كون الفاعل حقيقى التأنيث فصريح فى كلامه حين قال: «أو مُفُهِمٍ ذات حِرِ».
ومفهم: صفةُ موصوفٍ محذوفٍ تقديرُه: أو فاعل مفهمٍ كذا، هو مخفوصٌ بالعطف على مُضْمرَ، كأنه قال: وإنما تلزم فِعْلَ مضَمِر، أو فِعْلَ فاعلٍ مُفْهِمٍ ذات حِرِ.
ويعنى بكونه مُفْهِمًا أن يكون دالًا على صاحبة حِرِ، أى: دالًا على مؤنث حقيقى التأنيث.
وعبَّر عن ذك بذات الحِرِ كالمرأة والشاة والأتان، ونحو ذلك مما له فَرْجٌ، ولمقابله من الزوجين ذَكَرٌ.
وهذا اللفظُ الذى شرح به الناظم التأنيثَ الحقيقى أصرحُ فى شرح المقصود من قولهم: حقيقىّ التأنيث؛ لأن حقيقىّ التأنيث مُفسَّر بما ذكر، فكان الأولى أَن يُبَيّنَه بما هُوَ المعهودُ عند النحويين من لفظ التأنيث الحقيقى،، كما فعل في التسهيل وغيره.
وأما كونُ الفاعل متّصلا/ بالفعل لم يُفْصَل بينهما بفاصل، فيظهر من كلامه من موضعين:
أحدهما: قوله: «وقدِ يبيحُ الفصلُ ترك التاء»، وما بعده، فإنه يُفهم منه أنّ تَرْكَ التاء ذون فَصْلٍ غيرُ مْباحٍ، فلا بدّ من أن يكون الاتصّال شرطًا فى لزوم التاء، وهذا وإن كان تركُها مع الفَصْلِ قليلا، فالتاء على الجملة غيرُ لازمة قياسًا.
والثانى: أن قوله «أو مُفْهِم ذاتَ حِرِ» لما عطف على «مُضْمِر» قد وصف بمتَّصِل، كان المعطوفُ شريكَ المعطوفِ عليه فى ذلك الوصف،
كأنه قال: أو مفهمٍ ذاتَ حِرٍ مُتَّصلٍ وهو شبيه بقوله عليه السلام: «لا يُقْتَل مسلمٌ بكافر، ولا ذو عَهْدٍ فى عَهْده»، قال المحققون: معناه: ولا ذو عَهْدٍ فى عهده بكافر.
وبذلك يصحّ معنى الحديث، فكان تقدير حلول المعطوف فى محلّ المعطوف عليه يشعر بلزومه قيدَه، حتّى كأنّ الموضع له.
فإذا اجتمع الشرطان لزمت التاء فقلت: قامت هند، ونَدَّت الشاةُ، وضلَّتِ الأتانُ ولا يقال: قام هند، ولا نَدَّ الشاة -وأنت تريدُ الأنثى- ولا ضلّ الأتانُ- وما جاء من قولهم: قال فلانة، فشاذٌ يحفظ ولا يقاسُ عليه، وسيذكره.
ولَمَّا عيّن لِلُّزومِ هذين الموضعين، دلّ على أنه فى غيرهما بالخيار، لأنّ ضد اللزوم الجواز، وذلك مع المؤنث المجازىّ التأنيث، مع الحقيقى مع الفصل، ومع غير ذلك.
وجوازُ الوجهين فى ذلك كلّه مختِلفٌ، فمنه ما يقوى فيه [لحاقُ التاء، ومنه ما يقوى فيه] خلافه، فلذلك فَصّل الحكم فيه فقال أَوّلًا:
وَقَدْ يِبيحُ الفَصْلُ تْركَ التَّاءِ فىِ
نَحُوِ: أَتىَ القْاَضِىَ بِنْتُ الَواقِفِ
يعنى أنّ الفعل قد يُسْنَد إلى ظاهرِ المؤنُّثِ الحقيقي، فلا تلحق الفعل علامة التأنيث، ويستباح ذلك لأجل الفاصل الحاصل بين الفعل والفاعل، ومَثّل ذلك بقوله: أتى القاضىَ بنتُ الواقف.
ففصل بالقاضى بين الفعل والفاعل.
وإنما جاز ذلك لمكان الفصل؛ لأن الفاصل لما كان مُبِعْدًا بين الفعل والفاعل
قلّ القبح اللفظى؛ من حيث كان الفعلُ بترك العلامة/ يقتضى أن الفاعل غير مؤنث، والإتيان بالفاعل مؤنثا يقتضى لحاق العلامة، فكان فى الجمع بينهم [بعض] القبح؛ فإذا حصل الفصلُ بَعُد القبحُ شيئًا مّا؛ قال سيبويه: «وكلما طال الكلام فهو أحسنُ -يعنى تَرْكَ العلامة- نحو: حضر القاضى امرأة، قال: لأنه إذا طال الكلام -يعنى بالفصل- كان الحذف أجمل، قال: وكأنه يصير بدلًا من شئ كالمعاقبة، [نحو قولك]: زدناقة [وزناديق]، [فتحذف الياء لمكان الهاء -يعنى كأن الفصل بين الفعل والفاعل صار بدلًا من لحاق العلامة، كما كانت الهاء فى زنادقة] بدلًا من لاياء فى زناديق.
ثم قال أيضا تعليلا لعدم لحاقها على الجملة: «وإنما حذفوا التاء لأنّه صار عندهم إظهار المؤنث يكفيهم عن ذكرهم التاء، كما كفاهم الاثنان والجميع حين أظهروهم عن الواو والألف».
ومن مُثُلِ ذلك قَولُ جرير
لَقَدْ وَلَدَ الأخَيطلَ أمُّ سَوْءٍ
مُحمّلةٌ من الأمّاتِ عارا
وأنشد الفراء:
إنّ امرًأ غرَّهُ مِنْكُنَّ واحدةٌ
بَعْدِى وبَعْدَكِ فى الدُنْيا لَمَغرْوُرُ
وهكذا الحكم فى المضارع، فكما تقول: حضر القاضى امرأة، وتقول: يحضُر القاضى امرأةٌ ويأتى القاضى بنت الواقف.
وفى قوله: «وقد يُبيحُ الفصلُ» الدلالة على أنه قليلٌ، وعلى أنه قياس.
أما دلالته على أنه قليل فمن جهتين، إحداهما: إتيانه بقد، فإنّ عادته أن يأتى بها مشيرًا بالتقليل.
والثانية: قوله: «وقد يُبيحُ»، فإن هذا اللفظ [إنما] يستعمل غالبًا فيما الأصل فيه المنع، وأن مقاربته محذورة، كما [يقال: هذا] حِمىَ بنى فلان، وهذا حِمىً لا يستباح.
وهذه العبارة موافَقِة المعنى لعبارة الجزولى فى قوله: «وحذفُها مع الفصل أسهلُ منه بلا فَصْلٍ».
وأما دلالته على كونه قياسًا فمن إتيانه بقد؛ إِذْ من عادته أن يأتى بقد حيث يجوز ذلك الحكم فى الكلام على قلة.
وهو ظاهر من كلام سيبويه المتقدّم وغيره.
وعلى الناظم هنا اعتراض من جهة علم القوافى، فإنه أتى بقافية مُؤَسّسةٍ، وهى قوله: «بنت الواقف»، وبنظيرتها مجرّدة حكمًا، وهي قوله:
(التاء في).
فإنها بمنزلة (المكتفى) في الحكم، لا بمنزلة الواقف؛ لأنّ حرف التأسيس في كلمة، وحرف الرّوي في كلمة أخى غير ضمير.
ومما أنشدوا على القياس قولُ العجاج: /
فهنّ يعكفنَ بِه إذَا حَجَا
عِكْفَ البِيطِ يلعبونَ الفَنْزَجا
فلم يعتبر الألف من إذا؛ لكونها من كلمة أخرى، فلو قال الناظم: مِثلَ: أتى القاضِي بنت المكتفِي، لكان هو القياس.
وقد جاء في السماع ما فيه المؤسس مع المجرد.
قال:
أدعوك يا ربّ مِن النارِ الّتى
أَعْدَدْتَ للكفّارِ في القيامة
وليس بقياس؛ وإنما هو سماع.
(ثم قال الناظم):
والحَذفُ مَعْ فصْلٍ بالأفضلا
كمَا زكا إلّا فتاةُ ابنِ العَلا
يعني أن الفصل إِنْ كان بغير «إلّا» فحكمه ما تقدّم، وإن كان الفصلُ بإلّا فحذف العلامة أحسنُ من إثباتها، وهو عند العرب مفضّل، والإثباتُ مفصول.
فقولك: ما قام إلا هندٌ، وما خَرج إلا وعدٌ أفضل من قولك: ما قامت إلا هندٌ، وما خرجت إلا زينب.
ومثل ذلك [قوله]: ما زكا إلا فتاةُ فلان.
لو قال: ما زكت، لجاز، ولكنه مفضول.
فالوجهان -على الجملة- جائزان، وإن كان أحدهما أرجح من الآخر.
