الموصول: عبارة عن الكلمة التي تفتقر في دلالتها على معنى الاسم التام إلى ما يتصل بها فتستقل حينئذ دلالتها عليه، وتصير في معنى الأسماء المستقلة بالدلالة، وهذه الكلمة على نوعين:
أحدهما: حرفي، ولم يتعرض الناظم له في هذا الباب ولا في غيره من حيث هو موصول، بل من حيث له أحكام آخر، ما عدا "لو" المصدرية، فإنه أهمل ذكرها في هذا النظم لعدم شهرتها عند النحويين، إذ الأكثر لم يتكلموا عليها، وذكر سائر الموصولات الحرفية وهي: "أن" و "أن" وما "وكي" المصدريات في أبوابها، لما لها من الأحكام، لكنه لم يخلها من التنبيه على الموصولية فيها، ألا تراه قال في باب "إن": (وهمز إن افتح لسد مصدر مسدها).
وقال في باب إعمال المصدر: (إن كان فعل مع أن أو ما يحل محلها) فنبه على ذلك المعنى فيها بإشارة خفية، وإنما يبقى له تعيين صلاتها، وهذا قريب قد يؤخذ له من أبوابها، فلذلك لم يعتن هنا بذكرها، بل قصد إلى النوع الثاني وهو الموصول الأسمى فقال:
موصول الأسماء الذي الأنثى التي... واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
بل ما تليه أوله العلامه... والنون إن تشدد فلا ملامه
فقيده بقوله: (موصول الأسماء) لتخرج موصولات الحروف.
وموصولات الأسماء يتعلق الكلام بها في ثلاث مسائل: في تعدادها، وفي
صلاتها، وفي العائد عليها، وكلها بينه الناظم.
وابتدأ بالمسألة الأولى فقوله: (موصول الأسماء) مبتدأ، و (الذي) مبتدأ ثان، خبره محذوف كأنه قال: منه الذي وكذا وكذا، لأن موصول الأسماء عام يدخل تحته جميع الموصولات وقوله: (الأنثى التي) الأنثى مبتدأ أيضا خبره محذوف، والجملة معطوفة بحرف عطف حف ضرورة، أي: ومنها الأنثى، والتي بدل من الأنثى، وجعل التي أنثى لما كانت دالة على الأنثى، أو يكون الأنثى التي مبتدأ وخبرا، والجملة معطوفة على الجملة الأولى، والألف واللام في الأنثى مثلها في قوله تعالى: ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ كأنه قال: وأنثاه التي، ومثال ذلك: أعجبني الذي أكرمته والتي أكرمتها هند، ودل الكلام على أن الذي للمذكر من حيث خص التي للمؤنث، والذي والتي في كلامه إنما أتى بهما على اللغة المشهورة وهي الثابتة الياء من غير تشديد وإن كان اللفظ يحتمل غير ذلك فمقصده ما ذكر، ويدل على قصد ثبات الياء قوله إثر هذا: (واليا إذا ما ثنيا لا تثبت) وعلى قصد عدم تشديدها لفظه.
وفي "الذي" ثلاث لغات سوى هذه، "اللذ" محذوفة الياء مع بقاء الكسرة، "واللذ"- بتسكين الذال- والذي بالياء المشددة.
وكذلك في "التي" لغتان سوى ما تقدم اللت- بغير ياء مع تسكين التاء أو بقاء كسرتها.
ثم قال: (واليا إذا ما ثنيا لا تثبت) إلى آخره.
الياء منصوب بـ
"تثبت" وقصره ضرورة، وضمير "ثنيا" للذي والتي و "ما" في "ما تليه" يجوز نصبه وهو المختار من جهتين ويجوز رفعه، فإذا نصبته فبإضمار فعل من باب الاشتغال تقديره: بل أول ما تليه أوله العلامة، و: ما: عبارة عن الحرف الذي قبل الياء وهو الذال في الذي، والتاء في التي، و "تلي": / معناه تتبع، وأراد أن الياء في "الذي" و "التي" تحذف إذا أردت تثنيتها وتصير علامة التثنية والية لما قبل الياء، فتقول في الذي: اللذان واللذين وفي التي.
اللتان واللتين، وقد تضمن هذا المعنى حكمين سوى ما ذكر.
أحدهما: أن التثنية لاحقة للذي والتي وقد تقدم معناها، وأنها زيادة ألف رفعا وياء مفتوح ما قبلها مع نون نصبا وجرا، تزاد في آخر الاسم فيدل بذلك على اثنين مما كان يدل عليه قبل ذلك لكن من غير تغيير للاسم المثنى، فكان قياس الذي والتي في التثنية حيث ادعاها لهما أن يقال: اللذيان واللتيان، وكذلك في النصب والجر اللذيين واللتيين، كما تقول: القاضيان والقاضيين إلا أن العرب لم تفعل ذلك، بل حذفت أواخرها على غير قياس، وأولت العلامة ما قبلها ليخالفوا بينها وبين الأسماء المعربة في التثنية فاحتاج الناظم إلى بيان هذا التغيير فقال: (واليا إذا ما ثنيا لا تثبت) إلى آخره، وقد تقدم في الإشارة وجه هذه الدعوى.
والثاني: أن المثنى هو الذي والتي الثابتا الياء لقوله: (واليا إذا ما ثنيا لا تثبت) فنص على الحذف وذلك لا يكون إلا من ثبوت، وهذا ظاهر المخالفة لما زعمه في "شرح التسهيل" من أن العرب استغنت بتثنية اللذ دون الياء، واللت كذلك
عن تثنية الذي والتي بالياء وأنها لم تثنهما، وما زعمه هنا على ظاهر كلامه أبين، إذ لا يدعى الاستغناء إلا بدليل يدل عليه كما قالوا في مذاكير وملامح من أنه جمع لما لم ينطق به استغناء عنه بذكر ولمحة وما أشبه ذلك.
فإن قلت: فالدليل قائم، وذلك مخالفة لسائر المثنيات حيث لزم فيه من الحذف ما لا يجوز في غيره، قيل: على تسليم مذهبه في أنه مثنى حقيقة لا دليل في الحذف، إذ لا بعد في مجيء بعض الأشياء مخالفة للقياس، وأيضا إن كان حذف الآخر في التثنية مسوغا لدعوى الاستغناء لزمكم ذلك فيما حذف آخر شذوذا في التثنية من المعربات كقولهم في تثنية الخوزلي والخنفساء وباقلاء وعاشوراء خوزلان وخنفسان وباقلان وعاشوران على ما حكاه الفراء عن العرب فإذا لم يجز أن يدعى الاستغناء في هذه الأشياء وأشباهها إلا متعسف فكذلك ها هنا.
ووجه ذلك: وهو أن ابن مالك في هذه الدعوى كالمتناقض مع زعمه في تشديد نونيهما أن ذلك تعويض من المحذوف، وكيف يصح التعويض (من المحذوف) ولا محذوف يعوض منه.
فإن قيل: هو- إن ادعى الاستغناء- قد زعم أن لغة "اللذ" بلا ياء مخففة من الذي بالحذف، وإذا كان كذلك صار الأمر إلى أن اللذان تثنية الذي بعد الحذف تخفيفا، فالتعويض من المحذوف صحيح.
