ادعيت أصالة النون كان وزنه فَعَلُّلا وليس في الكلام وإن ادعيت زيادتها كان وزنه فَنضعْلُلا وليس في الكلام أيضا فكان هذا الثاني أولى لكثرته واتساع بابه
والعاشرُ الهروب عن ترتيب الحكم على غير سبب وذلك أن يتعلق بالكلمة حكمٌ من الأحكام مفتقر إلى سبب وُجد ذلك الحكم من أجله ويكون فيها حرف إن جعل زائدا ترتب الحكم على سببه وإن جعل أصليا ترتب الحكم على غير سبب فالأولى دعوى الزيادة ليترتب الحكم على سببه وإن أدى إلى الخروج من الكثرة إلى القلة ومثاله الكُلَّاءُ هو محتمل لأصالة الهمزة ولزيادتها فعلى الأول يكون فَعَّلا من كَلأ وهو أقرب في صناعة الاشتقاق وعلى الثاني يكون فَعَّالا من كَلَّ يَكِلّ وهو أبعد لكن من منعَ صرفه يجب أن يُحمل عنده على الثاني وإن كان أبعد إذ في حمله على الأول ترتيبُ منع الصرف على غير موجب لأنه فَعَّالٌ بالفرض بخلاف ما إذا حُمل على الثاني فإن مَنْع الصرف يترتَّبُ على موجبه لأنه فعلاء فتكون الهمزة للتأنيث
هذه جملة ما ذكروا من الأدلة في باب التصريف وأكثرها بل جميعها مستنبط من كلام سيبويه وإليها أشار الناظم بقوله «إِنْ لَمْ تَبَيَّنْ حُجَّةٌ»
وأما النظر الثاني في جملةٍ مما خرج عن القاعدتين مما ذُكر احتمالُه للأصالة والزيادة أو لم يُذكر فنأتي بها على توالي الحروف بحول الله: [458]
فأما الألف ففيها من المحتمِل قَطَوْطًى وبابُه والوجهُ فيه أن تكون الألف أصلية لا زائدة لأنها إن جعلتها زائدة كان وزن الكلمة إما فَعَوْلى وإما فَعَلَّى أما فعولى فنادر مع أنه في قطوطى يقضي بتركيب ق ط ط وليس قطوطى من ذلك بل هو من القَطَوان كذا قال سيبويه لأن القطوطى من قطا يقطو قَطْوًا إذا قارب الخطو مع النشاط قال الجوهري «فهو قَطَوانٌ بالتحريك وقَطَوَطًى» وكذلك يقضي في ذلولى وقلولى من ذ ل ل وق ل ل وليس كذلك بل هو من ذ ل وو ق ل ووقالوا قلا يقلو واذلولى وكذلك ما عداها مما له اشتقاق إلا شطوطى فإنهم قالوا ناقة شطوط وشَطُوطَى أي عظيمة الشطِّ وهو السنام فهو بلا شك فَعَولى وألفه زائدة إذ هو من تركيب ش ط ط وأما فَعَلَّى فيلزم عليه أصالة الواو في بنات الأربعة دون تضعيف وذلك لا يكون إلا نادرا كوَرَنْتل فثبت أنّ الألف ليست فيها بزائدة وإنما هي أصلية لكن يمكن أن يكون وزنها فَعَلْعَلا كدَمَكْمَكٍ ويمكن أن يكون فَعَوْعَلا كعَثَوْثَلٍ والذي رجّح الفارسي فيها الأول لأنه الأكثر ووقع في كلام سيبويه اضطراب في المسألة وللناس معه كلام عليك به في مظانه إن تشوفت إليه [459]
ومنها دارانُ وهامان ونحوهما وقد تقدم القول فيه على ظاهر التسهيل من أنه من باب ساباط وأنّ الألف الأولى زائدة بدليل أنها لو كانت أصلية لترتب الحكم فيها وهو الإعلال على غير سبب إذ هو إذ ذاك من باب الدوران والهيمان والجمهور على أنه من ذلك لأنه دخول في باب الكثرة لاتساع باب الفَعَلان وقلة باب فاعال
وأما الياء ففيها من المحتمل مريم ومدين والراجح عندهم أصالة الياء فيهما وزيادة الميم لأن الميم والهمزة إذا وقعتا أول الكلمة حُكم بزيادتهما وأصالة ما بعدهما من ياء أو واو أو غيرهما وما قيل من لزوم شذو التصحيح فهو يَرِد في الأعلام كثيرا كمكوزَةَ وحيوةَ وغير ذلك وأيضا إن حكمنا على الياء بالأصالة أدخلناهما في الباب الأكثر وهو مَفْعَل وإن حكمنا بزيادتهما أدخلناهما في الباب النادر أو المعدوم وهو فَعْيل إذ لم يُنقل منه إلا ضَهْيد وقدح فيه السيرافي
ومن ذلك يَأْجَجُ الياء فيه أصلية لا زائدة عند سيبويه إذ لو
كانت زائدة لوجب الإدغام ولكان إظهار التضعيف فيه شذوذا كشذوذه
في مَحْبَبٍ وكان إذ ذالك يُلفى فيه ترتيب حكم وهو الفكّ على غير
سبب والفكّ لا يكون إلا لسبب فلو جعلتها أصلية لكان إظهار التضعيف
لسبب وهو الإلحاق بجعفر كقَرْدَدٍ ومَهْدَدَ.
