شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 646-685

وقالت الخنساء 1: تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتَّى إذا ادَّكَرَتْ فإنَّما هي إقُبَالٌ وإدْبَارُ وأنشد الكسائي 2: وهُنَّ حَرَّى أَلاَّ يُثِبْنَكَ نَقْرَةً وأنت حَرىً بالنَّارِ حينَ تُثِيبُ وقال العجاج 3: تَذكَّرا عَيْناً رِوىً وفَلَجَا فإن قيل: قوله: ((فَالْتَزَمُوا)) إمَّا أن يعود الضمير على العرب، وإمَّا على النحويين.

(فإن كان عائدًا على العرب 1) وهو الظاهر من قوله: ((ونَعَتُوا/ بمَصْدَرٍ كثَيِراً)) فإنما 599 يريد العرب، إذ لو أراد النحويين، وأنه قياسٌ عندهم لم يقل: ((كَثِيراً)) لأن الوصف بالكثرة لائقٌ بنقل السماع لا بإعمال القياس، فيُشكل على هذا إخبارهُ عنهم إلزامَ الإفراد والتذكير، لأنهم قد جَمَعوا وثَنَّوْا وأَنَّثُوا، ففي القرآن الكريم ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ 2﴾ وفيه ﴿وهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّروُا المحْرَابَ 3﴾ ثم قال: ﴿قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ 4﴾ وقالوا: خُصُومٌ ايضاً، وقالوا: عُدُولٌ، جمع عَدْل.
وتقول العرب: رجالٌ ضَيْفٌ، وأَضْيَافٌ، وضُيُوفٌ، وضِيفَانٌ.
وامرأةٌ ضَيْفَةٌ.
وقال البَعِيث 5: لَقَدْ حَمَلَتْهُ أمُّهُ وهْيَ ضَيْفَةٌ فجاءَتْ بِيَتْنٍ للضِّيَافَةِ أَرْشَمَا إلى أشياء من هذا، إذا تُتُبِّعتْ وُجِدَتْ، فلا يقال فيما هذه سبيله: إنهم الْتَزموا فيه الأفرادَ والتذكير.
وإن كان الضمير عائداً على النحويّين كان فيه قُبْحُ اختلافِ

الضمائر، بعَوْد ضمير ((ونَعَتُوا)) على غير مضن عاد عليه ضمير ((فالْتَزَمُوا)) وأيضاً فإنه يقتضي أن هذا الباب قياس، لأن هذا الإلزام لا يكون إلا بالقياس، وإلا فالسماع لا يُلْزِم ذلك.
فالحاصل أن كلامه مُشْكل.
فالجواب أن الأَوْلَى أن يُجعل الضمير في ((فَالْتَزَمُوا)) للنحويين، وإن كان فيه مخالفةُ الضمائر، لأنهم الذين أَلْزَموا ذلك إذا قاسوا ذلك، أو قال بالقياس منهم أحد، من حيث كان شائعاً في الكلام، وكأنَّه يقول: إن العرب جاء عنها النعتُ بالمصدرَ كثيرا، فألزم النحويون لأجل ذلك ما يلزم المصدرَ غيرَ المحدود، من الإفراد والتذكير فإن ذلك غير شاذ 1. ونَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ إذا اخْتَلَفْ فعَاطِفاً فَرِّقْهُ لا إِذَا ائْتَلَفْ النعوت على قسمين، أحدهما أن تكون جاريةً على منعوتٍ واحد، فهذا لا إشكال فيهن وهو الذي جرى الكلامُ فيه قبل هذا.
والثاني أن تكون جاريةً على غير واحد، بل على اثنين أو جماعة.
وهذا الثاني على ضَرْبينِ ايضا، أحدهما أن يكون المنعوت مثنىً أو مجموعاً غيرَ مُفَرَّق.
والثاني أن يكون مفرقاً.
وتفريقُه إمَّا لأن التَّثْنية والجمع فيه لا يَتَأَتَّى، فيقوم العطفُ مَقامها، وإمَّا لتعدُّد عاملِ المنعوت.
فإن كان مثنىً أو مجموعاً فهو الذي تكلَّم فيه في هذين البيتين، ويعني أن نعت غير الواحد، وهو المذكور آنفاً، لا يخلو أن يكون مختلِفاً أو مؤتلِفاً.
ومعنى كونه مختلِفاً أن يُنعت أحدُهما بخلاف ما يُنعت به الآخر.
والمخالفةُ

إما في اللفظ والمعنى، كالعاقلِ والكريمِ، أو في اللفظ دون المعنى، كالذاهبِ والمنطلِقِ، أو في المعنى دون اللفظ، كالضَّارِب من (الضَّرْب) والضَّارِب في الأرض 1. ومعنى كونه مؤتلِفاً أن يتفق اللفظ والمعنى معاً حتى يمكن أن يعبَّر عنهما باسمٍ مثنى أو مجموع.
فإذا اختلف النعتان فلابد من تفريقهما-إذ لا يمكن فيهما التَثنيةُ والجمع لفَقْد شرطهما- بعطف أحدهما على الآخر.
وذلك قوله: ((فَعَاطِفاً فَرِّقْهُ)) فتقول: مررتُ برجَليْنِ صالحٍ وطالحٍ، ومررتُ بامرأتَيْنِ بِكْرٍ وثَيِّبٍ.
وكذلك/ فيما زاد على الاثنين، نحو: مررت برجالٍ قرشيٍّ... 600 وهاشميٍّ وأنصاريٍّ.
ومن ذلك ما أنشده سيبويه من قول الشاعر 2: بَكَيْتُ ومَا بُكَا رَجُلٍ حَزِينٍ على رَبْعَيْنِ مَسْلُوبٍ وبَالِ وأنشد في ((الشرح)) لحسان بن ثابت 3:

فَلاَقَيْنَاهُمُ مِنَّا بَجمْعٍ كأُسْدٍ مُرْدَانٍ وشِيبِ وإنَّما نُسِق بالعطف لأنه أصل التثنية والجمع، فإذا عُدم شرطُهما فيما أريد تثنيتُه أو جمعُه تُرِك على أصله.
ولم يعيِّن الناظم العاطفَ اعتماداً على العِلْم بأن الواو هي الصل في ذلك.
وهذا حكم المنعوت إذا كان معطوفاً ومعطوفاً عليه، إلا أنه لا يُفَرَّق النعتُ من منعوته، إذ لا ضرورة تدعو إليه، فتقول: مررتُ بزيدٍ الفاضِل، وعمروٍ الكريمِ.
وهو داخل في حكم ما تقدم، كما تقول: ضَرب زيدٌ العاقلُ بكراً الكريمَ.
وأمَّا إذا ائْتَلف النعتُ، وأمكن تثنيته أو جمعه فلا يفرَّق، فتقول: مررتُ برجَليْن عاقلين كريمين، وبرجالٍ فُضَلاء.
ومنه ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِريَنِ 1﴾ وقوله: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنيِنَ 2﴾ ولا يجوز أن تقول: مررتُ برجلَيْن كريمٍ وكريمٍ، كما لا يقال: مررتُ برجلٍ ورجلٍ كريَميْن، إلا في الشعر.
ولذلك قال: ((لاَ إِذَا ائْتَلَفَ)) أي لا تفرِّقة إذا ائتلف.
وكذلك تقول: مررتُ بزيدٍ وعمروٍ الكريَكيْنِ، وجاء رجلٌ وامرأةٌ عاقلان.
و ((نَعْتُ)) مبتدأٌ خبره (إِذَا) وما بعدها.
و ((عاطفاً)) حالٌ من فاعل ((فَرِّقْهُ)) أي فَرِّقه حالة كونك عاطفا.
وإن كان المنعوتُ مفَّرقا بسبب تعدُّد العامل فقال فيه الناظم:

ونَعْتَ مَعْمُولَىْ وَحِيدَىْ مَعْنَى وعَمَلٍ أَتْبِعْ بغَيْرِ اسْتِثْنَا ((نعتَ)) مفعول ((أَتْبِع)) أي أتبع نعت معمولَىْ كذا.
و (وَحِيدٌ، ووَحَدٌ، ووَحِدٌ) بمعنى: (وَاحِد ومُنْفَرِد) والمعمولان هما المنعوتان، والوحيدَيِ المعنى والعمل: بمعنى المُتَّحِدى المعنى والعمل، وهما عاملا المعمولين.
فكأنه يقول: إذا كان المنعوتان معمولين لعاملين مُتَّفِقي المعنى والعمل فالإتباعُ صحيح.
وكذلك إذا كانا أكثرَ من اثنين فالحكم حكم الاثنين.
وبَسْط هذا أن النعت إذا كان في المعنى لمنعوت أكثر مَن واحد فلا يخلو، إن كانا اثنين مثلا، أن يعمل فيهما عاملٌ واحد، أو عاملان.
فإن عمل فيهما عاملٌ واحد، وذلك بعطف أحدهما على الآخر، فهذا يُتْبع فيه النعتُ بلا إشكال، فتقول: مررتُ بزيدٍ وعمروٍ العاقلين، ومررت بشيخٍ وطفلٍ وامرأةٍ جُلُوسٍ، لأن العطف بمثابة التثنية، فكان حكمهما كما لو قلت: مررتُ بالرجلين العاقلين، فرَجع إلى ما تقدَّم من نعت المفرد بالمفرد، أو نعت المؤتَلِف بالمؤتلف.
وإن عمل فيهما عاملان فهذا الذي تَكَلَّم فيه الناظم هنا أنه يُتْبع النعت إذا اجتمع في العاملين وصفان، أحدهما أن يَتحَّدِ معناهما، وسواء اتَّفق لفظهما أم اختلف، فتقول: /... 601 مررتُ بزيدٍ، ومررتُ بعمروٍ العاقلَيْن.
وهذا زيدٌ، وهذا عمروٌ العاقلانِ.
وضربتُ زيداً، وضربتُ عمراً العاقلَيْن.
وكذلك تقول: سبقَ المالُ لزيدٍ وإلى عمروٍ العاقلين.
وذهب زيدٌ وانطلق بِشْرٌ القرشيَّان.
ورأيتُ زيداً وأبصرتُ عمراً الكريمَيْن.
فالعوامل

