تقول فيه: رمي وغزو، وإذا كان كذلك فكلام الناظم يقتضي أن مثل هذا يعل، وذلك اقتضاء (غير) صحيح.
والثالث: أن بعض السواكن سوى الألف والياء المشددة قد تقع بعد اللام فتمنعها الإعلال، وهو قد أطلق القول بأنه لا يكفها من السواكن إلا ذانك دون غيرهما، وقد وجدنا النونين للتأكيد يمنعانهما من القلب إذا قلت: ارضين، واخشين، وهل ترضين؟ وهل تخشين؟ قال جبلة بن الحارث العذري، أنشده سيبويه:
استقدر الله خيرا وارضين به... فبينما العسر إذ جاءت مياسير
ولا يصح أن يقال: إن الحركة عارضة في الياء بدليل رد العين في مثل قولن الحق، وبيعن ثوبك، وخافن زيدا، ولو كانت عارضة لم ترجع كما لم ترجع في قل الحق، وبع الثوب، وخف الله.
والرابع: أن إعلال قد وجد مع الياء المشددة وعمل عليه، وذلك مع ياء النسب، فقد تقدم أن ياءي النسب إنما تدخلان على الاسم مع تقديره منطوقا به، ألا ترى أنهم يقولون: إن الواو في روحي بدل من الألف في رحي، بل يقولون في شجوي وعموي: إن الواو منقلبة عن الألف في شجا المقدر، وألف
شجا لم توجد ولا نطق بها، ولكنهم قدروا الاسم حين كان على فعل أن يصير إلى فعل لأجل أن تلحق ياء النسب ولا كسر قبلها إلا ما يليها.
وقد شرح هذا هنالك، وانبنى على ذلك مسائل وفروع تقتضي أن لا بد من تقدير الاسم كامل الصيغة لا يبقى له إلا دخول الياءين فقط.
وإذا ثبت هذا فنحن في شجوي ونحوه قد أعلمنا القاعدة من قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم قلبنا الألف واوا، لا أنا قلبنا الياء واوا، إذ لا موجب لذلك (إلا) بهذا التدريج، فهذا ضد ما قرره هنا.
ولا يقال: إن الألف هنا لم تظهر قط فلذلك لم يعتبرها لأنا نقول: كذلك الألف في مصطفون لم تظهر قط، فإن ادعيت صحة القلب في مصطفون لزمك أن تدعيه في /شجوى، وإن ادعيت عدم القلب في شجوى لزمك مثله في مصطفون، فلا فرق بينهما في الطب بالإعلال أو بالتصحيح.
والخامس: أنه نقصه شرط من الشروط المعتبرة في هذا الحكم وهو أن يكون اتصال الفتحة بالواو أو بالياء اتصالا أصليا لا عارضا، فإنه إن كان عارضا لم يعتبر به، وهذا الاتصال الأصلي المحترز به، فسر شيوخنا به كلامه في التسهيل، وهو أنه تحرز به من مثل نحو وشبهه في نحو، فإن الحركة هنا ليست بأصلية، وإنما هي لأجل حرف الحلق كنهر ونحر.
وتحرز أيضا به من عروض الاتصال بسبب حذف يلحق
الكلمة فلا اعتداد به، كما إذا بنيت من (جدول) مثل علبط وهدبد المحذوف الألف، فإنك قائل: جدول، بخلاف يرى، فإن فتحة الراء الآن متصلة بالياء التي هي لام اتصالا أصليا؛ إذ الأصل يرأى، ثم قلت تلك الفتحة نفسها إلى الراء.
ومن مثل ذلك ما إذا بنيت مثل عرتن من الغزو أو الرمي فإنك تقول: غزو ورمي، أصله: غزوو ورميي فدخل في باب أجر وأظب، وصحت اللام الأولى، لأن الفتحة مفصولة منها في التقدير بالحرف المحذوف، لأن الأصل في المماثل عرنتن، وكذلك موازن علبط من الغزو أو الرمي تقول فيه: غزو ورمي، رفعا وجرا، وغزويا ورمييا، نصبا.
ولا تعل اللام الأولى لفصلها من الفتحة بالألف في الأصل، وهي مقدرة بعد الحذف.
هذا تفسير بعض الأشياخ.
وفسره لنا شيخنا القاضي الحسني- رحمه الله- بأن مراده بالاتصال الأصلي التحرز من نحو: احواوي، افعل من الحوة، فصحت واوه التي هي اللام الأولى لأن اتصالها بالفتحة (التي) قبلها غير أصلي.
قال: فإن افعل أصله افعال، فكان أصل هذا احواوي.
قال: وهذا القيد صار مغنيا عن أن يقيده بأن آخره معتل كالنوى والطوى.
قال: وهذا مثال حسن.
وقد أورد عليه في هذا التفسير إشكال، وهو أنه بنى فيه على رأي من رأى أن افعل مقصور من افعال، وهو وإن كان مذهب صاحب الكتاب إذ قال
في مسألة "لم أبله": "كما حذفوا ألف احمر وألف علبط وواو غد".
وليس مذهبا (له) في التسهيل، بل ظاهره خلاف (هذا) المذهب، لأنه قال في باب أبنية الأفعال ومعانيها: "ومنها للألوان افعل".
ثم قال: "وقد تلي عينه ألف".
قال الراد: فهذا جلي في أن الألف ليست هي الأصل.
قال: فالحق أنه فائت له في القيود مع نظائره مثل: رميو، وحيو، وقوو، في موازن جحمرش من الرمي، وحييت، وقوة.
وقد صرح بصحتها في مواضعها، وكلامه في هذا الفصل يقتضي إعلالها.
قال: وإنما ارعوي واحووي في اللامين نظير هوى وبابه في اللام والعين، فلو أعل الأول فيهما وصحح الآخر لوجب في المضارع مالا نظير له من ظهور الإعراب في آخر الفعل المعتل، إذ كنت تقول: هاي يهاي، وارعاي يرعاي، واحواو يحواو، فعكسوا لذلك، ليجري على الباب المطرد.
هذا ما قالاه، وعلى كل تقدير فهذا كله مما فات/ الناظم التنبيه عليه،
ولا يلزم إن فسرنا هنا بما فسر به شيخنا الحسني ما ألزمه في التسهيل، لأن له في هذا لانظم مذاهب تخالف مذاهب التسهيل، فلعله رجع عن ذلك عند نظم هذه الأرجوزة، وإذا احتمل هذا لم يندفع هذا التفسير.
والجواب عن الأول أنا نقول بموجبه، ونلتزم أن الواو والياء المبدلتين من الهمزتين سائغ فيهما القلب المذكور، أما اللام فقد تقدم ما قاله ابن جني في فعلل من قرأت، وما استدل به على ذلك، وقد نص عليه المازني، وما نقله عن الأخفش ذكره عنه ابن جني في فصل العويص من المنصف، لكنه ذكر في الفصل نفسه قبل ذلك بنحو ثلاث مسائل أنك لو بنيت من الآءة مثل عنكبوت لقلت: "أوأوت بمنزلة عوعوت، وكان الأصل: أوأءوت، فقلبت الهمزة الأخيرة ياء فصارت: أوأيوت، فأسكنت الياء استثقالا للضمة عليها وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، كما تقول في مثله من رميت: رميوت".
قال: "فإن قيل: إن الياء في أوأيوت أصلها
الهمز فهلا استخففت الحركة عليها كما تستخف على الهمزة؟ قيل: لا، لأن هذا قلب وليس على جهة التخفيف القياس الذي أنت فيه بالخيار إن شئت خففت وإن شئت حققت"، قال: "ولو كان هذا الذي ذكرته لازما لقالوا في جاء: جائي وجائي، ولم يستثقلوا الضمة ولا الكسرة على الياء لأن أصلها الهمز.