قيل: فإذا لا معنى لادعاء الاستغناء، بل صار الأمر إلى ما قاله هنا من أن اللذان تثنية الذي، وحذفت الياء في التثنية، مع أن دعوى الحذف في المبنيات غير مقبولة، بل هي لغات مختلفة، وعلى ذلك أتى بها النحويون فيقولون: في الذي أربع لغات، وفي التي ثلاث لغات أو أربع، ولأجل ذلك لما
زعم الشلوبين أن ما عدا الذي والتي المخففتي الياء ضرائر.
قال: لأنهم لم يحكوها في الكلام.
قال ابن الضائع: لا ينبغي/ أن يحمل على ذلك، لأنهم قالوا: إنها لغات فيها فلا يحمل استشهادهم فيها إلا على التمثيل، قال: ويدل على ذلك أنهم زعموا أن في "التي" من اللغات مثل ما في الذي، ولولا ثبوت ذلك ما جاز لهم فيها أن يقيسوا لغات الذي فيه- انتهى- فأنت ترى أن ابن الضائع لم يسلم لشيخه دعوى التغيير فيها بالحذف وغيره استنادا إلى مقتضى نقلهم، وهذا واضح فإذا مذهب ابن مالك في "شرح التسهيل" حيث أثبت الاستغناء مع دعوى التعويض ومع دعوى الحذف تخفيفا كغير الملتئم والله أعلم، فالصحيح ما أشار إليه هنا.
وفي قوله: (بل ما تليه أوله العلامة) زيادة بيان لقوله: (واليا إذا ما ثنيا لا تثبت) فإن قيل: هذه الزيادة حشو لا محصول تحتها سوى التكرار وهذا مخالف لعادته، إذ ليس معنى الكلام الأول إلا أنك تولي الذال والتاء علامة التثنية.
قيل: الظاهر أن ذلك لا مزيد فائدة فيه على اعتبار المفهوم وهو على خلاف عادته المستمرة ولكن فيه فائدة التنصيص إيلاء الحرفين قبل الياء العلامة لأن ذلك كان مفهوماً من
قوله: (واليا إذا ما ثنيا لا تثبت) لا منطوقا به في فصرح به فيه الكلام الثاني، فقد لا يعد مثل هذا تكرارا، وإنما كان يكون تكرارا محضا لو صرح به في الكلامين معا.
ثن قال: (والنون إن تشدد فلا ملامه) يعني أن النون اللاحقة في التثنية يجوز تشديدها وهي معنى نفي الملامة، فإنه إذا انتفت الملامة والجناح كان التشديد جائزا، والأصل في نون التثنية التخفيف، والتشديد فيها ممتنع، فلا تشددها في نحو: رجلان والزيدان، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الملامة لاحقة لمن شددها، أراد الناظم أن يرفع توهم من يقدر أن نون هذا الباب كذلك.
فقال: (إن تشدد فلا) منع من ذلك وحصل الجواز بمقتضى هذا الرفع فتقول: أعجبني اللذان قاما، واللذان قاما، وكذلك اللتان قامتا واللتان قامتا، ومن التشديد قراءة ابن كثير ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ هذا في الرفع، وفي غيره قراءته: ﴿ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس﴾، و "الملامة" ضد المحمدة، يقال: لامه على كذا لوما ولومة وقال الجوهري: اللائمة: الملامة، كأنه جعله اسم مصدر.
قال: وكذلك اللومى على فعلي.
يقال: ما زلت أتجرع فيك اللوائم.
والملاوم: جمع الملامة.
وقوله: بعد هذا مستدركا لما فاته ذكره من ذلك في نون هذين وهاتين:
وآلنون من ذين وتين وشددا... أيضا وتعويض بذاك قصدا
يريد أن نون هذين وهاتين شدد أيضا كما شدد نون اللذين واللتين فتقول: هذان الزيدان وهذان الزيدان، ومن التشديد قراءة ابن كثير: ﴿إن هذان لساحران﴾ الآية.
و ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾.
وفي غير الرفع قوله تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ في قراءة ابن كثير أيضا، والتشديد أيضا جائز، كما كان جائزا في اللذين واللتين.
فإن قلت: من أين يؤخذ له الجواز في هذا؟
فالجواب: إنه لما لم يحتم الحكم بالتشديد، بل أتى به حكاية عن العرب إذ قال: (شددا) يعني أن العرب/ شددته لم يكن في الكلام قضاء بوجوب ذلك مع ما تقدم له من أنهما من قبيل المثنى حقيقة، فالأصل الذي هو التخفيف ثابت، وأيضا فهو مقرون بما تقدم أن التشديد فيه جائز لا واجب وهو اللذان واللتان، فحصل من مجموع هذا عدم انحتامه.
ثم بين علة التشديد فقال: (وتعويض بذاك قصدا) ذاك: إشارة إلى التشديد المذكور، ولما ذكره شاملا لاسم الإشارة والموصول كان تعليله شاملا لهما، وذلك صحيح، وأتى بالإشارة
المقتضية للبعد اتساعا، ولأنه قصد قريبا وهو ذان واتن وبعيدا وهو اللذان واللتان، ولأنه قد يعامل القريب معاملة البعيد وبالعكس فلا محذور، ويعني أن العرب قصدت بهذا التشديد أن تعوض من الحرف المحذوف في التثنية فإن الياء تحذف وجوبا من الذي والتي وكذلك الألف من هذان وهاتان.
فأرادوا أن يجعلوا التشديد (في ذلك) كالعوض مما حذفوا جبرا له، والعوض يقوم مقام المعوض منه حتى كأنه موجود.
فإن قيل: فإذا كان الحذف يقتضي التعويض فهلا عوضوا في يد ودم ونحو ذلك إذا قالوا: يدان ودمان؟
فالجواب: أن التعويض سماع لا يقال به إلا حيث اضطر إليه، وذلك إذا نقل ألا تراهم عوضوا في أهراق وأسطاع الهاء والسين من سلامة العين فيهما، ولم يعوضوا في أقام وأبان، وإن سلم أنه قياس، فإنما يكون التعويض مما كانت التثنية هي السبب في الحذف منه كالذي نحن فيه، أو يكون التعويض عند وجود سببه مطلقا وهذا هو الأعم كاستطاع وأهراق وجحاجحة وما أشبه ذلك مما يحصل التعويض منه عند وجود سببه، أما يد ودم فلم تكن التثنية سببا في الحذف منه فيعوض فيها، بل قصدت في يد ونحوه عدم التعويض وإلا فلو قصدت فيه التعويض لألزمته العوض، كما فعلوا في شية وعدة وزنة ونحوها، وكما في أسطاع ونحوه، فثبت أن التعويض إنما يكون عند حضور سببه.
قال ابن مالك في "شرح التسهيل" ولما كان الحذف مستعملا في الأفراد بوجه، لم يكن التعويض لازما بل جائزا.
