ زيدا قائمٌ ففي علمي.
فإذًا حَصْرُ الناظمِ لمواضع وجوب التقديم يقتضى ألا يلزم إلا فيما ذكر، فعلى هذا يجوز تأخير الخبر في هذين الموضعين وما أشبههما مما لم يذكره، وذلك غير صحيح.
وقد يُجَابُ عن هذ بأنه لم يقصد حصر المواضع كلّها، بل نبّه على جملةٍ منها يُلْحَق بها ما عداها مما لم يذكره.
وأيضًا فإن الموضع الأول قليل جدًا، ومما لا يَعْتَبِرُ مثله الناظمُ لأنه سماعِىٌّ وجارٍ مجرى المثل الذى شأنهُ أَن لا يُغَيِّر، والموضع الثاني ليس المبتدأ فيه بصريح، فلم تعْيَنِ به كُلّ الاعتناء.
والله أعلم.
(ثم قال):
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا
تَقُولُ: زَيْدٌ.
بَعْدَ: مَنْ عِنْدَكُما؟
وَفي جَوَابِ: كَيْفَ زَيْدٌ؟ قُلْ: دَنِفْ
فَزَيْدٌ اسْتُغْنِىَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ
لما تَكَلّم على أحكام المبتدأ والخبر مثبتين، أخذ في الكلام على عروض الحذف فيهما.
والقاعدة أن الحذف في كلام العرب لا يكون إلا حيث دلّ عليه دليلٌ من قرينة لفظيّة أنّ معنوية، لأنه لو لم يكن عليه ديل لاختل المقصودُ من الإفهام، فإنك لو قلت ابتدءًا: زيدٌ، وأنت تريد: قائم أو خارج، ولم يكن ثَمّ مما يدلّ عليه، لم يقع بما تكلّمت به فائدة، وكذلك لو قلت: قائم أو خارج، وأنت تريد الإسناد إلى زيد، ولم يكن ثَمّ قرينة تَدُلّ -لم يكن في الكلام فائدةٌ، وهذا حيث يكون ثمّ دليلٌ على محذوف، لكنه لا دليل على تعيينه، وأما لم يكن في الكلام دليل على محذوف، فأحرى أن لا يُحْذف.
وقُصَارانا أن نقولَ هنا: إِنّ الكلام لم يحذف منه شئٌ البتّةَ، كما إذا قلنا: زيدٌ قائم، فأنت لا يصح لك أن تقول: إن هذا الكلام محذوفٌ منه؛ إذ هذه دعوى [ليست بأولى من دعوى] عدم الحذف،
بل دعوى عدم الحذف مستندةً إلى الظاهر، وهو دليل في نفسه، والحمل على الظاهر مطلوبٌ وإن أمكن أن يكون المراد غيره.
فالحاصل أنّ الحذفَ لا يُدّعى إلا مع الدليل، والناظم ابتدأ بهذه القاعدة الكُلِّية الجارية في أبواب العربية؛ إذ لم يُقَيِّدْها / بهذا الباب، بل قال: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جائزٌ»، فأتى بـ «ما» العامة ولم يفيدها، فإن أراد هذا فهو صحيح، ويدخل في العموم بابه من باب أولى.
ويحتمل أن يريد التقييم ودلّ عليه السياق، كأنه قال: وحذف ما يُعْلم من المبتدأ والخبر جائز.
وعلى هذا يدلُّ ما مَثّل به.
وقوله: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائِرٌ» فيه إشكال من ثلاثة أوجُهٍ:
أحدهما: أن العلم بأ؛ د الجزأين قد يكون علما مطلقا كالأمثلة التى مَثّل، وهو العلم الذى يُعَيِّن الجزء، والحذف مع هذا العلم جائز بلا إشكال؛ إِذِ المحذوف معه كالمثبت، وعبارة الناظم منطبقةٌ عليه.
وقد يكون علما لا مطلقا، بل يكون الخبر معلومًا على وجه وغير معلوم على وجه، كما إذا قلت: زيدٌ، وحذفت الخبر، أو قلت: قائم، وحذفت المبتدأ.
فهذا وما كان مثله يطلق عليه أنه معلوم، لكن علمًا إجماليًا دلّ عليه الكلام، لأن المبتدأ يقتضى خبرًا على الجملة، والخبر يقتضى مبتدأ على الجملة، فالقرينة مُعرفة بالمحذوف.
فهو من هذا الوجه معلوم، ومن جهة التعيين مجهول.
لكن العرب لا تراعي جهة العلم هنا ولا تعتبره، بل تُغَلِّب جهة الجهل فلا تجيز الحذف البتة، ومع هذا فيصدق أنه معلوم.
والناظم لم يقيد العِلْم، فليس له ما يمنع دخول مثله تحت قوله: «وّحَذْفُ ما يُعْلَمُ»، وعند ذلك يقتضى جواز الحذف في مثل: زيد قائم، إذا لم يدل دليل على التعيين لكن هذا غير صحيح وغير جائزٍ باتفاق، فإِطلاقه غير مستقيم.
والثاني -على تسليم أنه أراد العلم بالتعيين- فحكمه بأنه جائز على الإطلاق، من غير تقييد، غير صحيح؛ فإن حذف ما يعلم على وجهين:
أحدهما: جائز كالأمثلة المذكورة.
والثاني: واجب لا جائز، كالحذف بعد لولا، وبعد الواو التى بمعنى «مع»، وسائر ما ذكر بعد.
فإذًا ليس كلُّ ما يعلم فيحذف يكون جائزَ الحذفِ، بل قد يكون جائزًا وقد يكون واجبًا.
والثالث: أنه أطلق القول بجواز الحذف في كل ما يكون معلوما من الجزأين، وذلك ليس على إطلاقه، فإن للإثبات مقاصد في كلام العرب لا تنكر، كما أن للحذف مقاصد، فقد يكون الجزء معلوما ولا يجوز مع ذلك الحذف بحسب قصد المتكلم؛ ألا تراهم جعلُوا لحذف الفاعل مقاصد كثيرة، ومثلها يلزم في إثباته؛ إذ لا فرق في المقاصد البيانية بين الحذف والإثبات.
ومن أنكر هذا فهو صائم عن فهم كلام العرب.
فإن لم يسامح في عدم اعتبار المقاصد البيانية، سردنا عليه مقاصد الإثبات التى لا يسوغ معها الحذفُ وإن كان الجزء معلومًا، فيتكسر عليه قوله: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائِزٌ».
وهى مبسوطة في كتب أهل البيان.
وإن سامحناه في ذلك.
وقد كان الأولى أن لا يُسامح، لاعتباره المقاصد البيانية في مواضع كما مَرّ في فصل «التقديم والتأخير» -وَرَدَ عليه أيضا بحسب النظر النحوىّ مواضعُ يوجد فيها العلمُ ويمتنع الحذف، فمنها: خبر ما التعجبية لا يجوز حذفه وإن كان معلومًا؛ قال ابن الحاج: لأن القصد من التعجب كأنه منافٍ للاختصار.
قال ومثل التعجب في هذا خَبر المقصود في
باب نعم وبئس / إذا أعربناه مبتدًأ وخبره نعم وبئس قال: ومنه أيضا خبر ضمير الأمر والشأن، كقولك: هو زيد قائم، وكذلك المبتدآت في هذه المواضع لا يجوز حذفها وإن كانت معلومة.
ومثل ذلك المبتدأ المحصور، والخبر المحصور لا يجوز حذفُ واحدٍ منهما مع الحصر وإن كان معلوما.
وقد نصّ أبو الحسن على ضعف قولك لحقٌّ أنّه ذاهب: إنه على حذف الخبر عند سيبويه.
وإنما استقبحه الأخفش من جهة [حذف الخبر] خاصّة، قال: ألا ترى أنك لو قلت: لَعَبْدُ الله، ثم أضمرت الخبر، لم يحسن -يعنى مع العلم، وإلا فلا يجوز حذفُه إذا لم يعلمُ فكذلك لحقٌّ أنّه ذاهب بالإضافة، وهو على تقدير: ليقين ذاك أمرك.
فهذا نصٌّ على ضعف حذف الخبر هنا وقُبْحه، وقد علل استقباحه بأن لم أكد بالكلام صار مع الحذف كالمتدافعين.
ونظيره ما قال ابن جني في نحو: الذى ضربته نَفْسَه زيد، من أن لا يجوز حذف ضمير الموصول هنا لأنه موكّد، والحذف مناف للتوكيد.
وعلى ما قال الأخفش يقبح أيضا حذف المبتدأ مع اللام المؤكدة، ولذلك قل نحو:
أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ
على رأى من جعله على حذف المبتدأ، وقول الآخر:
خالِي لأنْتَ......
وقد تقدم.