وليس الأمر كذلك، بل (جاء) يجري مجرى قاض، فلذلك جرت لام فعللوت الثانية مجرى ما أصله الياء".
هذا ما ذكره هنالك، وهو بلا شك مخالف لما ذكره أبو الحسن، لكن هذا في الأخذ به أولى مما ذكره هنالك، لأن ما ذكره هنالك إنما أتى به في معرض التقوية لمسألته ثمة، وقد يقوى الإنسان ما يذهب إليه نظره بالمذاهب المختلفة، وذلك مشهور عند أهل النظر، فلذلك لم يتعرض لمخالفته، كيف وهو يعتضد به! بخلاف ما ذكر هنا فإنه إنما أتى مسألته من بابها.
وأيضا فقد صرح بذلك في "سر الصناعة" أيضا، واستدل على صحته، كما أنه بسط هنا شيئا من الاستدلال ولم يستدل هنالك على صحة مذهب الأخفش، فالظاهر أن الواو والياء المبدلتين من الهمزة إبدلا محضا لازما كما في اجتماع الهمزتين حكمها حكم الأصليتين.
وأما العين فالظاهر أنها كذلك أيضا، وفيما قيل من بناء فعل من الآءة: إنه أوأ، نظر؛ بل أقول: آء، لأن الهمزة الثانية قد قلبت واو محضة فصارت كماءة، من غير فرق ظاهر، ولا حجة في عدم القلب في أيمة، لأن الياء ليس أصلها التحريك، بخلاف هذه.
وقد ظهر منه
في التسهيل أنه إنما تحرز هنالك بقوله: "أو تكن هي بدلا من حرف لا يعل".
من ياء شيرة المبدلة من جيم شجرة، فهو وما ارتكب من ذلك، إن صحيحا فصحيح، وإن فاسدا ففاسد، والله أعلم.
/ والجواب عن الثاني: أنه قد يدخل له نحو غوي تحت احترازه المذكور بعد هذا في قوله:
وإن لحرفين ذا الاعلال استحق... صحح أول.....
فالياء في غوي ونحوه لا بد من إعلالها لما ذكر، وإذا اعتلت وجب تصحيح الواو قبلها، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
والجواب عن الثالث: أن حكم الآخر مع نون التوكيد قد تقدم في باب أنه يصح، والعلة في عدم قلب يائه ألفا أن النون هنا كألف الاثنين، فكما أن ألف الاثنين لا تنقلب معها الياء ألفا نحو: اخشيا وارضيا، فكذلك النون، ولم يجز أن يعلوا إذ لا بد من حذفها لالتقاء الساكنين، وذلك مناقض لما قصدوا من ردها وبناء الكلمة على النون، وكذلك حكم المضارع إذا قلت: هل تخشين؟ وهل ترضين؟ والله أعلم.
والجواب عن الرابع: أن الناظم لم يبن في النسب على أن الواو
والياء في شجوي وغيره إلا على إسقاط هذه الواسطة وجعل القلب في مثل هذا من الياء إلى الواو، من غير واسطة على ما ظهر من كلامه هناك.
لكن قد يقال له: فكذلك مصطفون، ما تنكر أن يدعي مدع أنه لم يحصل فيه قلب الياء ألفا، بل لما ظهرت الضمة على الواو في مصطفوون استثقلوها (عليها) فحذفوها، ثم اجتمع واوان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، ولا يكون ثم قلب البتة.
ويجاب عن هذه بأن الألف في مصطفون قد ظهرت في المفرد، لأن جمع السلامة مبني على مفرده حقيقة بخلاف باب شجوي، وأيضا فإنه لو كان كذلك لوجب حين تسكين الواو أن تنقل حركتها إلى ما قبلها فيقال: مصطفون، وفي النصب والجر: مصطفين، كالعادون والعادين، والقاضون والقاضين، فأن لم يفعلوا ذلك والتزموا الفتح دليل على أن المحذوف هو الألف لا الواو ولا الياء.
وهذا بخلاف شجوي في شج، وحيوي في حي، فإنه لا دليل فيه على أن المنقلبة هي الألف دون الياء المتقدمة الرتبة على الألف.
فقد ظهر الفر بين الموضعين، وبانت صحة كلامه.
والجواب عن الخامس: أن الناظم لم يهمل التنبيه على هذه الأشياء المذكورة، فإنه شرط الاتصال، وقد تقدم أن الاتصال المقدر الانفصال في حكم الانفصال، فإنما أراد الاتصال الحقيقي، ومثل علبط أو عرتن من الغزو ليس كذلك، فكذلك احووي على قول سيبويه.
وأما نحو فقد خرج بقوله: "بتحريك
أصل".
وأما قوو وحيو ونحوهما فسيأتي وجه خروجهما وتنبيه الناظم على أمثلالهما بعد عند قوله: "إن لحرفين ذا الإعلال استحق".
فلا اعتراض عليه.
ثم أخذ يذكر بعض ما اجتمعت فيه الشروط لكن منع من الإعلال مانع، وذكر من الموانع أربعة، أحدها: الحمل في الصحة على ما لا بد من صحته، وذلك قوله:
وصح عين فعل وفعلا... ذا أفعل كأغيد وأحولا
يعني أن العرب صححت عين فعل وفعل الموصوفين ولم تقلبهما.
ولم يجعله نادرا ولا شاذا، فدل أنه/ قياس، (فما عينه) واو أو ياء فباق على أصله من التصحيح من فعل المصدر، وفعل الفعل، اللذين يكون اسم فاعلهما (على) أفعل، وهو معنى قوله: "ذا أفعل"، أي: صاحب هذا البناء.
وذلك أن فعل لا يكون مصدره على فعل واسم فاعله على أفعل في الغالب إلا ويكون معناه معنى افعل، وذلك في الخلق والألوان والعيوب وما جرى مجراها، كقولك: حول حولا وهو أحول، وعور عورا وهو أعور، وصيد
صيدا وهو أصيد، وغيد وهو أغيد، وقد تقدم (بيان) ذلك في (باب) المصادر.
فكان الأصل هنا أن يقال في حول: حال، وفي غيد: غاد، (وفي حول: حال، وفي غيد: غاد) لأن الواو الياء قد تحركا؛ وانفتح ما قبلهما واجتمعت فيهما شروط القلب، إلا أن حملت هذا الباب محمل ما هو في معناه، وذلك أن معنى حول هو معنى أحول، كذلك صيد واصيد، وعور واعور، وغيد واغيد، لأن فعل لا يعتل، بل تقول فيه: ابيضضت واسوددت، ونحو ذلك، وسيأتي وجهه، فصححوا أيضا ما هو في معناه، من باب الحمل على المرادف، ولم يبين الناظم وجه التصحيح هنا، وإنما ذكر ضابطه فقط، وذلك صحيح، وعادة الناس أن يقولوا: صححوا فعل لأنه في معنى لا بد من صحته.
فإذا ما جاء مما ظاهره أنه في معنى افعل وذا أفعل ثم اعتل بالقلب فشاذ أو مؤول، كقول ابن أحمر:
تسائل بابن أحمر من وآه... أعارت عينه أم لم تعارا؟
كان الأولى أن يقول: أعورت عينه أم لم تعور؟ وزعم السيرافي أنه أعله لأنه لم يذهب فيه مذهب آفعل.