فإن قيل: هذا الكلام أتى به تعليلا للتشديد وهو لم يتصد للنظر في تعليل المسائل ولا قصد ذلك، وإنما قصده ذكر الأحكام القياسية في الكلام ولا كل ذلك، بل الضروري خاصة، والتعليل من قبيل الزائد على الضروري فلم أتي به وقد كان في غنى عنه ويلزم من تعرضه لتعليل بعض المسائل أن يتعرض لتعليل الجميع أو يترك التعليل في الجميع؟
فالجواب: أنه لم يقصد التعليل خاليا من إفادة حكم ضروري، وإنما قصد التنكيت على المخالف الذي زعم أن التشديد دال على المرتبة القصوى في الإشارة، كما كانت اللام في تلك وذلك عند ذلك القائل دالة على المرتبة القصوى قالوا: فذانك بالتخفيف نظير ذلك في الدلالة على المرتبة الوسطى وذانك بالتشديد نظير ذلك في القصوى.
والناظم قد نفي أن يكون ثم مرتبة ثالثة وإنما هما رتبتان/ خاصة، فكأنه قيل له: فهذه الزيادة ما فائدتها، وقد علم أن الزيادة في أسماء الإشارة تفيد الانتقال؟
فأجاب عن هذا: بأن قصد العرب التعويض لا ما قالوه، فإن كان من زعم هذا بقوله بالرأي، فلا رأي مع السماع؛ لأنه نقل لغة واللغة لا تثبت بالرأي، وإن كان يقوله بالنقل فقد قال ابن مالك: يبطل هذا القول جواز التشديد في نون هذين وتين، يعني إذا أشير إلى
القريب وما قاله صحيح فقد قرئ: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ بالتشديد، وهو إشارة إلى القريب قال: ويؤيد صحة هذا الاعتبار جواز تشديد نون اللذين واللتين ليكون جابرا لما فات من بقاء ياء الذي والتي، كما تبقى ياء المنقوص حين يثنى، وقد انتفى أيضا بهذا التعليل وإن كان ذلك غير مقصود من الناظم تعليلان آخران للتشديد ذكرهما السيرافي:
أحدهما: أنه جيء به للتفرقة بين ما كانت النون فيه عوضا من الحركة والتنوين، وبين ما كانت فيه عوضا من الحرف، فالأول نحو: الرجلين والغلامين فإن النون لحقتهما كأنها عوض مما منعت من الحركة والتنوين.
والثاني: كاللذين وهذين وهذا يقتضي أن مجرد النون في هذان واللذان هو العوض، هذا ظاهر عبارته، إلا أن يريد أ، التشديد لحق للأمرين، للعوض وللفرق وعلى الأول نقله بعضهم، وأن النون في هذين واللذين هي العوض بنفسها، والثاني أن التشديد للفرق بين المبهم وغيره من حيث كان المبهم لا تصح إضافته بخلاف غيره وكلا التعليلين ممكن وما علل به الناظم أظهر وعليه الأكثر.
فإن قيل: تقدم أن قصده بالتعليل التنكيت والدفع لمذهب من أثبت في الإشارة الرتبة الوسطى، وأنت قد فسرت أن التعليل غير مخصوص بمحل التنكيت وهو اسم الإشارة، بل أجريت قصده على أنه علل أيضا التشديد في الموصول وليس فيه تنكيت ولا دفع لمذهب، وهذا يقتضي أنه أتى بالتعليل بالنسبة إلى الموصول فضلا، ولعله إنما قصد بذلك اسم الإشارة
فقط وهو محل الفائدة.
فالجواب: أن اسم الإشارة هو محل الفائدة كما ذكرت، ولكن لما كانت العلة في التشديد في البابين واحدة أتى به شاملا لهما، ليحصل له ما قصد وزيادة والذي يشعر بقصده للشمول إشارته بذاك المقتضية للبعد، إذ لو أراد اسم الإشارة وهو الأقرب لقال، و (تعليل بهذا قصدا) كما قال في العلم (ذا إن بغير ويه تمت أعربا) فعين أقرب مذكور فلما لم يفعل ذلك دل على أنه قصد الأبعد أيضا وهو الموصول.
ثم ذكر الجمع فقال:
جمع الذي الألي الذين مطلقا... وبعضهم بالواو رفعا نطقا
فابتدأ بجمع الذي وذكر له جمعين:
أحدهما: (الألي) والألي في الاستعمال على وجهين:
الأول: بمعنى الأول مقلوب منه كقولهم: العرب الألي، أي: الأول.
والآخر: جمع الذي فتقول في جمع الذي/ قام الألي قاموا، كما تقول: الذين قاموا.
ومنه ما أنشده بعض البغداديين:
ألا أيها القوم الألي ينبحونني... كما نبح الليث الكلاب الضوارع
وأنشد النحويون أيضاً:
رأيت بني عمي الألي يخذلونني... على حدثان الدهر إذ يتقلب
وقد تأتي ألي بغير ألف ولام كقول بشر بن أبي خازم:
ونحن ألي ضربنا رأس حجر... بأسياف مهندة رقاق
والثاني: الذين على لفظ الجمع المنصوب أو المجرور، وأراد جمع الذي الأولى والذين، فحذف العاطف.
وقوله: (مطلقا) يعني في الأحوال كلها من رفع أو نصب أو جر، يعني أن هذا الجمع يقع هكذا بالياء في الرفع والنصب والجر لا يختلف الحكم فيه كما يختلف في المجموع حقيقة، فيكون في الرفع بالواو، وبالياء في غيره ودل على أن هذا مراده بالإطلاق.
قوله إثر هذا: (وبعضهم بالواو رفعا نطقا) فتقول على مذهب جمهور العرب: جاءني الذين قاموا، ورأيت الذين قاموا، ومررت بالذين قاموا، ومنه قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله﴾، وقال تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا﴾ الآية.
ثم قال: (وبعضهم بالواو رفعا نطقا) ضميرهم عائد على العرب، علم
ذلك من سياق الكلام، كما علم أن الضمير من قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ عاد على الأرض، فإن كلامه هنا في قوانين الكلام العربي وضبط ما تكلمت به العرب، فعلم أنها المرادة بالضمير، ويريد أن من العرب من يجري الذين، مجرى اللذان فتختلف أحواله بحسب العامل فتقول: جاءني اللذين قاموا، ورأيت الذين قاموا ومررت بالذين قاموا، وهذه لغة مشهورة لهذيل ووجهها على طريقة الناظم ظاهر فاللذون عنده من قبيل المجموع كاللذان في التثنية، فإن الجمع لما كان من خصائص الأسماء عارض شبه الحرف، فأعرب الاسم كما أعربت "أي"، وقد مر تقديره في التثنية، وأما اللغة المشهورة فكأنها معارضة لمذهبه في التوجيه، فإن التثنية إن كانت مؤثرة في الحكم بالإعراب ومعارضة لشبه الحرف لأنها من خصائص الأسماء، فكذلك ينبغي أن يكون الجمع، لأنه أيضا من خصائص الأسماء، لكن العرب لم تعتبر هذه الخاصية في مشهور كلامها، بل أعلمت شبه الحرف من غير اعتبار لغيره، فكذلك يكون عندها الحكم في التثنية، إذ لا فرق في هذا بين التثنية والجمع، فيضعف الاحتجاج في إعراب اللذين ونحوه، بأن التثنية من خواص الأسماء وإذا كان كذلك لم يبق له في دعوى الإعراب دليل إلا جريانه مجرى المثنى، وليس في ذلك دليل، لأن مجرد الجريان مجرى المثنى لا يدل على إعراب الجاري، ألا ترى "من" في الحكاية تجري مجرى المثنى المحكي وليست بمعرفة فتقول لمن قال: جاءني رجلان منان، وفي رأيت رجلين منين، وفي مررت برجلين منين كذلك، وأيضا فقد يبقى المثنى حقيقة فلا تكون تثنيته دليلا على إعرابه نحو: لا رجلين في الدار ويا زيدان وما
أشبه ذلك، فالحاصل أن أصله الذي بني عليه/ غير مخلص.