ووجه رجحان الحذف أن النَفْى [بما] يقتضى العمومَ والتذكير، فكأنَّه فى المعنى: ما قام أحدٌ إِلّا هندٌ، وما خرج إنسان إلّا وعدٌ؛ فإذا كان المعنى على التذكير كان إسقاطُ التاء أولى، وإن كان اللفظ على يقتضى غير ذلك.
ووجهُ الإثباتِ القصدُ إلى إسناد الفعل إلى المؤنث، اعتبار اللفظ، ومما جاء على غير الأولى قولُ ذى الرُمَّة:
[طوى النحزُ والاجراز ما فى غُروضِها] فما بَقِيت إلا الصُّدور الجراشِعُ
وقال ذو الرمة أيضا:
كأنها جَمَلٌ وَهْمٌ وَما بقيت
إلا الّنحيزَةُ والأَلْواحُ والعَصَبُ
ومما جاء منه فى المضارع قراءة من قرأ: ﴿لا تُرَى إِلا مَسَاكِنُهمُ﴾، وهى قراءة الحسن وعاصم الحجدرى وجماعة من التابِعِين.
وجعل ابن جنى مثل هذا أولى بالشعر.
واختار المؤلف خلافه محتجًا بما جاء فى القرآن من ذلك مقروءًا به، فهو عنده مما يجوز فى الكلام لكنه [ضعيف]، وعلى ذلك بنى هنا؛ إذا جعله مفضولًا خاصّةً، ولم يخصّه بالشعر.
وما تقدّم من الأمثلة إنما هو فى المجازىّ التأنيث، وهو مع الحقيقى التأنيث [هنا] كالسواء وأنشد المؤلف منه:
ما بَرئَتْ مِنْ رِيبَةٍ وَذَمّ
فى حَزْبنا إلا بَنَاتُ العَمِّ
/ والزكة: الطهارة والعمل الصالح، ورجل زكى، أى: تقىّ.
والفتاة: الشابّة، والفتى أيضا يطلق على الخدِيم.
وفى قوله هنا بعدُ: «والحذف»، مشاحّة لفظية، وذلك أنّ لفظ الحذف إنما يستعمل عُرفًا فيما كان ثابتًا حُذِف.
وهذه التاء لم تكن فى الأل ثابتة ثم حُذِفت، بل الآصل القياسىّ عدمُ لحاقها الفِعْلَ؛ ألا ترى
أنها لا تلحق معالمذكر لأنه أصل، فيعرض لحاقها إذا عرض إسنادُ الفعل إلى المؤنث، وكان ذلك هو الموجب للحاق، وأما عدم اللحاق فرجوع إلى الأصل، فكيف يُعَبَّر عنه بالحذف.
وأحسن من لفظ الحذف تركُ التاء كما قال قبلُ: «وقد يُبيح الفصلُ تركَ التاءِ».
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن مثل هذا اللفظ قد يُسْتعمل عرفًا فيما لم يكن ثانيًا قبل ذلك، كقولهم: إنّ حذف النون علامة النصف فى [نحو]: لن يفَعْلا فإن الحذف هنا لم يكن عن إثبات صحيحٍ، وإنما تأتى العربُ به النصب بغير نونٍ، كما تأتى به فى الرفع بالنون.
وقولُهم: أصل النصب وغيره الرفعُ، أمرٌ قياسىٌّ تقديرىّ لا يشهد له أصلٌ من كلام العرب.
فتسميتهُم له حَذْفًا ضَرْبٌ من الاتّساع على الجملة.
والثانى: أن تقول: أصل الفعل فى القياس أَنْ لا تلحقه علامهٌ، وأصله فى الاستعمال أن تلحقه العلامة مع المؤنث الحقيقى على الجملة، ويَدُل على ذلك كثرة لحاقها معه، والقاعدة أن الكثرة لها الأصالة، وقد ثبت لنا هنا أنّ اللحاق مع المؤنث هو الأكثر، فإذا لم تلحق معه قدّرنا أن عَدم اللحاق حذف صحيح؛ إذ كانت القاعدة تقتضى اللحاق، ولكن عرض سَبَبٌ مَنَع الأصل أن يستمّر، فادّعينا أنّ عَدَم اللحاق حَذْفٌ، وقوفًا مع الأصل وفى هذا بحث.
قال:
والحذفُ قد يأتي بلا فَصْلٍ، ومَعْ
ضميرِ ذي المجازِ في شِعْرٍ وقعْ
هذا تنبيه على ما جاء في المساع مما يخالف القاعدة المتقدّمة؛ إذ قَدّم القياس المتسمرّ والحكم اللازم مع عدم الفصل لحاق العلامة إذا كان الفاعل ظاهرًا مؤنثًا حقيقي التأنيث، أو كان ضميرَ مؤنثٍ متصلًا كان حقيقي التأنيث أو مَجازيَه، فقال في أحد القسمين -وهو الظاهر الحقيقي التأنيث إن حذف العلامة قد يأتي بلا فَصْلٍ.
وهذا إشارة منه مجيئه في الكلام، لكن قليلًا ضعيفًا، فتقول على هذا: قام هندٌ، وخرج دَعْدٌ.
حكى سيبويه عن بعض العرب:
قال فلانةُ: وقال لبيد بن ربيعة:
تمنَى ابنتايَ أن يعيشَ أبوهُما
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضَرْ
وقال في القسم الآخر: «وقَعْ.. ضمير ذي المجازِ في شعرٍ وقَعْ»، يعني أنّ حَذْفَ التاء مع كون الفاعل ضمير مؤنث مجازيّ التأنيث وقع في الشعر لا في الكلام.
ومن ذلك قولُ عامر بن جُؤين الطائي، أنشده سيبويه:
فلا مُزنَهٌ وَدَقَتْ وَدْقَها
ولا أَرْضَ أَبْقَل إِبقالها
وكان الأصل: أبقلتْ.
وأنشد أيضا للأعشى:
فإما ما تَرَىْ لِمتّى بُدّلَتْ
فإِنَّ الحَوَادث أَودى بها
والوجه: أودتْ.
ومن بابه ما قال الأعشى:
أَرَى رَجُلًا مِنْهُم أَسيفًا كأنَّما
يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كفًا مُخَضَّبا
والوجه: مُخَضَّبَةً.
وأنشد سييوبه لطُفيل:
إذْ هىَ أَحْوَى مِنَ الرَبِْعيّ حَاجِبهُا
وَالْعَينُ بالإثمِدِ الحارىّ مَكْحُولُ
الأصل: مكحولة؛ لأنه خَبَرُ العين، ولم يأت فى الكلام مثلُ هذا، فلذلك قال: «شعرٍ وَقَعْ».
وإذا تبيَّن ما قاله تَوجَّه عليه سؤالان:
أحدهما: أنه قال أَوّلًا: «وإنما تلزم فِعْلَ مُضْمَرِ» الى آخره، وهو نصٌّ فى أن إساقط التاء مع القسمين لا يجوز البتَّةَ، وهو معنى اللزوم.
ثم نقص اللزوم هنا بقوله: «والحذوفُ قَدْ يَأتِى بلا فَصْلٍ»، فأجاز إسقاط التاء هنا مع القسمين وإن كان ضعيفًا، فحصل أن ثبوتها ليس بلازم، وهذا تناقض من
القول.
ولا يقال: إِنَّه أراد أوّلًا أَنَّ اللزوم هو القياس، وأن مثل: قال فلانَةُ، سماعٌ؛ لأنا نقولُ: قَدْ كرَّ من عادته أنه يريد بقوله: قد يكون كذا، أنه يجوز قياسًا.
ولا أجد جوابًا عنه؛ إلا أن يريد باللزم أَنَّه أكثرىّ وهذا ضعيف.
والسؤال الثانى: أَنَّ قوله: «وَمَعْ ضَمِير ذى المجازِ»، يُؤْخَذُ منه أنه لم يأتِ فى الكلام فى ضمير ذى المجاز.
ويظهرُ من السماع خلافُ ذلك؛ فإنّ فى الكتاب العزيز: ﴿إنَّ رَحْمَةَ الله قرِيبٌ مِنَ المُحسنِيِنَ﴾، وقال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفطِر به﴾.
ويأتى مثل هذا فى الكلام، فكيف بقولُ: إِنَّه وقع فى شعرٍ.
ولا يُقال/: إنَّ مثل هذا وقع على معنى النسب، أراد: ذات قُرْب، وذات إمطارٌ؛ لأنا نقول: [ذلك] لا يُنْجىِ؛ إِذِ الضمير المرفوع فى (قَرِيبٌ) و (مُنْفَطرٌ) ضمير مؤنث، ورفعه على الفاعلية، ولم تلحق الصفة علامة، فالسؤال وارد.
وكذلك لا ينجى أن ذلك على تأويل الرحمة والسماء بمذكر، فإنّ قوله
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقاَلَها
وما أشبهه مؤوَّل بمذكر، حسبما ذكره النحويون.
ولا جواب لى إلّا أن يقال: لعلّه لم يلتفت إلى هذا النحو هنا، لجرياته مجري ما لا تلحقه العلامة من الصفاتِ، مفَعُول ومِفْعال، وما ذكر معهما؛ فإنه استثنى ذلك فى باب المذكر والمؤنث.