ويرويه أهل الحديث بكسر الجيم
[460]
الأولى، قال السيرافي وهو شاذ لأنه ليس في الكلام فَعْليل أصل ولا مزيد ولو كان يَفْعِل لكان مدّغما لكن الأولى أن يكون كسرُه مما شذّ في الأعلام ويحكم على الكسر بالفتح
ومن ذلك يَهْيَرُّ لا يجوز أن تكون الياءان معا أصلين إذ لا تكون الياء أصلا في بنات الأربعة إلا مع التضعيف كيُؤيؤ كما قال الناظم وأيضا ليس في الكلام فَعْلَلٌّ كجَرْدَحْلٍ فلا بد من زيادة إحدى الياءين فزعم سيبويه أن الزائدة هي الأولى لأنه ليس في الكلام فَعْيّ قالوا وهذا مشكل لأنه ليس في الكلام أيضا يَفْعَلّ
والجواب أن سيبويه لم يستدل بهذا خاصة بل مع ما بعده من أنّ ما أولُه زيادة قد ثُقِّلَ يعني أن «يَفْعَلّ» وإن لم يكن في الكلام فقد ثُقِّل ما أوله زيادة مما ثبت في الكلام كمكوَرّ فَلِجَعْلِ الأولى زائدة نظيرٌ بوجه ما وهو مُكْورّ ولم يُثَقَّل آخرُ ثلاثيٍّ أوسطُه زيادةٌ كفَوعل أو فيعل ونحوهما وأيضا فالياء أولا كالهمزة فإذا تعارض جعلها أولا زائدة وسطا غُلِّبت زيادة الأول لأن زيادة الياء أولا أكثر من زيادتها وسطا ولا سيّما ثالثة ألا ترى أنها تزاد أولا في الأسماء والأفعال ولا تزاد ثالثة في الأفعال؟ [461]
وأما الواو ففيها من المحتمل قولُهم غِزْويت واوه أصلية والتاء زائدة إذ لو عكست الحكم لكان وزنها فِعْويلا ولم يثبت من كلامهم وثبت فيه فعليتٌ كعفريت وهو ومن الاستدلال بعدم النظير
ومنه أيضا ضَيْونٌ وحكم الفارسي عليه في التذكرة أنه فَيْعلٌ لا فَعْوَلٌ فالواو عنده أصلية لأن باب ضَيْغَمٍ أكثر من باب جَهْوَرٍ ولأمر آخر وهو أن الألف إذا كانت ثانية في نحو با ودارٍ ولم يُعرفْ أصلُها فاحكم بأنها من الواو ففي هذه القاعدة أنّ كون الواو عينا أكثر من كون الياء عينا فكذلك ضَيْوَن تُجعل فيه الواوُ عينا دون الياء
وأما الهمزة ففيها من المحتمل أيدعٌ وإشْفًى وأفعى والأوْتَكَى والهمزةُ في الجميع زائدة حملا على الأكثر لأنّ زيادة الهمزة أولا أكثر من زيادة الياء والألف والواو غير أول وأيضا قد قالوا الأُفْعُوان في معنى الأفعى وهو إما أن يكون على وزن أُفْعُلان أو فُعْلُوان فأما فُعلوان فقليل ولا ينبغي الحمل عليه وأما الأُفعلان فأكثر منه فوجب الحمل عليه وأيضا قالوا أرضٌ مُفْعاة أي كثيرة الأفاعي وهذا قاطع بزيادتها في أفعى وأيضا أفعلُ أكثر من فيعل وأفعل أكثر من فَعْلى والأفْعَلى أكثر من الفَوْعَلى فهذا من الحمل على الأكثر
وأما إبّان فهمزه أصلٌ ووزنه فِعَّال إذ لو عددت همزته زائدة لأدّى إلى دخوله في باب دَدن وهو كون الفاء والعين من جنسِ واحد [462]