والجواب: أن الناظم بريء عن هذا الاعتراض لأنه لم يبين هنا وجه كون اللذين وهذين ونحوهما مثناة حقيقة ولا كونها معربة، وإنما تعرض للإشارة إلى مجرد التثنية والإعراب، والتعليل منقول من كلامه في "شرح التسهيل" وقد ذهب هنا إلى خلاف ما يذهب إليه هناك، وعلى تسليم أنه يرد هنا فقد اعتذر هو عن ذلك بأنه إنما لم يعربه أكثر العرب، - وإن كان الجمع من خصائص الأسماء- لأن "الذين" مخصوص بأولي العلم، والذي عام، فلم يجر على سنن الجموع المتمكنة، بخلاف اللذين واللتين فإنهما جرتا على سنن المثنيات المتمكنات لفظا ومعنى.
قال: وعلى كل حال ففي الذي والذين شبه بالشجي والشجين في اللفظ وبعض المعنى، ولذلك لم تجمع العرب على ترك إعراب الذين، ثم ذكر اللغة الأخرى.
وأما ما عارض به السائل من أن الجريان مجرى المثنى لا يدل على الإعراب فليس من مباحث هذا التقييد، إذ لم يتعرض الناظم لذلك.
وبقى في كلامه قوله: (جمع الذي الألي الذين) فجعلهما معا جمعا للذي وهذا يفهم بظاهره أنه في الجمعية على حد الزيود والزيدين في جمع زيد، وذلك غير مستقيم، أما "الألي" فهو من غير لفظه فهو كأولى مع ذي اسم جمع له لا جمع حقيقة وهذا متفق عليه،
وأما "الذين" فلا يصح أن يطلق عليه أنه جمع للذي إلا على لغة هذيل، على ما في ذلك من الخلاف، وعلى لغة الجمهور لا يصح فيه ذلك إلا على طريقة أبي الحسن في صاحب، وصحب، إن صح أن يقول بذلك قائل فإنه لم ينقل في ذلك عن أبي الحسن شيء، وعلى مذهب الجمهور هو اسم جمع مطلقا كالمخالف في اللفظ، فهذا الإطلاق فيه ما ترى اللهم إلا أن يقول: إنه جمع جاء مخالفا للجموع، وذلك مغتفر كما اغتفرت مخالفته في التصغير لأبنيه التصغير، ومثل هذا جار في اللاتي المذكور بعد هذا، وهو ممكن لكنه بعيد وقد أشار المؤلف في الشرح إلى الاحتمال.
والجواب: أنه أطلق هذا اللفظ على الاتساع في العبارة، واعتبار المعنى مع قطع النظر عن اصطلاح النحوي، والأمر في هذا قريب، وهكذا فعل في أسماء جموع التي فجعلها جموعا لها حيث قال إثر هذا
باللاء واللات التي قد جمعا... واللاء كالذين نزرا وقعا
ويعني أن العرب عبرت عن جمع "التي" بهذين اللفظين وهنا "اللائي واللاتي" وهذا اللفظان اسما جمع لا جمعان، غذ ليسا على طريقة الجمع، ولا التي ممن يستحق أن يجمع كما كان ذلك في الذي، إلا أن العرب لما تصرفت فيهما أجرت عليهما أجرت عليهما بعض أحكام الأسماء المتصرفة و "باللاء" متعلق بجمع وإنما عداه بالباء وقد كان الذي ينبغي فيه أن يعديه بعلى على العادة في
التعبير في مثل هذا لأنه اعتبر فيه معنى النطق والتعبير، فضمنه الفعل حتى كأنه قال: /باللائي واللاتي قد عبر عن جمعه أو نطق بكذا في جمعه، فمثال جمعه على "اللاء" هكذا مقصورا كاللاع قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن﴾، ﴿واللائي لم يحضن﴾، ﴿وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن﴾ - الآية.
وأنشد النحويون على ذلك:
من اللاء تمشي بالضحى مجنة... وتمشي العشايا الخوزلي رخوة اليد
وأنشد الفارسي:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
ويحتمل اللائي هنا أن يكون في كلامه مهموزا همزة مخففة، وهي
قراءة قالون عن نافع، وقنبل عن ابن كثير، ويحتمل أن تكون مخففة وهي قراءة ورش عن نافع، وإحدى الروايتين عن أبي عمرو والبزي، ومنهم من ينتقل عن ورش أنه قرأ بالياء وهو من المحتمل هنا.
قالوا: وهي كلها لغات في اللاء، والأظهر أن الناظم غنما اعتبر اللائي بتحقيق الهمزة، فإن كثيرا من الناس يزعمون أن التخفيف أو البدل ياء أصله
التحقيق وإن كان فيه نظر لعلة تأتي في التصريف إن شاء الله.
وأما "اللاتي" في كلامه فيحتمل أن يكون بياء بعد التاء، لكناه انحذفت لملاقاتها للساكن، ومثاله قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾، ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ وهو كثير ويحتمل أن يكون اللات بغير ياء وهي قليلة، ويحتمل الوجهين ما أنشد أبو عبيد من قول الراجز:
من اللواتي والتي واللاتي... زعمن أني كبرت لداتي
والاحتمال الأول أولى لأن إثبات الياء هي اللغة الشهيرة.
وقوله: (واللاء كالذين نزرا وقعا) استدراك لجمع آخر للذي وهو اللاء الواقع للمؤنث جمعا لكن إذا لحقه ما لحق الذي من الياء والنون، ويريد أن اللاء جاء قليلا جمعا للذي على حد مجيء الذين، ولما كان الذين وهو الآتي (للجمع المذكر) فيه لغتان: الذين مطلقا في الرفع والنصب والجر، واللذون في الرفع، والذين في النصب والجر، كان الأمر في اللاء كذلك على مقتضى التشبيه لكن قليلا فتقول على الأول: جائني اللائين قاموا، ورأيت اللائين قاموا، ومررت باللائين قاموا.
وعلى الثاني: جاءني اللاؤون قاموا، ورأيت اللائين قاموا، ومررت باللائين قاموا، وهي لغة هذيل،
ومن ذلك قول الشاعر:
هم اللاؤن فكوا الغل عني... بمرو الشا هجان وهم جناحي
وأما قول الآخر:
وإني من اللائين إن قدروا عفوا... وإن أتربوا جادوا وإن تربوا عفوا
وقول الآخر- انشده الفارسي-:
ألما تعجبي وترى بطيطا... من اللائين في الحقب الخوالي
فيحتمل أن يكون على اللغة الأولى أو الثانية، وقيد الناظم هذا الوجه بأنه نزر، أي: قليل، وذلك صحيح في هذا الوجه، وهو أحد الوجهين المحتملين في كلامه.
