شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 135-174

الضمير في "رفعه" عائد على "الجزاء" على حذف المضاف، يعني أن رفع الفعل المضارع الواقع جزاء، إذا كان فعل الشرط مضارعا، ضعيف نادر، لم يقل: إنه شاذ، كما قال غيره: من أنه لا يجوز إلا في الشعر، لأن مثل هذا عنده ثبت في النثر، حكى ابن جنى في "المحتسب" عن طلحة بن سليمان أنه قرأ: } أينما تكونوا يدرككم الموت} برفع "يدرككم".
وفي الشعر من هذا جملة صالحة، نحو قول جرير بن عبد الله البجلي أنشده في الكتاب: يا أقرع بن حابس با أقرع... إنك إن يصرع أخوك تصرع.
وأنشد أيضا للعجير السلولي: وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي... ولكن متى ما أملك الضر أنفع.
والقوافي مرفوعة.
وقال الآخر:

فقلت له احمل فوق طوقك إنها... مطبعة من يأتها لا يضيرها.
وهذا النوع قليل.
ووجه ما أشار إليه من ضعفه ما تقدم من أن العرب تكره أن يظهر لأداة الشرط عمل في اللفظ، ثم لا يكون له جواب مجزوم، وهكذا اجرى الأمر في كلامهم، على ما أخبر به سيبويه عنهم، وهو معنى ما علل به المسألة على الجملة.
وأما تأويل الكلام فعلى أحد وجهين: أحدهما: أن يكون على التقديم والتأخير، فيكون الفعل المرفوع دليل الجواب، لا جوابا حقيقة، كأنه قال: إنك تصرع إن يصرع أخوك، وكذلك: أنفع متى ما أملك الضر، ولا يضيرها من يأتها، كما تقدم في توجيه المسألة قبل هذا، فيكون مثل ما أنشده سيبويه: هذا سراقة للقرآن يدرسه... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب

أي: والمرء ذئب إن يلق الرشا.
وما أنشده أيضا لذي الرمة: وأنى متى أشرف على الجانب الذي... به أنت من بين الجوانب ناظر.
أي: إنني ناظر متى أشرف.
والثاني: أن يكون على حذف الفاء من الجواب، فإن الفعل المضارع بعد الفاء يرفع، فكأنه قال: إن يصرع أخوك فتصرع، ولكن متى ما أملك الضر فأنفع، ومن يأتها فلا يضيرها، فيكون على حد قول جابر بن ثابت، أنشده في الكتاب: من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشر بالشر عند الله مثلان.
وأنشد.
أيضا للأسدي.

بني ثعل لا تنكعلوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم / التقدير: فالله يشكرها، ومن ينكع العنز وظالم.
وكلا التوجيهين لا يجوز إلا في الشعر عند الجمهور، ولكن الذي يعطيه لفظ الناظم أن الرفع على حذف الفاء، لأنه جعله هو الجزاء بنفسه، لقوله: "ورفعه بعد مضارع فأعاد الضمير على الفعل الواقع جزاءا بنفسه، أي: ورفع الجزاء بعد مضارع وهن.
وهذا التوجيه مذهب المبرد، والأول لسيبويه، وكلاهما ممكن.
ويقال: وهن الإنسان يهن، ووهن بالكسر أيضا، ضعف، ووهنته أنا، وأوهنته، ووهنته.
واقرن بفا حتما جوابا لو جعل شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل.
قدم الناظم- رحمه الله- أن الفعل الماضي والمضارع يقعان جوابا للشرط، وأطلق القول في ذلك إطلاقا، ولم يبين أنه مقتصر به على الفعل خاصة، بل أشار إلى أن الفعل ينجزم إذا كان مضارعا، وغنه إذا كان ماضيا في موضع جزم، ولم يذكر ما يقع من غير ذينك الفعلين جوابا، ولا ما لا يصلح منها أن يكون كذلك، فذكر هنا ذلك.
ولما كان الواقع جوابا منه ما لا يحتاج إلى الفاء ولا يفتقر إليها، ومنه ما يفتقر إليها، بقاعدة حسنة مختصرة، حاصلها أن كل ما صلح من جهة المعنى أن يكون جوابا للشرط إن لم يمكن أن يأتي شرطاً لـ

(إن) أو غيرها من أخواتها، أي يقع بعدها- فهو مفتقر إلى الفاء، لا بد له منها.
وهذا معنى قوله: "إن جعل شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل" أي: لو فرض أن يجعل يلي أداة الشرط لم يصلح.
ويفهم منه أنه إن صلح جعله يلي الشرط فلا يقرن حتما بالفاء، فتقول: إن أكرمتني أكرمتك، بغير فاء، لأنك تقول: إن أكرمتك كان كذا، وكذلك تقول: إن تكرمني أكرمك، بلا فاء، لأنك تقول: إن أكرمتم يكن كذا، وكذلك إذا قلت: متى أكرمتك كان كذا، أو متى أكرمك يكن كذا.
وهذا صحيح.
(فإن قلت: إن تكرمني فقد أكرمتك، فلا بد من الفاء، لأنه لا يصلح أن تقول: إن قد أكرمتك، وكذلك: إن أكرمتني فزيد يكرمك، لا بد فيه من الفاء، لأنك] لا [إن قد أكرمتك، وكذلك: إن زيد يكرمك، كان كذا) وقد ذكر هذه القاعدة في "التسهيل".
والذي يحصل تفسيرها على الكمال أن يذكر ما يصلح أن يقع تاليا ل (إن) لما يخصه من الأوصاف، فإذا انحصر فما خرج/ عن ذلك فلا بد له من الفاء، فتقول: الأصل أن تكون جملة الجواب مصدرة بفعل متصرف، غير طلبي، ماض، مجرد من (قد) لفظا أو تقديرا، أو غيرها من الأدوات مطلقا، كالنفي ونحوه، أو مضارع مجرد، أو منفي ب

(لم) أو (لا).
وقد جمع هذا العقد أوصافا لها يصح وقوع الجملة جوابا من غير فاء.
أحدهما: أن تكون الجملة مصدرة بفعل، فلو كانت مصدرة باسم لم تصلح أن تقع جوابا للشرط دون فاء، لأنها لا تقع تالية للشرط، فلا تقول: إن تأتني زيد مكرمك، لأنك لا تقول: إن زيد مكرمك يكن كذا.
وما جاء مما يخالف هذا فشاذ يحفظ، نحو ما أنشده سيبويه: بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم وأنشد أيضا: من يفعل الحسنات الله يشكرها البيت فإن قيل: فأنت تقول: إن زيد قام أكرمه، فلم لا يجوز على ذلك أن يقال: إن أكرمتني زيد قام، فضابط الناظم يقتضي جواز هذا.
فالجواب: أن قولك: "إن زيد قام" ليست بجملة اسمية، وإنما هي فعلية، و"زيد" مرفوع بفعل مضمر من باب "الاشتغال".
ودليل ذلك أن (إن) من خواص الأفعال لا تدخل إلا عليها، لكنهم أضمروا بعدها لما كانت أم الباب، وأيضا لا يليها الاسم إلا وبعده فعل مفسر، كقوله تعالى: } وإن أحد من المشركين استجارك فأجره}.