هنا مُتَّحدة المعنى وإن اختلفت ألفاظُها فيصح الإتباع.
والثاني أن يَتَّحد عملُهما في المعمولين فلا يعملان فيهما إلا رَفْعَيْن أو نَصْبَيْن أو جَرَّينْ، كما مضى بيانه في الأمثلة.
فإن تخلف شرط من هذين الشرطين فيقتضي كلامه أَنْ لاَ إتباعَ أصلا، فإذا قلت: جاء زيدٌ وذهب عمروٌ العاقلان، فـ (العاقلان) لا يصح عنده أن يكون مُتْبَعاً.
وكذلك إذا قلت: ضربتُ زيداً، وأكرمتُ عمراً الأحَمْرينِ، ومررتُ بزيدٍ، وجئت إلى عمروٍ الفاضلَيْن.
لا يجوز في شيء من هذا الإتباعُ، لأنك إن أتبعتَ لابد أن يكون العامل في النعت هو العامل في المنعوت، وإذا كان كذلك والنعتُ لفظٌ واحد فَيقتضي أن يعمل عاملان يَقتضيان معنَيْن مختلفين في معمول واحد، وذلك غيرُ مْمكن، لأن العمل واحد فلا يتأتى إلا لواحد.
وكذلك إن تخلف الشرط الثاني لم يصح الإتباع، فإذا قلت: ضربَ زيدٌ، وضربتُ عمراً العاقلان، أو العاقَليْن، لم يكن إلا قَطْعاً، لأن عملَيْن مختلفين في معمول واحد بجهة واحدة لا يصح.
قال في الكتاب: ولا سبيل إلى أن يكون بعضُ الاسم جَراً، وبعضُه رَفْعاً 1. فأما إذا اتَّحدا معنىً وعملاً فلا مَحذور، لأن العاملين من جهة المعنى شِيء واحد، فكأن الثاني إنما سِيق لمجرد التوكيد، فقولك: جاء زيدٌ، وجاء عمروٌ العاقلان، بمثابة قولك: جاء زيدً وعمروٌ العاقلان، ولا إشكالَ في صحة مثل هذا، فكذلك في ما كان بمعناه.
وإذا قلت: ذهب زيدٌ، وانطلق عمروٌ العاقلان- فهو في تقدير: ذهب

زيدٌ، وذهب عمروٌ، لأن الذهاب والانطلاق معناهما واحد، ولا اعتبارَ باختلاف اللفظ، لأن العمل ليس للفظ من حيث هو لفظٌ، بل من حيث معناه، وقد اتَّحد المعنى فصار كما لو اتَّحد اللفظ.
وإذا لم يجز الإتباعُ فلابد من القَطْع، وهو مقتضى مفهوم الصفة في كلامه، فغنه وَصف النعتَ المُتْبَع بكَوْنه نعتاً لمعمولَىْ وحيدَىْ معنىً وعملٍ، فالمفهوم أنه إذا لم يكن كذلك فلا يُتْبع، وإذا لم يُتْبَع تَعَيَّن القطعُ إلى الرفع بإضمار مبتدأ، أو إلى النصب بإضمار فعل.
وسَيتَكَّلم فيه بعد هذا بحول الله وقوته.
وقوله: ((بغير استثنا)) يريد به أن الحكم جارٍ في نعت المرفوعَيْن والمنصوبَيْن والمجرورَيْن فإن العلة في الجميع موجودة، والقياس سائغ، فلا مانع منه، وقد تقدَّم تمثيلُه.
ويستوي في المرفوعَيْن ما كان منهما خبرَيْ مبتدأَيْن أو فاعلْي فاعلَيْن، فكما تقول: جاء زيدٌ، وجاء عمروٌ العاقلان، كذلك تقول: هذا زيدٌ، وهذا عمروٌ الظريفان، ونحو ذلك.
وهنا بَعْدُ مسائلُ، إحداها أن اتحاد العاملين في المعنى قد يكون اتحاداً في معنى/ 602 معيَّن نحو: ذَهَبَ وانْطَلَق، فهذا هو الذي وقع التمثيل به، وهو أن يكون معنى أحد العاملين مرادِفاً لمعنى العامل الآخر، حتى يصح أن يعبَّر عن أحدهما بالآخر.
وقد يكون اتحاداً في معنى غير معيَّن، بل يكون اتحاداً في جنس المعنى، وذلك أن يكون معنى أحد العملين لا يصح أن يعبر عنه بالعامل الآخر، بل يصح أن يعبر عنهما معاً بعاملٍ آخر، فتقول: ذهب زيدٌ، وجاء بَكْرٌ العاقلان، فتُتْبِع النعتَ وإن اختلف

معنى العاملين في التعيين 1، لأنه يصح أن يعبر عنهما بفعل جامع، فتقول: فَعَلَ زيدٌ وبكرٌ العاقلان كذا وكذا، وكذلك إذا قلت: أنا أخوك، وهذا أبوك الفقيران، لأنك تعبِّر عنهما بأن تقول: نحن كذا وكذا.
وقد أجاز هذا النحويون على الإتباع.
فلو اختلف العاملان بحيث لا يجتمعان في معنى عاملٍ آخر لم يجز الإتباع كقولك: رأيت أخا زيدٍ، ومررت بعمروٍ العاقلين، فلا يجوز الإتباع، إذ لا تجتمع الباء والأخ في معنى عامل واحد.
ومن هنا منع سيبويه: مَنْ عبدُ الله، وهذا زيدٌ الرجلان الصالحانِ، رفعت أو نصبتَ، لأنك خلطتَ مَنْ تَعلم ومَنْ لا تَعلم، فجعلتهما بمنزلةٍ واحدة في النعت، وذلك متدافِع، وإنما الصفة عَلَمٌ فيمنْ عُلِم 2. ولأن المبتدأَيْن لا يمكن أن يعبَّر هنا عنهما بشيء واحد.
وكذلك قولك: هذا رجلٌ، وفي الدار آخرُ كريمان، لا يجوز إتباعه لأن أحد العاملين الابتداءُ، والآخر المبتدأُ، ولا يجتمعان في لفظ واحد.
وكذلك: هذا فَرَسُ أَخَوَيِ ابْنَيْكَ العُقَلاء، لا يُتْبع، لأن عامل ((الأخوَيْن)) ((الفرسُ)) وعامل ((ابْنَيْكَ)) ((الأَخَوان)) ولا يجتمعان في عامل واحد.
والصفة ايضاً داخلةً فيما دَخل فيه الموصوف، فيكون (العُقَلاء) من تمام الأَخَويْن، من حيث كان صفةً للابنَيْن، وغيرَ تمام لهما من حيث كان صفة للأخوين، وذلك متناقض.
والحاصل أن الاتحاد بالاعتبار الثاني هو أن يتفق العاملان في الاسمية والفِعْلية، وكذلك في الحَرْفية على ما قاله ابن الباذِش 3، من أن قياس: مررتُ

بزيدٍ ودخلت إلى عمروٍ الطريفَيْن جوازُ الإتباع.
قال: لأن العاملين حرفا جَرٍّ فهما كالفعلين.
فإن كان الناظم أراد اتحادَ العاملين بالتفسير الأول فيقتضي امتناعَ جميع ما ذُكر جوازُه بالاعتبار الآخر.
وإن أراد الاتحادَ بالمعنى الآخر فيقتضي جواز تلك المسائل، ويقتضي أيضاً جوازَ: هذا فرسُ أَخَوَيِ ابْنَيْك العُقَلاءِ، إتباعاً على قياس ابن الباذِش 1، إلا ان يفرَّق بين الموضعين.
وفيه نظر.
والظاهر من عبارته أن مراده الاتحادُ بالمعنى الأول، وعلى ذلك يَجْري الاحتجاجُ على مذهبه بحول الله.
المسألة الثانية: في تقرير الخلاف في الأقسام المذكورة أولاً، فلا يخلو العاملان أن يَتَّحدا لفظاً ومعنى أَوْلاَ، فإن اتَّحدا فإمَّا أن يُراد بالثاني مجردُ التوكيد أَوْلاَ، فإن أُريد مجردُ التوكيد فالمسألة جائزة... / باتفاق، وإن لم يُردَ مجردُ التوكيد فالجمهور على الجواز.
وعن ابن السَّراج، وهو... 603 مذهبُ نحاة سَبْتة 2، على ما أخبرنا به الأستاذُ رحمة الله عليه 3، منعُ الإتباع وإن اتفق اللفظُ والمعنى، لأن الموجب لامتناع الإتباع في العاملين المختلفين هو اجتماعُ عملِ عاملين على معمول واحد، وذلك موجود هنا 4. والجواب أن عمل العامل في المعمول ليس مجردَ اعتبارٍ لفظي، بل

