شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 255-260

«مَا» و «لَا» و «إِنْ» المشَبَّهاتُ بِليسَ

صفحات 255-260

وأنشد أيضاً قال: أنشد المفضل: وَلَتعرِفَنّ خَلَائقًا مشمولةً ولتَندَمَنّ ولاتَ ساعَةَ مَنْدمِ وعلى هذا تقول: خرجوا ولات يومُ خروجِ، وقدم زيدٌ ولات وقتُ قدومِ، ودعَوْا ولات ليلةُ إجابةٍ.
وما أشبه ذلك.
فإن قيل: قد تقدّم أن من شرطها أن لا تعمل في معرفة، وقد وقعت بعدها «هَنّا» وهى اسمُ إشارةٍ، واسم الإشارة معرفة.
وتقدّم أنها لا تعملُ إلّا في الزمان و «هَنّا» اسم إشارة للمكان البعيد عند الناظم، أو القريب عند غيره، وذلك نحُو قولِ الأعشى: لَاتَ هَنّا ذِكْرى جُبَيَرةَ أَمْ مَنْ جاءَ مِنْها بِطَائِفِ الأَهْوَالِ! وقال حَجْلُ بنُ نَضْلَةَ الباهلى: حَنّتْ نوار ولات هَنّا حنّت وبدا الذى كانَت نوار أجنّتِ

وقال الطرماح: لاتَ هَنّا ذِكْرى بُلَهْنِيةِ الدّهْر وأَنّى ذِكرى السنِينَ المواضِىِ! فكيف هذا؟ فالجواب: أن هَنّا لا تختص بالإشارة إلى المكان، بل قد يراد بها الزمان، ومن ذلك هذه المواضع، فإن معناها الإشارة إلى الزمان بلا بُدٍّ، أى ذكرى جُبرة ليس في هذا الزمان، وحنينها ليس هذا الوقت.
وكذلك ما بقي.
وأما عملها في المعرفة فإنها عند ابن مالكٍ غير عاملة في هذه المواضع، بل هَنّا منصوبٌ على الظرفية، وما بعدها إن كان اسمًا فهو مبتدأٌ خبره هنّا، وإن كان فعلًا فهو على تقدير «أَنْ» محذوفة، وأَنْ وصلتها في موضع مبتدأ خبره هَنّا؛ كأنه قال/: لا هنالك ذكرى كذا، أو لا هنالك حين.
نَقَلَ هذا المعنى عن الفارسىّ.
قال: «وزعم ابن عصفور أن هَنّا اسم لات.
وما قاله غير صحيح، لأن هَنّا ظرف غير متصرّف، فلا يخلو من معنى في»؛ فقد ظهرت صِحّةُ ما اشترط من عمل لات في النكرة وفي الحين.
ثم قال: «وَحَذْفُ ذِى الرّفْع فَشَا والعَكْسُ قَلّ».
يعنى أن المرفوع الذى رفعته لات فشا حذفٌه وشاحَ وكثر، وعليه القراءة المشهورة: ﴿ولات حينَ مَناصٍ﴾.
وجميع ما مرّ من الأبيات فإنما وقعت أسماء الزمان

بعدها منصوبةً، فالمرفوع محذوف تقديره: ولات حينُ ينادَوْنَ فيه حينَ مناصٍ.
وكذلك يقدّر في سائر المواضع.
وأما العكس، وهو حذف المنصوب وإبقا المرفوع، فقليل كما قال؛ فحكى سيبويه أن بعضهم قرأ: ﴿ولاتُ حينُ مناصٍ﴾، برفع الحين؛ قال سيبويه: «وهي قليلةٌ».
وعلى هذا يكون الخبر محذوفًا، أى: ولات حينُ مناصٍ حينصا ينادَون فيه.
وكذلك يجوز رفع ما بعد لات في الأبيات على ذا القليل.
وإنما جاز حذف المرفوع هنا -وإن كان الأصلُ ألا يحذفَ؛ إذ هو بارتفاعه بلات يشبه الفاعل، والفاعل لا يحذف- لأن أصل الكلام بعد لا الابتداءُ والخبر، فكما جاز حذفُ المبتدأ جاز حذف هذا.
ولا يشبه هذا ما يرتفع بكان؛ لأن مرفوع كان بمنزلة ما يرتفع بالفعل الصريح؛ لأن تصرفها كتصرّفه، بخلاف لات فإن المبتدأ معها كأنه غير معموله لها، لما لم يصحّ إضماره فيها؛ ألا ترى أنك لا تقول: زمانُك لات زمانًا صالحًا، كما تقولُ: كان زمانا صالحًا، فكأنهم اعتبروا فيها هذا المعنى، فأجازوا حذف اسمها.
وهذا تعليلٌ بعلّة قاصرة؛ إذ يلزم جواز الحذف في اسم ما ولا وإِنْ.
وأما حذف الخبر دون الاسم فللشبه بالفضلة.
وهذا أيضا تعليل قاصرٌ.
وأما وجهُ كثرةِ حذفِ المرفوع وقلّةِ حذف المنصوب؛ لأن هذا الباب محمولٌ على بابِ كان، وقد ثبت أَنّ المنصوب في باب كان قائمٌ مقام معنى المصدر، فهو كالجزء من الفعل، بخلاف الاسم؛ ولأن الخبر به تمام الفائدة كما تقدّم، فلم يَسُغ حذفه في باب كان، وحُملَ لات على باب كان في ذلك.