فلو قلت: (إن زيد قائم) لم يصح فلا يصح، إذن أن تقول: إن قام زيد عمرو قائم.
نعم أسلم الإلزام إن كان ما بعد الاسم فعلا، نحو قولك: إن تأتيني زيد يقل ذاك.
فقوله: "زيد يقل ذاك" جملة مصدرة باسم، لكنه على إضمار فعل من باب "الاشتغال" ولذلك جزم "يقل ذلك" فكأنه قال: إن تأتني يقل زيد ذاك.
أجاز هذه المسألة سيبويه، وجعلها نظير: زيدا ضربته، لما كان الجواب موضع ابتداء على الجملة.
وقد منع المسألة الزجاج في "معانيه" ورد عليه الفارسي في "الإغفال" واستشهد بكلام سيبويه فيها، فإذا قد صار قولك: (زيد يقل ذلك) من وجه يصح أن يجعل شرطا ل (إن) لأنك تقول: إن زيد أتاني أكرمته، وإن زيد يأتي أكرمته، في الشعر.
فالحاصل أنك إن اعتبرت الفعل المقدر فهو معتبر في الشرط والجزاء، فتخرج الجملة عن التصدير بالاسم، فليس ما اعترض به من الجمل المصدرة بالاسم، وإن لم تعتبر التقدير، وإنما اعتبرت مجرد الظاهر، فاعتباره جار أيضا في / الشرط والجزاء.
وقد تقدم أنه جائز في الشرط على تقدير الفعل، فكذلك يجوز في الجزاء فلا اعتراض به، لأنا نقول: الجملة المصدرة بالاسم لا يمتنع وقوعها جوابا بغير فاء مطلقا، بل يمتنع في وجه، وهو إذا كان الاسم مبتدأ ليس على إضمار فعل، ويجوز في وجع، وهو إذا كان على إضمار الفعل.
وهذا ظاهر.
الوصف الثاني: أن يكون الفعل متصرفا، وقد تقدمت أمثلة ذلك.

فلو كان غير متصرف لم يصلح أن يقع جوابا دون فاء، لأنه لا يقع تاليا للشرط فلا تقول: إن تكرمني عسى أن أكرمك، ولا إن تكرمني نعم الرجل أنت.
كذلك (بئس، وليس) بل لا بد من الفاء، قال الله تعالى: } إن تبدو الصدقات فنعما هي}.
وقوله} إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا.
فعسى ربي}.
الآية.
وإنما امتنع ذلك لأنه لا تصلح هذه الأفعال أن تقع شرطا، فلا تقول: إن عسى أن تقوم، ولا إن نعم الرجل أنت، ولا ما أشبه ذلك.
الوصف الثالث: أن يكون الفعل غير طلبي، فإن كان طلبيا فلا يقع جوابا إلا الفاء وذلك قولك: إن قام زيد فأكرمه.
والأفعال الطلبية هي فعل الأمر كما ذكر، ومنه قوله تعالى: } قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}.
والنهي، نحو ما في قراءة ابن كثير: } ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخف ظلما ولا هضما}.
والدعاء، نحو قوله تعالى: } وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا}.
وفي الحديث: (اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها).
وكذلك (لا تفعل) في الدعاء، وكذا إذا كان الدعاء بالماضي أو المضارع، نحو: إن قام زيد فغفر الله له، وإن قعد فيرحمه الله.

ومنه ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته... فقام بفأس بين وصليك جازر.
ف "قام" (دعاء عليها، وقد يكون الفعل طلبيا بالأداة- لداخلة عليه، كالاستفهام، والعرض، والتحضيض، (ونحو ذلك، فتلزم الفاء، لكن هذا داخل تحت القد الآخر، وهو قيد التجرد، فكل هذه الأفعال لا تصلح أن تكون جوابا إلا بالفاء، لانها لا تصل أن تلي أداة الشرط فلا تقول: إن اضرب زيدا، ولا يجوز ذلك).
والوصف الرابع: التجرد من الأدوات الداخلة، فأما في الماضي فأن يتجرد خصوصا/ من (قد) لفظا أو تقديرا، ومن غيرهما "عموما، فإن لم يتجرد عن (قد) في اللفظ فلا (تقع جوابا دون الفاء، لأنه لا يصح أن يلي الصرط، فلا تقول: إن أكرمتني قد أكرمتك، (لأنك لا تقول: إن أكرمتك) وكذلك إن قدرتها، فإنها في حكم المنطوق بها، فلا بد من الفاء، نحو قوله تعالى: } قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}.

وقوله تعالى: } إن كنت قلته فقد علمته} والتقدير كقوله تعالى: } إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذابين.
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين}.
ودليل كونه على تقدير (قد) أنه ماض في المعنى، لأن الصدق ليس مسببا عن كون القميص قد من قبل، ولا الكذب مسببا عن كونه قد من دبر، فكأنه قال: إن كان قميصه قد من قبل فقد صدقت، أي فقد كان قولها صادقا، وكذلك في الطرف الآخر.
وكذلك إن لم يتجرد عن غير (قد) عموما فلا بد في وقوعه جوابا من الفاء، كما إذا دخلت عليه أدوات الاستفهام، أو العرض، أو التحضيض، أو النفي، أو نحو ذلك، كقولك: إن أكرمتني فهلا أكرمت عمرا، وإن قام زيدا غما قام عمرو.
وأما التجرد في المضارع فأن لا تدخل عليه أداة من الأدوات ما عدا (لم) و (لا) فلو دخل عليه حرف من حروف الاستفهام أو العرض، أو السين، أو سوف، أو قد، أو غير ذلك لم يستغن في كونه جوابا عن الفاء، فتقول: إن أكرمت زيدا فهل تكرم عمرا؟ أو فهلا تكرم عمرا، أو فسوف تكرم عمرا.
قال الله تعالى: } فإن استقر مكانه فسوف تراني} أو فقد أكرمك.
ولا تقول: إن أكرمتني سوف تكرم زيدا، ولا قد تكرم زيدا، لأن واحدة من تلك الأدوات لا يصح أن تلي أداة الشرط إلا (لم) و (لا) فإن الفاء لا يفتقر إليها معهما، فتقول: إن قام زيد لم يقم عمرو (وإن قام زيد لا يقم عمرو، لأنك تقول:

إن لم يقم زيد لم يقم عمرو) وإلا تقم أقم.
قال الله تعالى: } فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} الآية.
وقال: } إلا تنصروه فقد نصره الله}.
فإذا تقرر هذا ثبت أن ما اجتمعت فيه من الجوابات هذه الأوصاف الأربعة لم تلزمه الفاء، فتقول: إن تكرمني أكرمك، وإن أكرمتني أكرمتك، ونحو ذا لا تقدم له أمثلة كثيرة، وكلها يصح أن يقع فعل شرط.
فإن قيل: قول الناظم "واقرن بفا حتما جوابا/صفته كذا" إلى آخره لا يخلو أن يريد ما عدا ذلك لا تقرن به الفاء أصلا، لصحة وقوعه شرطا، فإذا جاء أحد الفعلين الموصوفين جوابا لم تدخل عليه الفاء أصلا، فيكون "حتما" وصفا لا يفيد مفهوما في المسألة.
أو يريد أن ما عدا ذلك لا تلزمه الفاء حتما، بل قد تأتي مع احد الفعلين الفاء، وقد لا تأتي، فأنت في ذلك بالخيار، ويكون وصف "الانحتام" يعطي مفهوما، وكلا القصدين غير مستقيم.
فإن كان قصده الأول لزم أن لا تدخل الفاء مع الموصوف بما ذكره أصلا، وذلك باطل، فإن الفاء معه جائزة الدخول، فتقول: من يكرمني فأكرمه، وإن تأتني فأعطيك، قال الله: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا﴾.
وقال تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾.
وقال تعالى: ﴿قال ومن كفر فأمته قليلا﴾.
وهو كثير.