فقد اجتمع لك خمسة مواضع لا يجوز فيها حذف واحد من الجزأين وإن كان معلومًا، فكيف يقول: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائِزٌ» قولًا مطلقا؟ !
والجواب عن الإشكال الأول: أنّ المراد بالعلم العلمُ بالتعيين، وهو الذى عَينه المثال في قوله:
كما تَقُولُ: زَيدٌ، بَعْدَ: مَنْ عِنْدكما؟ ». فكأّنّ المثالَ قيدٌ يُعيِّن العلم، ما هو؟ وعلى أىّ وجه هو وأيضا فإن المعلومَ من وجهٍ دون وجهٍ يُطْلَق عليه أنه غير معلوم، وإذا صح فيه هذا الإطلاق اقتضى مفهوم الكلام أن لا يحذف، لأنه غير معلوم.
فليس إدخاله في المعلوم بأولى من إدخاله في غير المعلوم، فلا يصحّ الاعتراض به.
والجواب عن الثاني من وجهين:
أحدهما: أن لفظ الجائز يطلق على ما استوى فعله وتركه -وعلى هذا المعنى حمله المعترض- ويطلق أيضا على ما لا يمتنع مطلقا، فيدخل فيه الجائز بالمعنى الأول، ويدخل فيه أيضا الواجب، وما كان من باب الأولى في الفعل أو في الترك، لأن الجميع غير ممتنع.
ويطلق أيضا باعتبارات أخبر لا حاجة بنا إلى ذكرها.
وقد ذكر ذلك أهل أصول الفقه.
فعلى الإطلاق الثاني قد دخل الواجب الحذف تحت لفظ الجائز، فكأنَّ الناظم قال: «وحذف ما يُعْلَم غيرُ ممتنعٍ على الجُملة».
ولَو عبّر بهذه العبارة لصحّ كلامُه لِشُمولها الوجهين: الواجبَ الحذفِ والجائز الحذف والإثبات، ولا يبقى بعد ذلك إشكال.
والثاني: -على تسليم أنه أراد الجائز بالإطلاق الأول- فإنما معنى كلامه: أن ما يعلم منه جائز فالأمثلة المذكورة، ومه واجب كالحذف بعد لولا وما أشبه ذلك، فيكون قوله: «جائز»، ليس غير المبتدأ الأول، بل هو مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال: «وحذف ما يُعْلَمُ منه جائز.
ويجبُ بعد ولا، وكذا، وكذا.
وهذا أيضا صحيح في نفسه، فلا إشكال.
وإما الثالث فالظاهر وروده / إلا أن يقالَ: إن مثلَ هذه الأشياء مما لم يذكرها الجمهور في الكتب المطولة، فهو حين تركها أعذرُ منهم، لاختصاره.
وإنما يتمكن الاعتراض بها على التسهيل.
ثم رجع إلى قصد ذكره، فقال: «وحذفُ ما يعلم جائز» إلى آخره، يعنى أن كل جُزْءٍ من جُزْأَىِ الجملة يجوز حذفه إن كان معلومًا عند السامع حتى كأنه في حكم المذكور.
وهذا الحذفُ لم يقيّده بجزءٍ دون غيره، فاحتمل كلامه ثلاثة أضرُبٍ من الحذف، أشار إلى ضربين بمثالين، وترك الثالث اعتمادًا على الكليّة:
الضرب الأول: حذف الخبر، وهو الذى أشار إليه بقوله: كما تَقُولُ: زيد.
بعد: مَنْ عِنْدكما؟ فإذا سُئِلت هذا السؤالَ فقيل لك ولصاحبك: من عندكما؟ فقلت: زيد فزيدٌ مبتدأٌ حُذِف خبرُه لدلالة الكلام الأول عليه.
وأصل الجواب: زيدٌ عندنا.
لكنْ حُذِف الظرف اختصارًا.
وقوله: «بعد مَنْ عندكما؟ ». أراد بعد هذا الكلام المقول فيه عن الشخص الذى استقرّ في هذا الظرف.
وهذا مثال واحدٌ من عددٍ كثير يشتملُ على قرائن يجوز معها حذف الخبر، فمن ذلك: زيدٌ قائم وعمرو.
فالتقرير: وعمرو قائم.
ومنه: خرجت فإذا الأسدُ.
تقديره: فإذا الأسدُ حاضرٌ أو موجود أو نحو ذلك.
وهذا ليس كالإثبات في الكثرة.
ومن ذلك قول الشاعر:
نَحنُ بِما عِنْدَنا، وأَنت بما
عِنْدَكَ رَاضٍ، والرأىُ مخْتَلِفُ
فحذف خبر نحن، وهو: راضون، لدلالة «راض» عليه.
والضرب الثاني: حذفُ المبتدأ، وهو الذى عنى بمثاله الذى قال فيه: «وفي جواب: كيف زيدٌ؟ قل: دَنِفْ».
يعنى أنك إِذا سئلت فقيل لك: كيف زيدٌ؟ فلك أن تحذف المبتدأ فتقول دَنِفٌ.
وأصل الجواب أن تقول: زيدٌ دنفٌ، ثم تحذف.
وليس في قوله: «قُلْ: دَنِف» القطع على الحذف، بل ذلك إلى خِيَرَةِ المتكلم، دلّ على ذلك قوله: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائزٌ».
وقوله: «في جوابِ» متعلِّقٌ بـ «قُلْ».
وهو على الحكاية، أعنى: كيف زيدٌ؟ كأنّ المعنى: «وفي جواب سُؤَالِك بهذا الكلام قل كذا».
والدّنِفُ -بكسر النونِ-: المريض، يقال: دَنِف المريض دَنفًا: إذا ثَقُل في مرضه.
وقال الجوهرى: الدّنَفُ: المرضُ الملازم، واسم الفاعل: دَنِفٌ،
وامرأة دَنِفةٌ، ورجلان دَنِفان، فتثنى وتجمع وتؤنث، وقد يوصف بالمصدر فتقول: رَجُلٌ دَنَفٌ، بالفتح، وامرأة دنَفٌ، ورجلان دَنَفٌ.
وهكذا في الجمع والتأنيث يكون على حالة واحدة.
ومثل ما مثّل به الناظم قولك: في الدار، لمن قال: أين زيد؟ وأن قُعُودُك؟ والتقدير: زيدٌ في الدار، وقُعُودى في الدار.
ومنه أن تقول إذا شَِمْتَ طيبًا: مِسْكٌ والله.
أى: هذا مِسْكٌ، أو هُوَ مِسْكٌ.
وكذلك تقول إذا سَمِعت هينمةً: قراءةً، أى: هى قراءة.
ومنه قول الله -عز وجل-: ﴿مَنْ عَمِلَ صالحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، أى فعمله [لنفسه] أو صلاحه لنفسه، ﴿ومن أساءَ فعليها﴾، أى: فإساءته عليها.
والضربُ الثالث: حذفهما معًا.
ولم يُشْرِ الناظم إليه بمثال، ولفظه محتمل له، لكنه ليس في كثرة الضربين قبله، ومثاله قوله: أين زيد جَالِسٌ؟ فتقول: في الدار، أو عندى.
فالتقدير: زيدٌ جالسٌ في الدار أو عندى.
ومثله: متى عَمْرو سائر؟ فتقول: بعد غدٍ.
وأيّ موضع أنت ساكن؟ فتقول: مكان كذا.
وما أشبه ذلك.
ومنه ما عُوِّض / منه حرف الإيجاب، نحو نعم، ولا، إن قيل: إن الجواب بعدها مقدّرٌ، كما رآه ابن عصفور، كما إذا قيل: زيدٌ عندك؟
أو قيل: أعمرو منطلق؟ فتقول: نعم، أو: لا وقد عّ ابنُ الناظم من هذا الضرب قول الله سبحانه: ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾، أى: فعدّتهن ثلاثة أشهر.
وأصلُ ذلك للفارسيّ.
وذلك لا يتعيّن في الآية لوجهين، أحدهما إمكان تقدير المفرد مكان تلك الجملة، كأنه قيل: واللائى لم يَحِضن كذلك، أو جاريات مجراهن، أو ما أشبه ذلك.
والثاني: أن الجملة إن سُلِّم أنها المقدرة فلأنها هى الخبر، فلنا أن ننقول: لم تُحَذفْ هنا الجملة من حيث هى مبتدأٌ وخبرٌ، بل من حيث هى خبر المبتدأ الذى تقدم وعند ذلك لا يكون فيها دليل على جواز حذف المبتدأ والخبر بإطلاق، وهو المحتاج إليه هنا.
هذا كله إن جعل ﴿واللّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ في موضع رفع، وأما إن جعلته في موضع خفض عطفا على (هُنّ) من قوله: ﴿فعِدّتهن﴾ فالآية بمعزل عن هذا الضرب الذى ذكر، وإنما يرجع إلى الضرب الأول، فتأمله، والله أعلم.