أو يقال -وهو الأولى-: لعلّه إنما تَكلّم فى هذا الفصل على لحاق التاءِ إلى الفعل خاصَّة،
وترك ذكر لحاقها الصفة، لأنه قد ذكر حكم الصفة فيما بعد، فذكر فى باب النعتِ من ذلك نحوًا مما ذكر هنا فى الفعل، ثم ذكر فى باب المذكر والمؤنث ما يمتنع أن تلحقه العلامة فى قوله: «ولا يَلى فَارِقةَ مَفُعولَ.. إلي آخره.
وإذا كان كذلك لم يَبْق إشكالٌ، وحصل جواب هذا السؤال.
واعَلمْ أنه لما قَرَّر موضِعَىْ لزومِ التاء ظهر أنّ المؤنث الذى ليس على ذلك الوصف لا تلزمه التاء، وهو الظاهر المجازىُّ التأنيث، فتقول: طلعِت الشمسُ، وطلع لشمسث، وتهدّمتِ الدار، وتهدّم الدار، وما أشبهه ذلك.
وعلى هذا القسم أحال فى قوله بعدُ: «كالتَّاءِ مَعْ إحْدَى اللّبنْ».
إلا أنه يدخل عليه فيما ذكره لزوم لحاقها فى موضع لا يلزم فيه اللّحاق، وإن كان المسندُ إليه حقيقى التأنيث، وذلك إذا كان قد دخلت عليه من الزائدة؛ فإنك إذا قلت: ما قامتِ أمرْأةٌ، فلا بُدَّ من التادة، كما [تقول]: قامت امرأة.
فإن قلت: ما قامتْ مِنَ امْرأةٍ، كنت فى لحاق التاءِ وعدم لحاقها بالخيار.
أما وجهُ لحاقها فاعتبارٌ بسقوط من الزائدة تقديرًا؛ إذ هى فى تقدير السقوط، فكان التقدير: ما قمت امرأة.
وأمّا عَدَمُ إلحاقها فاعتبارٌ بأن دخول مِنْ أفاد معنى الحنس وعموم النفى، فصار كمرفُوعِى نعم وبئس.
والجواب (عن ذلك): أن هذه المسألة يُسَتفَادُ حكمهُها من كلامه فى نعم؛ إذ عَلّل عَدَم اللّحاق بقصد الحنس، فإذا كلُّ مؤنّثٍ قُصدَ فيه قصد الجنس ففيه ما فى: نِعْم المرأةُ هندٌ
/فإن قلت: إن ما قلت قياسُ على كلامه، والاشكال على القياس
في محلّ التعليم ينافى التعليم، هذا مع أنه نصّ على لزوم التاءِ فى غير ما استثنى، فكان مُوهِمًا دخول هذه المسألةِ فى ذلك الحكم، وهو فاسدٌ.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن نقول: لا نعلم أنه لم ينصَّ عليه، لنه قد علَّق الحكم بحذف التاء على علّة قصد الجنس، والقاعدةُ الأصولية أن الحكم إذا علق على علَّة، فهو عموم بالنَّصّ لا بالقياس عند طائفة، فكأنه قال: كلُّ ما قصِد فيه الجنسُ فحذف التاء فيه سائغٌ مستحسنٌ.
والثانى: إذا سلّمنا أنه عامٌّ بالقياس لا بالنصّ، فالقياس يُخصّ به العموم عند جماعةٍ، فلعلَّ الناظم قائِلٌ بأحدى هاتين الدَّعْوَيين، فلا يكون عليه اعتراض.
وفى هذا الجواب نظرٌ.
ويمكن أن يكون راجعًا إلى إسقاط لتاء لأجل الفصل.
وفى هذا نظرٌ أيضا.
والأَولى أن يقال: إنه تركَ ذِكْرَ هذا الفَرْعِ رأسًا فلم يتعَرضْ له.
والله أعلم.
ثم قال:
وَالتَّاءُ مَعْ جمْع سَوَى السَالِم مِنْ
مُذَكّرٍ، كَالتَّاءِ مَعْ إِحدَى اللَّبِنْ
يعنى أَنَّ ما عدا جمع المذكّر السالمِ من الجموع فحكمُها إذا أُسند إليها الفعلُ حكمُ الواحد المجازىّ التأنيث، فى جواز لحاق التاءِ وعدم لحاقها.
والجموع ثلاثةُ أضربٍ:
جمع تكسير لمذكّر كان أو المؤنث، كالرجال والهنود.
فهذا تقولُ فيه:
قام الرجالُ، وقامت الرجالُ، وقام الهنود، وقامت الهنود، كما تقول: تكسَّرت اللبنة، [وَتكَسَّر اللبنةُ].
وجمع مُؤنَّثٍ سالم، نحو: الهندات، والطلحات، والبنات.
فهذا على مقتضى عبارته، تقول فيه: قام الهنداتُ، وقاكِت الهنْداتُ، وقام الطلحاتُ، وقامت الطلحاتُ، وقام البنات وقامت البنات.
وجميع مذكر سالم بالواو والنون، فهذا لا يجرى فيه ما جاز فى النوعين الآخرين، لاستثناء الناظم له، وإذا لم يكُنْ تَخييرٌ فليسَ إلَّا وجهٌ واحدٌ، فينظر فيه ما هو؟ وذلك أنه ليس بمؤنث لا مفرده ولا هو، فليس له إذًا إلا ما للمذكر، وهو عدمُ لحاق التاء، فتقول: قام الزيدون، وخرج العَمْرونَ، ولا تقول: قامت، ولا خرجَتْ، هذا محصول كلامه.
وقوله: «من مذكّر» /، مِنْ فيه لبيان جنس السالم؛ لأن الجع السالم ضربان: مذكر ومؤنث، فبيَّن أنه أراد المذكّر بالاستثناء.
، قوله: «كالتاء مع إحدى اللَّبِن» خبر المبتدأ الذى هو التاء.
وبيّن بذلك المؤنث المجازىّ التأنيث؛ فإنَّ إحدى اللّبن لَبِنَةٌ، [واللَّبنة] تأنثيها لفظىّ.
وبعدُ؛ فإنّ للنظر فيما قال هنا مجالًا، أما كونُ الجمع المكسَّر ذا وْجهين فكما قال، ولا خلاف فيه.
ووجه ذلك أنَّ جمع التسكير لا يتَبيَّنُ فيه لفظ الواحد، فجاز أَنْ يُعامَلَ مُعاملة الجماعة والجمع، والجماعة - من حيث هى جماعةٌ- لا يُنْسبُ إليها تأنيثٌ حقيقىٌ ولا تذكيرٌ حقيقي،
فاستوت مع الشمس والدار ونحوهما، مما ليس له تأنيث حقيقىّ، فكانت العلامة جائزة لا واجبة.
وأما جمعُ المذكر السالم فإنما استثناه لأنّ بناء الواحد فيه سالم ظاهر، فلم يَسُغْ فيه تأويله بالجماعة ولا بالجمع، فعُومِل معاملة واحده الظاهر فيه، فلم تلحقه علامة.
وهذا الذي ذهب إليه فيه هو رأى جمهور البصريين.
وذهب الجزُولي -فى ظاهر إطلاقه- والكوفيون إلى جواز الوجهين، فيقولون: قامت الزيدون، وقام الزيدون.
ولم يَرِدْ بقولهم سماعُ، وإنما ورَدَ بلزوم إسقاط العلامة، فهو الذى يُعوَّل عليه.
وأما جمع المؤنث السالم فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يكون للمذكر حقيقة أو مجازًا، نحو: الطلحات والحمامات.
فجواز الوجهين فيها ظاهر، فوجه عدم لَحاقِ التاء اعتبار سلامة الواحد، كما اعتُبرتْ فى جمع المذكر السالم.
ووجهُ لَحاقها اعتبارُ لفظِ الجمع؛ إذ هو مؤنثُ اللفظ بالتاء، وهو مما يُجمعُ عليه المؤنث، فاعتُبر فيه ذلك على الجملة.
والثانى: يكونُ للمؤنث المجازىّ التأنث، نحو: تَمَرات وخُطُوات.
فجواز الوجهين فيه أيضًا ظاهر، إِمَّا اعتبارًا بواحده، وإمّا لأنه مؤنَّث اللفظ، فعُومل معاملة ما تأنيثُه لفظىٌّ.
والثالث: يكون للمؤنث الحقيقى التأنيث نحو: الهندات والزينبات، فظاهر إطلاق الناظم ينتظمُ هذا القسم، وأنه مما يجوز فيه الوجهان، كما/ يجوز ذلك فيما قبله، فيقال: قام الهندات، وقامت الهندات، على
مشهور اللغات لأنه لم يستثن من جواز الوجهين إلا جمع المذكر السالم.
