بلا ولام طالبا ضع جزما... في الفعل هكذا بلم ولما.
واجزم بإن ومن وما ومهما... أي متى أين أين إذ ما.
وحيثما أنى وحرف إذ ما... كإن وباقي الأدوات أسما.
ابتدأ أولا بتعداد الجوازم للفعل، فذكر خمس عشرة أداة، وقسمها على قسمين:
أحدهما: ما يجزم فعلا واحدا، وهن الأربع المتقدمة: لا واللام، ولم، ولما.
ودل على ذلك من كلامه قوله: "ضع جازما في الفعل" وأول ما يثبت بهذه العبارة الفعل الواحد، وأيضا لما ذكر قوله: "واجزم بإن" فاستأنف ذكر الحكم بالجزم، ودل ذلك على أنه قسم آخر أعقبه بأنه يجزم فعلين بقوله: "فعلين يقتضين" فحصل أن ما تقدم في القسم الأول إنما يجزم فعلا واحدا، بسبب تقييده القسم الثاني، وإطلاقه في القسم الأول.
فأما (لا) فهي الناهية، لقوله: "طالبا" وهو حال من فاعل "ضع" كأنه قال: ضع جزما في الفعل ب (لا) و (اللام) حالة كونك طالبا بهما، ولا تكون طالباً
بهما إلا وهما أداتان للطلب.
وتحرز بكون (لا) للطلب من النافية، نحو: لا يقوم زيد، فإنها غير عاملة، لدخولها على الأسماء والأفعال، وعدم اختصاصها بالفعل.
ومثال ذلك قولك: لا تضرب زيدا، ولا يخرج من عندك، ومنه قوله تعالى: } لا تفتروا على الله كذبا}.
و} لا تقولوا على الله إلا الحق} و} لا يسخر قوم من قوم} الآية.
وإنما قال: "طالبا" فأتى بلفظ الطلب الذي هو أعم من الأمر والنهي ليحصل له معناهما، لأن النهي طلب، وكذلك الأمر طلب.
وقد أتى بأداتين، إحداهما للنهي، والأخرى للأمر، فلو لم يأت بلفظ الطلب لاحتاج إلى أن يقول: (لا) للنهي، واللام للأمر، فآثر الاختصار.
وأيضا فيشمل لفظ الطلب الدعاء، نحو قوله تعالى: } ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا... ربنا ولا تحملنا} ونحو ذلك.
وكذلك قول جرير يهجو الأخطل:
بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه... ألا إنما يبكي من الذل دوبل.
وأما اللام فهي لام الأمر نحو: ليقم زيد، وليكن كذا.
ومنه قوله تعالى: } فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي}.
وقوله: } فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه}.
وقرأ عثمان وأنس وأبي: "فبذلك فلتفرحوا" بالتاء.
ويشمل الطلب لام الدعاء نحو: لتغفر اللهم لنا.
ومنه قوله تعالى: } ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك}.
وقول أبي طالب:
فليكن المغلوب غير الغالب... وليكن المسلوب غير السالب.
ولم ينص الناظم على اشتراط ظهور اللام، ولا بد منه على مذهب البصريين، لكنه بإطلاقه يدل على ذلك، لأن الأصل في كل عامل الظهور، وأيضا فإنه أتى باللام مع: لا، ولم، ولما، وهن لا يضمرن أبدا، فكذلك اللام، وهو المذهب الصحيح، وذلك لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، وقد ثبت في حروف الجر أنها إنما تعمل ظاهرة، فكذلك حروف الجزم.
وما جاء من ذلك
مخالفا للقاعدة فشاذ، نحو ما أنشده سيبويه لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
محمد تفد نفسك كل نفس... إذا ما خفت من شيء تبالا
وأنشد أيضا لمتمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي... لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى.
وأنشد الفراء:
فلا تستطل مني بقائي ومدتي... ولكن يكن للخير فيك نصيب.