وقولُ الناظم: «فَزَيدٌ اسْتُغْنِىَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ»، أراد بزيد هنا المذكور في المثال الثاني، وهو كيف زيد؟ فقولك في الجواب: دَنِف، استغنيت فيه عن إعادة ذكر زيد، لتقدم ذكره في السؤال، فحصلت المعرفة به، فاختُصِر.
هذا ذكر الحذف الجائز ثم شرع في ذكر الحذف الواجب فقال:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالبًا حَذْفُ الخَبَرْ
حَتْمٌ، وَفِي نصِّ يَمِينٍ ذا اسْتَقَرْ
وَبَعْدَ واوٍ عَيّنَتْ مَفْهُومَ مَعْ
كَمِثْلِ كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صنَعْ
وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُون خَبَرَا
عَنِ الذِى خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرا
كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأتَمْ
تَبْيِينَىِ الحقّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
اعلم أنّ الحذفَ قد يجب في أحد الجزأين، فلا ينطق به البتة، أو ينطق به لكن قليلا.
وليس ذلك بمقتصر به على أحدهما دون الآخر، بل قد يحذف المبتدأ وجوبا، وقد يحذف الخبر كذلك.
والناظم اقتصر هنا على حذف الخبر ولم يتعرّض لحذف المبتدأ، فقد يقال: إن كلامه يُوهِم أالحَذْفَ الواجب يختصّ بالخبر، ويشعرُ بذلك ذكره جواز الحذف في الجزأين، فلما ذكر وجوب ترك التنبيه على ذلك [في المبتدأ]، فأوهم هذا أن المبتدأَ لا يُحذَف وجوبا، بل جوازا.
وليس كذلك بل يحذف وجوبا في مواضع جملة، منها: في النعت المقطوع إلى الربع إذا كان للمدح أو الذم أو الترحم، نحو قولهم: الحمد لله الحميدُ، والحمد لله أهلُ الحمدِ.
وكذا في الذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيمُ، وفي الترحُّم نحو: مررت به المسكينُ.
قال المؤالف: لأنهم قصدُوا إنشاء المدح، يعنى في قطع النعت، فجعلوا إضمار الناصب أمارةً على ذلك، يعنى حين قطعوا إلى النصب، كما فعلوا في
النداء؛ إذ لو أظهروا الناصب لخفي معنى الإنشاء، وتوهّم كونه خبرا مستأنفًا / في المعنى.
قال: فلما التزم الإضمار في النصب التزم في الرفع، ليجري الوجهان على سَننٍ واحدٍ.
ومنها: الحذف لكون الخبر مصدرًا جِئَ به بدلًا من اللفظ بالفعل، نحو ما أنشد سيبويه:
فَقَالَتْ: حَنَانُ، مَا أَتَى بِكَ هَهُنا
أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بِالْحَىِّ عَارِفُ؟
التقدير: أمرى خنانُ.
وقالوا: سمعٌ وطاعة، وصبرٌ جميل.
وفي التنزيل (قال: سِلْمٌ)، على تقدير: أَمْرِى، في الجميع.
والأصل في هذا النوع النصب لأنه مصدر جرء به بدلًا من اللفظ بفعله، فالتزم إضمار ناصبه، لئلا يجتمع البدل والمبدل منه، ثم حمل المرفوع في التزام إضمار العامل على المنصوب، وعامل الرفع هنا هو المبتدأ.
وأمثلة هذا النوع كثيرة، قال سيبويه: «والذي رفُعِ عليه حَنانٌ وصبرٌ وما أشبه ذلك لا يُستعمل إظهارُه، وتركُ إظهاره كترك إظهار ما يُنصب فيه».
ثم علل ذلك بما تقدم، وبأن معنى الرفع على معنى النصب، وقد كان في النصب بدلًا من اللفظ بالفعل، فكذلك في الرفع.
ومنها: المخبر عنه بممدوح نعم ومذموم بئس، عند من يقول: إن المخصوص هنالك خبر مبتدأ، حسبما يذكر في بابه، إن شاء الله، إلى أشياءَ من هذا القبيل.
ومنها: ما جرى من الأسماء مجرى المصادر نحو: سُبُّوح قُدّوس، رب الملائكة والروح، وكذلك خَيْرُ ما رُدّ في أهل ومال، وما أشبه ذلك.
فكان الأولى أن يذكر هذا النوع كما ذكر الآخر، من جهة إيهام كلامه خلاف الحكم المستقيم، ومن جهة أن المسألة من جائل النحو، لا من غرائبه.
وقد يعتذر عنه بأن الحذف في النعت المقطوع قد ذكره في باب النعت فقال:
وَارْفَعْ أَو انْصِبْ إِنْ قَطَعْتَ مُضْمِرا
مُبْتَدَأ أَوْ نَاصِبًا لَنْ يَظْهرًا
وفي باب نعم وبئس ذكر حذف المبتدأ المخبر عنه بالمخصوص، فقال هنالك:
وَيُذْكَرُ المَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَأ
أَوْ خَبر اسْمٍ لَيْسَ يَبْدوُ أَبدًا
وما عدا هذين فهو من القليل؛ إذ الرفع فيها ليس لكل العرب، فلما كان كذلك تَرَكَ ذكره، كعادته في ترك كثير مما يقلُّ في كلام العرب، ولا يبلغ مبلغ الشائع المطرد، وإن كان له قياسٌ مّا؛ ألا ترى أنه لم ينبّه في باب المصدر على جواز الرفع في تلك الأشياء لما كانت أقليّةً بالنسبة إلى النصب.
فإذا ثبت هذا
لم يبق له مما يتعيّن ذكره في الحذف الواجب إلا حذف الخبر، فهو الذى تَعرَّض له، وذكر له أربعة مواضع:
أحدها: بعد لولا، فقال:
وَبَعْدَ لَوْلا غَالبًا حَذْفُ الخَبَرْ
حَتْمٌ...............
حذف الخبر: مبتدأ، خبره: حَتْمٌ.
وبعد لولا متعلق بحتم، لأنه في معنى محتوم، كخلق بمعنى مخلوق في قول الله: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾.
والحتم: الايجاب، يقال: حَتَمَ الله كذا وكذا، بمعنى: أوجبه حَتْما.
والحَتْمُ أيضا: القضاء، وليس في هذا لامعنى (يريد أن خبر المبتدأ يجب حذفه لعد لولا، فلا يتكلم به غالبًا) لأنه مفهوم بنفسه، فإذا قلت: لولا زيد لأكرمتك، فمعناه: لولا زيدٌ ثابت أو موجود، أو هنا، أو نحو ذلك، فلما كان مفهومًا اسم الفاعل أوا الفعلُ المتعلق به الظروف المجرورُ الحذف في نمو زيدًا في الدار، وجاءني / الذي عندك، لما كان مفهومًا بنفسه الزموه الحذفَ، كما ألزم من الكلام.
وأيضا فلكثرة الاستعمال؛ قال سيبويه: «وكأنّ المَبْنِىّ عليه -يَعْنى عَلَى المبتدأ بعد لولا- الذى في الإضمار -يعنى الخبر- كان في مكان كذا وكذا، فكأنه قال: لولا عبدُ الله كا بذلك المكان، ولولا القتالُ وكان في زمان كذا؟ ولكن هذا حذف حين كَثُر استعمالهم إياه في الكلام، كما حُذِف في إِمّا لا».
ثم أتى بنظائر، وهذا هو الأصلُ في لزوم حذف كلّ خبر ذكره الناظم وفرضُه حذفَ الخبر هنا ظاهرٌ في أنّ ما بعد لولا مبتدأ، وهو مذهب البصريين خلافًا لمن زعم (خلاف)
ذلك، حسبما يأتى، حيث تعرض الناظم للمسألة، وإن شاء الله.
وقوله: «غالبًا» قيدٌ في الحذف الواجب، يريد أَنّ الخبر بعد لولا -في الغالب- واجب، أى: في غالب الكلام، ومفهومه أنه في النادر غير واجب، وإذا كان غير واجب فهو إمّا جائز وإمّا ممتنع، فالممتنعُ الحذفِ هو الذى لا يُعْلَم إِن حُذِف، والجائزُ الحذفِ: هو الكون المقيّد الذى عليه دليل.
وهذا القسمان مفهوم حكمهما مما تقدم في لاقاعدة الأولى، فقد تصوّر في حذف الخبر بعد لولا أقسام ثلاثة:
واجب الحذف، وهو: الكونُ المطلقُ نحو: لولا زيد لأكرمتك.
وإما وجب هنا الحذفُ لأنه معلوم بمقتضى لولا؛ إذ هى دالةٌ على الامتناع لوجود، والمدلول على امتناعه هو الجواب، فقولك: لولا زيدٌ لأكرمتك، يعلم منه أن وجود زيد مانع من الإكرام، فصحّ الحذف ووجب لسدّ الجواب مسدّه وممتنع الحذف وهو: الكون المقيد الذى لا ديليل عليه، كقول: لولا زيد سالمنا ما سلم، فسالما: خبر زيد ولو حذف لم يعلم، فامتنع حذفه.
