لا بارك الله في الغواني هل... يصبحن إلا لهن مطلب وأنشد أيضًا: ما إن رأيت ولا أرى في مدتي... كجزاري يلعبن في الصحراء وقال الهذلي: تراه وقد فات الرماة كأنه... أمام الكلاب مصفي الخد أصلم وأما الفتحة فغير مستثقلة على الياء، ولا على الواو، فلذلك ظهرت في السعة، إلا أن تعامل معاملة أختيها في الشعر، أو في قليل من الكلام فتنوى، كما روى عن جعفر بن محمد أنه قرأ: ((من أوسط ما تطعمون أهاليكم)) بإسكان الياء، ومنه في الشعر ما أنشده ابن جنّي وغيره من قول الراجز: كأن أيديهن بالقاع القرق... أيدي جوارٍ يتعاطين الوَرِق
وقول زهير:
ومن يعص أطراف الرماح فإنه... يطيع العوالي ركبت كل لهذم
وقال النابغة الذبياني:
ردت عليه أقاصيه ولبَّده... ضرب الوليدة بالمسحاة في لثأد
وهذا كله من قبيل ما لا يعتمد به الناظم، فلذلك لم ينبه عليه.
وقوله: (كذا أيضًا يجرُّ) أي كرفعه يجر، يعني أنه ينوي فيه الجر كما ينوي فيه الرفع.
......
ثم ذكر معتل الأفعال فقال:
وأيُّ فعل آخر منه ألف... أو ياء أو واو فمعتلًا عُرِفْ
هذا بيان المعتل من الأفعال بالنسبة إلى باب الإعراب كما تقدم ويعني أن كل فعل مضارع آخره حرف من حروف العلة وهي الألف والواو والياء نحو: يخشى ويدعو ويرمي يسمى معتلًا، لكن إنما بين أنه عُرف فيما تقدم بأنه معتل، ويلزم من ذلك أنه يسمى الآن معتلًا كما سماه النحويين؛ لأنه إنما وضع كتابه هذا ليقتفي به أثر من تقدم في تبيينهم طرق القياس، وما يتبع ذلك من الألفاظ الاصطلاحية المؤدية إلى المطلوب، فإذا نص الناظم على أن من تقدم سمي اللفظ الفُلاني بكذا، والمعنى الفلاني بكذا، أو أخبر أنهم قاسوا كذا، وأن العرب نطقت بكذا،
أو اطرد عندها كذا، فإنما قصده أن تأخذ ذلك على ما أخذوه وأن تصطلح على ما اصطلحوا عليه، وهذا واضح من قصده وقصد غيره من أئمة النحو، نفعهم الله.
وقوله: (آخر منه ألف) آخر مبتدأ خبره "ألف".
وصحّ الابتداء بالنكرة للاختصاص اللاحق لها بالمجرور الواقع صفة لها.
......
ثم قال:
فالألف انو فيه غير الجزم... وأبدِ نصبَ ما كيدعو يَرمِي
والرفعَ فيهما انوِ واحذف جازمًا... ثلاثهن تقض حكمًا لازما
الألف منصوب بفعل مضمر يفسره (انوِ فيه) من باب الاشتغال، ويجوز الرفع، لكنه خلاف المختار، وأراد أن غير الجزم من أنواع الإعراب الثلاثة يجب أن ينوي فيه، وذلك الغير هو الرفع والنصب، فكأنه قال: انوِ فيه الرفع والنصب، فالرفع نحو: زيدٌ يخشى، والنصب نحو: زيدٌ لن يخشى، فهو مرفوع بضمة مقدرة في الألف، ومنصوب بفتحة مقدرة، وإنما استثنى الجزم لأنه ظاهر في آخر يخشى؛ لأنه بالحذف للألف لا بتقدير السكون حسب ما نذكره/ وأما ما آخره واو وياء فيختلف فيه حكم الرفع والنصب، فإن النصب يظهر فيه فتقول: لن يغزو، ولن يرمي، لخفة الفتحة على الواو والياء، وذلك قوله: (وأبدِ نصبَ ما كيدعو يرمي) أبدِ معناه: أظهر، و"ما" موصلة، صلتها الجار والمجرور، وأراد ويرمي فحذف العاطف ضرورة، وقد جاء قليلًا، ومنه في الشعر ما أنشده ابن جنِّي من قوله:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما... يغرس الود في فؤادِ الكريمِ
أراد وكيف أمسيت، ومعنى الكلام أظهرِ النصب فيما آخره واو كيدعو وما آخره ياء كيرمي، وأما الرفع فينوي فيهما، كما ينوي في الألف وذلك قوله: (والرفع فيهما انوِ) والضمير المجرور يعود على ما كيدعو وما كيرمي، وإنما نُوي فيهما لاستثقال ظهوره فيهما لو قلت: يغزوُ ويرميُ، ولو اضطر شاعر إلى الإظهار لجاز، كما يجوز في الأسماء، بخلاف الألف.