ذلك راجع إلى كونه يطلبه طلباً معنوياً، ولو كان الأمر كذلك لم يجز اعتبارُ المعنى في العطف وغيره من التوابع، بل تقول: مررتُ بزيدٍ وعَمْراً، وهذا ضاربُ زيدٍ وعمراً.
وتقول: هل تُكْرِمُنِي فَأْكْرِمْكَ وأُحْسِنْ إليك، بالجزم.
وأعجبني ضَرْبُ زيدٍ العاقلُ عَمْراً، وما كان مثله، مِمَّا لا ينحصر من المسائل الجائزة على الحمل على المعنى والمرادِف.
وإذا كان المعنى معتَبراً في عمل اللفظ فإذا اجتمع اللفظان على معنى واحد فكأنهما لفظ دالٌ على معناه، فلا مَحذور.
واعتبارُ المعنى في عمل اللفظ أشهرُ في كلام العرب من أن يُذكر.
وأمّا أن يتحدا في اللفظ والمعنى معاً فلا يخلو أن يتحدا معنىً بحيث يُعَبَّر بأحدهما عن الآخر أَوْلاَ، فإن اتَّحدا كذلك فقد ذَكر السِّيرافي اتفاقَ البصريين على جواز الإتباع فيه 1، وما تقدَّم عن ابن السراج في المسألة فوق هذا يقتضي المنع من باب الأَوْلَى.
وقد ذكر ابن خروف الخلافَ عن المبرِّد.
وقد ذكر بعض المتأخرين المنعَ عن ابن السراج نَصاً، ووجه ذلك عنده ما تقدم من إعمال عاملين في معمول واحد.
والأصح ما ذهب إليه الناظم والجمهور، لما تقدم من اعتبار المعنى في العامل.
والعاملان هنا في معنى عامل واحد، ولا اعتبار باللفظ فيه.
وإن لم يَتَّحدا كذلك فلا يخلو أن يتحد العاملان في الجنس أَوْلاَ، فإن اتحدا في الجنس بحيث يكونان فعلين أو اسمين أو حرفين، فإمَّا أن يتفقان في معنى عاملٍ ثالث يعبَّر به عنهما أَولاَ.

فإن لم يتفقان في ذلك فلا أذكر خلافاً منصوصاً في منع هذا، نحو: هل جاءَ زيدٌ فيكرمَه عمروٌ العاقلان، وجاء زيدٌ فهل أتاكَ أخزه العَاقلان؟ ووجه المنع ما ذكره سيبويه في مسألة: مَنْ عبدُ اللهِ وهذا أخوه الرجلان الصالحان، لأنك خلطت مَنْ تَعْلَمُ ومَنْ لا تَعلم، فجعلتَهما بمنزلة واحدة في النعت.
وذلك متدافِع، وقد تقدم ذلك 1. وإن اتفقا في معنى عامل ثالث فالخليل وسيبويه يجيزان الإتباع، لأنهما أجازا: ذهبَ أخوك، وقَدِمَ عمرو الرجلان الحليمان، وهذا أبوك، وأنا أخوك الفقيران 2. ومنع ذلك الناظم، وهو رأي المبرّد والزجَّاج وابن السَّراج وجماعة 3. وحجةُ المجيز أن مذهب عمل الفعلين واحد وإن اختلف معناهما، لأنهما قد يجتمعان في معنى فعلٍ ثالث.
ألا ترى أنك إذا قلت: قامَ زيدٌ، وقعَد عمروٌ العاقلان، في معنى (اخْتَلَفا) فقد رجعا إلى معنى فعلٍ واحد يعمل في المنعوتين، فيصحُّ الإتباع، فكأنا قلنا في المسألة: فَعَلَ أخوك وعمروٍ الرجلان الحليمان هذين الفِعْلَيْن.

وهذا الاعتبار/ بعيدٌ بالنسبة إلى العمل المذكور، لأن المحذور فيه موجود من غير... 604 ضرورة تدعو إلى ذلك، فإنهم اتفقوا على منع عملِ عاملين في معمول واحد من غير أن يكونا في التقدير واحداً.
وهذا إنما يتأتَّى في مسألتنا، إذ الفَرضْ أن معنى العاملين مختلِف لا مُتَّفِق، وكونُهما في معنى عامل ثالث، أو يُقَدَّران بمعنىً عامٍّ- بعيدٌ عن الاتحاد، فصارا كفِعْل مبتدأ أو كفعل وحرف.
وإذا كان ذلك غير جَائز فيه الإتباعُ فكذلك ما في معناه.
وقد أشار السيرافي إلى أن القياس المنع 1. وإن لم يتحد العاملان في الجنس فالجمهور على المنع، ونقل الفارسي في ((التذكرة)) عن الجرمي أنه يجيز: هذا رجلٌ، وجاءني عمروٌ الظريفان، ومررتُ بزيدٍ، وهذا ثوبُ عمروٍ المحسنَيْنِ.
قال الجرمي: وكان الخليل يكره ذلك، وهو جائز، لأن الرفع للصفة أنها صفةٌ لرَفْعٍ رفعتَه، والجَّر لأنها صفة لجَرٍّ جررتَه، والنصبَ لأنها صفةٌ لنصب نصبتَه، فلما كانت العلة فيه واحدة أُجريت كذلك.
قال الفارسي: كأنه يذهب إلى أن العامل في الصفة كونُها وصفا، كما ذهب إليه أبو الحسن.
وإذا كان كذلك فاختلافُ العوامل غير مؤثر اتحاد العامل.
ورُدَّ هذا، مع تسليم أن العامل في النعت ما ذكَر من التبعيَّة، أن النعت داخلٌ فيما دَخل فيه المنعوت من جهة المعنى، فنعتُ الفاعل فاعلٌ في المعنى.
ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيدٌ العاقلُ، فكأنك قلت: قام

العاقلُ وإذا قلت: هذا محمدٌ العاقلُ فهو في تقدير: هذا العاقلُ، فالنعت هنا خبرٌ في المعنى.
فلو أتبعتَ في قولك: هذا زيدٌ وقام محمدٌ العاقلان لكان (العاقلان) من حيث هو تابعٌ للخبر خبرا، ومن حيث هو تابعٌ للفاعل فاعل.
وهذا غير جائز، أن يرتفع اسمٌ واحد من جهتين مختلفتين.
وأيضاً فلو اعتُبر وصفُ التبعيَّة دون العامل لجاز الإتباع في قولك: ضرب زيدٌ عمراً العاقلَيْن، (لأن وصف التبعيَّة موجودٌ دون العامل، ولقلت: جاء زيد، ورأيت عمراً العاقلين كذلك) 1 وهذا باطل باتفاق.
فإن قيل: المانُع هنا اختلافُ التبعيَّة بخلاف مسألتنا- قيل: فيلزم أن تقول: هذا زيدٌ، ومَنْ محمدٌ العاقلان؟ لأن التبعية مُتَّفِقة، ولا اعتبار عنده بالعامل.
وهذا كله غير مستقيم.
فالصحيحُ ما رآه الناظم والجمهور.
هذا كله مع اتحاد العمل.
فإذا اختلف العمل فلا أعلم خلافاً في منع الإتباع إلا في مسألة واحدة، وهي فيما إذا كان العاملان كلُّ واحد منهما من أفعال (المفاعلة) حتى يكون مرفوعُه في معنى المنصوب، وبالعكس، فإن النقل عندهم جوازُ نحو: ضارَبَ زيدٌ عمراً العاقلان أو العاقلَيْن، على الإتباع فيهما، لأن كل واحد من المرفوع والمنصوب في تقدير صاحبه وفي معناه، فكأنهما مُعربان بإعرابٍ واحد.
وما يدل على صحة هذا القياس أن العرب تعامل المرفوع في باب (المفاعلة) معاملةَ المنصوب، حتى إنها ترفع فاعِلَيْن، وتنصب مفعولَيْن مع/ الاستغناء عن الفاعل، فتقول:... 605 ضارَب زيدٌ عمروٌ، وضاربَ زيداً عمراً،