ومن ذلك أرطًى همزته أصلية عند من قال أديم مأروط ولم يحفظ سيبويه مَرْطيّ وهي زائدة على القياس عند من قال أدِيمٌ مَرْطيٌّ وحكاه الجرمي
ومن الهمز الأخير المحتمل قولهم المُزَّاء هو فُعَّال فالهمزة أصلية إمّا من المِزيَّةِ أو من المُزَّةِ على أن يكون أصلُه «مُزَّاز» ثم أبدل كدَسَّاها ولا يكون فُعْلاء لقلَّته في باب الإلحاق كقوباءٍ حتى قال المبرد ليس لقُوباءٍ نظير إلا خُشَّاءً وإنما لم يكن فُعّالا لإهمال هذه المادة فيه حيث قالوا خُشَشاءَ كقوباء وهذا بلا شك فُعَلاء لإهمال فُوَعَال وفُعَعَال
وحُوَّاء همزته أصلية وهو فَعَّالٌ لكثرته لا فُعْلاء لقته وقلة باب قوّ
والدُّبَّاء السُّلَّاء الثُّدَّاء: فُعَّالٌ والهمزة أصلية أعني غير زائدة لكثرة فُعَّال وقلة فُعْلاء
وأما الكَلَّاء فمن منع صرفه قضى فيه بفَعْلاء ومن صرفه فالأولى فيه أصالةُ الهمزة من كَلأ أي حفظ لظهور الاشتقاق ولكثرة فَعَّال بخلاف فعلاء
والخَشَّاءُ همزته زائدة لقولهم أنْبَطَ بِئْرَه في خَشَّاءَ أي في أرض فيها طين وحصى فمنع صرفه [463]
وقضَّاءُ الإبل فَعَّال دل على ذلك الاشتقاق لأنها إذا بلغت ذلك المبلغ قضت عن صاحبها
والعَوَّاء لغير الكلب يُحمل على فَعَّال ويدَّعى الأصالة في الهمزة إن لم يمنع صرفُه إذ ليس في الكلام فَعْلاءٌ ملحقا
والقِثَّاء فِعَّال لا فِعْلاء لكثرة فِعَّال وقلة فِعْلاء
وأما تَيْماءُ ففعلاء والهمزة زائدة لفقد مادة ت مء أو ت م ي أو ت م ووكذا شِيْصاءٌ وسِيناءُ وتِيْناء همزاتها زائدة لندور فِيعال وكثرة فِعْلاء للإلحاق بسِرْداح وإن كان في نفسه قليلا فهو أكثر من فِيعالٍ وسيناء كذلك أيضا
والخَوْصاء والعَوْصاء والزَّوْراء والرَّوحاء همزاتها زائدة وهي على فَعْلاء لا فَوْعالٍ لقلّته ولا يمنع ذلك عدم الصرف لأنها من أسماء البقاع
ومما لم تتوفر فيه الشروط وبيّنتِ الحجّةُ زيادة الهمزة فيه نحو جُرائضٍ هو فُعائل قال سيبويه «لأنك تقول جِرْواض» وهو لا شك فِعْوالٌ فجرائض فعائل وهو من الاستدلال بالنظير وكذلك حُطائِط [464]
لأنه القصير فهو مشتق من الحَط قال سيبويه «لأنّ الصغير محطوط» والظاهر أن الهمزة هي الزائدة بنفسها إذ لم يثبت هنا كونها بدلا من شيء وكذلك النئدلان همزته زائدة اعتبارا بالنظير وهو النَّيدُلان
وأما الميم ففيها من المُحتمِلِ قولهم مِجَنٌّ والظاهر فيه أن الميم زائدة وأن وزنه مِفْعَلٌ لوجهين أحدهما ظهور اشتقاقه من الجُنَّة بخلاف ما لو اشتق من مَجَن إذا صَلُب فإنه اشتقاق ضعيف والثاني كثرةُ زيادة الميم أولا إذا أمكن أن يكون بعدها ثلاثة أحرف أصول ولذلك جعل سيبويه موسى مُفْعَلا وإلى هذا مال الزبيدي وهو كان أليق بمذهب سيبويه إلا أنه جعل الميم أصلية ووزنه فِعَلٌّ كخِدَبّ وخالفه فيه طائفة