ويحتمل وجها ثالثا من التفسير، -وهو الذي شرح عليه كلامه ابنه-: أن يكون قوله: (اللاء كالذين نزرا وقعا) يريد أنه جاء بمعناه مطلقا
لا مقيدا بلحاق زيادة كالذين، بل جاء هذا اللفظ الذي هو "اللاء" جمعا للتي وجمعا للذي إلا أن مجيئه جمعا للذي قليل، فتقول: جاءني اللاء قاموا، كما تقول: جاءني الذين قاموا، / وهذا تفسير صحيح، ومنه ما أنشد الفارسي وغيره من قوله: من النفر اللاء الذين إذا هم... يهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا وقال كثير: تروق عيون اللاء لا يطعمونها... ويروى برياها الضجيع المكافح فإن قيل: إذا كان وقوع اللاء كالذين نزرا فما الفائدة في ذكره هنا وهو إنما بني على نقل الأشهر وإلا فللذي والتي جموع أخر، ربما كانت أكثر استعمالا من اللاء جمع الذي أو مثله ألا ترى أن اللائي
ممدودًا جمع للذي، وأن اللائي واللوات واللواتي واللاء مقصورا وهؤلاء كذلك، واللواء ممدودا واللاءات.
وإذا ثبت هذا فاقتصاره على ما اقتصر عليه ترجيح من غير مرجح ظاهر وذلك مما لا ينبغي؟
فالجواب: أن الناظم لم ينبه على ما نبه عليه لغير فائدة، بل فيه ما يتأكد عليه ذكره بحسب قصده على كلا التفسيرين، أما على التفسير الأول فإن كلامه تنكيت على ما ذهب إليه في "شرح التسهيل"، وذلك أنه زعم فيه أن اللائين جمع اللاء الذي هو جمع للذي خلاف ما ظهر منه هنا، وفي "التسهيل" أيضا لأنه قال هنا: (واللاء كالذي نزرا وقعا) فبين أنه مثل الذين في الحكم والذين جمع للذي من غير نزاع، فاللائين كذلك فكأنه يقول: لا تعتقد أنه جمع اللاء بل مرادفه، وعلى هذا المعنى ينقله أهل اللغة.
قال الجوهري: واللاءون جمع الذي من غير لفظه بمعنى الذين، ومثل هذا يظهر من نقل النحاة أيضا، فهذا أولى من قوله في "شرح التسهيل" والصحيح أن "الذين" جمع الذي مرادا به من يعقل، وأن اللائين جمع اللائي مرادف الذين وأن اللاءات جمع اللاء، مرادف اللاتي، وكذلك اللوائي واللواتي هما جمعا اللائي واللاتي على حد قولهم في الهادي، -وهو العنق-: هواد، وفي الهابي- وهو الغبار-: هواب، وما قاله قياس في اللغة ومدرك مثل هذا النقل، فلو كان النقل موافقا لصحت هذه الدعوى، وأما
إذا كان بخلاف ذلك فالدعوى لا يصح اعتبارها فهذا- والله أعلم- هو الذي نبه عليه الناظم.
وأما على التفسير الثاني فإنه لما قدم أن اللاء جمع للتي كان هذا الإطلاق موهما أن اللاء مختص بالمؤنث وليس للذي فيه نصيب فأزال هذا الإيهام، فنقل مشاركة الذي للتي في هذا اللفظ الجمعي وإن كانت المشاركة قليلة فإنها مع قلتها قد تقع في الكلام، وهذا مما ينهض مقصدا في نقل هذا القليل بخصوصه دون غيره وينضاف إلى المقصدين زيادة فائدة لا بأس بالتنبيه عليها، وهو حسن من التنبه وبالله التوفيق.
ولما آتم الكلام على أصول الباب من الموصولات وهي الذي والتي وفروعهما أخذ يذكر ما هو جار مجراها ومن إجمالها في أحكامها ومعانيها فقال:
ومن وما وأل تساوي ما ذكر... وهكذا ذو عند طيئ شهر
وكالتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاتي أتى ذوات
أما قوله: (ومن وما وأل تساوي ما ذكر) فيعني أن كل واحدة من هذه الأدوات الثلاث وهي: "من" و "ما" و"أل" الألف واللام يعبر عنها بأل قصدا للاختصار تساوي ما تقدم ذكره من الموصولات ومساواتها لما تقدم بحسب ما قصد له في أربعة أحكام:
أحدها: الاسمية وهذا متفق عليه فيما سوى "أل"، فإن "من" و "ما"
من قبيل/ الأسماء وخواص الاسم (التي قدم ذكرها) تبين ذلك.
وأما "أل" فالجمهور على ما قال من أنها إذا وقعت في هذا الباب اسم لا حرف، أعني إذا دخلت على الصفة الصريحة كما سيذكره، وذهب المازني وربما نقل عن الأخفش أنها هنا حرفية كالألف واللام الداخلة على الرجل والغلام إلا أن المازني يقول: هي حرف موصول، والأخفش يقول: هي حرف تعريف غير موصول هكذا نقل بعضهم.
فالدليل على أنها في هذا الباب اسم عود الضمير عليها، إذ كنت تقول: جاءني الضاربة زيد، وجاءتني الضاربها زيد في فصيح الكلام، فالهاء في الضاربة، وها في الضاربها لم يتقدم عليه ما يعود عليه إلا "أل"، فدل ذلك على أنها اسم.
فإن قيل: ما تنكر من أن يكون الضمير عائدا على الموصوف المحذوف لأن الضارب صفة فهي بلابد جارية على موصوف، فليس الضمير إذا بعائد على "أل"؟
فالجواب: أنه لو كان كذلك لجاز مع التنكير أن يدعى عود الضمير على الموصوف دون الصفة إذا قلت: مررت بضاحك أبوه، إذ لا فرق بين تقدير الموصوف معرفا وبين تقديره منكرا، بل كان ذلك مع التنكير أولى لأن حذف الموصوف منكرا أكثر من حذفه معرفا، بهذا أجاب المؤلف عن الإيراد وهو جواب غير مقنع، إذ للمازني أن يلتزم ذلك.
وقد أجاب غير ابن مالك بأنك إذا أقمت شيئا مقام شيء
محذوف، فالمعتبر هو المثبت لا المحذوف إلا في القليل.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وأسأل القرية التي كنا فيها﴾ - فعاد الضمير على القرية في اللفظ وإن كان المراد أهلها، وأيضا قد استدل ابن جني وغيره على أن الكاف تقع اسما أعني كاف التشبيه بنحو قول الأعشى:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فجعل الكاف في "كالطعن" فاعلة مع إمكان تقدير الموصوف، واعتذر عن ذلك بما هو مذكور في "سر الصناعة" فقف عليه.
ومن الدليل أيضا على اسمية "أل" ما كره بعضهم من أنها لو كانت المعرفة لكان لحاقها اسم الفاعل قادحا في صحة عمله مع كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، لكن الأمر بخلاف ذلك فعلها باق؛ لأن الصفة مع أل هذه في حكم الاسم الموصول يجب تأولها بجملة مصرح بجزء يها، وهما هنا الفعل والفاعل ولأجل التأويل وجب العمل لها وإن كانت بمعنى الماضي فـ "أل" معها كالذي مع الفعل لا كـ "أل" مع الرجل مثلا، وقد التزم الأخفش إبطال عملها مع "أل" فليس هذا الدليل بوارد عليه، إذ هو نفس دعواه وقد يقول بذلك المازني أو يفرق بين الحرف الموصول وغيره.