ودل مفهوم كلامه (على) أن فعل وفعل إذا لم يكن ذا أفعل- يريد قياسا- فلا تصح فيه العين، وكذلك كل مصدر معتل العين (على فعل) من غير ما ذكر يصحح، إذ ليس اسم فاعله على أفعل، وإذا لم يكن كذلك لم يكن في معنى ما لا بد من صحته، فلم يكن مانع من الإعلال، كقولك: غار على أهله يغار غيرة وغارا، وخال الفرس يخال خيلاء وخلا، فالفعل هنا على فعل، والمصدر على فعل، وقد اعتلا معا؛ إذ ليس في معنى ما لا بد من صحته، قال سيبويه: "وأما قولهم: عور يعور، وحول يحول، وصيد يصيد، فإنما جاءوا بهن على الأصل، لأنه في معنى ما لا بد أن يخرج على الأصل نحو: اعوررت، واحوللت، وابيضضت، واسوددت، فلما كن في معنى ما لا بد له من أن يخرج على الأصل لسكون ما قبله تحركن"، قال: "فلو لم تكن في هذا المعنى اعتلت، ولكنها بنيت على الأصل؛ إذ كان الأمر على هذا".
وكان الأولى للناظم أن يقول: ذوي أفعل.
لأنهما اثنان: فعل، وفعل، لكنهما لما كانا كالشيء الواحد لأن أحدهما جار على الآخر (و) مأخوذ
منه وملازم غير مفارق له من حيث هما فعل، ومصدره، عاملها معاملة الشيء الوحد، فكانا كقول الله: "فأتيا فرعون فقولا: إنا رسول رب العالمين" لما كانا في حكم واحد جعلهما كالواحد، وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
إن شرخ الشباب والشعر الأسـ... ود مالم يعاص كان جنونا
أو لقول آخر:
وكأن في العينين حب قرنفل... أو سنبلا كحلت به فانهلت
/ وإن كان ليس مثله من جميع الوجوه.
واعلم أن الناظم ضبط هنا محل التصحيح بكونه ذا أفعل، ولم يضبط (بما ضبطه) به غيره من أنه راجع إلى معنى ما يجب فيه التصحيح، وهو الذي جري عليه سيبويه وغيره، حذرا- والله أعلم- من توهم كون افعل أصلا لفعل في هذا النوع، وليس كذلك.
وكثير من النحويين يقول: إن أفعال الأدواء والعاهات أصلها افعل وافعال،
وعليه جرى ابن عصفور، وهو شيء دل كلام سيبويه على خلافه، حيث ذكر اختصاص باب الأدواء بفعل في الأكثر، وباب الألوان بافعل وذكر الفارسي- على ما نقله عنه ابن سيده في المخصص- أن عور ليس تصحيحه لأن أصله أعور وإنما صح لأنه بمعنان، وهو ظاهر، ولذلك لا تقول في سود: إنه صح لأن أصله إسود، بل لأن معناه معناه، فحمل عليه.
فلم يضبط الناظم هذا الموضع إلا ببناء اسم الفاعل علي أفعل قياسا، وترك ما فيه إبهام ما.
ثم مثل ما أراد بقوله: "كأغيد وأحولا" وحصل بهذا التمثيل فائدتان:
إحداهما: أن هذا الحكم من التصحيح غير مختص بما كان عينه واوا دون ما عينه ياء، بل هو جار في النوعين ليس على حكم "تجاوروا" الآتي إثر هذا، فرفع هذا التوهم بأن أتى بمثالين أحدهما مما عينه ياء، وقدمه اعتناء به لهذا المعنى، ومثله: أصيد وأخيف، تقول من ذلك: صيد صيدا، وخيف خيفا.
والأغيد: الوسنان المائل العنق.
والغيد أيضا: الميلان من النعمة.
والغادة: الناعمة، وقد غيدت فهي غيداء، والغادة: الناعمة، وقد غيدت فهي غيداء، قال ابن القوطية: وغيد غيدا: لان من نعمة أو سنة.... والثاني: مما عينه واو، وهو أحول، ومثله أعور وأحور وأخوص ونحو ذلك، تقول من ذلك: عور عورا، وحور حورا، وخوص خوصا.
والأحول: (هو) الذي أقبل لحظ عينه على مؤخرها.
ولهذا المعنى شبه أبو النجم الشمس عند الغروب بعين الأحول، فقال:
والشمس في الأفق كعين الأحول
والفائدة الثانية: أنه أتى بمثال مما اشترك فيه افعل مع فعل في الاستعمال، وذلك أحول، لأنك تقول: حول زيد واحول، كما تقول: عور واعور، وسود واسود.
ومثال آخر مما لم يشترك فيه افعل مع فعل في الاستعمال وإن كان على ذلك المعنى، وذلك أغيد، لأنك لا تقول: اغيد، وإنما استعمل فيه غيد، فكأن الناظم يقول لك: الأمر سواء في هذا، فإن فعل وافعل قد اشتركا في أفعل على الجملة، والمعنى على افعل فيجري مجراه إذ كان باب أغيد راجعا إلى معنى الخلق والعيوب، وهم قد قالوا: ثول واثول، وعور واعور، فكذلك يجري غيد والغيد على افعل لأنهما باب واحد (و) على معنى واحد، إلى هذا المعنى أشار سيبويه في التعليل، ولما كان الجميع فعل وافعل مشتركين في أفعل جعل الناظم ضابط هذه أفعل فقال: "ذا أفعل".
ثم أتى بموضع ثان وهو من الحمل في الصحة على ما لا بد من صحة فقال:
وإن يبن تفاعل من افتعل... والعين واو سلمت ولم تعل
تفاعل: فاعل "يبن"، وهو على حذف المضاف، تقديره: (وإن) معنى يبن تفاعل، لأن لفظ التفاعل لا يبين من لفظ/ افتعل، وإنما أراد أن افتعل لا يخلو أن يكون معناه معنى تفاعل أو لا، فإن لم يكن معناه معنى تفاعل جرى على ما تقدم من وجوب الإعلال نحو: اقتادوا، وارتادوا، واعتادوا، لأنه ليس معناه تقاودوا، ولا تراودوا، ولا تعاودوا، كما كان اختاروا، وابتاعوا، واكتالوا ليس على معنى تفاعلوا، فجرى على أصل الباب، ولهذا قال الخليل: لو بنيت افتعلوا من قولك إزداجوا على غير معنى تفاعلوا لأعللت فقلت: ازداجوا، كما قلت: اختاروا وابتاعوا.
وإن كان بمعنى تفاعلوا فلا يخلو أن تكون العين ياء أو واو، فإن كانت ياء فيقتضى كلام الناظم أنه لا يصح كما صح تفاعلوا، فقولهم: استافوا بمعنى تسايفوا- أي: تضاربوا بالسيوف- واجب الإعلال، وإن كان في معنى ما لا بد من صحته، ووجه ذلك أن ترك قلب الياء ألفا أثقل عليهم من ترك قلب الواو ألفا لبعد ما بين الألف والواو وقرب ما بينها وبين
الياء، وكلما تدانى الحرفان أسرع انقلاب أحدهما إلى الآخر، وإذا تباعدا كان عدم الانقلاب أولى.
وهذا ما علل (به) ابن جني في الخصائص مع وجه آخر سأذكره إثر هذا بحول الله تعالى.
ومع هذا فإن اليائي العين في هذا الموضع قليل.