وإن كان قصده الثاني لزم أن يجوز الوجهان في الفعل الماضي الموصوف بما ذكر، وذلك باطل أيضا، فغن الماضي الذي هو مسبب عن فعل الشرط لا تدخله الفاء فلا تقول: إن قام فقام عمرو، ولا إن أكرمتني فأكرمتك، ولا يثبت الذي كان بقوله: فقام بفأس بين وصليك جازر لأن "قام" دعاء، ولا بقوله تعالى: ﴿فصدقت وهو من الكاذبين﴾ لأنه على تقدير (قد) كما لو ظهرت، وليس "الصدق" مسببا عن الشرط، بل هو قيله، ومثله لا يصح أن يقع شرطا لأنه غير مستقبل ب (إن) فعلى كل تقدير هذا المفهوم الذي أعطاه النظم غير منتظم في سلك الصحة، إلا أن يقال: إن المفهوم هنا معطل، فهو على خلاف عادته، ويقتضي إهمال مسألة من الباب، هي غاية الشهرة، والحاجة إليها ضرورية.
فالجواب أن كل واحد من القسمين صحيح، فأما الأول، وهو كون ما عدا ما ذكر لا يقرن بالفاء أصلا، فصحيح، لأن المضارع على قسمين: أحدهما: أن يكون في الجواب على تقدير مبتدأ، فلا بد هنا من الفاء لزوما، لان الجملة صارت اسمية.
والاسمية لا بد فيها من الفاء كما تقدم ذكره.
وعلى ذلك حمل المضارع بعد الفاء كما تقدم ذكره.
وعلى ذلك خمل المضارع بعد الفاء سيبويه والنحويون.
فإذا قلت: إن تكرمني فأكرمك، فالمعنى فأنا أكرمك، لأنه واقع عند

سيبويه موقع الابتداء.
قال السيرافي: ولولا هذا لم يحتج إلى الفاء، يعني لولا أنه وقاع موقع الابتداء، والمعنى / فأنا أكرمك، لم يحتج إلى الفاء.
وقال ابن خروف في قول سيبويه: وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ: هذا نص بأنه لا يرفع بعد الفاء إلا على البناء على المبتدأ ظاهر أو مضمر.
قال: ولذلك أدخلها، يعني الفاء، ولو لم يرد الاسم لم يدخلها، ولجزم الفعل.
وعلى هذا أيضا حمل ابن خروف كل ما دخلته الفاء من الجوابات، فجعل الأجوبة أخبار مبتدآت، كقوله تعالى: ﴿إن كنت ثلته فقد علمته﴾ وكذلك قوله: ﴿فقد سرق أخ له من قبل﴾.
وإذا كان كذلك فالجملة الجوابية لا رابط لها إلا أن يؤتى بالفاء لتربطها بالجملة الشرطية، إذا كان الجزم الحاصل به الربط مفقودا، ليس على تقدير الظهور، وهي في ذلك نظير جملة الحال، في أنها لا بد فيها من الواو وإن لم يكن فيها ضمير عائد على ذي الحال، إذ لا بد من الربط بينهما.
وبهذا المعنى يتوجه دخول الفاء حيث دخلت.
ومن تلك الجهات كلها لم يصح أن تقع تالية للشرط، لأن الشرط مختص بالفعل، لا يدخل على سواه، فإذا كان كذلك فقد دخل هذا القسم تحت ضابطه الذي يقتضي

لزوم الفاء.
والقسم الثاني: ألا يكون الفعل على تقدير مبتدأ أصلا، فلا بد من الجزم، لأنه لا مانع من دخوله، ولا مسوغ لغيره، وليس هذا بموضع للفطء، لأنه لمعنى الشرط وهو حاصل بالجزم، فلا يصح أن تدخل الفاء هنا أصلا، وهو الذي يعطيه المفهوم (على التقدير الأول، فلا خلل في عبارته هذا في المضارع).
وكذلك الماضي أيضا على قسمين: أحدها: أن يكون مستقبل المعنى بالشرط، فلا بد هنا اجن التجرد عن الفاء، إذ ليس الماضي هنا على تقير (قد).
وأيضا فعلى ما قاله ابن خروف: إنما تدخل الفاء إذا كان الفعل في تقدير مبتدأ، فإذا لم يكن كذلك فلا مدخل للفاء، وهو ما أعطاه المفهوم، من جهة أن الماضي في موضع جزم، لأنه في موضع المستقبل الذي يحصل فيه الربط بالجزم.
والثاني: أن لا يكون مستقبل المعنى بالشرط، بل يكون على تقدير (قد) فقد دخلت (قد) في التقدير فهي كالظاهرة، وأني إذا أتيت بها لا بد لك من الإتيان بالفاء، إذ لا بد من الربط، فقد دخل هذا القسم تحت ضابط لزوم الفاء، فالكلام صحيح.
وأما الثاني، وهي ما أعطاه المفهوم من أن ما عدا ما ذكر غير لازمة فيه الفاء/ بل يجوز أن تلحق وأن لا، فصحيح، لأن الحاصل من المضارع إذا وقع جوابا أنه يجوز فيه الأمران، لكن على قصدين مختلفين، فإذا لم تأت بها فهو بننفسه الجواب.
وإن أتيت بها فالجواب

جملة اسمية، وذلك لا يقدح في إطلاق جواز الوجهين، فكم من موضع في الكلام يكون الوجهان المختلفان فيه في اللفظ على قصدين مختلفين، بل هذا عند أهل البيان لازم، بخلاف ما إذا كان المضارع غير مجرد، فإنه لا بد من الفاء ولا يجري فيه وجه سوى ذلك، فلحاق الفاء فيه عند ذلك حتم.
والحاصل أيضا من الماضي غير المقرون بقد في اللفظ كما ذكر في المضارع، لأنه إذا كان يجوز فيه أن يؤتى بالفاء وأن لا يؤتى بها، لكن على قصدين، فقد جاز الوجهان، فالفاء غير لازمة.
ولا يقال: إن الماضي مع الفاء مقرون ب (قد) تقديرا، فهو كاللفظ بها معه، فلم يصح أن يكون في الماضي المجرد وجهان لأنا نقول: هو مجرد لفظا، فالوجهان جائزان، وأيضا فلحاق الفاء مع قطع النظر عن تقدير (قد) إنما يكون على إضمار المبتدأ كما تقدم من كلام ابن خروف، فلا اعتبار بتقديرها.
فكأنها لم تقدر إذا كان الحكم في الإتيان بالفاء وغيرها وهو تقدير المبتدأ.
فإذا ثبت هذا كان الفعل الماضي والمضارع المذكوران يجوز فيهما الوجهان على الجملة فكلام الناظم صحيح وقوله: "واقرن بفا" أراد: بفاء، بالمد، لكن قصر ضرورة، فصار مثل ما حكى من قولهم: شربت ما يا فتى.
وفي هذا النظم منه مواضع كثيرة.
وقوله: "لو جعل" جملة شرطية في موضع الصفة ل"جوابا" أي جوابا هذه صفته، و"انجعل: فعل مطاوع ل (جعل) تقول: جعلت الشيء في موضع كذا فانجعل، وذلك قياس في (فعل) المقصود به العلاج، نحو: قسمته فانقسم، وفصلته فانفصل، وصرفته فانصرف، وما أشبه ذلك.
ثم قال.