وهذا غير صحيح؛ إذ لا يقال: قام الهندات، إلا فى الشعر، نحو قول أبى عطاء السِّنْدىّ:
عشيّه قام التائحاتُ وشققّتَ
جيوبٌ بأيدى قَأتَمٍ وخدودُ
وأنشد البكرىّ قول الشاعر يصف امرأة:
أَنَاةٌ عَلَى نِيْرين أضحى لِداتُها
بِلينَ بلَاءَ الرّبْطِ وهى جديدُ
أو على لغة من قال: قال فلانة، وهى لا تدخل هنا، ولا حجة له فى قول الله تعالى: ﴿إذ جاءَكَ المؤمناتُ﴾؛ لأن الذى سَهَّل إسقاط العلامة هنا الفصل بالكاف، أو تقدير ثبات الموصوف المحذوف، وقد مرَّ ذكر حكم الفصل.
وقد قيّد فى كتاب التسهيل ما أَطلق ههنا، فقال: «وحكمُها -يعنى التاء- مع جمع التكسير وشبهه وجمع المذكر بالألف والتاء، حكمُها مع الواحد المجازىّ التأنيث».
فقيده بجمع المذكر، ولم يقل: والجمع بالألف والتاء.
ولا يقال: لعل مراده بقوله: «من مذكر»، ليس بيانا للسالم، بل هو راجعٌ إلى الجمع حتى كأن قال: «والتاء مع جمع من مذكر سوى السالم كالتاء
مع إحدى اللبن»، ويكونُ كلامُ متناولًا لجمع التكسير خاصّة، ولم يتعرض لحكم جمع المذكر بالألف والتاء؛ إذ كان المختصرُ يضيقُ عن تقرير هذه التفاصيل كُلُّها، ولكنُ هذا المحملُ أولى من الحمل على مخالفة الجماعة.
لأنَّا نقول: هذا غير صحيح من وجهين:
إحدهما: ما يلزم عليه من ترك حكم جمع المذكر بالألف والتاء، مع ترك حكم جمع المؤنث كذلك أيضًا، فيكون الكلام يقتضى أَنْ لم يتعرضّ للمجموع بالألف والتاء رأسًا، وفى هذا تقليل الفائدة جدًا، وهو مناقض لما وِضع له المختصر من تكثير الفائدة.
[مع تقليل العبارة] ما أماكن.
والثانى [أنه] قال: «سوى السالم» فيقضى باستثناءه الحكم عليه بخلاف المستثنى منه، وأن يكون الجمعُ بالألف والتاء تلزمه التاء، كان لمذكرٍ أو المؤنثٍ حقيقى أو غير حقيقى، [وذلك] فسادٌ كبير.
فالأولى حملهُ/ على ما تقدّم، وأنه ارتضى فى هذه المسألة وحدها مذهب من رأى أن الجمع بالألف والتاء للمؤنث الحقيقى لا تلزمه التاءُ، وهو رأى الكوفيين وظاهر الجزولى فى الكراسة، لقوله فيها: «ولا تلزم فى الجمع مطلقًا».
ولهذا المذهب وجه من الصحّة؛ قال الفارسىّ فى التذكرة: «قولهم جاء الهنداتُ، حسنٌ، وليس من القبح كقولك: جاء هِنْدٌ؛ لأنّ الواحدة حكمُها أن تلزمها علامة التأنيث للفصل بين التأنيث والتذكير،
وأيضاً: فتلزم العلامة للزوم المعنى المسمىّ.
وقد تكون الألف والتاء فى الجمع على غير حدّ التأنيث فى الواحد؛ ألا تراهم قالوا فى تحقَير دراهم: دُرَيهمات، فلحقت الألف التاء على حدّ الجمع وتأنيث الجماعة، لما أريد به الجمع، فإذا كان كذلك لم يقبح: جاء الهندات، بل كان حسنًا، على حدّ إرادة التأنيث فى الجماعة.
ومن ثمَّ جاء فى التنزيل: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾.
قال: فإن قُلْتَ: فَهَلْ يستقيم على هذا أن أقول: قالت الزيد دل، فأحمل على الجماعة؟ قال: فإن ذلك لا يسوغ عندى؛ ألا ترى أن هذا الضرب من الجمع لم يجئ فى تأنيث كما جاء دُرَيهمات فيما ذكرت [لك]، [ولا يكون ذلك] إلّا على حدّ واحده المذكر وتثنيته.
قال: فأمّا قولك: مضت [سِنُون] ونحو ذلك، فإن حرفى الجمع في سِنُون» ليس على حد «الزيدون» ألا ترى أن الاسم مكسّر فى هذا الجَمْع مغيَّرٌ، وليس فى زيدين ونحوه كذلك».
هذا ما قال: وهو توجيهٌ لا بأس به.
وأيضًا فإن الجمع بالألف والتاء قد عاملوه معاملة: جمع التكسير فى تغييره عن بنيةٍ واحدةٍ، فقالوا: طَلَحات فى طَلْحة، وخُطُوات فى خُطْوة، وهِندات فى هند.
[ونحو ذلك] مما لا يبقى فيه الواحدُ على شكله قبل الجمع.
ولم يصنعوا ذلك فى الجمع بالواو والنون، بل قالوا في زيد: زيدون، وفي
عَمْرو: عَمْرون، وفى قُفْل وعَدْل -اسمَىْ رجل: قُفْلُون وَعدْلون.
فَلَم يُغَيِّروا بِنْيَةَ الواحد فيه إلا حيثُ جعلوا العلامتين عوضًا، نحو: سِنوُن، وقُلُون، وما أشبه ذلك.
فلما ساوى الجمعُ/ بالألف والتاء الجمعَ المكسّر، فى جوازِ تغيير بنية الواحدِ فيه، عاملوهُ مُعاملة الجمع والجماعة فى لَحاقِ التاء وعدِم لَحاقها.
وإذا ثبتَ فلا ضيرَ فى أَنْ يكون فى التسهيل ذهب مذهبَ البصريّين فى المسألة، وذهب هُنَا مذهبَ الكوفيين؛ إذ رآه حين نظم هذه الأرجوزة أرجَحَ؛ وقد يكون للمجتهد قولان بحسب وقتين، والناظمْ مِمَّن نَصَب نفسه مِنصب الإجتهاد، فجرى فى اختلافِ الأقوال فى المسألة الواحدة مجراهم.
والله أعلم.
وهنا نظر ثانٍ، وهو انّ جمع التكسر الذى أجازَ فيه الوجهين قطعًا، هو الّذى كُسّر على أبنية التكسير المذكورةِ في النصف الثانى من النظمِ، كأفعالٍ، وأَفْعِلَة، وفُعُول، وفِعال، ونحوها.
وجمعُ التكسير عند النحويين يُطْلقَ بإطلاقين، فيطق تارةً على ما تكسّر على تلك الأبنية، كرجالٍ وأَجْمَالٍ.
ويطلق تارة على الجمع المسلّم إذا لزم فيه تغييرُ الواحد أو غَلَب، أو جاء على شكل المسلّم وليس فيه شروطه كأرضين، وعِزِين، وسنين، وما أشبه ذلك.
ولا شكّ أَن جمع التكسير بهذا المعنى الثانى مرادُ الناظم، [كما أن الأول مرادٌ له]، فتقول: مضت سِنوُن، ومَضَى سِنُون، ومرّتِ الإوَزُّون، ومرَّ الإوَزُّون.
وذهب اللَّدُون، وذهبت
اللّدُون، وما أشبه ذلك.
وكذلك ما كان من هذا النحو بالألف والتاء، نحو: لِدَاتٍ، وحكم التاء معه التخيير أيضًا.
ومن ذلك عند الناظم بنون وبنات، فإنهما لم يسلم فيهما بناءُ الواحد، فحكمها حكمُ جمع التكسير، فتقول: جاء البِنُونَ، وجاءت البَنُونَ، وجاء البنات فى وجاءتِ البناتُ.
وأنشد سيبويه:
قَالَتْ بَنُو عَامرٍ: خَالُواَ بِنَى أَسَدٍ
يا بُؤْسَ للحرْبِ ضَرَّارًا لأقَوْامِ
وقال عَبْدةُ بن الطّبِيب:
فبكى بَنَاتى شْجَوهُنْ وَزَوجِتَىَ
والظاعِنُونَ إلىّ ثُمّ تصدَّعوا
وقال كُثَيّر:
وهَمَّ بناتى أَنْ يبَنّ وخَمَّشَت
وجُوُهُ رِجَالٍ مِنْ بِنىَّ الأصَاغِرِ
وقال أبو ذؤيب:
وقامَ بناتي بالنَّعالِ حواسِرًا
وألصقن ضَرْب السّبْتِ تحت القِلائدِ
وبهذه الشواهد استدلّ أهل الكوفة على جواز الوجهين فى: قام الزيدون، وقامت الهندات.
ولا دليل لهم فيه، لأنه من قبيل التكسير وإن كان ظاهره التسليم/ ولا يقال: إن هذه الشواهد اضطرارية فلا حجّة فيها على جواز مثلها فى الكلام؛ لأنا نقول: هى فى قوة ما وقع فى الكلام لإمكان إسقاط التاء من «قالت بنو عامر»؛ إذ لا ينكسر به الوزن، وإمكان إلحاقها فى قوله: «وهمّ بناتى» وما بعده، ولا ينكسر الوزن بذلك وهذا بناءٌ على طريفة ابن مالك فى اعتبار ما هو ضرورة مما ليس بضرورة، لإمكان زوالها مع بقاء الوزن [وعدم ذلك].