والذي كثر هنا الواوي (العين)، (وهو الثاني من التقسيم، وهو الذي حصل فيه شرط الناظم في قوله: "والعين واو" (فهذا) إذا كان في معنى تفاعل لم تعل العين) وإن وجد سبب الإعلال، لأنهم حملوه على ما لا بد من صحته، فقولهم: اجتوروا في معنى تجاوروا، واعتودوا في معنى تعاودوا، واحتوشوا في معنى تحاوشوا، واهتوشوا في معنى تهاوشوا-، لو قيل- جاءت على الأصل كما وجب ذلك فيما هي في معناه، وسواء في هذا ما استعمل منه تفاعل كاجتوروا، إذ جاء فيه تجاوروا، وما لم يستعمل فيه كاحتوشوا واهتوشوا؛ إذ لا يقال فيهما: تهاوشوا ولا تحاوشوا؛ لأن الجميع مشترك في هذا المعنى؛ قال سيبويه: "وأما قولهم: اجتوروا واعتونوا وازدوجوا واعتوروا فزعم الخليل.
رحمه الله تعالى- أن الواو إنما تثبت لأن هذه الحروف في معنى تفاعلوا؛ ألا ترى أنك تقول: تعاونوا وتجاوروا وتزاوجوا، فالمعنى في هذا
وتفاعلوا سواء، فلما كان معناها معنى ما تلزمه الواو على الأصل، أثبتوا الواو، كما قالوا: عور؛ إذ كان في معنى فعل يصح على الأصل.
قال: وكذلك احتوشوا واهتوشوا- وإن لم يقولوا تفاعلوا- فيستعملوه، لأنه قد يشترك في هذا المعنى ما يصح، كما قالوا: صيد لأنه قد يشركه ما يصح والمعنى واحد".
وقد تقدم وجه تصحيح تفاعل ونحوه.
فإن قيل: ظاهر هذا لاكلام أن افتعلوا والعين ياء يعتل وإن كان في معنى تفاعلوا، والأولى أن لو جمع بين ما عينه واو وما عينه ياء في هذا المعنى، لأن الموجب الموجود في اجتوروا موجودا في استيفوا بمعنى تسايفوا، وما علل به ابن جني فإنما ينهض تعليلا بعد السماع، لأن الواو والياء في القلب ألفا سواء، وإذا كان كذلك لم يكن مانع من القياس على ذوات الواو، فكنت تقول: ابتيعوا، إذا أردت تبايعوا، واختيروا، إذا أردت معنى تخايروا، وما/ أشبه ذلك، ويكون ما جاء من استافوا ليس (على) معنى تسايفوا.
وعلى هذا حمله ابن جني في الخصائص، قال: وإنما معنى استافوا: تناولوا سيوفهم، كقولك: امتشنوا سيوفهم، (وامتخطوا سيوفهم، أي: تناولوها وجردوها ثم يعلم أنهم من بعد تضاربوا، بما دل عليهم قولهم: استافوا)، فكأنه من باب الاكتفاء بالسبب عن المسبب، كقوله:
ذر الآكلين الماء ظلما فما أرى... ينالون خيرا بعد أكلهم الماء
يريد قوما كانوا يبيعون الماء فيشترون بثمنه ما يأكلونه.
فاكتفى بذكر الماء الذي هو سبب المأكول من ذكر المأكول".
قال: "فأما تفسير أهل اللغة أن استاف القوم في معنى تسايفوا فتفسير على المعنى، كعادتهم في أمثال ذلك، ألا تراهم قالوا في قول الله تعالى: ﴿من ماء دافق﴾، إنه بمعنى مدفوق، فهذا- لعمري- معناه، غير أن طريق الصنعة فيه أنه ذو دفق، كما حكاه الأصمعي عنهم من قولهم: ناقة ضارب، أي: ضربت، وتفسيره: أنها ذات ضرب.
ثم ذكر لهذا نظائر نحو: ﴿لا عاصم اليوم﴾، قبل معناه لا معصوم، ونحو (عيشة راضية)، أي مرضية، وقوله:
أناشر، لا زالت يمينك آشره
أي: مأشورة.
فعلى هذه الطريقة تستوي الواو والياء في الصحة في افتعل بمعنى تفاعل، وهو قد يظهر من كلام النحويين؛ إذ لم يفرقوا بين القبيلين، بل أطلقوا القول، لكن وقع تمثيلهم بما عينه واو، وذلك لا يدل على الاختصاص، وقد قال المازني: ومما يجئ على أصله لأن معناه ما لا يعتل، كما جاء عور وحول لأنه في معنى اعور واحول: اجتوروا وازدوجوا واهتوشوا، لأن معناه تجاوروا وتهاوشوا وتزاوجوا"، قال: "ولولا ذلك لا عتل؛ (قال): ألا تراهم قالوا: اختاروا واجتازوا وابتاعوا، حين لم يكن في معنى تفاعلوا".
فهذه عبارة كالصريحة في أنه لو جاء مما عينه ياء في معنى ما لا بد من صحته لصح.
وعلى هذا المعنى (أيضا) جرى ابن جني في التفسير؛ إذ حتم بأن سبب إعلال اختاروا ونحوه أنه يجئ في معنى تفاعلوا، وإذا كان كذلك أشكل هذا التقييد الذي قي به الناظم إذ هو مخالف لما قاله غيره.
فالجواب أن يقال: لعمري أن القياس لصحيح، غير أنا نقول: كان الأصل في اجتوروا وبابه الأعلال كسائر الباب، وإنما دعانا إلى أن نخرج به
عن بابه اطراده، فلما اطرد لم يكن (لنا) بد من اتباعهم فيه وإن كان خارجا عن القياس، ويكون وجه القياس فيه ما قال الخليل، ولا يلزم عند ذلك أن يقال في كل شيء، ألا ترى لو لم يطرد اجتوروا واحتوشوا لم نفس على ما جاء منه، لأنه خارج عن القياس الأصلي المطرد في باب اختار وانقاد وأشباههما، كما لم نقس على ما جاء من نحو خونه وحوكة لما كان نادرا.
وإذا ثبت هذا فنقول: هذا الاطرد إنما جاء فيما عينه واو فقلنا به، وأما اليائي العين فلم يطرد فيه هذا، بل زعموا أنه لم يجئ منه على معنى تفاعل إلا استافوا، وهو بعد معل، فلو جاء صحيحا لقلنا: إن هذا موقف على محله؛ إذ لم يطرد في بابه، لأنه جاء على أصل القاعدة المطردة في كل ياء تحركت وقبلها فتحة، فلما جاء معتلا كان ذلك برهانا على صحة ما اعتقدنا من عدم اطراده ووقفه على السماع/، ويكون وجه التفرقة بين ذوات الواو وذوات الياء ما تقدم من قرب الياء (من الألف) وبعد الواو منها.
هذا أقصى ما وجدته في الاحتجاج عن المؤلف، لا سيما وهو في نحوه متبع للسماع، ظاهري المذهب فيه، كما تقدم في مواضع، إلا أن لمخالفه أن يقول: لما وجدناهم اعتبروا باطراد الحمل على المرادف فيما عينه واو فهمنا أنه عندهم معتبر على الجملة، إذ لو لم يكن معتبرا عندهم على الجملة، لم يطرد في موضع من المواضع، ولا يلزم من عدم
اطراده في الياء أن يكونوا قصدوا ذلك، لأن ما عينه واو أكثر مما عينه ياء، فإنما ندر أو عدم السماع في ذوات الياء لقلتها لا لقلة قصدهم إلى الحمل، والاستقراء، دليل (وهو) من باب الاستدلال بالأحكام.
وقوله: "سلمت"، الضمير عائد على العين، أي: سلمت العين ولم تعل.