وكذلك: لولا زيد (عندنا) لهلك.
وفي صحيح الحديث: لولا قومك حديثٌ عهدُهم بكفر لأسّسْت البيت على قواعد إبراهيم.
وجائز الحذف وهو: الكون المقيد الذى دلّ عليه الدليل، نحو قولك: لولا أنصارُ زيدٍ حَمَووه لم يَنْجُ.
فلو حذف الخبر هنا، وهو حَمَوه، لجاز للعلم به.
ومنه عند المؤلف قول أبي عطاء السندي:
لَوْلَا أَبُوكَ، وَلَوْلَا بَعْدَهُ عُمَرُ
أَلْقَتْ إِلَيْكَ مَعَدٍّ بِالْمَقَالِيدِ
وقال الآخر:
فَلَوْلَا سِلَاحِى عِنْد ذَاكَ وَغْلِمَتى
لَكانَ لَهُمْ يَوْمٌ من الشّر أَيْوَمُ
قال ابن الحاج: وأُقَدِّر أننى وقفتُ من كلامهم على نحو: لولا زيد ثَمّ أو هنالك وشبهه.
وقال علقمة:
فَوَ اللهِ لَوْلَا فَارِسُ الجَوْنِ مِنْهُمُ
لآبُوا خَرايا، وَالإِيَابُ جَيبُ
وعلى هذا النادر يجري قول المعرّى في صفة السيف:
يُذِيبُ الرّعبُ منه كُلُّ عَضْبٍ
فَلَوْلا الغِمْدُ يُمْسِكُهِ لَسَالَا
ولكن هذا كُلّه عند الناظم نادرٌ، والغالبُ انحتامُ الحذفِ.
ويبقى بعدُ نظرٌ في هذا النادر هل هو مما يُقَيُّد به عنده أم لا؟ فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: ما هو الظاهر من عَدَم الغلبة، وأنّه قليل لا يعتدّ به.
والثاني: أن يُرِيدَ أنه مقيسٌ معتدٌّ به؛ إذ ليس في الإشعار بقلته ما يشعر بعد القياس فيه.
فإن أراد الأَوّلَ فهو راجعٌ إلى مذهب طائفة من النحويين في التزام الحذف مطلقًا، وأنه لا يجوز ذكره / وحيث فُرِضَ خبر لا يعلم لكونه ليس بكونٍ مطلق، صاغوا منه مصدرًا وأضافوه إلى المبتدأ فيقولون: لولا مسالمة زيدٍ لنا ما سلم، ولولا استقرار زيد عندنا لهلك، ولولا حمايةُ أنصار زيد له لم ينجِ.
وكذلك سائر المُثُل.
فإن جاء في السماع ما يخالف هذا فاما أَن يُعِدّ شاذًا، وإما أن يُؤَوّل إن أمكن تأويلُه.
وإلى هذا المذهب ذهب الفارسيّ وغيره.
واعتمده ابن أبي الربيع وابنث عصفر وغيرهما من المتأخرين، لأن العرب عندهم لا تقولُ مثل: لولا زيدٌ سالمنا ما سلم، وإنما تقول: لاولا مسالمة زيد لنا.
والاستشهاد بالحديث فيه ما فيه، مع أنه محتمل لأن يكون قوله: «حديث عهدُهم بكفر» جملة اعتراض بين لولا رجوابها.
وقد تُؤُوِّل قوله: «فَلَوْلَا سِلاحِى عِنْدَ ذَاكَ» أن الظرف يتعلّق بما في السلاح من معنى الشدّة.
وعلى هذا يكون قول الآخر: «وَلَوْلا بَعْدَه عُمَرٌ»، فيتعلّق فيه الظرفُ بمعنى عُمَر، إذ هو الخليفة، فكأنه انتزع من العَلَمِ معنى الوصف، فعلّق به الظرف، كما قال الآخر:
أَنَا أَبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأَحْيَان
وهو باب واسع بوّبَ عليه ابن جني في الخصائص.
وكذلك يكون
«فارس الجون» قد تعلّق «منهم» بمعنى فارس الجون، أى: المعروف منهم، أو المشهور منهم.
وعلى رأى الناظم في هذا الوجه لا حاجة إلى التأويل، إذا كان ما جاء من ذلك بحيث لا يبلغ أن يُقَاسَ عليه.
وظاهر الكتاب مع هذا الوجه، وقد مَرّ نصُّه في ذلك، ولا يبقي على الناظم فيه إلا أنه مخالف لمذهبه في غير هذا الكتاب.
وهذا قريبٌ، فإنه في العربية متصد للاجتهاد، مُعْلعن بمخالفة من لم يَنْهضَ دليلُه عنده، لا يتحاشى من الخليل فما دونه، سيرةً أهل الاجتهاد المطلق، وله في مخالفة الجمهور مسائل مشهورة، مُنَبّه عليها في مواضعها، وقد تقدم منها بعض، وسيأتى من ذلك أشياءُ، إن شاء الله.
وإن أراد الاحتمال الثاني فهو الموافق لما له في التسهيل وشرحه، وذلك أنه قال في التسهيل: «ويحذف الخبر جوازا في كذا، ووجواب بعد لولا الامتناعية غالبا» ثم فَسّره في لاشرح فقسم الخبر ثلاثة أقسام كما تقدم، وأجرى القياس في جمعيها، ولفظه في التسهيل موافق للفظة هنا، وقد فَسّره في الشرح بما ذكر، وكذلك فَسّره ابنه في هذا النظم.
فالظاهر أن مراده هذا الثاني، وهو رأى طائفة منهم الرماني، وُدَرِيودُ
وأبو بكر خطّاب، والشلوبين، وابن الحاج، والأبذي، وغيرهم.
وكأنهم اعتدّوا بما وجدوا في السماع من ذلك، ورأوا أن التأويل فيه تعسّفٌ، وأن القياس لا ينفي ذلك، وأن من لَحّن المعرى في قوله:
فَلَوْلَا الغمدُ يُمْسِكُه لَسَالَا
غير مُصيبٍ.
نَعَم، لا ينازع هؤلاء في أن التزام الحذف أكثر.
فإن قيل: إنّ الناظم قد أطلق العبارة في لولا وهى على ضربين: امتناعية وتحضيضية، (فأما الامتناعية فهي التى يقع بعدها المبتدأ محذوف الخبر، وأما التحضيضية) فلا يقع بعدها إلا الفعل ظاهرًا أو مقدرًا، فهى بمعزل عن هذه المسألة، فكان الأولى به أن يقيّدها بالامتناعية كما فعل في التسهيل، وإِلّا أوهم كلامهُ جريانَ/ الحكم فيها على معنييها، وذلك غير صحيح.
فالجواب: أن كلامه ههنا إنما هو في حذف الخبر بعدها، وحذف الخبر وإثباته لا يتصوّر إلا حيث يقع المبتدأ ضرورةً، فالكلام في قُوّة أن لو قال: «وبعد لولا التى يقع بعدها المبتدأ والخبر يُحذَف الخبر».
وهذا كلامق لا إِشكال فيه، وإنما فيه إِحالةٌ على لولا الواقع بعدها المبتدأ والخبر.
وليس هذا موضع بيانه، وقد بَيّنه في موضعه وقال فيه:
لَوْلَا وَلَوْمَا يَلْزَمَانِ الابِتَدا
إِذَا امتناعًا بِوُجُودٍ عَقَدَا
وإذا كان كذلك لم يلزمه تقييدُها هنا.
والموضع الثاني من مواضع لزوم حذف الخبر: اليمين الصريحة، وذلك قوله: «في نَصٍّ يَمِيِنٍ ذَا استقر».
ذا: إشارة إلى ما تَقَدّم ذكره قريبًا من حذف الخبر حتما.
يريد أن هذا الحكم المذكورَ قد استقرّ في نصّ اليمين، يعنى إذا كاننت اليمين جُمْلةً من مبتدأ وخبر، لكنه تَرَك ذلك للعلم بأن الخَبر لا يُحذفُ ولا يحكم عليه إِلّا حيثُ تكون الجملة من مبتدأ وخبر، ولذلك بم يحتج إلى تقييد لولا كما تقدم، ويلزم المؤلف ([في التسهيل حين قَيّد لولا أن يقيد القسم الصريح بكونه من جملة ابتدائية]) فيتحرز م الجملة الفعلية، فالأحسن ما فعل هنا.