وقد تقدّم تقريرها فى باب الموصول.
ونظر ثالث، وهو أنه لم ينصّ على حكم التاء مع المثنى واسم الجمع واسم الجنس، فمن أين يؤخذ له حكمهما.
والجواب عن ذلك: أن الناظم لما استثنى السالم من جوازا الوجهين، وتبيّن أنّ ذلك لكون الواحد بيّنًا فيه، فلا بدّ من اعتباره، ثبت أن المثنىّ أيضا له حكمُ الجمع السالم، فلا يجوز فيه إلا إثبات التاء إن كان مؤنثا حقيقيا، أو عدمها إن كان مذكرًا، أو كان ذا وجهين إن كان مؤنثا مجازيًا، على حسب التفصيل المتقدّم فى المفرد؛ أذ كانت العلة موجودة في المثنى.
فإن قيل: وهكذا جمع المؤنث السالم قد تبيّن فيه الواحد وَسلِمَ، وقد أجاز فيه الوجهين كما تَقَدّم من البيان، فمن أين لك اطّرادُ علّة السلامة فى المثنى وهو لم يطرُدْها فى الجمع بالألف والتاء؟
فالجواب: أن التثنية أدخلُ فى باب سلامة الواحد من الجمع بالألف والتاء؛ ألا ترى أنه يتغيّر الوسط منه بتحريكه إن كان اسما ساكن الوسط، كما سيأتى -إن شاء الله- بخلاف التثنية وجمع المذكر السالم حسبما تقدّم.
وأما اسم الجمع واسم الجنس فلا يخلو أن تجعلهما مفردين أو جمعين، فإن جعلتهما مفردين فهما مما جاء فيه لغتان من الأسماء المفردة، والتذكير والتأنيث، كلسان ونحوها، فإذًا حكمهما حكمُ لسان، فعلى لغة التذكير لا يجوز أن تلحق العلامة، وعلى لغة التأنيث وجهان، لأن التأنيث مجازى.
فتقول فى لغة التذكير: طاب الرُّطَبُ، ولا تقول: طابت الرطب.
وتقولُ في لغة التأنيث: طابت الرطبُ، وطابَ الرُّطب.
وتقول: / قام الصحبُ، ولا تقول: قامت الصحبُ وتقول: قامت النساءُ وقام النساء، وإن شئت.
وأما إن جعلتهما جمعين فإنك تعاملهما معاملة جمع التكسير.
فلا إشكال على الوجهين، إذ كان/ حكمهما مأخوذًا مما تَقَدّم.
والله أعلم.
ثم قال:
وَالحذْفَ فِى نِعْمَ الفَتَاةُ اسْتْحسَنُوا
لِأنّ قَصْدَ الجِنْسِ فِيه بَيِّنُ
يعني أَنَّ حَذْف التاء فى باب نعم وبئس -إذا أسند إلى مؤنث حقيقى- حَسَنٌ وليس بقبيح كما يقبح فى غير نعم وبئس إذا قلت: قام المرأة، بل يجوز أن تقول: / نعمت المرأةُ هندُ، [ونعم المرأة هند] وكذلك مثاله: نعم الفتاةُ ونعمت الفتاةُ، كلاهما جائزٌ حسن.
وعلّل وذلك بأَنَّ المقصود بالفتاة هنا الجنسُ لا الواحدةُ.
ولذلك لزم فى هذا النوع الألف واللام، حسبما هو مقرّرٌ فى بابه.
فإذا كان كذلك فاعتبار الجنس من حيث هو جنس خروج عن اعتبار حقيقىّ التأنيث؛ إذ كان المفردُ غير ملحوظٍ من تلك الجهة، فصار اعتبارُ مجرّد الجنس اعتبارَ التأنيثِ غَيْر حقيقىّ.
وقد مضى جوازُ الوجهين فيه، فجرى هذا على نسقه فقوله: «لأنّ قَصْدَ الجِنْسَ فيه بَيِّنُ»، يريدُ أَنَّ المفردَ ليس هو المقصود فتلزم التاء،، إنما المقصود حقيقةُ الجنس، وتأنيثهُ كتأنيثِ الجماعةِ والفرقَةِ غيرٌ حقيقىّ.
فإن قيل: فهذا التعليل يقضى بأن كُلَّ مفردٍ حقيقى التأنيث إذا قُصِد به الجنسُ فيجوزُ فيه الوجهان، إمّا بنصّه على رأىِ جماعةٍ، وإمّا بالمعنى، وهو رأى طائفة أيضًا.
قيل: نَعَمْ، وقد يلتَزمُ ذلك فى كلامة فيقال نحوُ: صارت المرأة خيرًا من الرجل، [وصار المرأةُ خيرًا من الرجل]؛ لأن المعنى فى قولهم: الرجلُ خيرٌ من المرأة.
وكذلك ما أشبهه مما تكون فيه الألف واللام جنسيّة.
فإن قيل: فهل يكون من ذلك قولك: ما قامت امرأة؛ لأنها فى معنى: ما قام أحد من هذا الجنس؟
قيل: لا، لأنّ امرأة هنا ليس المراد بها الجنس، وإن تُوُهِّم ذلك، وإنما المرادُ بها واحدة، والعموم إنما جاد من النفى، لا من إرادة الجنس.
وقوله: «والحذفَ»: منصوب على المفعولية باستحسنوا.
والضمير فى استحسنوا للعرب أو للنحوييّن.
ويريد بقوله: «فى نعم الفتاةُ» الباب كلّه.
وَالأصْلُ فِى الفاعِلِ أن يَتَّصِلَا
وَالأصْلُ فِى المفعُولِ أن يَنْفَصِلَا
/ وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلافِ الأَصْلِ
وَقَدْ يَجِى المفعُولُ قَبَلَ الفِعْلِ
أخذ الناظم هنا يتكلم فى مرتبة الفاعلِ والمفعول من الفعل فى الأصل، وما يعرض فى ذلك من مخالفة المرتبة جوازًا أو وجوبًا؛ فذكر أوّلًا أنّ الفاعلَ أصلُه أن يَتصل بفعله، وأن يكون واليا له.
وقد مرّ قبل هذا كوُن الفعل لازم التقدم على الفاعل، فحصل من ذلك أن مرتبة الفاعل فى الأصل أن يكون بعد الفعل متّصلا به، ولا يعنى بالاتصال الأتّصال الأخصّ التامّ؛ فإنّ ذلك مخصوص بالضمير المتصل، نحو: ضربتُ وضربنا؛ وإنما تكلم فى الأتصال العامّ الذى يشمل الأخفش وغيره، نحو: ضرب زيدٌ عمرًا، وضربْتَ عمرًا، وهو الاتصال فى النطق به واليًا
للفعل.
وأما المفعول فالأصل فيه أن ينفصل عن الفعل ولا يتصّل به، وانفصاله إنما يكون بالفاعل، نحو: ضرب زيدٌ عمرًا، فمرتبةُ عَمْرو أن يكون بعد زيد، ويلزم من ذلك أن لا يتصّل بالفعل لتقدم الفاعل، فلذلك قال: «والأصلُ في المفعولِ أَنْ يَنْفَصثلا».
وإنما كان الأصل ذلك لأَنّ كلّ فْعلٍ لا بدّ له منه فاعل، فهو طالبٌ له على اللزوم، بخلاف المفعول، فإنه لا يلزم أن يكون لكل فعلٍ مفعولٌ، بل قد يكون له مفعولٌ، نحو ك ضربتُ زيدًا، وقد لا يكون نحو: كَرُمَ زيدٌ.
وأيضا قد يستغنى الفعل الطالبُ للمفعول عن المفعولِ؛ فتقول: ضربت: مُقْتصرًا، ولا يُستغنى عن الفاعل أبدًا؛ إلا إذا غُيِّر عن شكله وأُقيم له المفعولُ مقام الفاعل لازم الذّكر، وعلى جميع أحكامه من الرفع، والاتصال بالفعل، ولزوم كونه بعده، وغير ذلك من أحكام الفاعل.
ولهذا جعلوا الفاعل مع فعله كالشئِ الواحد، رذا كان ضميرًا متصّلا، فسكنوا آخر الماضى له تحاميا من اجتماع أربع حركات فى نحو: ضربْتُ، وذلك [لا يتحامى] إلا فى الكلمة الواحدة، ولم يفعلوا ذلك فى المفعول إذا كان ضميرًا متّصلا.
[لأنّه]، [كلمة ثانية فقالوا: ]، [ضَربَكَ، ولم] يتحاموا اجتماع الحركات لأنهما كلمتان ثم قال: «وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلافِ الأَصْلَ»، يعنى أنه قد يأتى الفاعل على غير الأصل المذكور، والمفعول كذلك قد يأتى على غير الأصل،
فيتَّصلُ المفعول بالفعل وينفصلُ الفاعل/ عنه، فيقال: ضرب عمرًا زيدٌ، وذلك لأنّ الفعل متصرّف فى نفسه، فيتصرّف فى معمولاته، بتقديم بعضها على بعض، [وتأخير بعضها عن بعض]، ما لم يمنع من ذلك مانع صناعىٌّ حسبما يذكره.