وأما الدليل على أن "أل" من الموصولات فالتزامهم وصلها إما بالمفرد المقدر بالجملة وإما بالجملة الصريحة، كما التزموا ذلك في "من" و "ما" والذي والتي وأخواتها
فقالوا: جاءني الذي قام أبوه ومن خرج/ أخوه ومن في الدار فكذلك قالوا: جاءني القائم أبوه، واليقوم أبوه، وإن كان هذا قليلا فإن المعنى في الجميع واحد.
وقد نقل ابن مالك عن ابن برهان أنه استدل على موصولية "أل" بدخولها على الفعل على الجملة.
قال ابن مالك: واستدلاله قوي، لأن حرف التعريف في اختصاصه بالاسم كحرف التنفيس في اختصاصه بالفعل، فكما لا يدخل حرف التنفيس على الاسم كذلك لا تدخل الألف واللام على الفعل، إلا أنها دخلت هنا على الفعل فوجب اعتقاد كونها هنا اسما بمعنى الذي والتي لا حرف تعريف، والكلام في المسألة يتسع، والبحث ممكن، وهذا القدر كاف.
والحكم الثاني: من الأحكام الأربعة الموصولية، وهي أيضا متفق عليها في "من" و"ما"، وأما "أل" فكذلك غير أن أبا الحسن يخالف فيها وقد تقدم ذلك وهو بناء على أنها حرف تعريف.
وأما المازني فوافق على الموصولية لكن مع اعتقاد الحرفية، وقد مر الاستدلال على خلاف ما زعماه.
والحكم الثالث: التذكير والتأنيث، فهذه الأدوات الثلاث توافق المذكر مما تقدم وهو "الذي" والمؤنث وهو "التي" فتقول لمن قال: مررت برجل وبامرأة: عرفت من مررت به، ومن مررت بها، ولمن قال:
مررت بمنزل أبيك وبدار أخيك، عرفت ما مررت به وما مررت بها، وكذلك تقول: عرفت المنزل الممرور به والدار الممرور بها، فقد ساوى "من" و"ما" و"أل" في هذا الاستعمال الذي والتي إلا أن في "من" و"ما" اعتبارين: اعتبار اللفظ وهو مذكر فتعامله معاملة المذكر وإن كان مدلوله مؤنثا واعتبار المعني فتعامله الذي والتي وهذان اعتباران لم يتعرض لهما الناظم، مثل ذلك يعتبر فيهما الإفراد والتثنية والجمع.
والحكم الرابع: الإفراد والتثنية والجمع فهي توافق المفرد من الذي والتي، وقد مر تمثيل ذلك وتوافق المثني والمجموع فتقول لمن قال مررت برجلين وبرجال وبامرأتين وبنسوة، عرفت من مررت بهم، ومن مررت بهما، ومن مرت بهن، ولمن قال: مررت بمنزلين أو بدارين وبمنازل أو بدور عرفت ما مررت بهما، وما مررت بهما والمنازل الممرور بها أو بهن، وكذلك تقول: عرفت المنزلين الممرور بهما والمنازل الممرور بها أو بهن، وكذلك في الدارين والدور وما أشبه ذلك، فهذه الأحكام الأربعة تساوى فيها هذه الأدوات ما تقدم، فلذلك لا تختلف ألفاظها مع اختلاف الأحكام لما في ألفاظ ما تقدم وهو معنى قوله: (تساوى ما ذكر) أي: أنها تدل على ما دل عليه جميع ما ذكر مع بقائها على لفظ واحد، ثم الحق بهذه الثلاثة رابعا، لكن في بعض اللغات وهو "ذو" فقال: (وهكذا ذو عند طيئ شهر، يعني أن ذو في لغة طيئ المشهورة حكمها حكم هذا الذي تقدم وهو "ما" و"من" و"أل" فهي تساوي ما ذكر قبل في الأحكام المذكورة، والمعني فإنها من الأسماء لا من الحروف ومن الموصولات لافتقارها إلى صلة وعائد، وهي تقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد فتقول: جاءني الرجل ذو قام والمرأة ذو قامت، كما تقول:
جاءني من قام ومن قامت، فمن وقوعها على/ المذكر قول قيس بن/ 193 جروة- وهو من أبيات الحماسة-: لئن لم يغير بعض ما قد صنعتم... لأنتحيا بالعظم ذو أنا عارفه أي: الذي أنا عارفه، وقال حاتم: ومن حسد يجور على قومي... وأي الدهر ذو لم يحسدونني أي: الذي لم يحسدوني فيه، وأنشد ابن الأنباري لقوال الطائي وهو من أبيات الحماسة: قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا... هلم فإن المشرفي الفرائض
وفيهما:
أظنك دون المال ذو جئت تبتغي... ستلقاك بيض للنفوس قوابض
وهو كثير.
ومن وقوعها على المؤنث ما أنشده ابن الأنباري وغيره من قول الشاعر وهو سنان بن الفحل:
فإن المال مال أبي وجدي... وبئري ذو حفرت وذو طويت
والبئر مؤنثة وتقع كذلك على المفرد والمثنى والمجموع فتقول: أعجبني الرجلان ذو قاما، والمرأتان ذو جاءتا، والرجال ذو قاموا، والنسوة ذو قمن.
وقد نص أهل اللغة على هذا المعنى وأن "ذو" لا تثنى ولا تجمع على هذه اللغة ولا تؤنث ولا تكون إلا على حالة واحدة، نقل ذلك عن الفراء، وأبي حاتم ونص عليه أيضا الجوهري وغيره.
وقول الناظم: (وكالتي أيضا لديهم ذات) استدراك للغة ثانية لطيئ وهي أنهم يخالفون في كلامهم أيضا بين المذكر والمؤنث فيقولون: ذات إذا أرادوا المؤنث، ذو إذا أرادوا المذكر نحو: رأيت زيدا ذو قام، وهند ذات قامت.
ومنه ما حكاه الفراء
من قول بعض فحصائهم: "بالفضل ذو فضلكم الله به والكرامة ذات أكرمكم الله به" أراد بها فأسكن الهاء ونقل حركتها إلى ما قبلها.
ثم قال: (وموضع اللاتي أني ذوات) موضع منصوب على الظرفية أي: وفي موضع اللاتي أتى هذا اللفظ الذي هو ذات، ويريد في هذه اللغة الأخيرة لطيئ فتقول: رأيت النساء ذوات خرجن، ومنه ما أنشده الفراء من قول الراجز:
جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق
وهذه اللغة عند الناظم غير مشهورة لطيئ شهرة الأولى، يدل على ذلك من كلامه قوله: (وهكذا ذو عند طيئ شهر) فزعم أن جريان "ذو" في الأحوال كلها مجرى "من" و"ما" و"أل" هو المشهور عندهم، ثم ذكر اللغة الأخرى ولم يذكر لها شهرة، فدل على أنها دونها في ذلك وأنهما لغتان، وبهذا ظهرت مخالفته لابن عصفور حيث أشار إلى أنها لغة واحدة مذكرها بخلاف مؤنثها وأنك لا تقول في لغة طيئ: مررت بالمرأة ذو
رأيتها، وإنما تقول: ذات رأيتها، وذكر أنه لا حجة في قول سنان:
وبئري ذو حفرت وذو طويت
قال: لأنه جاء على تذكير البئر وذلك على مني قليب، كأنه قال: وقليبي الذي حفرته وطويته.