ومثال ذلك: أيمنُ الله، فإن هذا مبتدأٌ خبره محذوف، تقديره: قسمى، أو: ما أحلف به وكذلك: لعمرو الله، يلزم [فيه] حذف الخبر أيضا، فلا تقول: أَيْمُنُ الله قَسَمى لأفعلَنّ، ولا: لعمرو الله مَا أَحِلفُ به لأَفْعَلنّ.
وإنّما لزم حذفُه لأنّ فيه ما في الخبر بعد لولا من كوه معلوما مع سدّ الجواب مَسَدّه، وأيضا لكثرة استعمالهم إياه، قال سيبويه: «فكأنه قال: لعمرو الله المقسَمُ به.
وكذلك أَيمُ وأيمُنُ، إلا أن ذا أكثرُ في كلامهم، فحذفوه كما حذفوا غيره».
وقيد اليمين بكونها نَصّا، لن هذا الحكم إِنما هو إِذا كان القسم نصّا في معناه، لا يحتمل غير ذلك، فإن الخبر لا يعلم إلّا إذا كان القسم كذلك، فإن كان غير نصّ فلا يلزم حذف الخبر، كقولك: عَهْدُ اللهِ؛ فإنه ليس بصريح في القسم
بل هو محتمل قبل الإتيان بالجوب [لأن يكون غير قسم فليس لحذفه سبيل إلا مع قرينة تحمل على المراد، بخلاف لعمرو الله، فإنه قبل الاتيان بالجواب] ظاهر المعنى في القسم، فلذلك لم يلزم الحذف في «عهد الله» وما أشبهه، بل لك أن تقول: علىّ عهد الله لأفعَلنّ، وعلى ميثاق الله لأفعلَنّ، وما أشبهه.
والموضع الثالث من مواضع لزوم حذف الخبر: بعد الواو التى بمعنى مع، وهو الذى قال فيه: «وبعد واوٍ عَنّنت مفهوم مَعْ».
يعنى أنّ حذف الخبر أيضا لازمٌ بعد الواو التى تُؤَدِّى معنى مع، بشرط أن يكون ذلك المعنى بَينًا ظاهرًا فيها، بحيث يتعين فيها فلا يحتمل العطف.
وهذا الشرط المراد بقوله: «عَيّنت»، وذلك قولك: أَنْتَ ورأيُك، وكُلُّ عمَل وجزاؤهُ، وكلُّ ثوبٍ وقيمتُه، وكلُّ رجل وضيعتُه.
ومنه قول عنترة:
مِنَ يكُ سائلًا عَنِّى فإنّى
وَجِرْوَةُ لا تَرود لُه ولا تعارُ
وقولُ امرئ القيس:
فكان تنادينا وعَقدُ عذارِه
وقال صحابي: قد شَأَوْنَكَ فاطْلُبِ
ومثل ذلك الناظم بقوله: كلّ صانع وما صَنَع.
فالواو في هذه الأمثلة كلِّها صريحٌ فيها معنى مع، فهى مما يلزم فيه حذف الخبر، لأن الواو وما بعدها قامام مَقامَ مع وما يَنْجرُّ بها، مع ظهور المعنى، بحيث حصل الاستغناء بالواو مع ما بعدها، فتنزّلا في الاستغناء بهما عن الخبر منزلة / «عجبا» وَأمثاله في الاستغناء بها عن الأفعال، فكما لزم هالك لزم هنا.
والتقدير في هذه الأمثلة: أنت ورأيك مقترنان، وكلّ عمل وجزاؤه مقترنان.
وكذلك سائرها وهذا هو الجارى على رأى الناظم حيث جعل الخبر محذوفًا، والواو بمعنى مع.
وبعض النحويين يخالف في المسألتين؛ فأما ابن خروف فلا يقدّر خبرًا لتمام الكلام وصحة معناه، من غير افتقار إلى تقدير شئٍ (كما لم يقدِّره) في نحو: أقام الزيدان شئ لاستقلال الكلام، فهذا كأن الناظم لم يره لما يلزم عليه من أن يكون الأمرُ كذلك في كلّ موضعٍ التُزِم فيه حذفُ الخبر.
بهذا رَدّ عليه المؤلف في الشرح.
وأمّا ابن أبي الربيع وبعض من تقدم فإن الواو عندهم ليست بمعنى «مع»، بل على أصلها من العطف، وحكى هذا عن الأخفش، وأن المعطوف في موضع الخبر.
(ويقول) ابن أبي الربيع: إن الأصل في قولهم: كلُّ رجلٍ وضَيعتُه: كلُّ رجلٍ مع ضيعته، وضيعتُه معه، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، فقيل: كُلُّ
رجلٍ وضيعته.
والناظم لم يرد إلا أن الواو بمعنى مع، ووجودها هو الذى يسوغ التزام حذف الخبر، لأنها كالنائبة مع بعدها عن مع ومجرورها، ولو كانت الواو للعطف لم يصلح فيما بعدها أن ينوب مناب الخبر.
وأيضا لا يحذف الخبر في لاعطف الصريح لأنه لا دليل عليه، ولهذا شرط الناظم في الواو أن تكون مُعَيِّنة لمعنى مع، فإنها إن لم تعيِّنه لم يلزم الحذف، بل يصير إما جائزًا وإما ممتنعًا، فإذا قلت: زيد عمرو، وأنت تريد: مع عَمْرو، كان لك أن تأتيَ بالخبر فتقول: زيدٌ وعمرو مقترنان أو متلازمان، ولك أن تستغنى اتّكالا على أن السامع يفهم معنى الاقتران، لأّنّ معنى المصاحبة وإن دَلّت الواوُ عليه غير متعيّن، لإمكان معنى العطف ولو قلت: زيد وعمرو يلتقيان أو يصطرعان أو يتفرقان، وما أشبه ذلك -لم يجز هنا حذف الخبر، لانتفاء احتمال معنى «مع» في الواو، وتَعَيُّنِ كونها عاطفةٍ لمجرّد الجمع، فلا بد من الإتيان به.
ومنه قول الشاعر:
وَكُلُّ امرِئٍ والْمُوْتُ يَلْتَقِيانِ
فهذا كله من أول الدليل على أن الواو هى التى بمعنى مع، لا العاطفة، إذ لا دلالة للعاطفة على الخبر.
قال ابن خروف: لو قلت: ما كلُّ رجلٍ إلا وضيعهُ، لجاز، لكون الواو بمعنى مع وفي موضعها.
قال: ولا يجوز ذلك في العطف، فقد ظهر وجه ما ذهب إليه الناظم في المسألتين، والله أعلم.
والموضع الرابع من مواضع لُزُومِ حَذْفِ الخبر: قبل الحال التيلا يصحّ وقوعها خبرًا عن المبتدأ، وذلك قوله:
وَقَبْلَ حالٍ لا يَكُونُ خَبَرًا
عَنِ الّذِى خَبَرُهُ قَدْ أُضْمَرِا
يعنى أنّ الخبر يلتزم حذفُه أيضًا قبل حالٍ لا يصح فيها أن تقع خبرًا عن المبتدأ، وهو الذى أضمر خبره، أى: لا يصحُّ جعل تلك الحال خبرًا عن المبتدأ.
ومثّل ذلك بمثالين:
أحدهم: «ضربي العبيد مُسِيئًا».
فضربي: مصدر، وهو مبتدأ، ومسيئًا: حال لا يصح الإخبار بها عن ضربي.
والخبر محذوف تقديره /: إذا كان مسُيئًا، أو ضَرْبُه مسيئا.
ومثل ذلك: ضربي زيدًا قائما، وأكلى التفاحة نضيجةً، وقيامي ضاحكًا، وخروج زيد محتاجًا.
وما أشبه ذلك فكل هذا لا يصح أن تقع الحال فيه خبرا، فهو مما عَنَى الناظم.
والثاني: «أَتَمّ تَبْيينَى الحق منُوطًا بالحكم».
فأتمّ: أفعل تفضيل مضاف إلى مصدر، وهو مبتدأ، ومنوطًا: حالٌ لا يصحّ الإخبار به أَتَمّ.
والخبر محذوف تقديره: إذا كان أو إِذْ كان، أو بيينه منوطاً بالحكم.
ومثله (قولك): أكثرُ شربي السويق ملتويا، وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، وأرخَصُ ما يكون البردُ قفيزين بدرهم، وأبغضُ ضربِ زيد إلىّ قائمًا.
وما أشبه ذلك.
هذا معنى كَلَامه على الجملة، ثم نَقُولُ: إِنّ قوله «لا تكون خبرًا» إنما يعنى الخبر الاصطلاحي يريدُ بذلك التّحَرر من الحال التى يَصِحُّ جعلُها خبرًا عن المبتدأ، فإن ذلك متى صح لم يلزم حذف الخبر وسد الحال مسده، بل إن كان فعلى الجواز كما ذُكَرِ عن الأخفش أنه حكى: زيد قائمًا، وخرجت فإذا زيدٌ جالسًا.