فمن الأول ما أنشده سيبويه لأَوْس بن حَجَر 1: تُوَاهِقُ رِجُلاَهَا يَدَاهَا ورَأْسُهُ لَهَا قَتَبُ خَلْفَ الحقَيِبةِ رَادِفُ فرفع ((رِجْلاَها ويَداهَا)) معاً، اعتباراً بأن كل واحد منهما فاعلٌ مفعولٌ.
ومن الثاني قول الآخر، أنشده سيبويه أيضا 2: قَدْ ساَلَمَ الحَيَّاتِ منه القَدَمَا روُى بنصب ((الحَيَّاتِ)) و ((القَدَم)) منصوب، ولا فاعل لـ (ساَلَمَ) اعتباراً بما تقدم.
فإذا كان كذلك فلا محذور في جَرَيان النعت على ذلك التقدير، ويتخرَّج الجوازُ في العاملين على المعمول الواحد، فيجوز أن تقول: ضارَبَنِي زيدٌ، وضارَبْتُ عمراً العاقلان، والعاقلَيْن، لأنه في تقدير: ضاربَنِي زيدٌ، وضَاربنِي عمروٌ العاقلان، أو ضاربتُ زيداُ، وضاربتُ عمراً العاقلين.
وهذا أَوْلَى بالجواز من مسألة العامل الواحد، فإن الاعتبارين يتضادَّان مع العامل الواحد، ولا يتضادَّان مع العاملين.
والصحيح عدمُ الجواز في الجميع، لأن معنى التبعيَّة الموافقةُ في الإعراب،

إمَّا بحسب اللفظ، وإمَّا بحسب الموضع، وليس شِيء منهما هنا، وإنما ذلك اعتبارٌ معنوي لا قياس له، ولا سماعَ يُقاس على مثله.
ومِثْلُ البيتين شاذٌ لا يُقاس عليه، ولا يَلزم، من القياس على البيتين لو كان، القياسُ هنا، لأنه مناقضٌ لوضع التبعيَّة.
وكلُّ قياس أَدَّى لنقض الغرض ممنوع كما تقدم في مواضع.
ورُد أيضاً بأنه لو جاز مثلُ هذا لجاز أن تقول: ضارَبَ زيدٌ هنداً العاقلةُ برفع ((العاقلة)) على المعنى، لأن ((هِنْداً)) فاعلةٌ من جعة المعنى.
ولجاز أن تقول: ضاربَ زيدٌ هنداً العاقَلَ، بنصب (العاقل).
وهذا كله غير جائز، وإذا لم يجز في الانفراد فكذلك في الاجتماع من غير فَرْق مُؤَثِّر.
ولو وَرد في النقل مثلُ قولك: ضاربَنيِ زيدٌ، وضاربتُ بكراً القائمان أو القائمَيْن- لكان مقطوعاً لا تابعاً.
فإن قيل: فلم جاز نصبُ الحال منهما نحو: ضربتُ زيداً قائمَيْنِ، ولقيتُه راكبَيْنِ، قال عَنْتَرة 1: مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ وقد تقدم ذلك.
فالجواب أن حالَ (الحالِ) أخفُّ، إذ لا يُطلب فيه تَبِعَيَّة، والحمل فيه على المعنى سائغ، إذ لا مُعارِضَ له.
وأما (النعت) فوصفُ التبعيَّةِ فيه لازم، فلابد من اعتباره، وهو مناقض للجواز في القياس، فلم يصلح للقول بهز والله أعلم.
وأما قوله: ((بِغَيْرِ اسْتِثْنَا)) فتنكيتٌ على من خَصَّ هذا الجواز المذكور

المشروط بنعت المبتدأَيْن والفاعلَيْن.
وذلك أن سيبويه إنما تكلم بالنص على ذلك، فأوهم الاختصاص.
قال في ((الشرح)): وفي كلام سيبويه ما يُوهم منعَ جواز الإتباع عند تعدد العامل في غير مبتدأَيْن وفاعلَيْن، فإنه قال بعد أن مثل بـ (هذا فرسُ أَخَوَىْ ابْنَيْكَ العُقَلاءِ الحُكماءِ 1) ثم قال: ولا يجوز أن يُجْرَي وصفاً لما انجرَّ من وجهين، كما لم يَجُزْ فيما اختلف إعرابُه 2. ثم قال: وتقول: هذا عبدُ اللهِ، وذاك أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا/ من وجه واحد، وهما اسمانُ... 606 بُنِيَا على مبتدأَيْنِ، وانطلقَ عبدُ اللهِ، ومَضَى أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا بفعْلَيْن 3. قال المؤلف 4: فمن النحويِّين من أخذ من هذا الكلام أن مذهبه تخصيصُ نعتِ فاعلي الفِعْلين، وخبري المبتدأَيْن بجواز الإتباع.
والأَوْلَى أن يُجعل مذهبه على رَفْق ما قررتُه قبل، يعني من عموم الجواز في وجوه الإعراب كلها.
قال: لأنه مَنع الاشتراكَ في إعراب ما انْجَرَّ من وجهين، كما هو في (هذا فرسُ أخويِ ابنْيكَ) وسكت عن المجرورَيْن من وجهٍ واحد، وعن المنصوبَيْن من وجهٍ واحد، فعُلم أنهما عنده غيرُ ممتنعَيْن.
قال: ويعضِّد هذا التأويلَ قولُه في: هذا عبدُ الله وذاك أبوك الصالحان، لأنهما ارتفعا من وجه واحد 5. انتهى كلامه.
والظاهر تعميمُ الحكم كما قال، إذ لا فرق في القياس بين قولك:

ذهب زيدٌ، وانطلق عمرٌ العاقلان، وقولِك: أحببتُ زيداً، ووَدِدْتُ عمراً العاقلين.
وقولك: مررتُ بزيدٍ، ومررت بعمروٍ العاقلين.
فإذا جاز الأول جاز هذا، وهو ظاهر.
وقد اختلفوا في اختلاف جنس العامل في الجر: هل هو مانع من الإتباع أم لا، فالجمهور على أنه مانع.
ومذهب الجَرْمي أنه غير مانع، وقد تقدم.
واختلفوا أيضاً في حَرْفَيِ الجر المختلفين، والإضافتَيْن مختلفين، هل ذلك كاختلاف جنس العاملين أم لا، على قولين.
فمنهم من عَدَّهما كاختلاف الجنس.
وذهب الأخفش في الإضافتين إلى جواز إتباع نعت مجرورهما.
وعَلَّل ذلك بأننَّ جرَّ جميعها بالإضافة، فتقول على مذهبه: هذه جاريةُ إحدى ابْنَيْنِ لفلانٍ كِرَامٍ، وهذا فرسً أَخَوَيِ ابْنَيْكَ الحُكماء، وما أشبه ذلك.
ورُدَّ بأن هذين الجَرَّيْن لا تستطيع على جمع حكميهما بوجه من وجوه الإفراد ولا الجمع، ولا الإشراك، كما ساغ ذلك في الفعلين وفي المبتدأين.
وذهب ابن الباذِش إلى أن قياس الحرفين المختلفين نحو: مررتُ بزيدٍ، ودخلتُ إلى عمروٍ أن يكونا مثلَ الفعلين، وفَهِم من الكتاب أن سيبويه يجيزُ ذلك.
والأظهرُ المنع، لأن ما يَسُوغ في الفعلين، من جمعهما في فعل واحد، واشتراكهما في معنىً ما لا يسوغ في الحرفين، لأن معانَي الأفعال تقبل

الاجتماع في معنى فِعْلٍ آخر، ويدل معنى الفعل على معنى فعل آخر، وإن لم يكن بمعناه من كل وجه، وليس الحرف كذلك.
وكذلك الإضافتان ليستا كالفعلين في هذا، بل كالحرفين.
وأيضاً فعاملا الجِّر، إذا لم يتفقا في المعنى اتفاقَ التماثل أو الترادف، لم يصح أن يُعاملا معاملة العامل الواحد.
أمَّا إن اتفقا نحو: مررتُ بزيدٍ، ومررت بعمروٍ العاقلين، أو ترادفَا نحو: سِيق المالُ لزيدٍ، وإلى عمروٍ العاقلين فجائزٌ الإتباعُ لموافقة الشرط، وكذلك في الإضافة.
المسألة الثالثة: فيما عسى أن يرد عليه من الاعتراضات في هذا الحكم، وذلك أنه قَرَّر أن الإتْبَاع بالشرطين المذكورين صحيح، فمقتضى ذلك أنهما إذا تخلفا أو/ تخلف أحدهما... 607 فلابد من القطع.
أما صحة الإتباع مع وجود الشرطين ففيه نظر، فإن الناس يشترطون في ذلك شروطاً أُخَرَ زائدةً على ما ذَكر، وهي الاتفاق في التعريف أو التنكير، أعني المنعوتَيْنِ، فلا يجوز أن تقول: جاءني رجلٌ، وجاءني زيدٌ العاقلان، ولا عاقلان، لما يلزم من نعت النكرة بالمعرفة أو بالعكس.
ولكَوْنُ النعت جارياً على نكرة مطلوبِ التنكير، وكونُه جارياً على معرفة مطلوبِ التعريف، فاجتمع عليه الضدان من جهة واحدة فلا يصح.
وأَلاَّ يكون أحد المنعوتَيْن، وهما المعمولان، اسمَ إشارة، فلا يجوز أن تقول: جاءني عمرو العاقلان، لما يلزم من الفصل بين المبَهم ونعته، وذلك لا يجوز، إذ لا يقال: جاء هذا من الدارِ الرجل، كما تقول: جاء زيدٌ من الدارِ العاقلُ، ولا يجوز ايضاً إن اخَّرتَ اسمَ