وقوله: "ولم تعل"، تكرار، لكن له موقعا، وهو رفع توهم من يتوهم فيها جواز الإعلال، فأكد الكلام رفعا لهذا الإبهام.
ثم استثنى موضعا ثالثا مما يجب تصحيحه وإن اجتمعت الشروط لمانع منع من الإعلال فقال:
وإن لحرفين ذا الإعلال استحق... صحح أول وعكس قد يحق
يعني أن الكلمة إذا كانت ذات حرفين من حروف العلة، وكل واحد منهما قد وجب فيه الإعلال قياسا لأنه متحرك وقبله فتحة، فلا يصح أن يعتلا معا ولا أن يصح الآخر ويعتل الأول إلا في القليل، وإنما الوجه أن يصح الأول ويعتل الآخر نحو قولك: الهوى والطوى والنوى، وغوى الرجل وروى، وعوى الكلب، وهوى، وما أشبه ذلك، فالوجه في هذا كله إعلال الآخر كما قال، وذلك (أنه) لا يخلو أن يعتل أولهما فقط، أو ثانيهما فقط، أو يعتلا معا، أو يصحا
معا، أما تصحيحهما معا فلا يصح للقاعدة المتقدمة، وأما إعلالهما معا فلا يصح أيضا للقاعدة المستمرة أنه لا يجمع على الكلمة الواحدة إعلال العين واللام، وما جاء من ذلك فقليل لا يقاس عليه، ولذلك لما قرر الفارسي هذا الحكم في الباء والتاء والثاء والراء، وأنهما مما اجتمع فيه أعلال العين واللام قال له الفتى البورائي إنكارا لما قرر: أفيجتمع على الكلمة إعلال العين واللام؟ فقال له: "قد جاء من ذلك أحرف صالحة فيكون هذا منها".
فسلم له الفارسي مقتضى القاعدة وعدل إلى التنظير بما جاء في السماع.
وقد نقل المبرد الاتفاق على أنه لا يجتمع على الكلمة إعلالان، وقد تقدم ذكر ذلك.
والذي أشار إليه الفارسي هو قولهم: ماء، ألفه منقلبة عن واو، وهمزته منقلبة عن هاء، لقولهم: أمواه وموية، وماهت الركية.
وشاة، فيمن قال: شويهة، وتشوهت شاة: إذا صدتها، حكاه ابن جني عن أبي زيد، فهو مما عينه واو فانقلبت، ولامه هاء فحذفت.
ومن قال: شوي، فهو من باب طويت، فهي على هذا كباء وتاء، قال النابغة:
ولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم... أجادل يوما في شوي وجامل
ومن ذلك: جايجي، وسايسو، وأشياء/ من هذا لاتنقاس.
وقد أشار الناظم إلى هذه القاعدة في الجملة/ إذ حتم الإعلال لأحد المعتلين دون الآخر، فدل على أن اجتماعهما عنده محظور، كما دلت قاعدته على (أن)، تصحيحهما معا محظور.
وأما إعلال الثاني وتصحيح الأول فهو الذي اعتمد عليه بقوله: وإن لحرفين ذا الاعلال استحق صحح أول.
وقد تقدم تمثيله.
ووجه ذلك أن اللام أحق بالإعلال من العين؛ لأن اللام أضعف من العين، ولأن إعلال الاسم إنما هو بالحمل على الفعل، وأنت لا يصح لك إعلال العين (دون اللام)، لأنك لو قلت في غوي وهوي وروي ونحوه: غاي وهاي وراي، للزم أن يقال في المضارع: يغي ويهي ويري، فتقلب الواو التي هي عين ياء وتدعمها في الياء، وتدخل اللام الضم لأنها تجري مجرى الصحيح، فكان يلزم هنالك من التغيير والتبديل ما بعضه مكروه، فرفضوا ما أدى إليه.
هذا تعليل ابن جني في (مثل) هذه المسألة ومن ههنا تعلم وجه ما فعلوا في قوي وحيي وروي ونحوه حين لم يقولوا: قاي وحاي وراي، فيعلوا العين، لأنهم إذا فعلوا ذلك في الماضي لزم في المضارع إعلال العين أيضا، والمضارع على يفعل،
فلا بد (فيه) من إعلال اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيلزم أحد أمور ثلاثة؛ إما أن يعلوا العين واللام معا، وذلك لا يجوز.
وإما أن يعلوا العين دون اللام لموافقة الماضي، فيكون المضارع على يقاي ويحاي ويرآي، فتظهر الضمة في الرفع، وذلك مرفوض عندهم.
وإما أن يعلوا اللام دون العين فيخالفوا بين الماضي والمضارع، وهو لا يصح فرفضوا ما أدى إلى هذا بأن أعلوا لام المضارع وتركوا العين في الماضي صحيحة فصار قوي يقوي مثل صدي يصدى، وعني بحاجته يعنى بها.
فأنت ترى تركها لإعلال العين في الماضي حفظا على إعلال اللام وحدها، فقد دخلت هذه المسألة تحت إشارة كلام الناظم حين اقتضى أن العين تصحح لإعلال اللام.
وأما الأسماء ففعل ذلك بها أيضا بالحمل على الفعل، فقالوا: نوي، وشوي، وهوي، وما أشبه ذلك.
ومن هنا يعرف ما جاء من قولهم: احوووى، فأعلوا الأخيرة ولم يعلوا ما قبلها.
وكذلك: ارعوى.
ولعل وجه قولهم: حيو وقوو، ونحوهما، من هنا يبدو، لأن اللام الأخيرة تعتل بالحذف، وهي معرضة له وإن ثبتت، فلو قبلوا، الواو التي هي مقابلة الراء في جحمرش، لكانوا قد تركوا اللام وأعلوا ما قبلها، فكان على خلاف ما قال الناظم، فثبت أن ذلك الشرط المورد لا يلزمه.
وأما عكس هذا- وهو الذي أشار إليه بقوله-: "وعكس قد يحق"، وحقيقة عكس الأول هو تصحيح الثاني
دون الأول، لأن قوله: (صحح) (أول) في تقدير: دون الثاني، فعكس هذا: صحح ثان دون الأول، فهو على خلاف القاعدة، فكان الأصيل ألا يوجد لما تقدم آنفا، لكنه وجد قليلا، ودل على ذلك قوله: "وقد يحق"، وهو من حق الشيء يحق، أي: ثبت، واحققته أنا، أي: أثبته، أي: قد ثبت في / كلام العرب، والمضارع هنا في معنى الماضي، أي: قد ثبت قليلا، إذ لا يريد أنه الآن في حين الثبوت، (أو أنه سيثبت) بعد، ومثل هذا قوله تعالى: (قد نعلم إنه ليحزن)، (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون﴾... الآية.
وإنما معناه: قد علمنا وأنشد سيبويه:
قد أترك القرن مصفرا أنامله... كأن أثوابه مجت بفرصاد
ومثال على ما جاء من ذلك في الأسماء- فإنه لم يأت في الأفعال، لما يلزم من المحذور المذكور- قولهم: غاية، وثاية، وطاية، وراية،
أصلها: غوية، وثوية، وطوية، وروية، فكان الأصل أن يقال: غواة، وثواة، ورواة، وطواة، فيعلو اللام دون العين، لكنهم أعلوا العين دون اللام، والذي شجعهم على ذلك أن هذه الأشياء جاءت في الاستعمال على ما لا يكون له فعل، فلم يقولوا منه: فعل يفعل، لأنهم قد اعتزموا إعلال العين، فلو قالوا فيها فعلت، لزمهم إعلال اللام أيضا، وقد كانت عينها معتلة فكرهوا أن يشتقوا لها فعلا، لما يلزمهم من الإعلال، فرفضوا ذلك.