كما قال:
يا بئر يا بئر بني عدي... لا نزحن قعرك بالدلى
حتى تعودي أقطع الولى
فقال: أقطع بالتذكير على معنى قليب، وجرى على هذا السنن الأبذي أيضا ورد عليه ابن الضائع بوجهين:
أحدهما: ما أشعر به الناظم من أنه لم يذكر "ذات" كل من ذكر ذو.
قال: فهذا/ يدل على أن "ذو" أشهر من "ذات".
قال: ولو كان مؤنثا لها كالتي مع الذي لم يكن أحدهما أشهر؛ لأن المذكر ومؤنثه في رتبة واحدة.
والثاني: أن التأويل في "ذو" قياسا على الصفة لا يجوز لأن
التأويل في الصفة بالحمل على الفعل، فالصفة الجارية على الفعل يجوز فيها ما لا يجوز في غير الجارية.
ألا ترى أن من قال: جاء الموعظة لا يقول مشيرا إليها: هذا الموعظة.
قال: ولذلك زعم الخليل في قوله: ﴿هذا رحمة من ربي﴾ أن الإشارة إلى المطر لا إلى الرحمة.
قال: وذو أقرب إلى أسماء الإشارة منها إلى الصفة الجارية.
وذوات على مذهب ابن عصفور مثل: ذات فذو مذهبه كالذي، وذات كالتي، وهو الذي نقله عنه المؤلف في "شرح التسهيل" فقال: وأطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها، ويظهر هذا منه في "المقرب" والمردود عليه، إنها هو الإطلاق في جميع لغة طيئ كما تقدم، وأما كون "ذو" تثنى وتجمع وتؤنث عند بعض طيئ فهو ثابت كما سيأتي إثر هذا بحول الله، وبعد فإنه يتعلق بكلام الناظم هنا مسائل:
إحداهما: أنه قد تبين اسمية "أل" عنده من ظاهر كلامه هنا، فهل تدخل له في التعريف الذي ذكره أم لا؟ فقد عرف الأسماء بخواص دخل له بها أكثر الأسماء.
والجواب: أن "أل" غير داخلة له في التعريف الأول، إذ الجر لا يصلح معرفا لها، لأنك إن أدخلت حرف الجر فقلت: للراكب أو للحسن، لم يكن بينه وبين قولك للرجل وللفرس فرق، وكذلك الإسناد إليها نحو: جاءني الضارب، لا فرق بينه وبين جاءني الرجل.
وأما التنوين والنداء وأل فأبعد في التعريف فالإنصاف أن "أل" مما خرج عن تعريفه الأول.
والثانية: أن هذه الأدوات مبنية لما تقدم من سبه الحرف، أما "من و"ما" و"أل" فظاهر وأما "ذو" فقد أشعر كلامه بذلك حيث قال: (وهكذا ذو عند طيئ شهر) يعني بهذا اللفظ بعينه فتقول جاءني الرجل ذو أكرمك، ورأيت الرجل ذو أكرمك، ومررت بالرجل ذو أكرمك ومثل ذلك ما ذكر من ذات وذوات هما مبنيان على الضم في الأحوال كلها، ويشهد لذلك ما تقدم من الشواهد نحو: لأنتحيا بالعظم ذو أنا عارفه وقوله: بالفضل ذو فضلكم الله به والكرامة ذات أكرمكم الله به، وما كان شبه ذلك، والبناء فيها على القياس، ولذلك لم يشعر الناظم بخلافه، وقد جاء الإعراب في "ذو" قليلا، وأنشدوا لمنظور بن سحيم- وهو من أبيات الحماسة-: فإما كرام موسرون أتيتهم... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا وإما كرام معسرون عذرتهم... وإما لئام فادكرت حيائيا ويروي: "من ذو عندهم" على الأصل، وروى أبو زيد عن العقيليين: دعينا إلى طعام فأكلنا منه... حتى تركناه من ذي إلينا أي: من ذوات أنفسنا، وحقيقته من الرأي الذي إلينا، حكى
الزمخشري في المحاجاة النحوية أن من الطائيين من يغيرها في الرفع والنصب والجر.
وقيل في قولهم: "اذهب بذي تسلم" أنه من ذلك، أي: / بالسلامة التي تسلمها.
والثالثة: أن الناظم خص "ذو" و"ذات" و"ذوات" فأسندها إلى طيئ وأطلق القول في الذي والتي وفروعهما وفي "من" و"ما" و"أل"، فدل ذلك على أن ماعدا "ذو" و"ذات" و"ذوات" تشترك فيها طيئ وغيرها، إذ لو لم يكن كذلك لوجب أن يذكر اختصاص غيرها ذلك، كما ذكر اختصاصها بذو وما ذكر معها، وذلك صحيح، إذ تلك الأدوات كلها تستعملها طيئ وتتكلم بها فتقول: جاءني الذي قام، والتي خرجت، وجاءني من جاءك، ورأيت ما صنعته وما أشبه ذلك، لكنها تختص وذات بذو بمعني الذي والتي، وكذلك فروعهما عندها فقال حاتم الطائي:
أما والذي لا يعرف السر غيره... ويحيي العظام البيض وهي رميم
وقال معدان بن عبيد الطائي:
فأما الذي يحصيهم فمكثر... وأما الذي يطريهم فمقلل
وقيل قيس بن جروة هو عارق الطائي:
ألاحي قبل البين من أنت عاشقه... ومن أنت مشتاق إليه وشائقه ومن لا توالى داره غير فتية... ومن أنت تبكي كل يوم تفارقه ثم قال فيها: إلي الملك الخير ابن هند تزوره... وليس من الفوت الذي هو سابقه ثم جمع بين "ما و"ذو" فقال: لئن لم يغير بعض ما قد صنعتم... لأنتحيا للعظم ذو أنا عارفه وقال بعض الطائيين أيضا: لنا الحصنان من أجأ وسلمي... وشرقياهما غير انتحال وتيماء التي من عهد عاد... حميناها بأطراف العوال وقال بعض بني بولان- وهم من طيئ-: بني رجل لو كان حيا أعانني... على ضر أعدائي الذين أمارس وقال بعضهم- والجميع من أبيات الحماسة-:
فإن تكن الأيام حالت صروفها... ببؤسي ونعمي والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة... ولا ذللتنا للتي ليس تجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة... تحمل مالا يستطاع فتحمل
وأما "أل" فاستعمالها عندهم أشهر من أن يستشهد عليه، والمقصود في الجميع التنبيه على أن تلك الأدوات من المستعمل المشهور في لغتهم حذرا أن يظن ظان أن "ذو" عندهم عوض من "ما" و"من" و"الذي" وغيرهما مما ذكر حيث لا يجتمعان في كلامهم.