الإشارة، لأنه إذا نُعت بالمشتق فهو على حذف الجامد، والاسمُ الظاهرُ غير المبهم إذا نعت بالمشتق فليس على حذفِ جامد، فتدافع الأمران فامتنع.
وكذلك لا تقول: جاءني هذا، وجاءك ذاك الرجلان، للفصل اللازم.
وكذلك امتنع أيضاً في جمع المنعوت وتفريق النعت أن تقول: مررتُ بهذين الرجلين والمرأةِ.
ومررت بذَيْنك الطويلِ والقصيرِ.
وهو ايضاً مما يَرِدُ عليه في الفصل قبل هذا حيث قال: ((ونَعْتُ غيرِ واحدٍ إذا اخْتَلَفْ فَعَاطِفاً فَرِّقْهُ لا إذَا ائْتَلَفْ)) فإنه يقتضي جواز هذه المسألة وهي غير جائزة.
وقد عُلِّل ذلك بأوجه؛ منها أن النعت يربطه بالمنعوت الضميرُ العائد عليه من النعت، فجاز أن يجيء النعت مُشَاكِلاً للمنعوت في التَّثْنية، وأَلاَّ يأتي كذلك، بخلاف نعت الإشارة، فإنه بالجامد إمَّا لفظاُ وإما تقديرا.
والجامد لا ضمير فيه، فلم يبق رابط إلا المشاكلة، فلا يصح أن يقال: مررت بهذين الطويلِ والقصيرِ، ولا بهذين الرجلِ والمرأةِ.
وعلى هذا أيضاً يمتنع ما تقدم، لأن قولك: جاءني هذا، وجاءك ذاك الرجلان، أو مررتُ بزيدٍ، ومررتُ بهذا العاقلان- قد فُقدت فيه مناسبةُ النعت لاسم الإشارة فالحاصل ثبوتُ الاعتراض على المسألتين معاً، فإن إطلاقه فيهما يقتضي حكماً غير صحيح.
وأما كونُ أحد الشرطين يوجب القَطْع، أعني قطعَ النعت إلى الرفع أو النصب، فذلك غير صحيح على الإطلاق، بل ذلك على ضربين.
أحدهما أن يكون كلا المنعوتين في جملة خَبَرية، أو جملة غير خَبَرية نحو

هذا عبدُ الله، وهذا زيدٌ العاقلان، ومَنْ عبدُ الله، ومَنْ زيدٌ العاقلان؟ وسائرِ ما كان مثلَ ذلك.
فالجميع يجوز فيه الإتباع.
فإن تخلَّف شرطٌ فالقطعُ نحو: مَنْ جاءكَ ـخوه ومَنْ ضَربك ابوه العاقلَيْن، وجاء زيدٌ وأكرمك عمروٌ العاقلين، ونحو ذلك.
والثاني/ أن يكون أحدهما في جملة خَبَرية، والآخر في جملة غير خبرية نحو: جاء زيدٌ، 608 وهل جاء أخوه الصالحان أو الصالحين؟ ونحو: أكرمتَ أخاك، وهل أكرمتَ أباك الصالحان أو الصالحين، فلا يجوز هنا الإتباعُ ولا القطعُ، فقد منع سيبويه أن تقول: مَنْ عبدُ الله وهذا زيدٌ الرجلين الصالحين، رفعتَ أو نصبت كما تقدم 1، لأن الاستفهام يستلزم الجهلَ بالصفة، والخبُر يستلزم العلمَ بها من حيث هو ممدوح، فيجتمع في الصفة العِلْمُ والجهلُ معا، وكلام الناظم يقتضي جواز ذلك إذ لم يُقَيِّده.
ووجهٌ آخر من الاعتراض، وهو أنه ذَكر جمعَ النعوت مع كون عامل المعمولين متعدداً، ولم يذكره مع كونه مُتَّحدا، فإن مثل هذا حَرٍ 2 بأن يُذكر حكمُه هنا، إذ هو كثير الاستعمال، ومن جلائل النحو، وذلك أنك لا تقول: ضربَ زيدً عمراً العاقلان، ولا العاقلين، لاختلاف العمل، ويجوز مع العطف إذا قلت: جاء زيدٌ وعمروٌ العاقلان، كما تقدم 3.

ويبقى النظر في نحو: أعطيتُ زيداً الغلامَ العاقلين، واخترتُ الرجالَ زيداً العُقَلاء، وكسوتُ زيداً الثوبَ الطويَليْن، وأعْلَمتُ زيداً أخاك العاقَليْن شاخصاً، وما أشبه ذلك.
فيمكن أن يكون الإتباع فيها جائزاً أو ممتنعا، ولم يبيِّن ذلك، ولا أشار إليه، فكان الفَصْل قاصراً.
وقد يُجاب عن ذلك بأن الشرط الأول لا يُحتاج إليه هنا، لأنه قد قَدَّم اشتراط ذلك أولَ الباب، وهو لا يختص بمسألة دون أخرى، فهذه المسألة داخلة تحت مقتضى شرطه، لأن ((العاقلَيْن)) أو ((عاقلَيْن)) في قولك: مررتُ برجلٍ ومررتُ بزيدٍ العاقلين، أو عاقلَيْن- قد جرى ما لا يوافقه في تعريفه أو تنكيره، فلم يصح في الإتباع.
وأما مسألة ((اسم الإشارة)) فإن المؤلف يُجيز نعته بالمشتق، وظاهره أنه ليس على حذف الجامد، فعلى هذا يمكن أن يُجيز: جاء عمروٌ، وجاء هذا العاقلان، وأن يُجيز: مررتُ بهذين الطويلِ والقصيرِ، كما يجوز: مررتُ بالرجلين الصالح والطالح، لأن المشتق عنده مع اسم الإشارة ليس على تقدير الجامد، فلا يُعترض بها عليه.
وإن كان الجاري على اسم الإشارة جامداً فليس بنعتٍ عنده، وإنما هو عطفُ بيان، وهو رأي لبن السَّيد وغيره 1، فلا تدخل له مسألةُ الجامد في هذا الباب، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
والجواب عن مسألة القَطْع أنه قال اَتْبَعْ كذا بشرط كذا، فالمفهوم أنه إذا لم تتوَفَّر الشروط لا يُتْبَع، ونفُي الإتباع لا يستلزم إثباتَ القطع لأنه أعمُّ من ذلك،

إذ قد يَصْدُق على مسألة سيبويه أنها لا إتباعَ فيها 1، لأن الإتباع وغيره ممتنعٌ فيها، لكن يبقى فيه أنه لم ينص على ما يكون من الحكم مع تخلف الشرط.
نعم يتوجَّه الاعتراضُ عليه على وجه آخر، وهو أن للإتباع شرطاً آخر لم يذكره، وهو ألا يكون أحد المعمولين في جملة خبرية، والآخر في جملة غير خبرية، فهذا الشرط لابد منه، وإلا لزم جوازُ ما مَنع سيبويه/ حسبما يقتضيه كلامه،... 609 وذلك غير صحيح.
والعذُر أن المسألة من النوادر التي لا يذكرها إلا القليل.
وقد أغفل ذكَرها في ((التسهيل)) وكان من حقه أن يذكرها هنالك، وهنا ليست من الضروريات.
وأما الثالث فإنه أغفل ذكر ذلك القِسْم رأساً، فيمكن أن يكون تَرَكه للاستغناء عنه، أمَّا عند اختلاف العمل فظاهرٌ المنعُ مِمَّا شَرطه في قوله: وَحِيَديْ مَعْنىً وَعَملٍ)) لأن العلة واحدة في الوجهين.
وأما مسألة (أَعْطَيْتُ) وما ذُكر معها 2 فهي من المسائل المُغْفَلة التي لا أعلم أحداً ذكر لها حكماً مخصوصا بجوازٍ أو مَنْع، فلم يتعرض لها هنا كما لم يتعرض لها في غير هذا الكتاب.
فإن قلت: فما حكمُها؟ قيل: ليس هذا من مقاصد الشرح، وفيها نظر.
والظاهر فيها منعُ الإتباع، وقد يَظهر وجهُ المنع مما تقدَّم في تفضيل المسألة قبل هذا، فتأمَّله.