ومن ذلك مَأْجِجٌ ومَهْدَد فرأى سيبويه أصالة الميم استدلالا بظهور التضعيف لئلا يكون ظهوره من ترتيب حكم على غير سبب إذ الواجب مع فرض الزيادة الإدغام كمكرّ ومفرّ ومردّ فإذا اعتقد الأصالة في الميم كان ظهور التضعيف للإلحاق بجعفر
ومما تخلّف فيه بعض الشروط إلا أنه قام الدليل على زيادته قولهم الدُّلامِص على قول الخليل لأنه من الدِّلاص وهو البَرَّاق والدُّلامِص البراقُ وقالوا دَمالص ودُلِمَصٌ ودُمَلِصٌ [465]
وكذلك لبنٌ قُمارصٌ أي قارص فالنظير هنا دل على الزيادة
وجعل ابن جني من ذلك على قول الخليل حُلْقومٌ من الحَل وبُلْعومٌ لأنه من البَلْع وسَرْطمٌ من الاستراط ورأس صُلادِمٌ من الصَّلْد وأسد ضُبارم من الضَّبْر قال ابن الضائع: وهذه الألفاظ كلُّها ما الاشتقاقُ فيها ظاهر لدُلامص فيجوز أن يقال بزيادة الميم فيه وما هو فيها بعيد فلا ينبغي أن يقال بالزيادة لأن زيادة الميم حشوا قليل قال: ومن ذلك قولهم زُرْقُمٌ للأزرق وسُتْهُمٌ للأسته ودِرْدِمٌ من الدَّرَدِ ودِقْعَمٌ للاصقة بالتراب والدقعاء التراب وخِدْلِمٌ للخَدْلَة
وأما النون ففيها من المحتمل نحو حَسّان وتبّان ورُمّان ونحو ذلك من المضاعف وقاعدة سيبويه فيه أنه يُحمل على زيادة النون وأنه [466]
فُعلان أو فعلان أو فِعلان ما لم يدل دليل على سواه قال في رُمّان حكايةً عن الخليل «وأحمله على الأكثر إذ لم يكن له معنى يُعرَف» قال الفارسي: يقول إذا لم أعرف له اشتقاقا حملته على أنه فُعلان لأن فُعلان أكثر من فُعّالٍ ثم حكى عن الأخفش العكس لكن في أسماء النبات خاصّة كرمّان شهادةً منه بأنه في النبات أكثر من فُعلان كتُفّاح وحُمّاض وجُمّار وخُبّاز وشبه ذلك فأما إذا عُرف له اشتقاق أو تصريف أو دل دليل على غير ذلك فالواجب اتباعه فتَبَّان يحتمل الوجهين لكن لو حمل على أصالة النون دخل في باب دَدنٍ وإن حُمل على زيادتها دخل في باب بَبَّه وواوٍ والأول أمثلُ من الثاني فكان الحمل على أنه فَعَّال أولى وكنَيَّان اسم موضع يحمل على زيادة النون على أن يكون الأصل نَوْيان فيكون من باب طَوَيتُ وهو كثير ولا يحمل على أصالتها لأنه عند ذلك إما فَعَّال من مادة ن ي ن وهي مهملة وإما فَيْعال من مادة ن ون وهي مادة داخلة في باب قلق وهو قليل وعلى هذا الترتيب حكم سائرها
وأما ما كان نحو حَوْران وفَيْنان ونحوهما فالقاعدة الأولى جارية من كثرة باب فعلان إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك كما تقول في [467]