وقوله: «وقد يَجىِ المفعولُ قبلّ الفِعْلِ»، هذا أيضا من تمام المجئ بخلاف الأصل وهو أن يأتي المفعولُ مَقدَّمًا على فعله وفاعله معًا، كما جاء مقدّمًا على فاعله وحده.
وعلة ذلك تصرُّف الفعل في نفسه كما مرّ.
وخُصّ هذه الأخير وحده بالمفعول، لأنّ الفاعل لا يصحّ فيه التقَدُّمُ، فإنه إِنْ تقدّم صار مبتدأٌ.
وقد تقدّم بيانُ ذلك أول الباب، بخلاف المفعول فإنه إذا تقَدّم على الفعل لم يختلف الحكم فيه، بل يَبْقَى مفعولًا كما كان، ولا فى الفاعل، بل يبقى فاعلًا كما كان، لأنّ رتُبتة محفوظةٌ، وهى تأخّره عن الفِعْلِ.
وينظر فى كلام الناظم فى مسألتين:
إحداهما: أن هذا المفعول الذى ذكره هنا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يريد المفعول به وحده، كضربتُ زيدا.
وهو الجارى فى كلام النحويين إذا تكلموا على هذه المسألة على الخصوص، فلا تكاد تراهم يتعرّضون لغيره، أعنى فيما عدا الابتداء ونواسخه.
والثانى: أن يريد المفعول الأعمّ الذى يشمل المفعول [به] وغيره، فيدخل تحت قوله: «والأصلُ فى المفعولِ أَنْ ينفصلَا»، وقوله: «وقد يِجَى المفعولُ قبلَ الفعلِ» - المفعولُ المطلقُ، نحو: ضَرب زيدٌ ضربًا، والمفعولُ
فيه، نحو: قام زيدٌ يوم الجمعة، والمفعولُ من أجله، نحو: قام زيدٌ إكرامًا لعمرو.
فكأنه يقول: كلُّ ما يُسمّى مفعولًا الأصلُ فيه الانفصالُ، وقد يُجاءِ بخلاف الأصل، وقد يجىُ [ذلك] المفعولُ قبل الفعلِ، ما لم يمنع من ذلك مانعُ.
فتقول فى المصدر على الأصل: جاء زيدٌ جَيئًا، وقام أخوك قيامًا.
وعلى غير الأصل: قام قيامًا زيدٌ، وقيامًا قام زيد.
وتقول فى ظرف الزمان: يقومُ زيدٌ غدا، [على الأصل.
ويقوم ًا زيدًا]، وغدًا يقوم زيد، على غير الأصل.
وفى ظرف المكان: جلس زيدٌ أماك، وجلس أمامك زيدٌ، وأمامك جلس زيدٌ.
وكذلك فى سائرها.
لكن قد يمتنع المجئ بخلاف الأصل فى بعضها، كالمفعول معه -كما سيأتى-/ وذلك لا يقدح في صحة هذه الكليه، إلا أنّ الأحتمال الأوّل هو المشهور، والظاهر أنه مقصود الناظم.
والثانية: أنّ قوله: «وقد يُجاءُ بخلاف الأصلِ».. إلى آخره، مراده أنّ ذلك يأتى فى الكلام على الجواز، لقوله: «وقد يُجاء»؛ لأن هذه العبارة إنما يؤتى بها فيما يجوز ذلك فيه لا فيما يلزمُ، فكأنه يقول: يجوزُ أن
يتقدّم المفعولُ ويتوسط ويتأخر من غير موجب لفظىّ، فإن كان موجبٌ لفظىّ يقتضى خلاف ما تقدّم فهو الذى ذكره على إثر هذا.
فالحاصل أنه قدّم أصلين أحدهما مرتَّبٌ على الآخر، فالأصلُ الأولُ ذكْرُ مرتبة الفاعل والمفعول فى [الأصل].
وهذا أصل قياسى.
[والأصل] الثانى: جواز المخالفة فى ذلك الأصل، وهو أصل استعمالىّ، فإن عرض لزومٌ فى تقديم الفاعل على المفعول، فهو على خلاف الأصل.
وإن عرض لزوم فى تقديم المفعول على الفاعل فهو على خلاف الأصل أيضا، إلا أن الأول خروج عن الأصل من وجهٍ واحدٍ، والثانى خروج عنه من وجهين.
فابتدأ الناظم بذكر الأول، ثم عطف عليه بالآخر فقال:
وَأَخّرِ المفْعُولَ إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ
أَوْ أضَمِر الفاعِلُ غَيْرَ مُنحَصِرْ
وَمَا بإِلَّا أَوْ بإنَّما انْحَصَرْ
أَخّرْ، وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قصَدٌ ظَهَرْ
وَشَاع نَحوُ: خَافَ رَبَّه عُمَرْ
وَشَذَّ نَحوُ: زَانَ نَوْرُه الشَّجَرْ
فذكر للوجه الأول ثلاثة مواضع:
أحدها: موضع اللبس، يعنى أنه إن حُذِر -أى: خِيفَ- الالتباسُ بين
الفاعل والمفعول، بحيث لا يتميَّزُ واحدٌ منهما عن صاحبه، وجب أن يلزم كلّ واحدٍ منهما مرتبته، فيلزم الفاعل والمفعولُ موضعه، ولا يجوز توسيطُ المفعول ولا تقديمه، فتقول: ضرب موسى عيسى -إذا كان عيسى هو المفعولَ به- وضرب عيسى موسى- إذا كان الفاعل.
ولا يجوزُ أن تقول: ضرب موسى عيسى، وعيسى هو الفاعلُ؛ إذ ليس ثَمَّ ما يعرفُ بأنه الفاعل؛ إذ الإعرابُ المسوقُ للتفرقة مفقودٌ في اللفظ، وليس ثَمَّ تابع لواحدٍ منهما يظهر به الفرقُ، ولا المعنى، أيضًا بمبيِّن شيئًا./ فلم يبق إلا الالتزامُ المرتبة لكلِّ واحدٍ منهما.
ولا يجوز أيضا أن يتقدّم المفعول، فلا تقول: موسى ضرب عيسى، وموسى هو المفعولُ، لالتباسه بالمبتدأ، ويكون [الفاعل] ضميره، وعيسى هو المفعول.
وكذلك الحكم في نحو: أكرم هذا ذاكوضرب [هذا] من قام، وعرف الذى أكرمك الذى أكرمته.
وما أشبه ذلك.
وإما يخاف الالتباسُ إذا لم يبق فارقٌ بين الفاعل والمفعول سوى المرتبة، فيجب اعتبارها والتزامها، وأما إن كان ثمَّ وجهٌ آخر يعرفُ به فرقُ ما بينهما صِيرَ إلى الأصل الاستعمالى من عدم لزوم المرتبة، كما إذا ظهر الإعرابُ فيهما أو في أحدهما، نحو: ضرب موسى زيدٌ، وموسى ضرب زيدٌ.
أو في تابعهما نحو: ضرب موسى العاقَل [عيسى]، وموسى العاقَل ضرب عيسى.
أو كان أحدهما مؤنثا ولحقتِ التاء، نحو ضربَتْ
موسى سلمى، وموسى ضربَتْ سلمى.
أو كان المعنى يعيِّن المفعول من الفاعل، نحو: أكل الكُمّثرى موسى، والكُمّثرى أكَلَ موسى، وكذلك إذا قلت: أعجب مَنْ ثَمَّ ما صنعَت، فإن مفعولَ أعجب لا يكون إلا عاقلًا.
ومن [تقع في الغالب على العاقل].
وعلى هذا فقس ما جاء من هذا القبيل.
وهذا البيت من عادة المتأخرين أن يذكروه -أعنى التزام المرتبة- إذا عُدِم الفارقُ بين الفاعل والمفعول.
وقد تقدّم له ابنُ السّراج في الأصول، ولم يذكر ذلك سيبويه ولا غيره من المتقدّمين، بل قد نصُّوا على خلافه ولكن ابن مالك اتَّبَعَ من اعتبر ذلكواعتمده، وأجرى كلام العرب عليه.
وقد تقدّم قبلُ هذا المعنى، وحصلَ فيه بسطُ قاعدةٍ ظهر مأْخذُ المسألة، فإن أردت النظر فيها فعليك بها في باب المبتدأ،
والثاني من المواضع التي يلزم فيها تأخير المفعول: أن يكون الفاعل ضميرًا غير محصور، وذلك قوله: «أو أضمر الفاعلُ غيرَ مُنحَصرْ».
فقوله: «أضمِر الفاعلُ» جملة معطوفة بأو على حُذر «تقديره وأخر المفعول إن أُضمِر الفاعل غير منحصر، يعني أنّ الفاعل إذا أضْمرِ وجب تأخير المفعول على فاعله، فلا تقول: ضربت زيدا، أو أكرمت عمرًا.
فلا يجوز هنا تقديمُ المفعولِ على فاعله، فلا تقول
ضرب زيدًا تُ، ولا: ضرب زيدًا أنا؛ لأنه قد قدّم أن الضمير لا يكون منفصلًا ما/ أمكن أن يكون متصّلا.