وهذا التمثيل على رأي الخليل؛ إذ جعل الألف منقلبة عن حرف متحرك، وقد تقدم أن رأي سيبويه خلاف هذا.
ولكن الذي يجري على مذهب سيبويه وغيره قولهم: زاي، في حرف الهجاء، وقولهم: واو، كذلك، فإن الألف عندهم منقلبة عن حرف متحرك.
فإن قيل: إن على الناظم هنا دركا من جهة أنه قال هنا: "وعكس قد يحق"، فنبه على مجيئه في الكلام قليلا، مع أنه غير مقيس في موضع من المواضع، وترك التنبيه على ما جاء مما اعتل فيه العين واللام، مع أنه مقيس في موضعين، أحدهما: حروف الهجاء والثاني: باب التسمية، فإنك إذا سميت بما أو لا أو يا، أو ها من هؤلاء، أو ما أشبه ذلك فإنك تعل فيه العين واللام ضرورة، فتقول: لاء وياء وهاء، وليس لك ما نع من ذلك اتفاقا، بخلاف الأول فإنك لا تقيس في موضع من المواضع، فكان الأولى به أن ينبه على هذا دون الأول أو ينبه عليها معا.
فالجواب: أن كلا الموضعين ليس من الضروري الذكر في هذا
النظم، فكونه أتى ببعض المسائل تبرعا منه لا يلزمه أن يأتي بسائر الأشياء ولا بما هو أمثل إذا تقاربا في القلة؛ إذ باب التسمية إنما هو بمنزلة أبواب الامتحان في التصريف.
ثم ذكر موضعا رابعا مما اجتمعت (فيه شروط القلب)، ثم منع من ذلك مانع فقال:
وعين ما آخره قد زيد ما... يخص الاسم واجب أن تسلما
آخره: منصوب على الظرف متعلق بزيد.
و"ما"- في قوله: "ما يخص الاسم"- مرفوع زيد، و"ما" فيه واقعة على الزيادة اللاحقة للاسم، والجملة صلة ما، وعائدها الضمير في يحص.
و"ما" الأولى واقعة على الاسم المتكلم في عينه، دل على أنه اسم قوله: "آخره قد زيد ما يخص الاسم"؛ إذ لا يمكن أن يزاد ما يخص الاسم في الفعل، وإنما يحلق ما هو مختص به.
وعائدها الهاء في "آخره"، و"ما" الثانية وما تعلق بها في صلة ما الأولى.
و"واجب" خبر "عين" أولا.
ويعني أن ما كان من الأسماء الم عتلة العين قد لحقه في آخره زيادة تختص بالاسم ولا تكون في الفعل أصلا يجب أن تسلم عينه ولا تعتل بالقلب المذكور وإن وجد موجبه.
وإنما قال: "ما آخره قد زيد" لبيان أن خواص الاسم إذا لحقته من أوله فلا أثر لها في التصحيح، فالألف واللام إذا لحقت من
أول الاسم- وكان مما يعتل- اعتل، أو مما يصح كقولك: مال والمال، ونار والنار، وساق والساق، وأشباه ذلك.
وإنما هو مختص بما يلحق الآخر، وذلك أن المقصود في هذا أن يكون الاسم على بناء لا يكون عليه الفعل، فإنه إذا كان على بناء يكون عليه الفعل، أي: يشاكل بناء الفعل، وجب إعلاله، فمال ونار ودار على بناء يشاكل بناء الفعل فيعتل باعتلاله، والألف واللام غير معتبرة لأن الاسم غير مبني عليها، وكذلك ما يلحق الآخر مما ليس في الكلمة جزءا منها، فيخرج عن هذا لحاق الإضافة والتنوين لأنها منفصلان عنه، بخلاف نحو ألف التأنيث والألف والنون فإن الكلمة مبنية عليها، فلحاقها للاسم يخرجه عن مشاكلة الفعل فلا يعتل كاعتلال الفعل.
وهذا كله بيان لقول الناظم على الجملة: "وعين ما آخره قد زيد ما يخص الاسم"؛ إذ لم يخص زيادة من زيادة فظاهره يقتضي كل زيادة في آخر الاسم متصلة بالنية أو منفصلة عنها، وذلك غير مستقيم، وإنما يريد ما كان جزءا من الكلمة.
والذي يخص الاسم مما هذه سبيله ثلاث علامات، إحداها: الألف والنون.
والثانية ألف التأنيث المقصورة.
والثالثة: ألف الممدودة.
فأما الألف النون فقولك: الجولان والدوران والحيدان والهيمان، فإن الألف والنون هنا قد أخرجنا دورا وجولا وحيدا عن شبه الفعل فلم يعتل، لأن القاعدة أن الاسم هنا إنما يعتل عند
مشاكلته للفعل؛ ألا ترى أن الاسم إذا خالفت بنيته بنية الفعل صح كقولك: الحول والعوض ونحوهما، فكذلك إذا خالفه بزيادة زيدت فيه، ولا يقال: إن رميا وغزوا قد شابهه الهيمان والدوران، فكان حقه أن يعل.
لأن ألف الاثنين كلمة أخرى ليست من حقيقة الفعل في شيء؛ ألا ترى أنها فاعل الفعل، والفاعل جزء الجملة لا جزء الفعل، وإنما الفعل رمى وغزا، فافترق من الدوران ونحوه، فقد خرج الدوران والهيمان عن مشابهة الصنفين من الفعل المجرد عن العلامة واللاحق له العلامة، وما جاء على خلاف هذا الحكم فنادر محفوظ نحو: ماهان وحاذان وداران.
قال ابن جني: "جعلوا الألف والنون فيها بمنزلة هاء التأنيث في دارة وقارة ولابة، فكما اعتلت هذه الأسماء ونحوها ولم يمنع من القلب هاء التأنيث كذلك قلبت في ماهان وداران ونحوهما".
قال: فإن قيل: من أين أشبهت الألف والنون وهاء التأنيث؟ فأجاب بأنها أشبهتها من وجوه، منها المساواة في الترخيم نحو: ياطح، ويامرو، في مروان.
ومنها/ أنك تحقر الصدر من الاسم الذي هما فيه نحو زعيفران وطليحة قال: فمن هذا وغيره جرت مجراها.
وقد تقدم ما في هذه الأسماء من احتمال فاعال.
وأما ألف التأنيث المقصورة فنحو حيدى وصورى، وكما إذا بنيت فعلى من البيع أو الكيل قلت: بيعي وكيلي، وما أشبه ذلك، ووجه ذلك نحو ما تقدم لأن ألف التأنيث لا تلحق الفعل أبدا، فخرج بها الاسم عن مشاكلة الفعل كالدوران، ولم يعتدوا بما "فيه" من صورة الفعل المسند للاثنين نحو قاما وباعا فيعل كإعلاله، لما تقدم في الألف والنون، وفرق ثان هنا- ويجري في الأول- وهو أن ألف قاما ونحوه طرأت بعد أن لم تكن، فالمشاكلة إن فرضناها عارضة بعروض لحاقها، والأصل المباينة والمخالفة بين صورى وقوم أصل قام، فيستصحب الأصل، والعوارض في القياس غير معتد بها.
وهذا هو الذي اعتبر من ذهب إلى ما ذهب إليه الناظم في ظاهر كلامه.