وقوله: (والرفع) منصوب بانوِ، أي: انو الرفع فيهما، ويقال: نويتُ الشيء نيةً ونويةً ونواةً: إذا قصدته بنيتك، فمعنى انو فيه غير الجزم، أي: اقصد فيه قصد الرفع والنصب في نيتك إذ ذاك غير ملفوظ به.
وكذا قوله: (والرفع فيهما انوِ) أي اقصده في نيتك في الواو والياء.
ويقال: بدا الشيء يبدو بُدُوًا: إذا ظهر، وابتديته أنا أي: أظهرته، ومنه قول الله تعالى: ﴿بادي الرأي﴾ أي: في ظاهر الرأي يحكي كلام قوم نوح عليه السلام، فيريد بقوله: (أبدِ نصبَ) كذا، أي أظهره، ولا تقدره، كما تقدر الرفع، ثم قال: (واحذف جازمًا ثلاثهن) "جازمًا" حالٌ من الضمير في احذف، أي: احذف ثلاثهن، حالة كونك جازمًا لهنَّ، ولا يكون ثلاثهن منصوبًا بـ "جازمًا" أصلًا، بل باحذف لأنه الطالب له، وأما "جازمًا" فإنما هو طالبٌ من جهة معناه، لما آخره من ألف أو واو أو ياء، وهو الذي يسمى
معتلا ويعني بالثلاث: الألف والواو والياء، وضمير "هن" عائد على الأحرف كأنه قال: احذف ثلاث الأحرف وأتى بالثلاث على التأنيث، ولم يقل: ثلاثتهن، وهي مذكرة اعتبارا بتأنيثها لثبوت الاعتبارين فيها، وقد اعتبر التذكير في الألف في قوله: (فاللف انو فيه) ولم يقل فيها، ومن التذكير فيها في اللغة ما أنشده سيبويه من قوله: كافا وميمين وسينا طاسما وأنشد في التأنيث فيها: كما بينت كاف تلوح وميمها وعادة الناظم ألا يبالي بها في التزام تذكير أو تأنيث، بل يأتي بها كذا مرة، وكذا مرة، على حسب ما يتأتى له في هذا النظم، وذلك قريب، وإنما حذفت هذه الأحرف في الجزم ليخالف الجزم الرفع، لأنه لما كان الرفع بالحركة وهو الأصل فيها، ثم استثقلت فبقي لفظ الواو والياء ساكنا كرهوا أن ينووا السكون فيهما، فيبقى اللفظ في الجزم كما كان في رفع، فحذفوهما، وعلل ذلك الفارسي في "التذكرة" بأن الياء والواو أجريت في الفعل مجرى الزوائد كالنون في يضربان ونحوه وكالحركات، كما
أجريت مجرى الزيادات في القوافي حيث جعلت حرف الإطلاق وسوى بينهما وبين الحرف الزائد حقيقة فقيل:
ولأنك تفري ما خلقت... وبعض القوم يخلق ثم لا يفر
ثم قال:
والستر دون الفاحشات وما... يلقاك دون الخير من ستر
فعومل الياءان معاملة واحدة في الحذف، كما يحذف الزائد، فكذلك جعلت هنا بمنزلة الزائد فحذفت للجزم، والألف في هذا محمولة على الواو والياء في الحكم، وكأن تعليل الفارسي مقو لتعليل الأول، وهو الذي نحا إليه سيبويه.
وقوله: (تقض حكما لازما) تقض: مضارع قضى الرجل قضاء، أي: حكم وهو متعد بالباء، تقول: قضى لي بحقى، أو حكم به لي، فإما أن يكون المتعدي إليه هو وقله: (حكما) وكان الأصل تقض بحكم لازم، إلا أنه حذف الجار فنصب كما قال:
تمرون الديار ولن تعوجوا
وإما أن يكون غير مذكور، ونصب "حكما" نصب المصدر بـ "تقض"، لأنه في معناه ومرادف له كما تقول: ذهبت انطلاقا، وانطلقت ذهابا، وجلست
قعودًا، ومنه قول امرئ القيس:
ويوما على ظهر الكثيب تعذرت... عليّ وآلت حلفة لم تحلل
أي: حلفت / حلفة، فكذلك قول الناظم: (تقض حكما لازما) أي: تحكم حكما، أو تقض قضاء لازما، وأراد بهذا الكلام: أن حذف حرف العلة من آخر الفعل للجازم أمر لابد منه، يعني في القياس، فإن السماع لا يلزم فيه هذا.