وإِنْ نُعوتُ كَثُرَتْ وقَدْ تَلَتْ مُفْتَقِراً لذِكْرِهِنَّ أُتِبْعَتْ واقْطَع أَوَ اتْبِعْ إنْ يَكُنْ مُعَيَّنَا بَدُونِهَا أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا يريد أن النعوت إذا كَثرتُها أن تكون أكثر من واحد، وهو اصطلاح أهل العَدَد حيث يقولون في حَدِّ العَدَد: إنه الكثرةُ المؤلَّفة من الآحاد، ولا يريد الكثرةَ في اللغة 1، بل معنى التعدُّد.
وهذا، وإن كان خلافَ اصطلاح أهل العربية، متعيِّن في الموضع.
فلا يخلو أن يكون المنعوت، وهو الذي تَلَتْه النعوت، مفتَقراً لذكرها كلِّها أو غيرَ لشٍيء منها، أو مفتقِراً لبعضها دون بعض، فهذه ثلاثة أحوال: فأَمَّا الحالُ الأولى، وهو أن يكون المنعوت مفتقِراً لذكرها كلِّها- ومعنى افتقارِه إليها أن تَتوقف معرفةُ المنعوت عليها، فلا تحصل معرفتُه في ظن المتكِّم إلا بها- فالذي نَصَّ عليه الناظم أنها تُتْبَع كلُّها، ولا تُقْطَع هي ولا شيءٌ منها، وذلك قوله: ((وقَدْ تَلَتْ.. مُفْتَقِراً لذِكْرِهَّن أُتْبِعَتُ)).
وإنما لزم إتباعُها لأن القطع يُقصد به تكثيرُ الجمل، والإطنابُ في مدح أو ذم أو ترحُّم، وذلك إنما يكون بعد معرفةِ المنعوت والاستغناءِ عن بيانه.
فأمَّا إذا كان القصد البيانَ، لأنه لم يُعَرَّف بعدُ، فلابد من البيان، لأن النعت حينئذ من تنام المنعوت، وكالجزء منه، أَلا ترى إلى قول سيبويه: زيدٌ الأحمرُ عند مَنْ لا يعرفهُ بعينه كزيدٍ وحدَه عند مَن يعرفه 2. فإذا كان من تمامه

فلا يصح إذاً أن يخالفه في الإعراب، لتنزُّله حينئذٍ منزلَة آخر المنعوت، فكما لا يصح قطعُ المنعوت عن اقتضاء العاملِ الأولِ فيه إعراباً معيَّناً، كذلك لا يصح فيما هو كالجزء منه، وهذا واضح، فتقول: مررتُ بزيدٍ الخياطِ القرشيِّ، وائتِني برجلِ مسمٍ عربيٍّ كاتبٍ فقيهٍ حاسبٍ، وما أشبه ذلك، ولا تَقْطع.
وأما الحالُ الثانية، وهي أن يكون المنعوت غَير مفتِقر في معرفته إلى شيء من تلك النعوت- وهو معنى كونه معيَّناً بدون النعوت، أي معروفاً قبل ذكرها- فلك فيه ثلاثة أوجه، كلها جائزٌ أوجه، كلها جائزٌ داخلٌ تحت/ قوله: ((واقَطْع أَوِ اتِبْع)) إلى آخره.
610 أحدها قطعُها كلِّها إلى الرفع، فتقول: مررتُ بزيدٍ الفاضلُ الصالحُ العالمُ، أو إلى النصب فتقول: مررت بزيدٍ الفاضلَ الصالحَ العالمَ، ومنه قول الخرِنْقِ، أنشده سيبويه 1: لا يَبْعَدنُ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ النَّازِليَن بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيبَّيِن مَعَاقِدَ الأُزْرِ

فعلى تقدير ان يكون ((الذين هُمُ)) في موضع نصب لا يكون شاهدا 1. ويُنْشَد هكذا 2 النَّازلُونَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ برفع الجميع.
والثاني أن تُتبعها كلَّها فتقول: مررتُ بزيد الفاضل الصالح العالم، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكَ يْومِ الدِّينِ﴾ 3 وفي الشعر قولُ الراجز أنشده سيبويه 4: بأَعْيُنٍ مِنْهَا مَليحات النُّقَبْ شَكْلِ التِّجَارِ وحَلاَلِ الْمكْتَسَبْ وأنشد أيضاً لمالك بن خُوَيْلد الخُناعي 5:

يامَيَّ لا يُعْجِزُ الأيَّامَ ذُو حِيدٍ في حَوْمَةِ الموتِ رَزَّامٌ وفَرَّاسُ يَحْميِ الصَّريمةَ أُحْدَانُ الرِّجالِ له صَيْدٌ ومُجْتَرِئٌ باللَّيْلِ هَمَّاسُ ويحتمل القطع.
والثالث أن تُتْبع بعضاً دون بعض، وهو نَصُّه حين قال: ((أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا)) فتقول: مررتُ بزيدٍ العاقلِ الفاضلُ.
وقد أُنْشِد بيتُ الخرِنْقِ هكذا 1: النَّازِلوُن بكلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبينَ معاقدَ الأُزْرِ وبالعكس 2 وأنشد سيبويه قولَ ابن خَيَّاط العُكْلي 3: وكلُّ قومٍ أَطاعُوا أمَر مُرْشِدِهمْ إلاَّ نُمَيْراً أَطَاَعَتْ أمرَ غاوِيَها

الظَّاعِنيِنَ وَلَمَّا يُظْعِنُوا أحداً والقائِلُونَ لِمَنْ دار نُخَلَّيهَا قال سيبويه: ومن العرب من يقول: الظَّاعِنُون، والقائِلَين 1. وهذا من القسم الذى قبل هذا.
وأَنشد أيضاً لأمَيَّة بن أبى عائذ 2: وَيأْوِى إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثاً مَراضيعَ مثلَ السَّعَالِى وإنما جاز القطع مبالغةً فى المدح أو الذم، لأنه يَستلزم تكثيرَ الجمل المتضمِّن للإطناب فى وصف المذكور، فوصفُه بجملٍ كثيرى أبلغُ من وصفه بجملة واحدة.
وأيضاً فإن العِلْم به يُؤذن بالاستغناء عنه، فقَطَعوا إيذاناً بذلك، ليعرِّفوا أن المنعوت مستغنٍ عن نعته.
وكأن تعليق حكم القَطْع على العِلْم فى قوله: ((واقَطْع أو اتْبِعْ إن يَكُنْ معيَّناً بدونها)) يُرشد إلى هذا الوجه الثاني من التعليل.
قال سيبويه: وزعم الخليل -رحمة الله- أن نصب هذا - يَعنى ما تقدَّم من القطْع - على أنك لم تُرِد أن تحدِّث الناس، ولا مَنْ تُخاطب، بأمرٍ جهلوه، ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمتَ، فَجعَله تعظيماً وثناء، إلى آخر ما

قال 1. وأما الحالُ الثالثة، وهو أن يكون المنعوت مفتقِراً إلى بعض النعوت دون بعض فحكمُها إمَّا مأخوذُ من قُوَّة كلامه في الحالين الأَوَّلَيْن، وذلك أن يُتْبَع ما كان مفَتَقَراً إليه، ويُخيَّر في الباقي، فتقول: مررتُ بزيدٍ الخَيَّاطِ الصالح الفاضل.
فـ (الخَيَّاطُ) مثلاً لازمُ الإتباع لأنه مفَتقر إليه في بيان المنعوت، ولك في (الصالح، والفاضل) الأتباعُ والقطعُ.
لكن يبقى النظرُ في تقديم المفَتقَر إليه مسكوتاً عنه.
ولابد من تقديمه/ لأنه لا... 611 يجري نعتُ المدح والذم والترحُّم إلا بعد معرفة صاحبه.
ولعل الناظم سكت عن هذا لأنه ظاهر المعنى.
وقد ذهب ابن الناظم في ((شرحه)) 2، إلى أن هذه الحالة الثالثة هي المرادة بقوله: ((أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا)) كأنه يقول: وإن يكن المنعوت معَنَّياً ببعضها فاقْطَعْ ما سواه.
وهذا التفسير لا يَظهر، إذ لو أراد الناظم ذلك لقال: أو بَعْضها اقَطْع معلِناً إن كان معيَّنا بالبعض الآخر، ولم يقل ذلك، فإنَّما قوله: ((أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا)) راجع إلى القسم الأخير، وهو أن يكون المنعوت معيَّنا بدونها كما تقدم.
ويَدخل حكمُ الحالة الأولى تحت معنى العبارة، لأن ما تأتي به من النعوت المفتَقَر إليها يَشمله قوله: ((وقَدْ تَلَتْ مفتِقراً لذِكْرِهَّن)).
وما يأتى به مما هو معيَّن بدونها يَشمله قولهُ: ((إنْ يَكُنْ معيَّناً

بدوُنِها)) فظهر مراده، وبالله التوفيق.
وقوله: ((مُعْلِنَا)) أي مبيِّناً ذلك، ومصرِّحاً به، وظاهره أنه فَضْل، ولكنه يمكن أن يكون تنِكْيتاً على رأي مَن رأى أن القطع لا يأتي إلا بعد الإتباع، فعند هذا القائل لا يجوز: مررتُ بزيدٍ الكريمِ الفاضل، برفعهما معاً، أو نصبهما، أو رفع أحدهما ونصب الاخر، بل اللازم إتباعُ الأول وقطعُ الثاني.
وهذا غير مَرْضِيٍّ، فقد حكى سيبويه: الحمدُ للهِ الحميدَ، والحمدُ للهِ أهلَ الحمدِ 1، بالقَطْع ولم يتقدم مُتْبَع، وأنشد للأخطل 2: نَفْسِي فِدَاءُ أميرِ المؤْمنيِنَ إذا أَبْدىَ النَّوَاجِذَ يومٌ باسِلٌ ذَكَرُ الخائضُ الغَمْرَ والمَيْمُونُ طائِرهُ خليفهُ اللهِ يُسْتَسْقَى به المَطَرُ وقد تقدم إنشاد بيت العُكْلى 3: وكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ مُرْشِدِهمْ