وعن علىّ -رضي الله عنه-: «ونَحنُ عُصْبَة»، تقديره: زيد موجودٌ قائمًا، أو ثابت، أو نحو ذلك.
وكذلك سائر المُثُل.
فالحال في مثل هذا لا تُسد مسد الخبر فَيُحذفَ لزومًا، لإمكانه جَعْله خبرًا بنفسه، من غير احتياج إلى تقدير شئ، فإن جاء شئ من ذلك فهو أقرب إلى وقفه على السماع لقلّته، وإن احتمل ان يقاس عليه فالحذف غير لازم.
وإنما يكون لازمًا في نحو ما ذكر.
ومثل ذلك مما لا يحذَفُ معه الخبرُ قولك: ضَرْبِى زيدًا شديدًا، هذا لا يلزمُ معه حذف الخبر، بل ذلك مفتقر في جوازه إلى السماع، وإنما الوجه الرفع على خبر المبتدأ، لإمكانه فلا يعدل عنه.
ثم نقول: إن تمثيلَه المبتدأ بمصدر، أو بما أضيف إلى المصدر مُعَيِّنٌ لموضع الحذف، فإن نحو: «ضربي العبد مسيئًا» و «أَتَمّ تَبْييِنى الحق مَنُوطًا» هو الموجودُ في السماع (في المسألة)، والذى يصحُّ القياسُ فيه، بخلاف:
زيدٌ قائما، ونحوه، ولذلك قال في التسهيل: إن كان المبتدأ أو معموله مصدرًا عاملا في مُفَسِّر صاحبها.
ولم يطلق القول في ذلك، وإذا تَقَرّر هذا بقي على الناظم دَرْكٌ من وجهين:
أحدهما: أن مثالَيه اللّذَين مَثّل بهما وما أشبههما يستعمل على وجهين، فأحد الوجهين أن تكون على ما قال من التزام حذف الخبر، وذلك إذا لم يكن الحالُ معمولًا للمصدر الواقع مبتدأ، وإنما يكو معمولًا للخبر المحذوف، فإنه إن كان معمولًا للمصدر فلابُدّ من الإتيان بالخبر، وهو الوجه الثاني؛ فإذا قلت: ضَرْبى زيدًا قائمًا، فجعلت العامل في «قائم»، ضربي، فلابدّ من الإتيان بالخبر، فتقول: حَسَنٌ، أو قبيحٌ أو شديدٌ، ونحو ذلك، إلا أن يَدُلّ عليه من الكلام دليل، فيجوز إِذْ ذاك حذفُه، كما إذا قيل لك: أَىُّ شَيْءٍ أعجب إليك؟ فتقول: ضربي زيدًا قائمًا، أو شُرْبى السّويق ملتويًا، أو ما أشبه ذلك أما إذا كان العامل في الحال غير المبتدأ، وهو الخبر مثلا في المسألة، حيث تقدّر: إذا كان قائمًا، أو إِذْ كان قائمًا، أو ضَرْبُه قائمًا - فهنالك يلتزم الحذف.
فالمسألة ذات وجهين لا ذات وجه واحدٍ، والناظم / أطلق هنا القول في التزام حذف الخبر، فكان إطلاق غير صحيح، وإنّما الصحيح ما فعله في التسهيل حيث شرط أن يكون المصدر عاملا في مُفسِّر صاحب الحال، وقال: تحررتُ بذلك من مصدرٍ لا يكون كذلك، كقول: ضربى زيدًا قائما شديدٌ، قال: فالمبتدأ فيه مصدر عامل في صاحب الحال وفيها، فلم يصلح أن تُغْنِىَ عن خبره، لأنها من صِلَتِه.
انتهى
وقد مثل الأخفش في «الأوسط» بقولك سمعُ أذنى زيدًا يقول ذاك حسنٌ.
فهذا فيه ما ترى.
والثاني: أن تقييده الحال بعدمِ كَوْنِها خبرًا عن المبتدأ، أى بِعَدَمِ صَلَاحيتها لذلك، يقتضى أنها لا تنوب عن الخبر إلا كذلك.
وهذا ظاهر في نحو مثاليه.
أَمّا إذا كان المبتدأُ مضافًا إلى غير مصدر صريح، بل إلى ما الموصولة بكان، فإن الحال تكون خبرا هنالك.
وتصلح للخبرية مع مأنها تنوبُ عن الخبر ويحذف لزوما، فتقول: أخطب ما يكون الأميرُ قائمًا، مع أنّه يجوز رَفْعُ قائم فتقول: أخطب ما يكون الأمير قائمٌ، أجاز ذلك الأخفش، وكان يقول فيه: أضَفْتَ «أخطب» إلى أحوالٍ قائمٌ أحدها.
وقاس المبرد على ذلك: «أحسن ما يكون زيدٌ قائمٌ».
وأجاز يونس أيضًا -فيما حكى السيرافي عنه-: «أحسن ما يكون زيدٌ قائم»، أى: ثابتٌ وهو رأى المؤلف.
فمثلُ هذا وإن كان مجازًا جائز.
فالحال -على الجملة- هنا مما يصلح وقوعها خبرًا، فجئُ من أها لا تسدّ مسدّ الخبر، لكنها تسدّ مسدّه باتقان الأئمة، فكان هذا الشرطُ بإطلاقٍ غير صحيح، وإنما هو صحيح فيما كان فيه أفعل مضافًا إلى مصدر صريح لا مؤول.
والفرقُ بينهما أن الأصل (الحقيقة) فالإخبار عن ضَرْبِي بقائمٍ
لا يصح، لأنه غيره/ فامتنع «ضربي زيدًا قائم»، وكذلك: «أشد ضربي زيدًا قائم».
وأما في نحو: «أخطب ما يكون الأمير قائم»، فإنهم لما تجوزوا أَوّل الكلام بإضافة «أخطب»، وهو من صفات الأعيان إلى الأكوان، وليس بعضها، استجازوا التجوز آخرًا بالإخبار أخبارَ الأعيان عن الأكوان، وأنّس بذلك في اللفظ كونُ أ×طب وقائم -وهما المبتدأ والخبر- متناسبان في الأصل، لأنهما للأعيان، بخلاف ضَرْبِي مع قِائمٍ.
فالحاصل أن كلام الناظم معترض الإطلاق.
ووجه ثالث، وهو أن هذا التمثيل الذى مَثّل به إما أن يشير به إلى قيودٍ معتبرةٍ في المسألة أَوْ لا، فإن كان يشير إلى قيود لزم أن يُؤْخَذَ له منه اشتراط الإفراد في الحال (فلا تقول على هذا: ضربى زيدًا وهو قائم، على أن يكون محذوف الخبر قبل هذه الحال)، لأنها ليست بمفردة منصوبة.
لكن هذا جائز عند الأئمة، فالحال كيفما وقعت الحكمُ معها واحدٌ، فيجوز: ضَرْبى العبدَ وهو مُسِئٌ، وأتمّ تبيينى الحقّ وهو مَنُوطٌ بالحكم.
ومن هذا ما جاءَ في لاحديث، من قوله صلى الله عليه وسلم: أقربُ ما يكون العبدُ من رَبِّه وهو ساجدٌ».
ومنه قول الشاعر، أنشده في شرح التسهيل:
خَيُر اقُتِرابِى مِنَ المولى حَلِيفَ رِضًا
وَشَرُّ بُعْدِىَ عَنْه وَهْوَ غَضْبَانُ
ويجوز أن تقول: ضربي العبدَ يُسِئُ، وأتمُّ تبينِى الحق يُناطُ بالحكم.
وكذلك: ضربي العبدَ قد أساءَ، وأتم تبينِي الحق قد أُنِيطَ بالحكم.
ومن هذا / ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
وَرَأْىُ عَيْنَىّ الفَتَى أَخَاكَا
يُعْطِى الجَزيلَ فَعَلَيْكَ ذَاكا
وإن كان التمثيلُ غيرَ مشيرٍ إلى قيدٍ لَزِم أن لا يُؤخَذَ له منه كونُ المبتدأ مصدرًا أو مضافا إلى مصدر، مع أن ذلك معتبرٌ عنده.
فظهر أن الناظم لم يضبط هذه المسألة على عادته.
والجوابُ أن يقال: أما الأول فظاهر اللزوم، إلا أن يكون قوله: «وقبل حالٍ» محرزًا لما قصد، وهو مرادُه غَيْرَ شك، وذلك أنه ذكر أن الحذف للخبر إنما هو قبل الحال، وكون الخبر قبل الحال يشعرُ بأن لاحال مقطوعة عن عمل المبتدأ فيها، إذ لو كان عاملا فيها لكانت من تمامه لأن المبتدأ مصدر موصول، فكل معموله له من صلته، وإذا كان كذلك لم يصحّ أن يكون موضع خبره قبل الحال، وإما يصحّ تقديره بعده؛ إذ لا يقع الخبر بين أثناء المبتدأ، فلما قال: «وقبل حال» دَلّ على أن العامل في الحال غير المبتدأ، وأنها معمولة للخبر المضمر، وإذ ذاك تعيّن موضع حاجته من الوجهين، وصح كلامه فيه، ووافق ما قيّد به في التسهيل، على اختصار بديع، وإشارة حسنة.