رُومان هو فُعلان لا فوعال لقلته فماوان فاعال لا فَعَلان وهو من مان يمون لعدم مادة م وو ومادة م ي ووكذلك فَيْنَان نونه أصليّةٌ عند الخليل لأنه من الفَنَنِ كما كان مُرَّان في المضاعف عند سيبويه فُعَّال من المَرانة وهو اللين وقد يكون اللفظ من هذا ومن المضاعف ذا اشتقاقين يحتملهما فلا يُرجَّح أحدهما على الآخر كما يقال في زيتون إنه إن اشتُقَّ من الزيت فهو فَعْلُونٌ وإن عُمل على قولهم: أرضٌ زَتِنَة فهو فيعول وكلاهما دليل قوي فالأول من الاشتقاق والثاني من التصريف وكذلك رُمَّان إن أخذ من رمّ كان فُعْلان وإن أخذ من قولهم أرضٌ رَمِنَةٌ فهو فُعَّال وهذا أظهر في الاشتقاق من الأول وعلى هذا السبيل يجري سائرُها فقد عرفت الطريق فيه
ومما لم تتوفر فيه شروط الزيادة وقام الدليل على زيادته قولهم نَرْجِس قياسُه زيادةُ النون إذ ليس في الكلام مثل جَعْفِر وأما من قال نِرْجِسٌ بكسر النون فكذلك أيضا وإن وُجِد فِعْلِلٌ لأن الفتح قد قضى بالزيادة في إحدى اللغتين فيُقضى أيضا بذلك عملا بالنظير وحكى ابن جني عن ابن الأعرابي قال «والنون في نفاطِيرٌ ونباذِيرَ ونخاريبَ [468]
زائدة لأنها من فطره: قطعه وبذره: فرَّقه ومن الخراب» وأجاز ابن جني
في النبراس أن يكون البِرْس وهو القُطن لأن فتيله من قطن
قال ابن الضائع: وهذا الاشتقاق بعيد مع قلة زيادة النون أولا في غير
الفعل مع أن هذا البناء غير موجود ومن ذلك قولهم عَنْسَلٌ قال سيبويه
«لأنهم يريدون العَسُول وعنبس لأنهم يريدون العَبُوس» وخُنَفْقيق
لأنه من الخُفْوق وقِنْفَخْرٌ لأنهم قالوا في معناه قُفاخِريّ وهو التَّارُّ
الناعمُ.
وكُنْتَأْلٌ للقصير وكَنَهْبُل إذ ليس في الكلام مثل جُرْدَحلٍ ولا
سِفَرْجُل وإنما أُدخلا في المزيد وإن كان مثل فَنَعْلُلٍ غير موجود لأن
باب الزيادة أوسع وقُنْبَر: فُنْعَل بدليل قولهم قُبَّرةٌ
وأما التاء فمما زِيدت فيه التاءُ مما ليس من المواضع المذكورة قولهم تنضُب إذ ليس في الكلام مثلُ جَعْفُر وكذلك تَتْفُل وكذلك تُتْفَل إذ ليس في الكلام مثل جُعْفَر وبهذين يتبين أن تُتْفَل [469]
بضمها تُفْعُل وإن وُجد مثل تُرْتُم وبُرْثُن عملا بالنظير ومن ذلك
تِجْفاف لأنه الذي يجعل على الفرس في الحرب فهو من جَفّ
وكذلك التمثال من المثال والتِّلقاء من لَقِي والتِّبيان من البيان
التَّعْضُوض من العَضّ وأيضا ليس في الكلام فَعْلُول وصَعْفُوقٌ نادر
ومن ذلك الرغّبُوت والرهَبُوت والرحمُوت ورَهَبُوتي ورَحموتي ورَغبُوتي
من الرغبة والرهبة والرحمة.