وتخلف الفاء إذا المفاجاة.... كإن تجد إذا لنا مكافأة يعني أن (إذا) التي للمفاجأة، وهي التي في قولك: خرجت فإذا زيد قائم، تقوم مقام الفاء، فتقع في موضعها خلفا منها، كما في المثال المذكور، وهو إن تجد إذا لنا مكافأة ومثله: إن يقم زيدا إذا هو ماثل بين يديك.
ومنه قوله تعالى/: ﴿وغن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ ومنه أيضا: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا﴾.
قال الفراء: العرب تجعل (إذا) تكفي من (فعلت، وفعلوا) لو قال مكانها: (مكروا) لكان صوابا.
وإنما وقعت (إذا) المفاجأة بدلا من الفاء لشبهها بها، في أن كل واحدة لا تقع مبتدأة ك "غنما" وغيرها من حروف الابتداء، بل لا بد أن تقع مبنية على كلام، وأيضا (إذا) في الآية واقعة موقع الفعل، كأنه قال: قنطوا، كما أن الفاء في الجواب واقعة موقع الفعل، فلما اشتبها في هذا التصرف وقعت (إذا) موقع الفاء لذلك، ليس ذلك لكونها في معناها، لأن الفاء تدخل على (إذا) فتقول: خرجت فإذا زيد قائم.
وفي كلامه في (إذا) نظر من وجهين:

أحدهما: أنه يقتضي أن (إذا) تخلف الفاء حيثما وقعت، فكل موضع تقع فيه الفاء يصح أن تقع فيه (إذا) فإذن يقتضي أن تقول في نحو قولك: إن تقم فعسى أن تأتني، إن تقم إذا عسى أن تأتيني، وفي (إن تقم فقد قام عمرو): إن تقم إذا قد قام عمرو، وما أشبه ذلك من المواضع التي تدخل فيها الفاء.
وليس كذلك، بل (إذا) إنما تدخل على الجملة الاسمية خاصة، ولا تدخل على كل الجملة الاسمية، بل على غير الطلبية، فلا تقول: إن تأتني إذا هل أنا مكرمك؟ كما تقول: إن تأتني فأنا مكرمك، وإنما تقول: إن تأتني إذا أنا مكرمك، كما في الآية: } إذا هم يقنطون} وكما في مثاله "إذا لنا مكافأة" وأما غير ذلك فلا، لأنها مختصة بالجملة الاسمية، ألا ترى أنه لا يجوز بعدها نصب الاسم على إضمار فعل من باب "الاشتغال" بل يلزم الرفع على الابتداء، نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، وهو مذهب الناظم في (إذا) كما مر تقريره في بابه، فإطلاق هذا الكلام مشكل كما ترى.
والثاني: انه نص في "التسهيل" على أن (إذا) لا تقع في موضع الفاء إلا إذا كانت جوابا ل (إن) خاصة، فقال: وقد تنوب بعد (إن) (إذا) المفاجأة عن الفاء في الجملة الاسمية غير الطلبية.
فقيد النيابة بأن تكون بعد (إن) وبأن يكون ما بعدها جملة اسمية غير طلبية، وهو ما ذكر قبل هذا.
وعلى هذا المعنى شرح ابنه هذا الموضع في "التكملة".
وإذا استقرأت كلام العرب فقلما تجده إلا على ما قال، وهذا النظم

يقتضي أن تقع بعد (من) و (ما) و (متى) وغيرها من الأدوات فتقول/: من يكرمني إذا أنا أكرمه، ومتى تأتني إذا أنا أحسن إليك، وما أشبه ذلك، وهذا غير مقول كما ذكر.
والجواب: أن تمثيله قيد فيما ذكر، إذ لم يأت (إذا) جوابا إلا بعد (إن) ومع الجملة الاسمية غير الطلبية، ذلك قوله: "كإن تجد إذا لنا مكافأة" فإنه قال: "وتخلف الفاء المفاجأة" فيما كان نحو هذا المثال، ومن عادته إفادة التقييد بالمثل، وقد مر من هذا شيء كثير.
و"الفاء" في قوله "وتخلف الفاء" مفعول ب"تخلف" و"إذا المفاجأة" هو الفاعل، يقال: خلف فلان فلانا، إذا جاء بعده، وخلفه إذا كان خليفة بعده، ومنه قوله تعالى: } اخلفني في قومي}.
والمكافأة: المجازاة، يقال: كافأته على ما كان منه مكافأة، وكفاء: جازيته على فعله.
والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن.
ذكر الناظم- رحمه الله- في آخر هذا الباب مسائل تتعلق بأصل الباب، فذكر منها مسألتين يشترك في النظر فيهما باب النواصب والجوازم، وذلك فيما إذا عطف على الفعل الشرطي، أو على الفعل الجزائي.
وابتدأ بذكر العطف على فعل الجزاء فقال: "والفعل من بعد الجزا إن يقترن" إلى آخره.

يريد أن الجزاء إذا عطف عليه فعل بأحد حرفين، وهما الواو والفاء، فإن ذلك الفعل يجوز فيه ثلاثة أوجه، وهو التثليث الذي ذكر] أنه [مستحق لها، وهو معنى قوله: "قمن" أي جدير وخليق بها، وإنما قال ذلك لكونها عنده جارية على القياس، صحيحة التنزيل على حسب ما يذكر بحول الله.
وذكر الجزاء مطلقا، وهو أعم من أن يكون بالفعل أو بغيره، ولم يقيده بالفعل الذي يظهر فيه الجزم، أو يكون في تقدير الظهور وهو المضارع والماضي، لأن الحكم واحد فيما إذا كان كذلك، أو كان جملة اسمية أو غير ذلك، فتقول إذا كان فعلا: إن تكرمني أكرمك وأحسن إليك، بالجزم، وأحسن إليك، بالرفع، وأحسن إليك، بالنصب.
وكذلك الماضي تقول: إن أتيتني أحسنت إليك وأكرمك، وأكرمك، وأكرمك.
وكذلك إذا كان الجزاء غير الفعل المتقدم نحو: إن تزرني فأنا محسن إليك وأكرمك، بالجزم، وأكرمك، بالرفع، وأكرمك بالنصب.
وشرط الناظم في هذا الجواز أن يكون العطف بأحد هذين الحرفين، وهما الفاء والواو.
فمثال الفاء قوله تعالى: } وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله/فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} قرئت هذه الآية بالثلاث الحركات في "يغفر" و"يعذب" فقراءة الجزم لمن عدا.
نافعا