وذهب الأخفش- وتبعه المؤلف في التسهيل، وهو الناقل لمذهب أبي الحسن- (إلى) أن هذه الألف غير مخرجة للاسم عن شبه الفعل، لأن صورة صورى صورة قوما الفعل، فكما يعتل الفعل هنا فتقول: قاما، فكذلك يعتل الاسم هنا لحصول المشاكلة، فما جاء من صورى وحيدى فيجعله شاذا، فإذا بنى من البيع (أو) القول أو الكيل أو الصوم مثل حيدى قال: باعى، وقالى، وكالى، وصاما، فأعل كما اعتل قاما، وصاما، وباعا، ونحوه.
والأقوى ما اعتمدته الجماعة.
وينظر ههنا ما الذي يحمله كلام الناظم من هذين المذهبين، فإنه محتمل أن يريد بالذي يخص الاسم ما يخرج به عن مشاكلة الفعل لفظا فقط، فيكون
(مذهبه) مذهب أبي الحسن؛ فإن ألف التأنيث لا يخرج بها الاسم عن المشاكلة، اللفظية؛ إذ الألف في آخر الاسم كالألف في آخر الفعل، فقد حصل ما يوجب الإعلال دون ما ينفيه.
ويحتمل أن يري ما يخص الاسم في نفسه بحيث يكون غير لاحق للفعل، وإن كان في الفعل ما هو على صورته، وهذا أظهر في كلامه لأنه قال: قد زيد آخره ما يخص الاسم فلم يعتبر مجرد المشاكلة فإنها تحصل في الجملة لا في الآخر بخصوصه.، وإنما اعتبر كون اللاحق خاصا بالاسم، ولا مرية أن اللاحق آخر الاسم هو ألف التأنيث، وألف التأنيث لا تلحق الفعل أبدا، فلم تحصل إذا المشاكلة على هذا التقدير.
وهذا هو مذهب الجماعة، وقد تقدم ترجيحه.
وأما الألف الممدودة فيظهر- وإن لم أعرفه منصوصا- أن حكمها أيضا حكم الألف والنون، لا أقول حكم الألف المقصورة، لأن شبه الألف والنون بألفي التأنيث مقرر معلوم، وكثيرا ما يشبه سيبويه أحدهما بالآخر، حتى إنهم قالوا في صنعاء: صنعاني، وفي بهراء: بهراني، فأبدلوا من الهمزة النون، ومثل هذا لا يحتاج إلى شاهد، وهي من اللواحق المختصة بالاسم التي يبنى عليها من آخره، ومثاله ما إذا/ بنيت قرماء من القول فقلت: قوماء، أو من البيع فقلت: بيعاء، وأشباه ذلك الحكم التصحيح، لأن الاسم قد خرج بذلك من شبه الفعل البتة، ولا
يكون في هذا خلاف، كما لم يكن في الألف والنون إذا لحقت خلاف في التصحيح.
فإن قيل: فهل تكون هاء التأنيث من هذا القبيل، فيدخل تحت كلام الناظم؟
فالجواب: أن لان لأن هاء التأنيث كالمنفصلة؛ ألا ترى أنها- وإن وقع الإعراب عليها- معدودة كالجزء الثاني من المركبين، فلذلك قلت: تارة، ودارة، وقارة.
(وعادة) وعالة، ونحو ذلك، وأيضا فليست التاء على الجملة مما يختص بالاسم؛ ألا ترى أنها تلحق الفعل أيضا فتقول: قامت وصامت.
فإن قيل: هذه غير تلك، لأن هذه في آخر الاسم تبدل هاء، بخلاف التي في الفعل.
قيل: هذا لا يضر في الشبه، فإنهما قد اجتمعا في اللفظ والدلالة أيضا على التأنيث، وإلى هذا فإنها تصير هاء إذا سميت بالفعل الماضي الذي اتصلت (به) وكان خاليا من الضمير، فتقول في "ضربت" مسمى به: ضربه، كما تقول: شجره".
فهذا كله مما يقوى أن الهاء ليست كغيرها مما تقدم.
فإن قيل: فزيادتا التثنية وجمعي التصحيح هل لها في هذا الحكم أم لا؟ فإن الذي يظهر أن العلامتين هنا مختصتان بالاسم؛ إذ لا تلحقان الفعل البتة، لأن الفعل لا يثنى ولا يجمع، وإذا كان كذلك فقد دخلتا له في قوله: "قد زيد
آخره ما يخص الاسم، فاقتضى أن كل اسم ذي عين فيها موجب للإعلال المتقدم تصح عينه إذا لحقته علامتا التثنية أو الجمع.
لكن هذا غير صحيح، لأنك إنما تقول في دار: داران ودارين، وفي رجل مال أو خاف: رجلان مالان وخافان، ورجال مالون وخافون.
فإذا عبارته غير سليمة عن الاعتراض، هذا إلى ما فيها من الإجمال المتقدم ذكره.
فالجواب: أن الإجمال في كلامه قد فرغ منه، وإنما الكلام في هذا الإيراد وهو غير لزم على كلامه من وجهين:
أحدهما: أن علامتي التثنية والجمع السالم ليس الاسم بمبني عليهما، وإنما هما (كهاء التأنيث) غير معدودتين في (حروف الكلمة وإن عوملتا معاملة الجزء منه؛ ألا ترى أنهما تلحقان الاسم بعد كمال) بنيته، وبعد أن كان خاليا منهما، فإنك تتكلم بالمفرد وتستعمله على حياله، فإذا أردت تثنية أو جمعه ألحقت العلامتين، فقد صار الاسم قبل اللحاق ثابتا له حكمه الذي يقتضيه التصريف.
بخلاف الألف والنون وغيرهما مما تقدم، فإن الاسم قد بني عليهما فلا وجود له إلا بهما، فكان ذلك معتبرا في امتناع الإعلال.
والثاني: أن الناظم قد قدم حكم التثنية والجمع وما يتغير لأجلهما وما لا يتغير، تحصل ذلك من منطوق لفظه ومفهومه، على ما تقدم شرحه، فإذا كان قد قرر فيه ما يلحقه من التغيير ولم يذكر من هذا المعنى شيئا، دل على أنه بعد
لحاق العلامتين كما كان قبل لحاقهما، فليستا بداخلتين له ههنا؛ إذ تقدم له حكمها.
ووجه ثالث، وهو أن علامتي/ التثنية والجمع قد يدعي فيهما أنهما غير مختصين بالاسم، وذلك أن الاسم كما تلحقه علامة الاثنين والجميع، كذلك الفعل تلحقه علامة الاثنين والجميع، فداران مثل قاما، ومالون مثل قاموا، فكل واحد قد لحقه ألف الاثنين وواو الجماعة، فأين الاختصاص؟
فإن قيل: الفرق بينهما ظاهر؛ فإن ألف قاما وواو قاموا ضميران اسمان وألف مالان وواو مالون علامتان حرفان لا اسمان، وإذا وضح الفرق بينهما كان ما ذهبت إليه من هذا كمذهب أبي الحسن في معاملة ألف صورى معاملة ألف قاما، وأنت قد نفيته عن أن يكون مذهبا للناظم، وأيضا فإن الاسم يزيد على الفعل بالنون، وتنقلب ألفه ياء بخلاف الفعل.
فالجواب: أن ما تقرر من الفراق ليس بفرق في الحقيقة، إلا نحوا مما بين تاء قامت وتاء قائمة؛ لأن كل واحدة من الألفين علامة على الاثنين، كما أن كل واحدة من التاءين علامة على التأنيث، ودليل تمكن هذا أنك إذا جردت الألفين عن الاسمية على قول من قال: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، ثم سميت بالفعل، صارت الألف كألف المثنى، والواو
كواو المجموع من كل وجه، وألحقت النون فقلت: قامان وقامون، كما قلت: مالان ومالون.