فإن قلت: هذا الكلام فضل لا حاجة به إليه، لأن قوله: (واحذف جازما ثلاثتهن) يفهم منه لزوم هذا الحكم، بالحذف إذ لم يذكر خلافه ولا في السماع ما يتوهم فيه القياس فتحصل أن قوله: (تقض حكما لازما) لا فائدة فيه.
فالجواب: أنه لا فائدة ظاهرة، وذلك أن مخالفة هذا الحكم جاءت على ضربين:
أحدهما: جاء في الشعر والآخر جاء في الكلام، فمن الجائي في الشعر قوله:
إذا العجوز غضبت فطلق... ولا ترضاها ولا تملق فقدر الجزم في الألف، فلذلك لم يحذفها، ومثل ذلك قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: وتضحك مني شيخة عبشمية... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا ومثل ذلك في الياء قول قيس بن زهير -أنشده شيبويه-: ألم يأتيكَ والأنباء تنمى... بما لاقت لبون بني زياد وفي الواو قول الآخر: هجوت زبان ثم جئت معتذرا... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع ومما جاء في الكلام قول الله تعالى: ((لا تخف دركا ولا تخشى)) على
قراءة حمزة، وقوله: ((إنه من يتق ويصبر)) بإثبات الياء في رواية قنبل عن ابن كثير، وإذا كان كذلك فقد يقول القائل: إن هذا مما يجوز القياس عليه لمجيئه في فصيح الكلام المنثور وتقويته بالمنظوم لا سيما على مذهب المؤلف في أمرين:
أحدهما: اعتبار ما جاء في القرآن والقياس عليه -وإن قل- كمسألة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، ومسألة تحقيق الهمزتين في أئمة، حسب ما يتفسر في موضعه إلى غير ذلك من اعتباره لما جاء في القرآن وقياسه عليه.
والثاني: اعتباره لما جاء في الشعر معاملة الآتي في الكلام، إذا كان الشعر لا ينكسر مع زوال الضرورة، كما في قوله:
ولا ترضاها ولا تملق
إذ الشاعر متمكن من الجزم بالحذف، فيقول: "ولا ترضاها" فيكون الشعر مخبونا، فكأنه أثبت الألف غير مضطر، ومثله قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى
لجواز حذف الياء فيصير منقوصا وهو جائز وإن كان قبيحا في باب الزحاف، ومثله قوله: "لم تهجو ولم تدع" لجواز حذف الواو فيكون مطويا فقد ترشح على هذا القول بالقياس، فلما كان الأمر على هذا، وكان السماع
موهمًا لإثبات خلاف ما نص عليه، نفي هذا الإيهام، وصرح بأن ما نص عليه هو اللازم، وما عداه غير معتبر في القياس، ولا معول عليه، لأن مجيء هذا الضرب في الشعر لم يكثر، وأيضًا فجميع الأبيات محتمل لإشباع الحركات ضرورة كما أشبع الضمة في ظاء "انظر" من قال:
وأنني حيث ما يثني الهوى بصري... من حوث ما سلكوا أدنو فأنظور
أنشده الفارسي، وكما أشبع فتحة: "منتزح" ابن هرمة حيث قال:
فأنت من الغوائل حين ترمي... ومن ذم الرجال بمنتزاح
وكما أشبع الكسرة في الدراهيم "و" الصيارف" الفرزدق حيث قال: -أنشده سيبويه-.
تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
وقد أجاز ذلك ابن خروف في بيت قيس بن زهير: "ألم يأتيك" البيت والجواز سارٍ في الجميع، فإذا احتملت الأبيات هذا لم يكن فيها دليل.
وأما آية "طه" فتحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون تخشى مستأنفًا، أي: وأنت لا تخشى.
والثاني: أن تكون الألف للإطلاق في الفاصلة كقوله: "الظنونا"، و"الرسولا"، و"السبيلا".
وأما آية "يوسف" فتحتمل أن تكون (مَن) فيها موصلة و (يتَّقي) مرفوع في صلتها (ويصبر) معطوف عليه، وإنما سكن تخفيفًا كأنه عُدَّ "بِرُفَ" من ﴿يصبر فإن﴾ كبناء على فعل فسكن لذلك، كما قال امرؤ القيس في نحو ذلك:
فاليوم أشرب غير مستحقبٍ... إثمًا من الله ولا واغل
فإذا ثبت هذا في تلك الشواهد لم يكن فيها دليل على ثبوت الجزم بتقدير حذف الحركة سماعًا، فأحرى ألا يثبت بها كون ذلك قياسًا، فلذلك قال: (تقضِ حُكمًا لازمًا) والله أعلم، أي: أن الحذف هو الحكم اللازم الذي لابد منه على كل حالٍ، وهذا حسن من الاعتبار، وبالله التوفيق.
?