شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 388-393

غيره من المعاني المشتركة معه في الكلية، كما أن العلم الشخصي موضوع لشخص معين، من بين سائر الأشخاص المشتركة معه في كلية، ووجه شبهه بالكلي هو في صلاحيته لتناول كل شخص من ذلك النوع كما أن الكلي يتناول جزيئاته.
قال: ولما كان ما هو خارج عن ملابسة الناس ومداخلتهم إنما يعنيهم منه نوعه دون أشخاصه على التعيين، وضعوا لذلك النوع باعتبار (تشخصه في الذهن) من بين سائر الأنواع والأجناس الذهنية اسما علما، كما وضعوا لما يعنيهم من الأشخاص باعتبار تشخصه خارج الذهن يعادلوا بين الجهتين.
قال سيبويه: فإذا قلت: هذا أبو الحارث، فإنما تريد هذا الأسد، أي: هذا الذي سمعت باسمه أو هذا الذي عرفت أشباهه ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدا، ولكنه هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم فاختص هذا المعنى باسم، كما اختص الذي ذكرت بزيد.
انتهى ما قال هذا المتأخر، ولا يبعد مغزاه عما قبله وإن تحذق قائله بعض التحذق، ولكنهما معا جاريان على أصل واحد، نأى عن مقصود العرب، وأحسبه أن شيخنا القاضي الحسني- رحمه الله- كان يطعن على هذا القائل خصوصا، ويراه فيما قاله خارجا عن سبيل المسألة.
والصواب في المسألة ما تقدم، ولا حاجة بنا الآن إلى الإطالة في الرد على هذين المذهبين لئلا نخرج عن المقصود، وبالله التوفيق.

وقوله: (ووضعوا لبعض الأجناس علم) أراد علما، لكنه حذف التنوين في الوقف من المنصوب، وأجراه مجرى المرفوع والمجرور، على لغة من قال: وآخذ من كل حي عصم ثم أخذ في تمثيل العلم الجنسي فقال: من ذاك أم عريط للعقرب... وهكذا ثعالة للثعلب ومثله برة للمبره... كذا فجار علم للفجره فقسم هنا ما وضع علما للجنس قسمين: أحدهما: ما وضع على أجناس الأعيان، والآخر: ما وضع/ على أجناس المعاني، وأتى لكل قسم بمثالين وبدأ بالقسم الأول فقوله: (من ذاك أم عريط للعقرب) يعني أن من جملة الأعلام الموضوعة للجنس قولهم: للعقرب أم عريط، وهو من الكنى، فإن العلم الجنسي قد يكن اسما، وكنية ولقبا، كعلم الشخص، ومثل أم عريط من الكنى بالأمهات للضبع: أم عامر، وأم عنثل، وأم زعم، وأم ختون، وأم خنور، وأم رمال، وأم نوفل، وأم عمرو، وللداهية:

أم حبو كرى، وأم فأر، وأم خشاف، وأم اللهيم، ثم قال: (وهكذا ثعالة للثعلب) وهو من الأسماء غير الكنى، ويقال للثعلب أيضا: أبو الحصين، وسمسم، ومثله من الأسماء ذألان للذئب، وحضاجر، وجعار، وجيأل، وقثام للضبع، وقثم للضبعان، ومحوة لريح الشمال، وخضارة للريح، وهنيدة لمائة من الإبل، وشبوة للعقرب ونبه على القسم الثاني بقوله: (ومثله برة للمبره) يريد ما تقدم من الأعلام الجنسية برة، وهو اسم علم للمبرة، والمبرة من المعاني التي جعلوا لجنسها اسما علما، فإن من المعاني ما يضطرون إلى الإخبار عنها والإحالة عليها كما يضطرون إلى ذلك في الأعيان، ومنه أيضا فجار، وهو اسم للفجور وعلم له، معدول عن فجرة علما هكذا دون ألف ولام، لا عن الفجرة، فإنه من باب حذام للعدول عن علم مثله، فقول سيبويه: إن فجار معدول من الفجرة تجوز، كذا قال ابن جني والمحققون، والألف واللام في الفجرة في كلام الناظم لا إشكال فيها، إذ لم يرد العلم كما أراد سيبويه، وإنما مراده الجنس الذي هو مطلق الفجور، ومثل هذين المثالين فينة في قولهم: ما ألقاه إلا فينة، أي: في الندرة.
قال ابن جني: وهو علم لهذا المعنى، ومنه عنده "سبحان" في