والرابعة: أنه حكي عن طيئ في اللغة الثانية أنهم يقولون في المفرد المؤنث "ذات" وهو مقابل "ذو" في المذكر وأنهم يقولون في الجمع المؤنث "ذوات" وهو الموضوع موضع "اللائي" ولم يذكر له مقابلا ومقابله في المذكر إذا وجد ذوون أو نحوه وهذا النقل هكذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون على ظاهره من الاقتصار في التفريع على "ذات" في المفرد المؤنث وعلى "ذوات" في الجمع المؤنث وأن ماعدا ذلك فمقتصر به على "ذو" ويظهر هذا من اقتصاره على موضع السماع المشتهر عند النقلة، وهو أيضا ظاهر كلامه في "شرح التسهيل"، حيث قال، وأطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها قال: وأظن حامله على ذلك قولهم: ذات وذوات بمعنى التي واللاتي فأضربت عنه لذلك.
والثاني: أن يكون أراد أن التفريع في ذو جار على الإطلاق في هذه اللغة في التثنية والجمع المذكر والمؤنث، والتأنيث/ إنما أتى
به تنبيهاً على ما بقى من الفروع، فتكون ذو إذ ذاك تثنى وتجمع وتؤنث على ما ظهر من ابن عصفور.
وقد ذكر ذلك ابن السراج في "الأصول"، و"الهروي" في "الأزهية"، وذكر الأزهري عن الفراء قال: قد يخلطون في ذو في الاثنين والجميع فربما قالوا: هذان ذو تعرف، وربما قالوا: هذان ذو تعرف، وهؤلاء ذو تعرف، ويجعلون مكان التي "ذات" ويرفعون التاء على كل حال، وفي تثنيتها ذواتا تعرف، وهؤلاء ذوات تعرف وأظن المؤلف لم يطلع على هذا النقل، فلذلك قال في نقل ابن عصفور ما قال وعلى الجملة فنظمه أسعد بنقله، والله أعلم.
ثم قال: ومثل ما "ذا" بعد ما استفهام... أو من إذا لم تلغ في الكلام يعني أن هذا اللفظ مثل "ما" في أحكامه المذكورة وهي الاسمية والموصولية والمساواة لما تقدم في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وأصل المعني فتقول: ماذا رأيته؟ ومن ذا لقيك؟ وأنت تريد مفردا أو مثني أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا، لكن لا يكون كذلك إلا بشرطين صرح بهما:
أحدُهما: أن تقع بعد "ما" التي للاستفهام أو "من" أي: التي للاستفهام أيضا وذلك قوله: (بعد ما استفهام أو من) وإنما لم يقيد "من" تصريحا للعلم بأن القيد مراد له وتحرز بهذا الشرط من شيئين:
أحدهما: أن تقع بعد "ما" أو "من" غير الاستفهاميتين فإنها هناك لا تكون موصولة نحو ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
دعى ماذا علمت سأتقيه... ولكن بالمغيب نبئيني
فـ "ما" و"ذا" هنا كلاهما شيء واحد بمعنى الذي أو بمعنى شيء، إذ لا يصلح فيهما غير ذلك.
والثاني: أن تقع عارية عن "ما" و "من" نحو ما أنشده الكوفيون من قول الشاعر:
عدس ما لعباد عليك إمارة... أمنت وهذا تحملين طليق
فـ "ذا" هاهنا ليست موصولة بمعنى الذي وإنما هو اسم إشارة على أصله "وتحملين" حال تقديره: وهذا حالة كونه محمولا طليق، وزعم الكوفيون أن أسماء الإشارة- و"ذا" منها- تقع موصولات بدون هذا الشرط، ومن ذلك عندهم قول الله تعالي: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ - فالتقدير عندهم:
وما التي بيمينك، وكذلك يقدرون البيت والذي تحملين طليق، وبيمينك، وتحملين صلة قالوا: لأنه لم يرد أن يخبر عن هذا بأنه محمول، ولو كان كذلك لم يجز حذف الضمير من "تحملين" ولا يجوز أن يكون هذا مفعولا لـ "تحملين"، إذ لا وجه لـ "طليق" كذلك، ولا المعنى عليه.
واعتذر البصريون عن حذف الضمير بأنه قد يجوز حذفه من الخبر والصفة والحال، والذي دعاهم إلى هذا التأويل الهرب من إثبات ما لم يثبت في كلام العرب، فالصحيح ما ذهب إليه البصريون والناظم، حين اشترط في وقوعها موصولة أن تقع بعد "ما" أو "من".
والشرط الثاني: أن تكون "ذا" غير ملغاة في الكلام، وإليه أشار بقوله: (إذا لم تلغ في الكلام) وإلغاء "ذا" على وجهين:
أحدهما حقيقي والأخر حكمي.
أما الحقيقي: فأن تجعل مقدرة السقوط كأنها لم تذكر، ومنه ما أنشده الفارسي في "التذكرة" عن أبي الحسن:
يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم... لا يستفقن إلى الديرين تحنانا
قال أبو الحسن: أراد ما بال نسوتكم، إذ/ لا معني لـ "ذا" في البيت.
وأما الحكمي: فأن تقدر "ذا" مع "ما" أو "من" شيئا واحدا لا أن تقدر سقوطها كقولك: ماذا صنعت أخيرا أم شرا، ويحكم على موضع "ماذا" بالحكم الذي تستحقه "ما" من رفع أو نصب أو جر، وعلى موضع "من ذا" بالحكم المستحق لـ "من" كذلك نحو: من ذا أكرمت أزيدا أم عمرا؟ فكأن "ذا" في الحكم غير موجودة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا ربكم قالوا خيرا﴾، وقوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ على قراءة النصب وهي لمن عدا أبا عمرو بن العلاء، فإذا وجد الشرطان ثبت كون "ذا" موصولة بمعنى الذي وغيرها، ومن ذلك قراء غير أبي عمرو، "ماذا ينفقون قل العفو" بالرفع، وأنشد سيبويه للبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول... أتحب فيقضى أم ضلال وباطل ومن أمثلة ذا مع "من" قول الأعشى: وغريبة تأتي الملوك كريمة... قد قلتها ليقال من ذا قالها
وأنشد المؤلف لأمية بن أبي عائذ:
ألا إن قلبي لدى الظاعنينا... حزين فمن ذا يعزى الحزينا
ويرد على الناظم هنا سؤالان: أحدهما في لفظ الإلغاء، فقد غمزه شيخنا الأستاذ أبو عبد الله ابن الفخار- رحمة الله عليه- فيما علق من "الطرر على هذه الأرجوزة".
فقال: كان أولى به أن يعدل عن لفظ الإلغاء إلى لفظ التركيب لنص سيبويه على منع ذلك، يعني الإلغاء على حقيقته لقوله: فلو كان "ذا" لغوا لما قالت العرب: عماذا تسأل، ولقالوا: عم ذا تسأل، ولكنهم جعلوا "ما" و "ذا" اسما واحدا، كما جعلوا "ما" و "إن" حرفا واحدا حين قالوا: إنما، قال الأستاذ، فإن أراد الناظم بالإلغاء ما أراد أبو القاسم يعني الزجاجي بقوله: صلة لما، أي: أنها كجزء مما قبلها، فصارت بمنزلة ما ليس في الكلام من حيث لم يكن لها حكم نفسها، بخلاف الوجه الآخر فهذا وجه وإن أراد بالإلغاء الزيادة فقد رده سيبويه فتأمله، انتهى كلام الأستاذ وما قاله حسن، وقد تقدم من تفسير