فإن قيل: فكذلك ما ولا وإِنْ.
قيل: نَعَمْ، ولكن لات أقرب شبهًا بليس من أخوات كان من غيرها؛ لأن اتصال التاء بها جعلها مختصّة بالاسم، فهى قربُ.
وهى أيضًا شبيهة بليس في اللفظ إذ صارت بالتاء على ثلاثةِ أحرف أوسطها ساكن كليس؛ إلا أن الاستعمال خالف هذا القياس، ولكن بقي فيه لفظُ الحمل، فتحاموا في الأكثر حذفَ الخبر لما أشبه الخبر الذى هو عِوَضٌ من حدث الفعل.
وهذا تعليلٌ أُجلِبَ عليه من مكان بعيد، وقلّما تجدُ من تُعَلّلُ هذا الموضعَ، فإن وجدتَ أقرب منه فَخُذه وقد حصل من كلام الناظم أَنّ حَذْف اسمِ لات شائعٌ، وحذف قليل.
وليس في كلامه ما يدلّ على عدم اجتماعهما في الفظ، وفيه دليل عى عدم اجتماعهما في الحذف؛ إذ معنى قوله: «وحذفُ ذى الرفعِ فَشا» يعنى دون ذى النصب، وكذلك في العكس -أما عدم اجتماعهما في اللفظ فمسكوتٌ عنه، وعند ذاك يعترض عليه؛ لأن السابق إلى الفهم إثباتهما، فلذلك لم ينبّه عليه في الثابت منهما.
ونبه على الحذف- لكن اجتماعهما في لات غيرُ موجود في كلام العرب ولا شائع في القياس، وقد نصّوا على ذلك.
وإذا ثبت هذا/ فمن أين يُؤْخَذُ له هذا الحكم؟ ويعتذر عنه بأن قوله: «والعكسُ قل» يُفهَمُ منه بأوّلِ النظر أن القلة هى مقابلة الكثرة المذكورة قبلُ، وإذا فُهِم ذلك لم يبق لحالةٍ ثالثةٍ موضع؛ فإنه إذا قال: وحذفُ المرفوع دون المنصوب هو الكثير وردَ عليه سؤالُ من يقول له: فما القليل؟ فأجاب بقوله: إن القليل هو حذفُ المنصوب دون المرفوع.
فانحصر الاستعمالُ في هذين الطرفين، فلا سبيلَ إلى فرضِ أمرٍ ثالثٍ هو إثباتُهما مثلا، فاقتضى أَنه غيرُ

موجودٍ، وذلك هو المرادُ، فَتَفَهّمْه.
فإن قيل: فكيف تحقيقُ العكس في كلام الناظم، فإِنّ الظاهر أنه لا يتصوّر في قوله: «وحذفُ ذِى الرفع» خاصّة؟ فالجواب: أَنّ العكس ليس في هذا وحده، بل في أصل ذلك الكلام، وأصله: وحذف ذى الرفع وإثبات ذى النصب -أو: وحذف ذى الرفع دون ذى النصب- فشا.
ولكن الناظم اختصره للعلم به.
والعكس في هذا الكلام صحيح، فتقول: وحذف ذى النصب دون ذى الرفع قلّ.
وبقي في لات أنه لم يُبيّن معناها، ولا ما أصلها؟ والنحويون فيها مختلفون على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا زِيدَتْ عليها التاءُ لمجرّد تأنيث الحرفِ، كثمّت ورُبّت، لأنها كلمة.
وإمّا مبالغةً في المعنى المراد من نَفْىٍ أو غيره.
والثاني: أنها حرف مستقلٌ بنفسه، ليس أصلها لا.
والثالث: أنها ليس بعينها، لكن غُيّرت وأُبدلت سينها تاءً -كما قالوا: سِتّ وأصله: سِدْسٌ، بدليل التصغير على سُدَيس، والتكسير على أسداس- فصارت ليت، ثم انقلبت الياء ألفًا لتحركها في الأصل -إذْ أصلُها عندهم لَيِس- وانفتاح ما قبلها، فصارت لات، فلما تغيرت اختصّت بالحين.
ومذهب الناظم منافٍ لهذا الرأىِ هنا بدليل قوله: «وحذفُ ذِى الرفعِ فشا» فجعله محذوفا كما يُحذف خبرا المبتدأ أو المبتدأ، ولو كنت لات عنده هى ليس لم يصحّ هذا، لأن مرفوعها الضمير فيها ولا يحذف كما لا يحذف من

ليس.
وقد يظهرُ من سيبيويه هذا المذهبُ، حيث أطلق لفظ الإضمار عِوضَ الحذف.
وحلمه ابن خروف على التجوز لا على حقيقة الإضمار، بناءً على أنها عنده حرف لا فعلٌ.
وأما المذهبان الأولان فَيَحَتَمِل أن يكون الناظمُ ذهب إلى الأول منهما، لأن لما ترجم على الباب ذكر لا وما وإنْ، ولم يذكر لات، فأشعَر أن لات عنده هى لا كُسِعَتَ بالتاء، أى: ضُرِب في عَجُزها بها.
ويحتملُ أن يكون مذهبه الثاني، لأنه لما ذكر حكمها ذكرها كالمستقلّة بنفسها، ولم يبيّن أنها هى لا، كما قال في التسهيل: «وتكسع بالتاء فتختص بالحين أو مرادفه».

جارٍ التحميل