وأما الثاني فإن الرفع في نحو «أخطب ما يكونُ الأميرُ قائمٌ» مختلف (فيه)، فقد زعم سيبويه أنه لا يكون فيه إلا
النصب، قال: «وأما عبد الله أحسن ما يكون قائمًا، فلا يكون فيه إلّا النصب»، قال: «لأنه لا يجوز أن تجعل أحسن أحواله «قائم» على وجهٍ من الوجوه».
يعى بأنّ الأحوال ليست إياه.
وقائم هو عبد الله، فلا تخبر عن الشئ بغيره.
وإلى هذا ذهب الزجاج والفارسي والجمهور.
وإليه رجع المبد، ونقع عنه ابن ولّاد أنه لا خلاف في ذلك.
وليس بصحيح».
بل الخلاف فيه عن يونس والأخفش موجود، نعم عليه الجمهو منهم، قال السيرافي: وهو الصحيح عندى، لأنّ قولك: أحسن أفعاله قائم، لا يجوز.
قال: فإن قيل: يكون كقولنا: أحسن صفاته قائم.
فالجواب: أن «ما يكون» مصدر، وحق المصدر أن يكون مصدر الفعل (فصار) بمنزلة قولك: أحسن أفعاله، وأما صفاته فهى: قائم وقاعد، وقائم بعض صفاته.
وقد ردّ الفارسىّ مذهب الأخفش بأنه قبيح وقريب من الامتناع، لأنّ أخطب قد أخرج عن أصله، وألز ما دل على ذلك من الإضافة، فإذا رفعته، يعنى «قائم» فقد نقضت ذلك الغرض مع إلزامهم ما يدل على إخراجه عن الأصل.
فال: فالرفع في الخبر مع إضافته إلى ما يجعله حدثًا لا يستقيم، لأنك
كأنك الآن تخبر عن الحال بالقيام، والحال لا تقوم، فتعيده بذلك إلى ما قد أخرج عنه.
ذكر هذا في الجزء السادس والعشرين من التذكرة.
فإذا كان كذلك فالناظم هنا ذاهبٌ مذهب سيبويه والجمهور، وهو أولى مما ذهب إليه في التسهيل، والله أعلم.
وأما الثالث فإنه يمكن أَنْ يقول: إنه قدّم أن الخبر يحذف قبل حال لا يصلح أن تقع خبرًا للمبتدأ، فقد قيد الحال الواقع قبلها الخبر، فلا يؤخذ له م التمثيل تقييد آخر فيه، فيحصل أن الحال التى لا تصلح خبرًا للمبتدأ كيف وقعت هى سادّةٌ / مسدّ الخبر، وهى تكون مفردًا كمثاليه، وجملة اسمية وفعلية، فالجميع إذًا مراد.
والمثال لم يُقْصَد به الدلالة على خلاف ذلك، وكثيرًا ما يأتي بقواعدَ تشتمل على مُثُلٍ كثيرةٍ مختلفة الوضع، ثم يمثل ببعض ذلك، فلا يكون التمثيل المعيّن مُقَيّدا، بل مُبَيِّنًا لبعض ما اشتملت عليه، ولذلك نقول: إِنّ تمثيله هنا يقبل كون لامصدر مصرّحًا به أو مؤولًا، وحينئذٍ يدخلُ له: أخطب ما يكون الأميرُ قائمًا، وأشباهُه، بسبب أن المصدر الصريح والمؤول سواءٌ في الحكم، ولذلك يقعان فاعلية ومبتدأَين، وغير ذلك.
فالأمر في هذا قريب.
ويمكن أن يكون قصد التقييد بالمثال، ويكون ذلك وفقًا لرأْى سيبويه، فإنه يرى أَنّ الحال لا تسدّ مسدّ الخبر إلا إذا كانت منصوبةً مع صلاحية المعنى، فَإِن كانت جملة قَدّر للمبنتدأ خبرًا، وهو ثابت أو موجود.
ومذهب الأخفش
جوازُ كونها فعلًا تسدّ، وكذلك الفراء.
وذهب السيرافي إلى جواز وقوع الحال جملة بالواو سادّةً.
ومال إليه ابن خروف.
والمَنُوطُ، من قولك: ناط الشى ينوطه نوطًا: عَلّقه.
ويطلق في التعليق المعنوىّ مجازا، ومنه هذا، فتقول: كلامُ زيدٍ منوطٌ بالحكم: إذا لَصِق بها وعَلِق بها.
ثم يتعلق بهذه المسألة نظران:
أحدهما: الكلام في مواضع الخلاف منها وهى أربعةٌ:
أحدها: ما تَقَدّم من عَدَمِ جواز الرفع في الحال ليقع خبرًا عن المبتدأ؛ فقد مَرّ أَنّ ذلك هو المشهور المعروف، وأن يونس والأخفش والمبرد -في أحد قوليه- أجازو الرفع حيث كان المصدر مؤولا، ومرّ الاحتجاج على ما ذهب إليه الناظم.
والثاني: أن كونَ الخبرِ مقدّرَ الحذف معتبرًا في المعنى -وإن كان حذفه لازمًا- هو رأى الجمهور، وهو أحد المذاهب الثلاثة.
والثاني: أن (هذا) مبتدأُ لا خبر له، بل أغنى عنه فاعل المصدر، كما أغنى عن الخبر فاعل الصفة في نحو: أَقائم الزيدان؟ فكما لا يحتاج هنا إلى تقدير خَبَرِ، لأن معناه معنى الكلام المستقبل، وهو: أيقوم الزيدان؟ فكذلك لا يُحتَاج في مسألتنا إلى تقدير خبر، لأن معنى الكلام: ضربت العبد مسيئًا.
والثالث: أن الحال هى المغنية عن الخبر إِغناء الظَرْفِ عن الخبر.
وهو رأى ابن كيسان، قال: «وقد يجعلون الحال خبرًا للمصدر كالوقت، فيقولون: ضَرْبُكَ زيدًا قائمًا، وخروجك معى راكبًا»، قال: «وقد يجعلون الواو خبرا للمصدر لأنها تكون بمعنى الحال ([والوقت، كقولك: قيامُك والناسُ قُعودٌ.
وقال: إن المصدر يكون خبره الحال])، كقولك: قيامُك محسنا، أى: قيامك في إحسانك».
فأما مذهبُ الجمهورِ فهو ظاهرُ المعنى، لأنّ المعنى، على قولك: إذا كان قائمًا، إو إذ كان قائمًا، أو ضَرْبُه قائمًا.
فالخبر مرادٌ بلا بُدٍّ، وغير مستغنًى عنه.
فإذا كان كذلك تعيّن تقديرُه.
ولا سيّما مع وجود بعض معمولاته وهو الحال؛ إذ لا يصحُّ أن يكون معمولًا للمبتدأ أصلًا، كما نبّه عليه، وكما يأتى.
وأما الثاني فضعّفه المؤلف بأنه لو صحّ الاقتصار في التقدير لصحّ الاقتصار على الصدر وفاعله دون الحال، كما صحّ الاقتصار على الصفة وفاعلها، فكنت تقول ضربى زيدًا، كما تقول: أقائم الزيدان؟ لأن فيه معنى /، في الآخر معنى: أيقوم الزيدان؟ لكن ذلك ممنوعٌ ففي امتناعه مع جوازه مع الصفة دليلٌ على انهما غير متساويين.
وأما الثالث فغير صحيح؛ لأن الحال إذا أقيمت مقام الخبر فإمّا أن لا يُقَدّر لها عامل أو يقَدّر، فإن لم يقدّر لها عاملٌ لزم من ذلك أمران، أحدهما: وجود نَصْبٍ من غير ناصب، وذلك معدوم في الأحكام
الصناعية، ولو جاز ذلك مع غير المصدر، فكنتَ تقولُ: زيدٌ قائمًا، لأن معناه: في حال قيام.
والثاني: أن الحال عنده مُشَبّهةٌ بالظرف في إقامتها مقام الخبر، والظرف لا بدّ له من عامل فيه هو مفتقر إليه، وهو أصل، فالحال التى هى فرع أولى أن تكون مفتقرة إليه، لِبُعد أن يكون الفرعُ مستغنا عما لا يستغنى عنه الأصل.
وإن قدر لها عامل لم يكن إلا مثل المقدر للظرف، فكما تقول في قولك: زيدٌ في حال قيام، إن تقديره: ضربي زيدًا مستقرٌ قائمًا.