وابن عامر.
وقراءة الرفع لهما، وقراءة النصب في غير السبع، حكاها سيبويه، وهي مروية عن ابن عباس وأبي حيوة والأعرج.
ومثال الواو قوله تعالى: } وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر "ونكفر" بالرفع مع النون، وكذلك ابن عامر وحفص إلا أنهما قرأ بالياء، وقرأ الباقون بالنون والجزم، وروى عن الأعمش أنه قرأ بالنصب مع النون.
وقال تعالى: } من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} قرأ أبو عمرو وعاصم بالرفع مع الياء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، والباقون برفع الراء مع النون، وأنشد سيبويه في النصب للأعشى:

ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا وتدفن منه الصالحات وإن يسئ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا.
وقد حمل على هذا قول عنترة: متى ما تلقنى فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا.
فإن كان العطف بغير الواو فمقتضى كلام الناظم أن ثلاثة الأوجه لا تجوز في المعطوف، وكذلك الحكم عند سيبويه والبصريين أن الفعل إذا عطف ب (ثم) أو غيرها، فالتثليث غير جائز، بل إنما يجوز عندهم في ذلك وجهان: أحدهما: التشريك في الجزم، فتقول: إن تأتني آتك ثم أحسن إليك.
والآخر الرفع فتقول: وأحسن إليك.
ومن الأول قوله تعالى: } وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

ومن الثاني: قوله تعالى: } وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون}.
وذلك أن الرفع والجزم أمرهما ظاهر، ولذلك جازا في غير الواو والفاء، فالجزم على التشريك إما في اللفظ إن كان الجزم ظاهرا، وإما في الموضع إن لم يكن كذلك، والرفع على الاستئناف.
وأما النصب فعلى منزع (ما تأتينا فتحدثنا) كأن قولك: إن تكرمني أكرمك وأحسن إليك، أو فأحسن إليك، أردت به: إن تكرمني يكن مني إكرام لك؛ وإحسان، أو فإحسان، ولا يجوز إظهار (أن) ها هنا كما تقدم.
وإنما اختص هذان الحرفان بهذا الحكم للوجه الذي اختصا لأجله بدخولهما في الأجوبة الثمانية، لما/ في الفاء من معنى السببية، ولما في الواو معنى المعية، وكل واحد من هذين المعنيين يقتضي الاتصال بما قبل، بخلاف غيرهما من الحروف فإنها ليست كذلك قال سيبويه: واعلم أن (ثم) لا ينصب بها كما ينصب بالواو والفاء، ولم يجعلوها مما يضمر بعده (أن) وليس يدخلها من المعاني ما يدخل في الفاء، وليس معناها الواو، ولكنها تشرك ويبتدأ بها.
وإذا كان الأمر ما قرره لم يكن النصب بعد (ثم) أو غيرها إلا من باب قوله.

وألحق بالحجاز فأستريحا وقد جعلوا النصب مع الفاء والواو ضعيفا، لأنه عطف على الجزاء وهو واجب، والنصب إنما بابه غير الواجب، لكنه في الجزاء قوي من حيث كان الجزاء ليس بواجب الوقوع إلا بعد وقوع الأول، فلما كان كذلك ضارع مالا يوجب الفعل كالاستفهام، فنصبوا لذلك.
وقد تقرر أن هذا في الفاء والواو ولمعنى فيهما] فلا يلحق بهما [غيرهما، لأنه إما للتشريك، ولا إشكال، وإما للاستئناف، ومعنى النصب خارج عن هذين.
وقوله: "إن يقترن" أتى به مضارعا على الوجه الأقل، لأن الجواب محذوف لدليل قوله: "والفعل من بعد الجزاء بتثليث قمن".
ونظيره من كل وجه بيت الكتاب: هذا سراقة للقرآن يدرسه... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب.
ويقال: هو قمن لكذا، وقمن به، أي حقيق وجدير.
ثم أخذ يذكر العطف بالواو والفاء على فعل الشرط فقال: وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا يعني أن الفعل إذا وقع بين جملتي الشرط والجزاء فصارتا تكتنفانه، أي تحيطان به، وكان ذلك الفعل إثر واوا أو فاء- فجائز فيه وجهان:

أحدهما: الجزم، وذلك على التشريك في العامل، نحو قولك: إن تأتني فتنزل عندي أكرمك، أو: ونزل عندي.
والوجه الآخر: النصب، وذلك على ما تقدم من تقدير المصدر معطوفا عليه هذا الفعل بإضمار (أن) كقولك: إن تأتني فتنزل عندي أكرمك، أو: وتنزل عندي.
والتقدير: إن يكن منك إتيان فنزول أكرمك، أو مع نزول.
والنصب هنا أمثل شيئا منه في المسألة الأولى، لأن العطف هنا على فعل الشرط، وفعل الشرط غير واجب، فكان قريبا من الاستفهام والأمر والنهي، ونحوهما.
ومن مثل الوجه/ الثاني ما أنشده سيبويه من قول ابن زهير: ومن لا يقدم رجله مطمئنة.. فيثبتها في مستوى الأرض يزلق.
والنصب في هذه المسألة أيضا ضعيف، لأن النصب في قولك: إن تأتني فتحدثني أكرمك، معناه معنى الجزم، إذ كان قولك: (إن يكن منك إتيان فحديث أكرمك) في معنى قولك: إن تأتني فتحدثني أكرمك، فكرهوا أن يتخطوا به من بابه إلى باب آخر من غير زيادة معنى.
وأما البيت فالنصب فيه جيد، لأنه إثر النفي حسن كما تقدم، سواء كان بعد شرط أولا.
ومنع الناظم الرفع في هذا الفعل، لأنه أجاز الجزم والنصب بعد ما أجاز في المسألة الأولى الأوجه الثلاثة، فدل على أن الثالث غير جائز،

فلا يجوز على هذا أن تقول: إن تأتني فتحدثني أكرمك، ولا: وتحدثني، بالرفع، لأن "فتحدثني" موضوع موضع (محدثا) كما كان كذلك لم يأت بحرف العطف.
ولو قلت: إن تأتني ومحدثا أو فمحدثا- كان الكلام فاسدا لأنه ليس في الكلام منصوب يعطف عليه.
وأما ضمير "تأتني" فلا يصح العطف عليه، وإذا كان كذلك لم يكن للرفع وجه.
هذا معنى تعليل سيبويه.
وقد أجاز ابن خروف الرفع مع الواو خاصة على الحال، كأنه قال: إن تأتني وأنت تسألني، ولا يقدر الفعل مع الواو إلا بالجملة، فلا يقدر "وسائلا" كما يقدر: نجوت وأرهنهم مالكا.
بالجملة، أي: وأنا أرهنهم.
والناظم لم يرتض هذا، بل وقف مع سيبويه والجماعة، لكن قد مضى له في باب "الحال" جواز وقوع المضارع المثبت حالا مع الواو، على إضمار المبتدأ، ومخالفة من ذهب إلى المنع في المسألة، فما باله منع ذلك هنا؟ فكان الأولى به أن يجيز الرفع مع الواو، لأن ما ألزم سيبويه هنا من وقوع الحال مع الواو قد أجاب عنه بأنه على تقدير الجملة، كما قاله ابن خروف، واستدل عليه بالسماع، فهو لازم له، فاقتصاره مع الواو على الوجهين غير سديد، أما مع الفاء