وهذا إذا لم يكن الفاعل ضميرًا، منحصرًا -فلو كان ضميرا منحصرًا- وهو الذى تحرّز منه بقوله: غير مُنْحَصِرْ- لم يلزم المفعولُ رتبتَه من التأخير عن الفاعل، على حسب ما يذكره في البيت التالي لهذا.
والمنحصِرُ قد تقدّم تفسيرُه، وأنه يريد به ما وَلِى أداة الحصر، نحو: ما أكرم زيدًا إلا أنا، وما أشبه ذلك.
وغيرَ: منصوب على الحال من «الفاعل» أى حالة كونه غير منحصر.
وفي هذا الكلام نَظَرٌ من وجهين:
أحدهما: أن قوله: «أو أُضمِر الفاعلُ غيرَ مُنْحَصِرْ» يدخل فيه ما كان من الفاعلين ضميرًا منفصلا غير محصور؛ فإنك إذا فلت: ضربَ زيدًا إما عمروٌ وإما أنا، وأكرمك إما أنا وإمّا زيد، أو قلت: إن أكرمك لزيد، وإن أرضاك لهو.
فهذا كلّ وما أشبه قد أضُمِر فيه الفاعل غير منحصر، مع أنه لا يلزم فيه تأخير المفعول، بل لا يجوز ذلك في جملة من [هذه] المسائل.
لا يقال: إنّ مذهبه هنا مع إنْ المخففة مذهب الكوفيين في هذه اللام من أنها يمعنى إلّا، لأنه نَصَّ على خلافه كما تقدم، ولو كان رأيُه فيها رَأْيهم لم يتّجه ذلك، لوُجودِ نحو: أقام أباك إمّا أنا وإما زيدٌ، وكذلك مع اسم الفاعل إذا قُلْتَ: إن ضاربك لزيدٌ وإن
مخرجك لهو، وكذلك: أعجبتني هندٌ المكرمُها أنا، وما أشبه ذلك.
وهذا الاعتراضُ لازم له في التسهيل حيث قال: «يجب وصلُ الفعلِ بمرفوعه إِنْ خِيفَ التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرًا غير محصور».
فإن الضمير في هذه المسئل كلّها غير محصور، ولم يجب فيها وصلُ الفعلِ بمرفوعه.
وبهذا اعترضه في التسهيل شيخنا الأستاذ أبو سعيد، أجلَّه الله.
ويزيد كلمُه في التسهيل اعتراضًا آخَرَ لا يلزمه هنا، وهو أنه قال: «يجب وصلُ الفعلِ بمرفوعه [إن خيف التباسه بالمنصوب»، فاقتضى أنّ اللبس إنما يُوجِب وصلَ الفعلِ بمرفوعه] من غير نظر في المفعول.
وليس كذلك؛ ألا ترى أنك لا تقول: موسى ضرب عيسى، لأجل اللبس، وقد اتّصل الفعل بمرفوعه، وهو إما عيسى إن فرضت موسى مفعولًا، وإما ضمير موسى إن فرضتَه مبتدًأ.
وقد اقتضى كلامُه جَوازَ مثل هذا، وأنّ موسى إذا فرضته مفعولًا لا يلزم تأخيره، [وليس كذلك، بل يلزم تأخيره] لأجل اللبس كما مرّ.
وكلامه هن مُحَرّر لقوله: «وَأَخِّر المفعول إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ».
فاعتنى بالمعفولِ تحرُّزًا من التقديم فيه.
والثاني: أنّ الفاعل إذا أُضمِرَ نحو: ضربتُ زيدًا، لم يلزم تأخير لمفعول؛ إذ كان جائزًا باتفاقٍ أَنْ تقول: زيدًا ضربت، ولا يزلم أن تقول: ضربتُ،
ولا يلزم أن تقول: ضربتُ زيدًا، لا غيرُ.
وكذلك ما أشبهه، وإنما يلزمُ التأخيرُ مع اللَّبس كما تقدم.
فالحاصل أن هذا الكلام غير صحيح من وجهين وعبارته في التسهيل بالنسبة إلى هذا الوجه صحيحة، لقوله: يجب وصلُ الفعل بمرفوعه إن كان كذا أو كان ضميرًا غير محصورٍ، فالتاء في ضربت ضميرٌ غير محصور، فوجب وصلُ فعله به من غير تعرّضٍ للمفعول، فاقتضى جواز: زيدًا ضربتُ، بلا شك.
فإن قيل: قد دخل له نحو: زيدًا ضربت، في قوله قبلُ: «وقد يَجىِ المفعولُ قبل الفعل».
قيل: ليس كذلك، لأن ذلك الكلام مجملٌ يصدق على نحو: زيدًا ضرب عَمْرو، فلا يكون بيانًا لهذا الموضع.
وهذان الاعتراضان لا جواب لي عنهما، وليس كلُّ داءٍ يعالجه الطبيب؛ لَمّا بيَيّن ابنُ جني أنه لا يجوز ردُّ اسم لما لم يُسَمَ فاعله لنقصان الحديث، لنقصانِ ظُنّ زيدٌ، قال: فقلت لأبي علىّ: فقول سيبويه: كائنٌ ومكونٌ؟ [فلم يُجِبْنى عن هذا السؤال بشئ، وقال: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونِ﴾؛ فجهِدْتُ به] فلم يجبني، وجعلَ يُعَلّل ويقول: الذى يقولُ أصحابنا قد عَرّفتُك إياه.
قال: قلت: فيقولون: إن سيبويه يُجِيزُ أَن تبنى كان للمفعول فقال: لا.
قلت: فما يُعَملُ بهذا الذى ورد؟ فقال: لا أَدْرى.
قلت: أَفتقول: إنه خَطَأ في النسخة؟
فقال: لا.
ثم قال: ليس كلُّ الداء يعالجه الطبيب.
انتهت الحكاية.
ثم قال الناظم: «وما بإلّا أو بإنّما انحصَرْ.. أَخِّرْ»، «ما» هنا منصوبة المحلّ بأخِّرْ، أى: أَخِّر ما انحصر بإلّا أو بإنّما.
وهذا هو الموضع الثالث من المواضع التى يجب فيها تأخير المفعولِ عن الفاعل، وذلك إذا كان المفعولُ محصورًا بإلّا أو بإنّما، لكن لمّا كان الفاعلُ أَيضًا يلزمه التأخير عن المفعول إذا كان هو المنحصر، أَتى بالقاعدة شاملةً للفاعل والمفعول معًا بما التى تقتضى العموم في قوله: «وما بإلّا»، يعنى أنَّ ما كان من الفاعلِ والمفعول منحصرًا بأحد هذين الحرفين وجب تأخيره، فمثال تأخير المفعول المحصور بألّا: ما ضرب زيدٌ إلّا عمرًا.
فلا تقول هنا: إلّا عمرًا لم يضرب زيد، وإن كان يجوز: عمرًا لم يضربْ زيدٌ، لمكان أداة الحصر.
وكذلك لا تقول: ما ضرب إلا عمرًا زيدٌ إلا قليلا، حسبما يذكره.
ومثال تأخيره محصورَا (بإنما): إنما ضرب زيدٌ عمرًا، فإن معناه كمعنى: ما ضرب زيدٌ إلا عمرًا.
ومنه ما أنشد سيبويه:
كَأَنَّ يَوْمَ قُرّى إِنَّما نَقْتُلُ إيَّانَا
وأما لزومُ تأخير الفاعل فذكر له موضعين:
أحدهما الذي شمله اللفظ، وهو إذا كان الفاعل مقرونا بإلا أو بإنما، فاقترانه بإلّا نحو: ما ضرب أخاك إلا زيدٌ، وما أكرمه إلا أنا.
وفي القرآن: ﴿لا يُجَلِّيها لوقْتِها إلّا هُو﴾، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ﴾.
وقال الشاعر:
قَدْ عَلِمتْ سَلْمَى وَجَارَاتُها
ما قَطّرَ الفارِسَ إلّا أنا
واقترانه بإنّما نحو قولك: إنما ضَرَب زيدًا عَمْروٌ.
وإنما أكرم أخاك زيد.
وقال الشاعر:
أَنَا الفَرِسُ الحامِى الذِّمارَ وَإِنّما
يُدافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنا أَوْ مِثْلِى
ولا يقال: ما ضرب إلا زيدٌ أخاك، وما ضرب إلا أنا زيدًا، إلا قليلا كما ذُكر، وكذلك لا تقول: إنما ضرب زيدٌ عمرًا، وزيدٌ هو المحصورُ، كما أنك لا تقول: إنما ضرب عمرًا زيدٌ، وعمرًا هو المحصور.
هذا مذهب جماهير البصريين والكوفيين.
والمسألتان معًا مختلف فيهما بين النحويين على ثلاثة أقوال:
أحدها: لزومُ تأخير المحصور من الفاعل والمفعول، وهو الذي تقدَّم.
والثاني: عدم اللزوم بإطلاق، بل يجوز تقديمُ المحصور إلى موضع غير المحصور.
وهو رأى الكسائى من الكوفيين.