وعنكبوت التاء فيه زائدة لقولهم عناكب
بهذا استدل سيبويه واعتُرض بأنه لو كان الجمع دليلا على زيادة الساقط
لكان في عَضرَفُوط حين قلت عَضارِفُ دليلا على زيادة الطاء وفي
فرزدق حين قلت فرازد دليلا على زيادة القاف وأجاب ابن الضائع
بأن استدلاله ليس بمجرد الجمع بل بكثرته على ألسنتهم من غير استكراه
لأنه زعم أنه لا يكسَّر ما يؤدي تكسيره إلى حذف حرف أصلي إلا قليلا
وباستكراهٍ لهم على ذلك مثل أن يقال له كيف تجمع سفرجلا على حدّ
قولك مساجد وجعافر ونحو ذلك؟ فحينئذ ينطقون به محذوفا كارهين
[470]
وهم يجمعون عنكبوتا كذلك على غير كراهية فدل ذلك على أنه رباعي مزيد وأيضا فقد قالوا عَنْكَباءُ
وأما السين فمن زيادتها في غير الموضع المعين عند بعضهم قولهم للمؤنث أكْرمتُكِس ويلزمه على هذا عد السين أيضا من حروف الزوائد كما قال ابن خروف وقد تقدم الكلام عليه وعدّ المؤلف في التسهيل من هذا قولهم قُدْموس وهو القديم وحكم في ذلك بالنظير وليس هذا مُتَّفقا عليه فقد جعله بعض النحويين من باب سَبِط وسِبَطْر وأما أسطاعَ فالسينُ عند سيبويه عِوَضٌ ولذلك لم يذكُرْ في أمثلة الفِعْلِ هذا البناء بالسين كما لم يذكُرْ أهراق وأهراحَ
وأما الهاء فمن زيادتها في غير الموضع المذكور قولهم أُمّهات وزنُه فَعْلَهات والهاء زائدة لأنها جمع أم وقد ثبت بقولهم أمٌّ بَيِّنَةُ الأُمُومَةِ أنّ أصلهء م م وقد أجاز ابن السراج فيها الأصالة كتُرَّهَةٍ وذهب أبو الحسن إلى أن الهاء في هِجْرَع وهِبْلَعٍ زائدتان لأنهما عنده من الجَرع [471]
والبلع وذلك لأن الهجرع هو الطويل والجرع هو المكان السهل المنقاد
والهبلع الأكول هو من البلع فمثالهما هِفْعلٌ وذهب الخليل فيما حكى
عنه أبو الحسن إلى أن هِرْكَولة هِفْعَولةٌ أن الهاء زائدة قال لأنها
التي تَرْكُلُ في مشيتها.
قال ابن جني «وقياسُ قولِ الخليل أن يكون
هِرَّكلة هِفَّعْلةٌ فتكون الفاء مضاعفَةً» قال «ويجب على قياس هذا أن يكون
قول الراجز
هُلَقِمٌ يأكل أطراف النُّجُدْ
وزنه هُفَعِلٌ لأنه من اللقم قال ومن قول العجاج
بسَلْهَبَينِ قوق أنفٍ أذْلَفا
يجوز لقائل أن يقول إن سلْهَبًا فَعْهَلٌ لأنه من معنى السلب وهو الطويل» والذي عليه الأكثر أصالة الهاء في هِبْلَع وهِجْرَع وهِرْكَولة قال ابن جني «ولست أرى بما ذهب إليه الخليل وأبو الحسن بأسا» [472]
وأما اللام فمن زيادتها في غير موضعها المذكور قولهم في عبد عبدلٌ وفي زيدٍ زيدلٌ وفي الأفْحَج فَمْحَلٌ وأجاز ابن جني في هَيْقٍ وهَيْقَلٍ أن تكون اللام زائدةً لسقوطها في النظير وقالوا فَيْشَلةٌ وفَيْشَةٌ فاللام زائدة والأول في هَيْقَلٍ الأصالة لقولهم فيه هِقْلٌ فيكون هَيْقٌ وهَيْقَلٌ كضَيَّاطٍ وضَيْطارٍ
وهنا انقضى تمثيل ما خرج عن تلك الضوابط المذكورة وحصل تفسير قوله «وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلَا قَيْدٍ ثَبَتْ» إلى آخره على التمام والحمد لله، ولا تظنَّ أنّ هذا تطويل بغير فائدة بل فيه من حيث الشرحُ أعظمُ الفائدة ولو سكتُّ عن هذا التفصيل كلِّه أو عن بعضه لنقص من شرح كلام الناظم ذلك المقدار فلا يطُلْ عليك فإنه بتوفيق الله فائدةٌ كلُّه وبالله التوفيق
[473]