فلا سبيل إليه، فكان من حقه أن يجمع بين كلاميه.
وقيد جواز الوجهين في المسألة بشرطين ذكرهما: وأحد الشرطين: أن يكون العطف بالفاء أو الواو كما مر، فدل أن ذلك عنده مختص بهما، ولا يجوز في غيرهما، وهو رد لما أجازه الكوفيون فيما نقل عنهم في (ثم) من النصب، كما أجازه الجميع في الواو/والفاء، فيقولون: إن تأتني ثم تحدثني أكرمتك، بنصب "تحدثني" ومن حجتهم في هذه قراءة من قرأ: } ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} بنصب "يدركه" وهي قراءة قتادة ونبيح والجراح.
وقد قرئ بالرفع، وهي لطلحة بن سليمان وإبراهيم النخعي.
والجزم قراءة الجماعة.
وهذه القراءة لم يثبت البصريون بها حكما، لندورها وكونها في القياس كقوله: وألحق بالحجاز فأستريحا لكنها امثل قليلا، لأن الشرط ليس بواجب في نفسه، وقد تقدم وجه اختصاص الواو والفاء بهذا الحكم دون غيرهما، فالأولى عدم القياس في غيرهما.
والشرط الثاني: أن يكون الفعل مكتنفا بجملتي الشرط والجزاء، وذلك قوله": "إن بالجملتين اكتنفا" يعني أنه لا بد من أن تكون جملة

الشرط وجملة الجزاء قد أحاطتا به، فصار بينهما، وقد تقدم تمثيل ذلك.
واكتنفا" في كلامه من قولهم: اكتنف القوم، إذا اتخذوا كنيفا لإبلهم، والكنيف: حظيرة من شجر تجعل للإبل، أي إن اتخذ بالجملتين كنيفا.
ولا يكون من: اكتنف القوم زيدا، أي أحاطوا به، لأنه أتى بالفعل مستندا إلى ضمير الفعل، وليس هو المحيط بالجملتين، بل هما المحيطان به، فإنما يريد أنه اتخذ بهما كنيفا، أي ما يجري مجراه.
فإن قلت: ما الذي احترز بقوله: "عن بالجملتين اكتنفا" وهو إنما يريد أن يكون ذلك الفعل تابعا لجملة الشرط، سواء أكانت الجملتان تكتنفانه أم لا، فيظهر أن وصف الاكتناف غير محتاج إليه.. فالجواب: أن هذا الكلام أحرز به أمرين: أحدهما: ما تقدم من كونه تابعا لجملة الشرط لا لجملة الجواب، إذ تقدم الحكم في ذلك.
والآخر: أنه قصد أن يكون الفعل المعطوف بالواو أو الفاء زائدا على فعل الجواب إن كان فعلا، لأنه إن لم يكن زائدا على ذلك فهو الجواب بعينه، وذلك يتصور في المعطوف بالفاء، وإذا كان هو الجواب بعينه فلا يجوز فيه هذان الوجهان أصلا، بل يلزم فيه بعد الفاء الرفع، كقولك: إن تأتني فأحدثك، وذلك أن الشرط في الأصل جملة مبناها على فعل وفاعل.
والجواب جملة أخرى بائنة من الأولى، مبناها على مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، ربط إحداهما بالأخرى جرف (إن) أو غيره من أخواته، ولا حاجة إلى الفاء إذا كان الجواب فعلا، وجئ بها لما احتيج إلى الجواب بالابتداء والخبر، ثم جعل مكان المبتدأ الفعل فارتفع، وليس الجواب الفاء إذا كان مرفوعا مثل ما انتصب/ بين المجزومين،

لأن ما انتصب بين المجزومين مصدر معطوف على مصدر فعل الشرط.
ولو قلت: إن يكن إتيان فحديث، وسكت، فليس ذلك بمعطوف على مصدر فعل الشرط، بل هو مرفوع على تقدير مبتدأ بعد الفاء، تقديره: فأمري حديث، أو نحو هذا.
هذا تعليل السيرافي، وهو معنى ما في الكتاب من قول سيبويه: وإنما منعه أن يكون مثل ما انتصب بين المجزومين أن هذا منقطع من الأول- يعني قولك: فأحدثك- ألا ترى أنك إذا قلت: إن يكن إتيان فحديث أحدثك، فالحديث متصل بالأول، شريك له، وإذا قلت: إن يكن إتيان فحديث، ثم سكت، وجعلته جوابا لم يشرك الأول، وكان موتفعا بالابتداء.
فعلى هذا بنى الناظم.
وقد تقرر من هذا أن كلا الوجهين لا يجوز في جملة الجواب، فلا يجوز الجزم، لأنه مقرون بالفاء، وليس بمعطوف، ولا يجوز النصب، لأنك لم تقصده، فلا بد من الرفع، فلهذا شرط الناظم شرط "الاكتناف" وظهر منه أن ما أجازه ابن طاهر (من النص مع الفاء لم يرتضه، وإنما أجازه ابن طاهر) في الشعر حملا على المعنى؛ لأنك إذا قلت: إن تأتني فأحدثك ف"أحدثك" هنا يتقدر بالمصدر كالجواب، وهو أيضا واقع، فوقع الشرط مثله، فجعل كالمنقطع لذلك، ولا يلتفت فيه إلى تقدير الاتصال إذا مثلته بالمصدر، لأنه تمثيل لا ينطق به، ويكون معنى الكلام: إن يكن إتيان يكن حديث، لأنك لو أزلت الفاء لجزمت،

فروعي ذلك.
وأجاز ذلك ابن خروف، وعلى هذا التأويل الذي بسطه عن شيخه، وهو ضعيف جدا، ولذلك لم يجزه إلا في الشعر.
الشرط يغني عن جواب قد علم... والعكس قد يأتي إن المعنى فيهم.
هذا الفصل يذكر فيه ما يعرض من الحذف للجملة الجوابية، أو للجملة الشرطية، وذلك أنه قد تقرر قبل في مواضع أن الحذف إنما يكون إذا علم المحذوف، وكانت عليه دلالة تعرف به، وأما إذا لم يكن ثم دليل فلا سبيل إلى الحذف.
والحذف ها هنا على ثلاثة أوجه: حذف جملة الجواب، وهو الأكثر، وحذف جملة الشرط، وهو دون ذلك، وحذفها معا، وهذا الثالث نادر، ولذلك لم يعرج عليه الناظم، ومنه قول النمر بن تولب: فإن المنية من يخشها... فسوف/ تصادفه أينما.
أي: أينما يذهب تصادفه، وكذلك قول الآخر:

قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيرا معدما قالت وإن أي وإن كان كذلك فأنا أتمناه وأرضاه، تعني البعل وابتدأ الناظم بذكر حذف الجواب فقال: " واشرط يعني عن جواب قد علم".
يعني أن جملة الشرط يغني ذكرها عن ذكر جملة الجزاء، فتحذف جملة الجزاء لعلم المخاطب بالمحذوف، ولا يعني بإغناء الشرط عن الجواب كون الشرط هو الدال بنفسه فقط، بل المقصود أنه يذكر دونه فيستقل الكلام، اتكالا على ما عند المخاطب من العلم.
والعلم الحاصل عند المخاطب قد يكون لتقدم ذكر معنى الجواب بعينه، ويكون لتقدم ما يدل عليه وليس به، وقد يكون لغير ذلك.
فمن الأول قولك: أكرمك إن أكرمتني، وآتيك إن أتيتني.
فالجواب المحذوف هنا هو عين ما تقدم، والتقدير: إن أكرمتني أكرمك، وإن أتيتني آتك، ولكن حذف لدلالة الأول عليه، وهذا مذهب البصريين، وقد تقدم ذلك، وتنبيه الناظم عليه، ومنه قوله: إنك إن يصرع أخوك تصرع وقوله: والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب

وهو كثير.
ومن الثاني قوله تعالى: } قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} فليس المعنى: إن كنت تقيا فإني أعوذ بالرحمن منك، وإنما المعنى: إن كنت تقيا فلا تقربني، (وقولك: فلا تقربني) دلت عليه الاستعاذة، لأن الاستعاذة هي طلب العوذ والبعد من كل ضار.
ومنه أيضا قوله تعالى: } إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا} الآية هو محذوف الجواب، تقديره: إن كنتم آمنتم فاقبلوا ما أمرتم به، لأن قوله: } واعلموا أنما غنمتم من شيء} حكم ألزمه المكلف، فدل على طلب القبول.
وكذلك يجري الحكم في جواب (لو) لأنها شرط، ومنه قوله تعالى: } ولو أن قرأنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} الآية، أي لكان هذا القرآن.
ومنه قول امرئ القيس: فلو أنها نفس تموت جميعة... ولكنها نفس تساقط أنفسا

أي لكان ذلك أهون، او نحو ذلك، ومنه ما يذكره إثر هذا في اجتماع الشرط والقسم.
ويعترض على الناظم هنا بأنه أطلق القول في فعل الشرط مع حذف الجواب والحق إذا كان محذوفا أن يكون فعل الشرط ماضيا، كما مضى في الأمثلة المتقدمة من نحو ذلك: أكرمك إن أكرمتني/ ولا يجوز: أكرمك إن تكرمني إلا في الشعر، وذلك لأن العرب تكره أن يظهر الجزم في الشرط، ثم لا ينجزم الجواب في اللفظ.
وقد مر ذلك، ومن هناك قل أن يأتي الجواب مرفوعا والشرط مجزوم، وكثر رفعه إذا كان فعل الشرط ماضيا كما تقدم، فكان من حق الناظم أن يبين هذا، ويقيد كلامه، فإنه يقتضي أن الجواب يحذف إذا علم مطلقا، سواء كان فعل الشرط ماضيا أو مضارعا، وهذا لا يصح، ولا أجد الآن له جوابا، إلا أنه لم يتعرض لذكر ذلك.
ثم ذكر حذف جملة الشرط فقال: "والعكس قد يأتي إن المعنى فهم".
يعني أن الشرط قد يحذف أيضا، ويبقى الجواب مذكورا، لكن إن كان المعنى مفهوما، أي معنى المحذوف وهو الشرط.
وكرر ذكر شرط "العلم" تأكيدا، وتذكيرا بان هذا لا يكون إلا عند المعرفة بالمحذوف كائنا ما كان، ولأمر آخر يذكر إثر هذا بحول الله.
وتحقيق "العكس" أن معنى ما تقدم أن الجواب يحذف دون الشرط، فإذا حولت هذه القضية قلت: إن الشرط يحذف دون الجواب، وقلل الحذف هنا بقد في قوله: "قد يأتي" يريد أنه ليس حذفه بكثير، كما كان

كثيًرا في الجواب.
ومثاله أن تقول: افعل كذا وإلا ضربتك تقديره: وإلا تفعل ضربتك.
ومنه قوله عليه السلام: "إما لا فأعني على نفسك بكثرة السجود".
التقدير: إن كنت لا تفعل غير هذا، أو لا تقول غير هذا فأعني، وفي حديث الغامدية قوله عليه السلام: "إما لا فاذهبي حتى تلدي" الحديث.
وكذا تقول العرب: إما لا فافعل كذا، أي أن كنت لا تفعل غير هذا فافعل كذا.
ومن ذلك قول الشاعر: فطلقها فلست لها بكفء... وإلا يعل مفرقك الحسام.
وقال الآخر:

فإما أن تكون أخي بحق... فأعرف منك غثى من سميني.
وإلا فاطرحني واتخذني... عدوا أتقيك وتتقيني.
وقال الآخر: أقيموا بني النعمان عنا صدوركم... وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا.
وعلى الناظم هنا إشكال، وهو أنه أطلق القول بالحذف، ولم يقيده، وحذف جملة الشرط لا يجوز على ما ذكر في "التسهيل" إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون الجازم (إن) دون غيرها من الأدوات، ومنه ما تقدم من الأمثلة، فإن كان غير (إن) فلا يجوز، لا يقال: من يأتني أكرمه ومن لا فلا أكرمه، وكذا لا يقال: متى تمدح زيدا يعطك، ومتى لا فلا يعطك، ونحو ذلك، لأن السماع/ غنما جاء في (إن) وحدها، وهو فيها قليل، كما أشار إليه فلا يتعدى.
والثاني: أن يقع بعد (إن) لا النافية كما تقدم تمثيله، فإن لم يقع بعدها (لا) فلا يجوز الحذف، فلا تقول: إن جئتني فانا آتيك وإن فلا آتيك، أو تقول: إن أحسنت إلي أكرمتك وإن فلا أكرمك، تريد: وإن أبغضتني فلا آتيك، وإن أسأت إلي فلا أكرمك، ومثل هذا لا تقوله العرب.

وكلام الناظم ينتظم بإطلاقه هذا كله، ولأجل ذلك قال في "التسهيل" ويحذف الجواب كثيرا لقرينة، وكذا الشرط المتلو ب (لا) تالية (إن).
والجواب عن الشرط الأول أنه يمكن أن يكون لم يراع شرط وجود (إن) بل يجوز عنده قياسا أن يقال: من يأتني أكرمه، ومن لا فلا أكرمه، وكذا في سائر الأدوات، ولا مانع من هذا في القياس، وإن كان السماع إنما ورد ب (إن) فليس في ذلك ما ينفي القياس في غيرها، وعلى أن ابن الأنباري قد حكى في كتاب "الإنصاف" له عن العرب: من سلم عليك فسلم عليه، ومن لا فلا تعبأ به.
وهذا نص في الجواز.
وعن الثاني أن وجود (لا) مع الأداة قد أعطاه قوة كلامه لأنه اشترط فهم المعنى بقوله: "إن المعنى فهم" وذلك أن (لا) إذا جاءت مع (إن) يظهر أنها نفي لما تقدم إثباته، وإذا كانت كذلك فقد لزم العلم بما نفت، وذلك هو الواقع بعدها بلا بد، فقد صارت (لا) هي الدالة على المحذوف من هذه الجهة، وبها يفهم معنى الفعل المحذوف.
أما إذا لم يؤت بلا، كما إذا قلت: إن أحسنت إلي أكرمتك، وإن فلا أكرمك، فلا يفهم معنى المحذوف، لاحتمال أن يكون المعنى: وإن لم يحسن إلي، أو يكون: وإن أسأت إلي، أو غير ذلك، وإذا لم يفهم معناه لم يجز حذفه، فلهذا كرر قلوه: "إن المعنى فهم" مع أنه تقدم له ذلك المعنى بقوله: "قد علم" وكثيرا ما تجد في كلامه ما ظاهره الحشو أو التكرار، وهو منظو على فائدة أو فوائد.
وأيضا لا يمتنع ذلك دون (لا) إذا فهم المعنى، مثل أن يقال لك: أتكرم