والثالث: الفرقُ بين الفاعل والمفعُولِ، فإذا كان المحصورُ/ [هو الفاعلُ لم يجز تقديمه، وإذا كان المفعولُ جاز تقديه.
وهو منقولٌ عن الأخفش وابن الأنبارى.
وكأنّ الناظم أخذ بمذهب رابع، وهو جوازُ تقديم المحصور على قلّة.
وذلك قولُه: «وقد يَسْبِقُ إِنْ قصدٌ ظَهَرْ»، فضمير «يسبق» عائد على ما انحصر، يعنى أنّ المنحصر قد يتقدّم إن ظهر قصدُ الكلام وتبيّن المنحصرُ من غيره، وذلك في الحصر بإلّا نحو: ما ضرب إلّا عمرًا زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ عمرًا.
ووجهُ ما رأَى الناظم من ذلك أن القياس لا يمنعه بإطلاق، والسماع يُعَضِّد القول به.
أما القياسُ فإن الأل الاستعمالي -كما تقدّم- جوازُ تقديم المفعول على الفاعل، والأصلُ القياسىُّ تقديمُ الفاعِل على المفعول، فإذا ثبت هذا لم يُعْدَل عن إلا لما هو أقوى منه، وليس بموجود في مسألتنا، لأنّ تأخير المحصور إنما يُفْتَقَر إليه إذا لم يكن ثَمَّ دليلٌ عليه سوى التأخير، وقد دلّت إلّا على المحصور بدخولها عليه، فهو معلوم سواءٌ تقدَّم أم لا، بخلاف إنّما فإنها لا تُعيِّن لامحصور من غيره، فالتُزِم التأخير فيه ليتعيَّن.
وأما السماع فقد قال زهير:
وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّى إِلّا وَشِيجُهُ
وتُغْرَسُ إِلّا في مَنَابِتِها النَّخْلُ
وكانَ الأصلُ -لو روُعِى التأخيرُ- أن يقولَ: وتُغَرسُ النخلُ إلّا في منابِتِها.
وقال ذو الرُّمّة:
تَداويتُ مِنْ مىٍّ بِتَكْلِيمةٍ لها
فَما زَادَ إلَّا ضعْفَ دَائِى كَلَامُها
هذا في حصر غير الفاعل، وأما حصر الفاعل وتقديمه، فقد أنشد الفارسىّ في التذكرة:
نُبِّئْتُهم عَذّبُوا بالنّارِ جَارَتَهُمْ
وهل يُعَذِّبُ إِلّا اللهُ بالنّار
وأنشد أيضا:
فلم يَدْرِ إلا الله ما هيجّت لنا
عشيةَ أنآءُ الديار وشامها
وإذا ثبت سماعًا ما سوّغه القياسُ جاز لنا القياسُ على ما سُمِع، إلا أنّ السماع لم يأت منه ما يبلغ مبلغ الشائع الكثير.
وأكثر ما تراه في الشعر الذى يُظَنّ أَنه فيه ضرورة.
فلم يُطلق القولَ بالقياسِ كما أطلقه الكسائى، ولا بالمنع كما أطلقه الجمهور، فأجازه على ضعفِ، وهو سادٌ من النظر، فقال: «وقد
يسبقُ إن قصدٌ ظَهَرْ».
فأتى بقد المشعرة ببالتعليل والضعب، وقيّد الجواز بعدم اللبس تحرُّزًا من إنّما؛ فإنَّ المحصور معها لا يتعيَّنُ إلا بالتأخير، فلو أجيز تقدّمه لالتبس بغير المحصور، فلم يكن بدٌّ من التزام تأخيره حسبما أعطاه معنى كلامه.
وهنا مسألتان:
إحداهما: أنهم اختلفوا [بعد وجود تقديم] المحصور في وجه التقديم على قولين؛ فمنهم من أجازه [على إِضمار فعل] فإذا قلت: ما ضرب إلا عمروا زيدًا، فهو على تقدير حذف المفعول [من ضرب اقتصارا]، وقوله: إلا زيدًا على إضمار فعل تقديرُه: ضرب زيدٌ.
وعلى ذلك [تَأَوَّل] المانعون قولك: ما ضرب إلا زيدًا عمرو؛ إذ هو تقدير: ضربه عمرو، [وفيه بقاءُ الفعل بلا] مرفوع، وذلك ممنوع، فامتنع ما يؤدّى إليه؛ ولأجله استسهل بعضهم ما جاء من نحو: ما ضرب إِلا عمرو زيدًا، ولم يستسهل نحو: ما ضرب/ إلا عمرًا زيد، على عكس ما ذهب إليه أبو الحسن وابن الأنبارى.
ومنهم من حمل ذلك على غير الرضمار، بل على حقيقة التقديم والتأخير، وكان ابن الأنبارىّ إلى هذا نحا، فأجاز: ما ضَرَب إلا زيدًا عمرو؛ لأن المحصور مستحقٌّ التأخير، فكأنّ زيدًا متأخر، فجاز.
ومنع:
ما ضرب إِلا زيدٌ عمرًا، لأن زيدًا محصور، فاستحق التأخير، فرذا قُدّم صار في محلّه الأصيل، فلم يكن مستحقًا للتأخير، فتناقش، فامتنع.
وعلى هذا الوجه يجرى أيضًا كلام الناظم؛ إذ لو اعتُبِر الإضمار لم يصحّ له إجازة: ما ضرب عمرًا إلا زيد، لبقاء الفعلِ فاعلٍ.
وكذلك ابن الأنباري والأخفش وسائر من أجاز على الجملة.
والثانية: أنك إذا قلت: ما ضرب إلا زيدٌ عمرًا فهو على وجهين:
أحدهما: أن يكون على معنى: ما ضرب عمرًا إلا زيدٌ، أن تنفي الضاربين عن عمرو وتستثنى منهم زيدًا.
والثاني: أن تُريدَ نفي الضاربين بإطلاق، ثم تستثنى منهم زيدًا، مخبرًا أنه ضَرب عمرًا، حتى كأنك قُلْتَ: ما ضَرَبَ أحدٌ إلا زيدٌ، أى: ما وقع من أحدٍ ضربٌ إلّا من زيدٍ، ثم أخبرت أَنّه ضَرَبَ عمرًا، وكأَنَّ عمرًا منصوب بإضمار فعل لا بالأول.
فأما الوجه الأول فهو المختلفُ فيه، وأَمَّا الثاني فكأنه متفق على جوازه، وقد أجازه الأخفش، وهو الذى منع الأول.
وذكره أيضًا الشلوبين واعترض بسببه على الجزولى؛ إِذْ لا يَجُوزُ فيه تقديمُ مَفْعولِه وتأخير [فاعله] [لالتباسه في التقديم]......... فقد يقال إن هذا وجه يدخل [له تحت] قوله: «وما
بإلّا أو بإنما انحصَرْ.. أَخّر» يعنى عن المفعول يقتضى أَنّ [الكثير في نحو] قولك: ما ضربتَ إلّا زيدٌ عمرًا، تقديم عمرو وأن تقديم زيد عليه قليل.
وليس كذلك، بل لا يجوز هنا الّا تأخير المفعول خوف اللبس، فكلامه معترض يجاب عن ذلك بأن المسألة ليست من قبيل ما تكلّم فيه الناظم؛ ما تكلّم فيه هو ما كان فيه الفاعل والمفعول معًا لفعل واحدٍ، فتدخل فيه المسألة على الوجه الأوّل محذوفٌ اقتصارًا؛ إذ لم تَنْفِ فيه ضاربي عمرو بخصوصه، وإنما نفيتَ الضَّاربِيِنَ بإطلاق، ونَفْىُ الضَّارِبينَ بإطلاقٍ لا يصحّ مع ذكر المضروُب الذى هو عمرو، فلا بدّ أن يكون عمرو معمولًا لفعل آخر مقدّر، كأن الكلام في تقدير سؤال سائر: من ضرب زيدً؟ فتقول: عمرًا.
أى: ضرب عمرًا هذا تنزيل المسألة، وإن كان أبو علىٍّ الشلوبين قد أتى بها مُسْجَلَةً مجملة، فلا يصحّ المعنى إلّا على هذا، وإذا كان كذلك امتنع تقديم عَمْرو، لأنه فَصْلٌ بين أبعاض جملة بأجنبىٍّ هو معمولٌ لجملة أخرى.
فلا اعتراض على الجُزُولى ولا على الناظم بهذه المسألة، والله أعلم.
ثم قال: «وشاع نحوُ: خاف رَبَّه عُمَرْ».
وهذا هو الموضع الثاني من موضعي لزوم تقديم المفعول على الفاعل، وذلك إذا اتّصل بالفاعل ضمير يعودُ على المفعول، لكنّه قدّم هنا مقدّمة يتّصل معناه بمعنى ما أراد ذكره، وهو جوازُ تقديم المفعول إذا اتّصل به ضميرٌ يعودُ على الفاعل، وأن لا محذور في ذلك، وعيَّن ما أراد بالمثال، وهو قوله: خافَ ربَّه عُمَرْ»، فأراد أن ما كان كذلك فهو