وهو كثير، فلا مُسْتَنَد لهذا القول ولا سَلَف.
فكأن الناظم يقول: اقطع الجميعَ أو أَتْبِعْها، أو اقطع بعضاً دون بعضٍ مُعْلِناً بذلك من غير قَيْد، فالجميع جائز.
ولا فرق في ذلك بين المعرفة والنكرة، بل يجوز أن يقال: مررتُ برجلٍ عالمٍ صالحٌ، كما تقول: مررتُ بزيدٍ العالمِ الصالحُ.
ثم على كلامه سؤالات، أحدها أن الذي يَتْبع من النعوت ثلاثةٌ، نعتُ البيان المنبَّه عليه، وهو المفتَقَر إليه.
ونعت التوكيد نحو قوله تعالى ﴿فَإذِاَ نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحدَةٌ﴾ 1، ﴿وقَاَل اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثنَيْنِ﴾ 2، ونحو ذلك وهذا مُتَّفَق على منع القطع فيه.
وما وُضع من النعوت على اللزوم نحو: مررتُ بهم الجَمَّاءَ الغَفِيرَ، وطَلَعَتِ الشَّعْرىَ العَبوُرُ 3. وهذا أيضاً مُتَّفَق على منع القطع فيه.
وأما القسم الأول فالظاهر من كلام النحويين لزوم الإتباع أيضا، إلا أن ابن أبى الرَّبيع 4 أجاز فيه القطعَ إلى النصب بإضمار فعل، وإلى الرفع

بإضمار مبتدأ، ويجوز إظهارُهما، كأنه على تقدير سؤال سائل يقول: مَنْ تَعْنِى؟ أو مَنْ هو؟ إذ لم تَبْنِ الكلامَ على ذكر النعت، لاعتقادك أن المخاطب يعرف مَنْ ذَكره، ثم يبدو لك أنه لا يعرفه، فتقول: مررتُ بزيدٍ الخياطَ، والخياطُ.
وإن شئت قلت: أعني الخياطَ، أو هو الخياطُ 1. وما قاله ابن أبى الربيع ليس بمخالف/ لما تقدَّم من لزوم الإتباع، بل هو موافق لغيره.
612 وثَمَّ نوعٌ رابع يَلزم فيه الإتباعُ أيضاً، وهو نعت المشار إليه، نحو: مررتُ بهذا الفاضلِ وذلك الصالحِ، وما أشبه ذلك.
وقد تقدم رأيهُ في نعت الإشارة بالمشتق 2. فالظاهر من كلام الناظم جوازُ القطع فيها كلِّها، وهو خلاف ما قاله الناس.
وثَمَّ أنواعٌ أُخَر يلزم فيها الإتباع أيضاً لا تَعْسُر على مَن طَلبها، لكنها قليلة الاستعمال فلذلك لمُ تذكر هنا.
وعلى الجملة فالشروط المذكورة في جواز القطع أربعة: أحدها أن يكون النعت للمدح أو الذم أو الترحُّم، فإن كان لغير ذلك لم يجز القطع إلا على ما قاله ابن أبى الربيع، وليس ذلك من القطع المذكور في ((باب النعت)).
والثاني ألا يكون نعتُ المدح أو الذم الترحُّم خاصاً بمَنْ جرى عليه، لا يَليق بغيره، فإنه إذا لم يكن خاصاً كان القطع جائزاً بإطلاق،

بل هو عندهم الأفصح.
فأما إذا كان خاصاً بمن جرى عليه في المعنى فالإتباع هو الوجه الشائع، والقطع قليل.
ويَطَّرِد هذا في صفات الله تعالى، لاَ يتَّصِف بها غيرهُ، كقوله: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَميِن الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ 1، فإن الجرَيان هنا على الموصوف هو الشائع.
ولذلك لم يَقْرأ في بعضها بالقطع إلا قليلٌ.
ومنه قوله تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَليِمِ غَافِر الذَّنْبِ وقَابِل التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَاب ذىِ الَّطْولِ﴾ 2. ومثل هذا في القرآن كثير جدا.
وفي الشعر قولُ عَمْرو بن الجَمُوح 3: الحمدُ لِلَّهِ الغنيِّ ذِى المِنَنْ الواهبِ الرزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ وهذا الشرط نَبَّه عليه سيبويه في قوله: وسمعنا بعضَ العرب يقول: ﴿الحمدُ لَلَّهِ رَبَّ العَالَمِينَ﴾ فسألت عنها يونس، فزعم أنها عربية 4. وبَسْطُ وجه ذلك ذَكره ابن الزُّبَيْر الأندلسي شيخُ شيوخنا 5 في كتابه ((مِلاَك الَّتْأوِيل)) وهي من مسائله الحِسَان.

والثالث أن لا يَبْنى المتكلمُ كلامه على ذكر الصفة، وإنما يبدو له ذكرُها بعد شروعه في التكلم، فُيخرجها مُخرج الجواب على سؤال، فيَقطعها على ما يقدِّر السؤال، فيرفعُها أو ينصبُها، فإنه إذا ابتدأ كلامَه قاصداً ذكرَ الصفة أولاً لم يكن بُدٍّ الاتباع، لأن بناءه على ذكرها أولاً يَقتضي إجراءها عليه.
والقطُع نقيضُ ذلك، إذ هو مقَتضٍ للاستئناف، لأن الصفة مع المقدَّر تصير جملةً مستقلة لا موضعَ لها من الإعراب.
وهذا شأن الجمل المستأنَفة.
ونظير ذلك الظنُّ في الغاية وعدم الغاية كما تقدم، و (أَوْ) مع (إمَّا) في الشك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى 1. وهذا الشرط نَصَّ عليه ابن مَلْكون في ردَّه على الصَّيْمري 2، وهو ظاهر المعنى فلا ينبغي إهماله.
والرابع ما ذكره الناظم من تقدُّم/ العِلْم بالمنعوت دون النعت، فنقصه ذكر ثلاثة شروط، 613 واقتصر على واحدٍ لا يفي بمعني ما ترك.
والسؤال الثاني: أنه يقتضى جوازَ الاتباع والقطع كيف كان، من تقديم المُتْبَع أو تأخيره.
وذلك ممنوع؛ بل الإتباعُ بعد القطع لا يجوز، فلا يقال: مررتُ بزيدٍ الفاضلُ الصالحُ الحسيبِ، وعُلَّل ذلك بأوجه ثلاثة:

أحدها ما يلزم على ذلك من الفصل بين النعت والمنعوت، أو بين النعتين، بجملة أجنبية.
والثاني أن طباع العرب تأبى الرجوعَ إلى الأمر بعد الانصراف عنه.
وكان الشَّلَوْبين يُنشد هنا قولَ مَعْن بن أَوْسٍ 1: إذَا انْصَرفَتْ نَفْسِي عن الشَّيْءِ لم تَكَدْ إليه بَوْجهٍ آخَر الدَّهْرِ تُقْبِلُ فكأنهم جعلوا ألفاظَهم جاريةً على حكم مقاصدهم، وذلك أن الأصل في صفة المدح القطعُ، وكذلك صفةُ الدم والترحُّم، لأن المقصود الاخبارُ عن الموصوف بحاله وصفته، بعد الإخبار عنه بفعله، وهما مقصدان مختلفان، فإذا قطعوا (ثم أتبعو) 2 فقد رجعوا عن الإخبار الثاني إلى الإخبار الأول بعد الانصراف عنه، وهذا شبيهٌ باعتبار (اللفظ بعد اعتبار) (2) المعنى، فإنه ممنوع، بخلاف العكس.
والثالث حكاه لنا الأستاذ أبو عبد الله ابن الفخار 3 شيخنا، رحمه الله، عن بعض نحاة ((قُرْطَبة)) 4 أن المانع من ذلك ما يلزم عليه في ((علم البيان)) من تَسَفُّلٍ بعد تَصعُّد، وقصورٍ بعد كمال؛ لأن القطع أبلغُ في المعنى المراد من الإتباع، اعتباراً بتكثير الجمل.
وعلى ذلك كان القطع.