زيدًا وإن أساء إليك؟ فتقول: أكرمه وإن، وقد جاء نحو هذا عن العرب، ولكن في الشعر كقوله: قالت بنات العم يا سلمى وإن... كان فقيرا معدما قالت وإن.
ولكن مثل هذا قليل، وإنما يكثر مع (لا) ثم قال: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخرت فهو ملتزم.
وإن تواليا وقبل ذو خبر... فالشرط رجع مطلقا بلا حذر.
/ وربما رجح بعد قسم... شرط بلا ذي خبر مقدم.
هذه المسألة جزء مما قبلها، لكنها اجتمعت مع ما يجوز حذف جوابه، وهو القسم، فأخذ يتكلم فيما يحذف جوابه منهما لدلالة جواب الآخر عليه.
وأراد بهذا الكلام أن القسم والشرط إذا اجتمعا في كلام واحد فإن جواب المتأخر منهما يحذف مطلقا، استغناء عنه بجواب المتقدم، فإن تقدم الشرط استغنى بجوابه عن جواب القسم، وإن تقدم القسم استغنى بجوابه عن جواب الشرط، في الأمر العام، وربما كان الأمر بالعكس وإن تقدم القسم.

هذا إذا لم يتقدم ذو خبر، فإنه إن تقدم استغنى بجواب الشرط مطلقا، سواء تقدم عل القسم أم تأخر عنه، هذا جملة ما أراد ذكره.
والحاصل منها قسمان: قسم يستغني فيه بجواب الشرط مطلقا، وقسم يستغني فيه بجواب ما تقدم، ولا بد من بسطها فتقول: أما قوله: "واحذف" فإن مقتضاه وجوب الحذف، إذ لو أراد الجواز لقال: وجوز الحذف، أو واحذف إن شئت، وقد صرح بهذا المراد بقوله: "فهو ملتزم" وضمير "فهو" عائد على "الحذف" المفهوم من "احذف" كقوله تعالى: } وإن تشكروا يرضه لكم} أي فالحذف ملتزم، ولزوم الحذف صحيح، إذ لا يجوز أن يظهرا معا كما سيأتي، فلا تقول: لئن قام زيد لأكرمنه أكرمه، أو بالعكس.
وتضمن هذا الكلام معنى آخر، وهو أنه لا يكون ذلك إلا إذا كان جوابهما معا أمرا واحدا، فإنه كان كذلك استغنى بجواب أحدهما عن الآخر للعلم بما حذف، فلو لم يتحدا في المعنى لم يجز حذف واحد منهما، إذ لا يبقى دليل على ما حذف.
وقد تبين هذا في قوله: "والشرط يغني عن جواب قد علم" فشرط العلم.
وهذه المسألة داخلة تحت ذلك الشرط، ولأجل هذا صح أن يجتمع الشرط والقسم في كلام واحد، وهو قوله: "لدي اجتماع شرط وقسم" يعني اجتماعهما في كلام واحد، ولا يجتمعان كذلك إلا إذا كان بينهما جامع، وذلك إذا كان الجواب هو المقسم عليه، نحو: والله لئن قام زيد لأكرمته، ونحو ذلك، وعلى هذا ف"التأخير" في كلامه المراد به إذا تصدر الشرط والقسم معا قبل مجئ جواب واحد منهما، لا أنه يريد: إذا تصدر واحد مع جوابه، ثم تأخر الآخر مع

جوابه/ لأنهما إذ ذاك غير مجتمعين، وقد قال: "لدي اجتماع كذا".
فإذا تقرر هذا فالذي ذكر في هذه المسألة قسمان": أحدهما: أن يجتمعا من غير أن يتقدم عليهما ذو خبر، فالحكم ها هنا كما قال، أن يحذف جواب الآخر منهما لدلالة جواب الأول عليه، فتقول إذا تقدم الشرط: إن جائني زيد والله أكرمه، ولا تقول: لأكرمنه.
وتقول إذا تقدم القسم: والله لئن أتيتني لأكرمنك، ولا يجوز أكرمك، إلا نادرا كما سيأتي.
ومن ذلك قوله تعالى: } وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن} الآية.
ومنه قول كثير.
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها أنشد سيبويه وقال الآخر: لئن نائبات الدهر يوما أدلن لي... على أم عمرو دولة لا أقيلها

وهو كثير.
ووجه هذا أن الشرط إذا تقدم، مثلا، فالاعتماد في الكلام إنما هو عليه، والقسم جئ به بعد ذلك للتوكيد، فصار كالملغي إذ لم يعتن به فيقدم، فصار الجواب إذن لما اعتمد هو الشرط فاستحق الجزم، صار على حكم ما لو لم يكن قسم.
وكذلك إذا عكست الأمر فقدمت القسم صار هو المعتنى به المقدم، فاستحق الجواب، فلم يصح الجزم، ودخل الشرط بعد ذلك من حيث كان جواب القسم معلقا عليه، كما دخل الظرف في قولك والله لأضربنك يوم الجمعة، حيث كان الجواب معلقا عليه، ومطلب الوقوع فيه، وهذا ظاهر.
والقسم الثاني: أن يجتمع الشرط والقسم مع تقدم ذي خبر، وهو قوله: (وإن تواليا وقبل ذو خبر).
أي إن تولي الشرط والقسم وقبلهما ذو خبر، فالحكم كذا، وذو الخبر هنا المبتدأ، يريد أنه تقدم عليها المبتدأ، فإن الراجح إذ ذاك الشرط، فهو الذي يؤتى له بالجواب، ويبقى القسم دون جواب استغناء بجواب الشرط، وأراد بقوله: (مطلقا) أي سواء أكان المتقدم الشرط أم القسم، فالمعتبر معتبر بتقديم القسم، بل الحكم للشرط دون حذر.
ويعني بقوله: بلا حذر) أنه لا مانع يلقي في ذلك، كما كان يلقى إذا لم، يتقدم ذو خبر، فتقول هنا: أنا أن تأتني والله أكرمك، وأنا والله إن تأتني آتك، فيستوي الأمران.
وعلل المؤلف ترجيح الشرط في إغناء جوابه هنا مطلقا/ بأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخل، لأنه

مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ، ففضل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى القسم ذو خبر.
هذا ما قاله في هذه المسألة.
ثم قال: (وربما رجح بعد قسم شرط) إلى آخره.
يعني أنه قد يجئ نادرا ترجيح الشرط على القسم وإن تقدم القسم، فيأتي الجواب للشرط، ويستغني به عن جواب القسم، وذلك مع عدم تقدم ذي خبر، وهو قولك (بلاذي خبر مقدم) لأنه إذا كان ذو الخبر موجودا مقدما فقد تقدم أنه مطلقا فيقال والله إن قام زيد أكرمه، وبابه الشعر، ولذلك قال: "وربما" قآتي بأداة التقليل.
ومنه ما أنشده الفراء من قول الشاعر: حلفت له إن تدلج الليل لا يزل... أمامك بيت من بيوتي سائر.
وأنشد أيضا:

جارٍ التحميل