وهذا إخبار عن الضرب بما هو للضارب، وهو محال.
فظهر أن هذا المذهب غير صحيح، وصح ما قاله الناظم.
والثالث من مواضع الخلاف: كون الحال غير معمولة لضربي الذى هو المبتدأ.
فقد تبيّن ذلك من قوله: «وقبل حال»، بل هى معمولةٌ لشئٍ آخر، وهو رأىُ من قالَ بتقدير الخبر، إلا ما ألزمه الفارسىّ المؤلفُ في مسألة: أولُ ما أقول/ إِنِّى أحمد الله؛ إذ أجاز أن تكون إن المكسورة محكية بالقول، فتكون من صلته والخبر محذوف، أعنى خبر «أوّل ما اقول» وهو ثابت أو موجود -قال ابن مالك: فكما جاز أن يُحذَف الخبرُ هناك بلا دليل زائد على الحاجة إليه، كذلك يلزمُه تجويز حذف الخب ها وتقديره بمثل ما قدّره هناك، لأن الحاجة إليها سواءٌ، والمخبرُ عنه في الصورتين مصدر، لأن (أوّل) القول قولٌ.
وما قاله الفارسيّ -إن كان يلزمه عنه ما ألزمه ابُنُ مالك -فقد رَدّه الناس بأن معنى قولك: أولُ ما أقول: إني احمد الله ثابت أو موجود، أولُ هذا الكلام ثابت أو
موجود، لأن القول هو متعلّقه، فالإختبار بثابت.
أو موجود [إنما وقع عن أول «إني أحمد الله»، وأوله باعتبار الحروف الهمزة، وباعتبار الكلمات «إنى»، فيكون الإخبار بثابت أو موجود] ن الهمزة أو إنى.
وهذا فاسدٌ من وجهين، أحدهما: الإخبار عن أول الكلام بالوجود مع العلم بذلك كون تقدير هذا الخبر، والخبر لا يكون مؤكِّدًا.
والثاني إيهامُ انتفاء وجود سائر الكلام مع العلم بوجوده بنفس نطق الناطق به.
وأيضًا فإن تقديره «ثابت» أو «موجود» خبرًا بعد «إنى أحمد الله» تقديرُ ما لا دليل عليه، إذ ليس هو بالتقدير أولى من غيره من المقدرات الممكنة، وحذفُ ما كان في حذفه كذلك ممنوع.
وهذا يلزم في قولك: ضربي (العبد مسيئًا، لو قَدرت معه «ثابت» أو «مستقرّ»، وأيضا لا مانع يمتنع من قولك: ضربى) زيدًا قائمًا حَسَنٌ، بإظهار الخبر، -الخبر، فكيف يُجعَلُ ملتزم الحذف.
هذا خلافُ كلام العرب.
والرابع من مواضع الخلاف: الحالُ إِذا كانت غير مُفْردةٍ، فهل يجوزُ وقوعها هنا سادّةً مسدّ الخبر أم لا؟ فمنهم من أجاز ذلك على الجملة، كالكسائي والفراء والأخفش والسيرافي، ومال إليه ابن خروف، ومنع من ذلك سيبويه كما تقدم أولًا.
وحجة من أجاز السماعُ المتقدّم/، والقياس على المفرد.
وحجّة من مَنَعَ دُورُ ذلك السماع مع أّنّ نيابة الحال هنا عن الخبر، على خلاف القياس، فلا يتعدّى موضع السماع.
وإذا قلنا بجواز وقوع الحال غير مفرد ففيها الخلاف من جهتين:
إِحداهما: إذا وقعت جملة اسمية، فهل يصح خلوها من الواو أم لا؟ نقل المؤلّف عن الكسائي جواز خُلُوِّها منها، فأجاز أن تقول: مَسَرتُك أخاك هو قائم، وإكرامُك زيدًا أبوه مطلقٌ -وما أشبه ذلك.
وذلك أن المشهور عند النحويين غير الكسائي أنها لا تستغنى عنها، قال: وحملهم على ذلك أن الاستعمال لم يرد بخلاف ثم رَجّح مذهب الكسائي وقال: مقتضى الدليل أنّ حذف الواو هنا أولى، لأنه موضع اختصار لكن الواقع خلاف ذلك، قال: وبابُ القياسِ مفتوحٌ.
فيظهر أنّ رأيه هنا كرأيه هنالك، إِذ لم يُقَيِّد الحال بشئٍ من هذا.
والثانية: إِذا وقعت الحال جملةً فعلية منع ذلك الفراءُ فرارًا من كثرة مخالفة الأصل، لأَنّ سَدّ الحال مَسَدّ الخبر على خلاف الأصل، ووقع الفعل موقع الحال على خلاف الأصل، فلا يُحكمُ بجواز ذلك هنا، فإنه مخالفةٌ بعد أخرى.
قال ابن مالك: وهذا الذى اعتَبَره قد دَلّتِ عليه العربُ على أنّه غير مُعْتَبرٍ، بوقوع الجملة الاسمية موقع الحال المذكورة، فلو لم تقع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة نقلًا لجاز وقوعها قياسًا على الجملة الاسمية ومع ذلك فقد جاء السماعُ بخلاف ما قال.
ثم أَنشد ما تقدم:
وَرَأْىُ عَيْنىّ الفَتَى أَخاكا
يُعْطِى الجَزِيلَ، فَعَلَيْكَ ذَاكا
النظر الثاني: أنّ الحال لا شَكّ أنها تعلّق بالخبر؛ إِذ قد نفي أن تعلق بالمبتدأ بقوله: «وقبل حال».
لكنَ بَقِى النظرُ في تقدير الخبر، وما الذى يقدّر؟ لم يتعرض لتعيينه، بل اكتفى بالإشارة على أنّ لا بُدّ من تقديره وترك تعيينه للناظر
في كتابه.، وللنحويين فيه مذهبان:
أحدهما: أن يقدّر «إذا كان»، أو «إذ كان»، وهى التامة لا الناقصة، فكأنه قال: ضربي زيدًا ثابت إِذا كان قائما.
ثم ناب الظرف عن الخبر، فصَار هو الخبر، ثم حذف لسدّ الحال مَسَدّه.
وهذا تقديرُ الجمهور من البصريين.
والثاني: أن يُقَدّر مصدرٌ مضاف إلى صاحب الحال، كأنه قال: ضربى زيدًا ضَرْبُه قائمًا.
وهذا منقُولٌ عن الأخفش، وهو الذى ارتضى المؤلفُ في التسهيل، وَشرحِه: واحتج على رجحانه على مذهب الجمهور، وَجَجلَب ذلك، والترجيح بين المذهبين لا داعى إلى ذكره هنا؛ إذ ليس من ضروريات شَرْحِ هذا النظم، لأنّه لم يتعرّض لذلك، فلا تعرض له.
وقد تحصل للناظم أربعةُ مواضعَ مما يلزمُ فيه حَذْفُ الخبر، وهى التى ذكر في التسهيل وغيره، وهى التي اشتهر ذكرها وثبت قياسُها.
وثَمّ أشياءٌ أُخَر غير قياسيّةٍ لم يتعرض لها من حيث لم تكن من قصده، كقولهم: حَسْبُك يَنَمِ اس.
فحسبك: مبتدأٌ، ناب ع خبره الجواب.
وقد قال الأخفش: إِنّ لا خبر له لتأوّله باكفف.
وقالوا: لحقٌّ أنه ذاهب، تقديره: لحقٌّ ذلك أمرك إلا انهم حذفوا الخبر.
وقالوا: كلاهما وتمرًا.
وكل شيءٍ ولا شَتيمةُ حُرٍّ.
وما كان نحو هذا من القليل (الذى ينقل ولا يقاس عليه).
(ثم قال)
/ وَأَخْبَرُوا بِاثْنَينِ أَوْ بِأَكْثَرا
عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا
هذه مسألة من مسائل المبتدأ والخبر، وهى: هل يقتضى المبتدأ الواحد أكثر من خبر واحد أم لا؟ ولا بُدّ قَبْلَ النظر في كلامه من تعيين مَحَلِّ السؤال.
وذلك أن المبتدأ إذا كان واحدًا وأُخْبِر عنه بأكثر من خَبَر واحدٍ فَهُو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يتعدد لفظًا ومعنى لتعدُّدِ المبتدأ في نفسه حقيقةً، نحو قولك: بنو فلان فقيهُ وكاتبٌ وشاعر، وأخواك صالح وعالم.
ومنه قول الشاعر:
يداك يدٌ خَيْرَها يُرْتَجَى
وَأُخْرَى لأعْدَائِها غَائِظَهْ
وقال آخر:
كفّاكَ كفٌّ لا تُلِيقُ دِرْهَمَا
جُودًا، وَأُخْرَى تُعْط بالسّيْفِ الذمَا