وهذا واضح في كونهما- أعني الألفين- في الاسم والفعل متقاربين ومعناهما واحدا.
وهنا تم للناظم مراده من هذا المسألة، وتبينت بجميع أطرافها والحد لله.
وقد ظهر أن ما صحح على غير ما تقدم من الوجوه فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، نحو: الخونة والحوكة، وروح جمع رائح وغيب، وحول، وهيؤ، وعفوة.
قال ابن جني: "لم يأت في مثل بائع: بيعة، ولا في مثل سائر: سيرة كما جاء الخونة والحوكة، وعلته قرب الألف من الياء وبعدها من الواو، فكان تصحيح نحو الخونة أسهل عليهم من تصحيح نحو البيعة، لأن الياء لما قربت من الألف أسرع الانقلاب إليها؛ ألا تراهم يقولون: استافوا، فيعلونه، وإن كان بمعنى تسايفوا، فلم يقولوا: استيفوا، لما فيه من جفاء ترك قلب الياء ألفا في موضع قويت فيه داعية القلب".
وقبل با آقلب ميما النون إذا... كان مسكنا، كمن بث انبذا
هذا هو الميم من حروف البدل المتقدمة، ولم يذكر في بدلها من غيرها إلا وجها واحدا في حرف واحد، وهو النون، وذلك (أن) الميم تبدل من أربعة أحرف، وهو الواو واللام والباء والنون.
فأما إبدالها من الواو أو اللام أو الباء فشاذ نادر، فلذلك ترك ذكره، وذلك قولهم: فم.
فأصول الكلمة الفاء والواو والهاء، لقولهم: أفواه، وفويه، وفاه بكذا، قال:
فلا لغو ولا تأثيم فيها... وما فاهوا به أبدا مقيم
وقال ابن جني: يروى أن النمر بن تولب قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس من امبر امصيام في امسفر".
يريد: ليس من البر الصيام في السفر، فأبدل لام/ المعرفة ميما، قال: ويقال: إن النمر بن تولب لم يرو عن النبي- صلى الله عليه وسلم- غير هذا
الحديث، إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه".
وروى الفارسي بإسناده إلى يعقوب: يقال: رأيته من كثب ومن كثم"، أي: من قرب.
فوجه البدل أنه يقال: أكث بلك الأمر، أي: قرب.
ولم يقولوا: أكثم.
ومنه أيضا قول الشاعر، أنشده ابن جني:
فبادرت شربها عجلى مثابرة... حتى استقت، دون محنى جيدها، نغما
قال ابن الأعرابي: أراد نغبا.
قال ابن جني: وهو عندي كما قال.
وأما إبدالها من النون- وهو الذي أخذ الناظم في ذكره- فإن إبدالها (منها) على قسمين:
أحدهما: ما كان موقوفا على السماع لقلته، ومنه قول رؤبة:
يا هال، ذات المنطق التمتام... وكف المخضب البنام
أراد: البنان، فأبدل النون ميما حرصا على موافقة الروي.
وقال ابن جني: قرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب قال: (قال) الأحمر: يقال:
طانه الله على الخير، وطامه: أي جبله، وهو يطينه، وأنشد:
ألا تلك نفس طين فيها حياؤها
قال ابن جني: "والقول فيه أن الميم في طامه بدل من النون في طانه، لأنا لم نسمع لطام تصرفا في غير هذا الموضع".
ومن هذا وشبهه تحرز الناظم بقوله: "إذا كان مسكنا"؛ لأنه إذا كان النون متحركا لم يقس فيه البدل.
والقسم الثاني: ما كان من هذا البدل قياسا، وهو الذي أخذ في ذكره فقال: "وقبل بااقلب ميما النون"، يعني أنك تقلب النون ميما قياسا بشرطين:
أحدهما: أن تكون قبل باء، وهي أخت الميم في المخرج؛ فإنها إذا كانت كذلك قلبت، فإن وقعت قبل (غير) الباء لم تقلب ميما على مقتضى مفهوم كلامه.
ويريد: لم تقلب القلب في غير إدغام، وهو الذي أراد هنا، فإنها تقلب ميما في الإدغام لا من هذا الباب؛ إذ الكلام هنا في الإبدال لغير إدغام، وأما الإبدال لأجل الإدغام فيكون إذا وقع بعدها (الميم) نحو: من ماء، وعن ماجد، وزيد ماجد، " تقول فيها: مماء، وعماجد، وزيد ماجد، وامحى، وهمرش-، في أحد الوجهين- ما لم يقع (بالإدغام).
ليس نحو: زنماء، وقنواء، والدنيا.
والميم أحد الأحرف الخمسة التي تدغم فيها النون، وهي هجاء "لم يرو"، والإدغام فيها مع بقاء الغنة ومع ذهابها، غير أن النون مع الميم لا تحتاج إلى غنة، لأن صوت الميم كصوتها فاستغنى بالغنة التي فيها، قال سيبويه: "حتى إنك تسمع النون كالميم والميم كالنون، حتى تتبين".
وهذا ليس من بابه، فلذلك خص الإبدال هنا مع الباء.
والشرط الثاني: أن تكون النون ساكنة لا متحركة، وذلك قوله: "إذا كان مسكنا"، وضمير "كان" عائد على النون على اعتبار التذكير، تحرزا من أن يكون متحركا، فإنه إذا كان متحركا لم يبدل ميما وإن وقع قبل الباء نحو: عنب/ ونساء شنب، وشنب، وقد نبت الزرع، وما أشبه ذلك،
فإن سكنت وجب القلب ميما نحو: عمبر في عنبر، وشمباء، في شنباء، وممبك في من بك، وأمبت الله الزرع، في أنبت، وممبر، في منبر، وما أشبه ذلك.
قالوا: وإنما قلبت هنا حين سكنت قبل الباء لأن الباء أخت الميم، وقد أدغمت النون في الميم في نحو: من معك؟ ومن محمد، فلما كانت النون تدغم مع الميم التي هي اخت الباء أرادوا إعلالها أيضا مع الباء إذ قد أدغموا في آختها الميم، ولما كانت الميم التي هي أقرب إلى الياء من النون لم تدغم في الباء نحو: أقم بكرا، لا تقول أقبكرا، ولا في قم بالله، قبالله، كان النون التي هي من الباء أبعد منها من الميم أجدر بألا يجوز إدغامها في الباء، فلما لم يتواصلوا إلى إدغام النون في الباء أعلوها دون إعلال الإدغام، فقربوها من الباء، وقلبوها إلى لفظ أقرب الحروف من الباء وهو الميم، فقالوا: عمبر، قال السيرافي: "ابتداء صوت النون من الخيشوم، ولها حالان: حال ابتداء وحال انتهاء، وبالانتهاء ينفرد مخرجها، فإذا ابتدأت إخراجها وحركتها كانت من الفم لا غير، وكذلك إذا وقفت عليها ساكنة هي من الفم، وإذا وصلتها بما تخفى معه تفردت بالخيشوم، وصوت الخيشوم مشترك بين النون والميم في المبدأ، وإنما يتغير في المقطع، فاعتماد المتكلم على إخراج الباء يمنع من استمرار الصوت بغنة الخيشوم، واحتاج المتكلم إلى أحد أمرين في المقطع، إما أن يجعله من مخرج النون من الفم، وذلك ممكن وفيه مشقة، وإما أن يجعله من موضع