ولولا ذلك ما ذُهب به هذا المذهب البعيد، وهو ظاهر.
والسؤال الثالث: أنه تكلمَّ على الإتباع والقطع فيما كَثُرت النعوت، وتَرك الكلام على ذلك في النعت المفرد، وهو الأصل للكثرة.
ولو تكلَّم على النعت المفرد لأُخِذ له منه حكمُ غير المفرد، ولا ينعكس، بل يُوهم ما ذَكر أن المفرد بخلافه، وإذا تقررَّ هذا كان ذِكْرُه لما ذَكَر، وترْكُه لما تَرك مشكلا.
والجواب عن الأول أن الضابط الذي ذَكر يَجمع له مقصودَه، فلا يحتاج إلى شرط سوى ما شَرط، وذلك أن نعت البيان مقصودٌ بلا شك، لأنه مفتقَر إليه، ولذلك لزم إتباعُه على ما تقدَّم، من جهة أن رفع الاشترك في المعرفة وتخصيصَ النكرة 1 إنما يحصل بالإتباع إذا كان القطع على اعتقاد الاستئناف بعد استغناء الكلام الأول، والإتباع يُصَيَّر النعتَ والمنعوت كالشيء الواحد، ولذلك قال سيبويه: زيدٌ الأحمرُ عند مَنْ لا يَعْرفه بمنزلة زَيْدٍ عند مَنْ يَعْرفه 2. وأما نعت التوكيد فهو مفتقَر إليه على الجملة من وجهين، أحدهما أنه كتكرار الاسم الأول، ففائدته كفائدة التوكيد اللفظي، ولولا أنه مُحْتاج إليه لما كُرِّر، لأنه التكرار عندهم لغير فائدة عيٌّ 3، وإذا كان كذلك صار نعت التوكيد مراداً به البيانُ على الجملة، وليس دخوله كخروجه.

فإذا قلت: كونُه مُبَيَّناً يناقض كونَه مؤكداً- فالجواب أنه/ سُمِّي مؤكدا وإن كان مفتقَرا إليه... 614 في التخاطب، كما سمي التوكيدُ اللفظي، بل والمعنوي، توكيداً اعتباراً بأنه مِمَّا يُكْتَفى فيه بالمؤكَّد دونه على الجملة والثاني أن نعت التوكيد مُبَيِّن على وجه، سمعت من شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف 1، رحمه الله، أن العرب تقول: (هذا رجلٌ) على معنَيْين، أحدهما أن تريد الحقيقة، أي حقيقةَ هذا المعنى من غير نظر إلى توحُّد أو تعدُّد.
قال: وهذا لا يُثَنَّى ولا يجمع.
والثاني أن تريده بقيد التوحُد والإفراد، وهذا هو الذي يُثَنى ويجمع.
فإذا قال: أعطاك زيدٌ غلاماً، فقلت: إنما أعطاني ثوباً- فهذا من الأول.
وإذا قال: أعطاكَ ثوبَيْن، فقلت: إنما أعطاني ثوباً- فهذا من الثاني.
وإذا ثبت هذا فالمنعوت إنَّما هو الثاني لا الأول، ونعتُه إنما هو رفعٌ لتوهم التعدُّد الذي يحتمله المعنى الأول، لأن المعنى الأول لا نص فيه، من حيث الوَضْعُ، على أفراد، بل على حقيقة الجنس، والحقيقةُ حاصلة في الواحدُ والمتعدِّد، فكان نعت التوكيد مُبَيَّناً بهذا الاعتبار، وحيثما جاء في القرآن فإنَّما جاء على هذا القصد.
وأما ما وُضع على اللزوم 2 فأصله البيانُ، وأيضاً فقد يقال: أَهمل ذكرهَ لقلته في بابه.
فإن قيل: هذا الجواب مُشكل على ما قَدَّم في حَدِّ النعت، فإن الناظم قال هناك: إنَّه ((مْتِمُّ ما سَبَق)) واعتُرِض عليه بنعت المدح والذم والترحُّم.

وأجيب بأن هذه النعوت تُتِّم ما سَبق بحسب القَصْد، فإذاً قد كان الكلام ناقصاً دونها بحسب القصد، وهو معنى كون المنعوت بها مفتَقِراً لذكرها.
وعلى هذا التقدير تَدخل له نعوتُ المدح والذم والترحم في الحكم بلزوم الإتباع، وإذ ذاك لا يبقى لقوله: ((واقْطَعْ أَوِ اتْبَعْ)) معنىً ينزَّل عليه، وفَسدت المسألة جملة.
فالجواب أن العبارتين منزَّلتان على معنيين لا على معنى واحد، لأن قوله أول الباب ((مُتِمُّ ما سَبَق)) لا يستلزم أن السابق مفتقَر له في العلم به، وإنما يستلزم أنه مكمِّل له على الجملة.
وهذا التكميل تارةً يكون مفتَقَراً إليه، فيكون النعت إذْ ذاك لازمَ الإتباع، كنعت البيان، وتارةً يكون غير مفتَقَر إليه في معرفة النعوت، وذلك نعت المدح والذم والترحُّم، فلا يكون لازمَ الإتباع.
وهذا صحيح.
وأمَّا نعت الإشارة فهو للبيان، لأنه مفتقر إليه فلا اعتراض عليه.
فقد حصل أن الخاصَّ بحكم جواز القطع نعتُ المدح والذم والترحُّم.
وأمَّا اشتراطُ ألا يكون خاصاً بمن جَرى عليه فلا يُلْقَى من تَرْكه محظور، لأن القطع والإتباع جائزان في الخاص وغيره على الجملة وكثيراً ما يُطلق الناظم القولَ بجواز الوجهين وإن كان أحدهما أرجَح بناءً على صحة القياس فيهما.
وأَمَّا اشتراط ما شَرطه ابن مَلكْون 1 فذلك غير لازم، بل هو توجيةُ القطع لمن قَطع ومن لمَ يَقْطع، فوجهُه بناءُ الكلام على ذكر الوصف، كما أنهم يُجيزون/ الوجهين في: زيدٌ طنتُه 615 قائمُ، وزيداً ظننتُ قائماً، بناءً على المقصدين، ولم يكن ذلك قادحاً في إجازة الوجهين عند أهل

النحو، فكذلك هنا، فإنه من باب اعتبار المقاصد البيَانِيَّه، وذلك وظيفةُ البَيَانِيَّ وليس على النحويّ اعتبارُ ذلك من حيث هو نحوي، فقد ظهر أن الوجه اعتبارُ ما اعتبره الناظم، وما سوى ذلك زيادةٌ.
والله أعلم.
والجواب عن الثاني أن الإتباع بعد القطع مختلفٌ فيه بين النحويين، فمِنْ مُجيز ومانع، فمِنْ حُجَّة المانع ما تقدَّم 1. ومن حجة الُمجِيز أنه لا يَلْقَى فيه من جهة القياس محظوراً إلا الفصلَ بين النعت والمنعوت، وذلك جائز على الجملة.
وأيضاً فالنعت المقطوع هنا في حكم المتْبَع، لأن الجميع مستغنىً عنه، ولم يُؤْتَ به إلا لكونه مدحاً للأول، وذلك حاصل.
وليس في حكم الجملة أيضاً، ولو كان في حكم في حكم الجملة لكان الموضع خَلِيقاً بأن يَظْهر الجزءُ الآخرُ يوماً مَا، لكنهم لم يفعلوا ذلك، فدل على أن المقطوع في الحكم كالمُتْبَع، وإنما تقديرُ المحذوف أمرٌ صناعي، وهو في المعنى معدوم، يُنْظر إلى ذلك ما قالوا في (عَمْرو) من قولك: (إنَّ زيداً قائمٌ وعمروٌ): إنه من باب عطف المفردات، وإن كان ظاهرُ الصناعة أنه مبتدأ محذوف الخبر، بناءً على تناسي المحذوف، حتى قالوا: إن زيداً قائمٌ لا عمروٌ، فعَطفوا بـ (لا) التي لا يُعطف بها إلا المفرد، فكذلك هنا قَطعوا بناءً على العلم بالمنعوت، ولم يُظْهروا إلا المقدَّر بناء على جَعْله وصفاً للأول.
فإذا كان كذلك صار القطع والإتباع في نَمَطٍ 2 واحد من جهة المعنى.

وأيضاً فإن ظاهر السماع شاهد، كقوله تعالى: ﴿لَكِن الرَّاسِخُون في الْعِلْم مِنْهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿والْمُقِيميِنَ الصَّلاَةَ والْمؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ 1، وكذلك قول الخِرْنِق 2: النَّازِليَن بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ معاقَد الأُزْرِ والمنعوت قبلُ مرفوع.
وقول العُكْلى أيضاً 3: الظَّاعِنِيِنَ وَلمَّا يُظْعِنْوا أحداً والقَائِلينَ لِمِنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا والمنعوت قبلُ منصوب.
ومن ذلك أشياء أُخَر.
ولا يقال: إن ذلك على إضمار رافع أو ناصب، لأنه خلاف الظاهر، والأصل ((الحَمْلُ على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيرَه)) حسبما بَوَّب عليه ابن جِنِّي في ((الخصائص)) 4 وجَعله أصلاً من أصول سيبويه، وأتى له بشواهد من كلام العرب هي عاضدةٌ لهذا الموضع، فيمكن أن يكون مذهب الناظم هنا ما أعطاه ظاهرُ لفظه من جواز الإتباع بعد القطع خلافَ ما رآه في غيره.
وقد تبيَّن مُدْرَكُه، والله أعلم.
والجواب عن الثالث من وجهين، أحدهما أن كثرة النعوت أصلها الإفراد، وإذا لزم في المتعدِّد حكمٌ من حيث هو جارٍ على الأول لزم في الإفراد، إذ لا فرق في المعنى بين المتَّحد والمتعدِّد في الجرَيان وعدمه، فكأنَّه ذَكر حكمَ

جارٍ التحميل