قول الأعشى أنشده سيبويه: سبحان من علقمة الفاجر هو علم لمعنى التسبيح، ومنه غدوة وبكرة علمين للوقتين، وحماد للمحمدة، ويسار للميسرة، وأم قشعم، وشعوب، وحلاق، وأم اللهيم للمنية.
ومنه أسماء الأعداد المطلقة نحو: ثلاثة نصف دستة، وأربعة ثلثا ستة وما أشبه ذلك، وأشار الناظم بتعيين مثالي "برة" و"فجار" لبيت النابغة الذي أنشده سيبويه: إنا احتملنا خطتينا بيننا... فحملت برة واحتملت فجار وفي عبارته شيء، وهو أن الفجرة هي المرة الواحدة من الفجور فإنك تقول: فجر فجورا، أي: كذب، وفجر أيضا بمعنى فسق فجورا كذلك فإذا أردت المرة الواحدة قلت: فجر زيد فجرة واحدة ولم يعد، ومعلوم أن فجار

ليس علما لجنس المرة الواحدة من الفجور، فإن أهل اللغة لم ينقلوا إلا أنه اسم علم للفجور المطلق، لا للمرة الواحدة، ولا يصح أن يريد أن فجار اسم جنس للفجرة المعدول هو عنه، إذ لم يقولوا ذلك ولا يصح في نفسه فثبت أن قوله: (كذا فجار علم للفجرة) مشكل.
والجواب: أن إتيانه بالفجرة مقصود له، وذلك أن القاعدة في فعال أنه مؤنث أو معدول عن مؤنث، وقد بين ذلك سيبويه في أبواب ما لا ينصرف غاية البيان، حتى إنه/ قدر ما لم يستعمل مؤنثا كأنه استعمل كذلك، ثم جعل فعال ومعدولا عنه، وإذا كان كذلك فالاسم المعدول عنه وهو العلم المقدر اسما لجنس مؤنث، إذ لابد من مطابقته له في التأثيث، ولذلك قال: (ومثله برة للمبرة) ولم يقل للمبر ولا للبرور، لما لم يكن مطابقا في التأنيث لعلمه، وكذلك قال غيره في يسار إنه اسم للميسر لا لليسر، وفي حماد إنه اسم للمحمدة لا للحمد وكذلك ما أشبهه، فإذا يجب فيما كان من أسماء الأجناس غير مؤنث فجعل له اسم على فعال أن يقدر له التأنيث، و "فجار" الذي مثل به الناظم من هذا القبيل، فلابد من تقدير اسم الجنس مؤنثا، وذلك ما ذكره من الفجرة.
وقد قدر سيبويه في حضار وسفار أنه اسم الكوكبة والماء وهما من علم الشخص، وقال في بداد: إنه معدول عن بددي مؤنثا، وفي حماد أنه معدول عن حمودي مؤنثا.
قال السيرافي في

بداد: إنه معدول عن البدة أو المبادة أو غير ذلك.
يعني مما يقدر مؤنثا يعطي معنى ذلك المذكر، فكذلك فجار اسم للفجرة بمعنى الفجور وإن لم يستعمل على ذلك المعنى، لا أنه اسم لفجرة التي يراد بها المرة الواحة، وهو مراد سيبويه أيضا، حيث قال: ففجار معدول عن الفجرة، ومراد غيره أيضا في الباب.
فالحاصل أن الناظم نبه بمثال الفجرة على أن فعال علم لاسم الجنس المؤنث، فإن كان مستعملا فذاك وإلا قدر له اسم مؤنث، وهذه قاعدة محل بيانها باب ما لا ينصرف وقلما تجد في هذا النظم لفظة إلا وهي تحتوي على معنى أو معان ولا تجد فيها لفظة ذكرها فضل ولا أسلوبا خاليا من القصد الحسن والتنبيه على غور مسألة إلا قليلا حسب ما تراه منبها عليه إن شاء الله.

ثم عطف بيان نوع ثالث من المعارف وهو

جارٍ التحميل