وأنشد أيضا:
من كان لا يزعم أني شاعر... فيدن مني تنهه المقادر
وذهب الكسائي إلى جواز ذلك، وعليه حمل قوله تعالى: } قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون} الآية/أي ليغفروا، وفي بيت متمم شاهد له أيضا على مذهب المؤلف.
قال ابنه: لتمكنه من أن يقول: "ولبيك" وكذلك قوله:
قلت لبواب لديه دارها... تأذن فإني حمؤها وجارها.
لأنه لو لم يؤثر الجزم باللام المحذوفة لقال: (إيذن) بلفظ الأمر.
وهذا كله لا دليل فيه لشذوذه، والآية مجزومة على جواب الأمر، أي قل لهم: اغفروا يغفروا، وكذلك} قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} الآية.
ثم قال: } هكذا بلم ولما" يعني أن الفعل يجزم بهذين الحرفين أيضا، وهما لم ولما.
أما (لم) فهي أداة معناها النفي، وهي مختصة بنفي الماضي المنقطع، تقول: ندم زيد ولم تنفعه الندامة، أي ما نفعته عقيب ندمه،
بخلاف (لما) فإنها لنفي الماضي غير المنقطع، تقول: ندم ولما تنفعه الندامة إلى الآن، ف (لم) لنفي (فعل) و (لما) لنفي (قد فعل).
فمقال الجزم بلم قولك: لم يقم زيد.
ومنه قوله تعالى: } هل أتى على الإنسان حسن من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}.
فهذا نفي للماضي المنقطع، وكذلك قول عبد الله بن عبد الأعلى القرشي أنشده سيبويه:
وكنت إذ كنت إلهي وحدكا... لم يك شيء يا إلهي قبلكا
فيصح أن يقال هنا: لم يكن، ثم كان.
وكذلك قول الطرماح:
لم يفتنا بالوتر قوم وللضيم... رجال يرضون بالإغماض
وأما (لما) فمثالها: لم يقم زيد.
ومنه قوله تعالى: } أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله} الآية، أي ولم يعلم إلى الآن، فلا يقال في مثل هذا: لم يكن ثم كان.
وقال تعالى: } كلا لما يقض ما أمره}.
وقال الشاعر:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل... وإلا فأدركني ولما أمزق
واعلم أن (لما) على ثلاثة أقسام: نافية، وهي الجاذمة المذكورة هنا، واستثنائية بمعنى (إلا) وهي نحو قولك: عزمت عليم لما فعلت.
ومنه قوله تعالى: } وإن كل لما جميع لدينا محضرون} و} إن كل نفس لما عليها حافظ} على قراءة التشديد، وهي لابن عامر وعاصم وحمزة.
وحرف وجوب لوجوب فيما مضى، نحو: لما قام زيد قام عمرو.
والثانية والثالثة: لاحظ للجزم فيهما، وكلام الناظم لا يقتضي اختصاص الجزم بالنافية دون غيرها، ففيه إيهام، إذ لم يبين ذلك، وكان حقه أن يبين.
والقسم الثاني من قسمي الجوازم ما يجزم فعلين، وهي إحدى عشرة أداة، وهي:
إن، ومن، وما، ومهما، وأي، ومتى، وأيان، وأين، وإذ ما، وحيثما، وأنى.
وهي قسمان: حروف، وأسماء، /وسيذكر ذلك.
فأما (إن) المكسورة الخفيفة فتقول فيها: إن يقم زيد يقم عمرو.
ومنه قوله تعالى: } يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}.
وقوله: } إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.
وهي أم الباب، ولذلك يجوز أن يليها الاسم في اللفظ في فصيح
الكلام، وإن كان على إضمار الفعل، فتقول: إن زيد قام أكرمته، ولا يجوز ذلك في غيرها إلا في الشعر، نحو ما أنشده سيبويه:
صعدة نابت في حائر.... أينما الريح تميلها تمل.
وأيضا فما عداها إنما يعمل عملها لتضمن معناها.
وأما (من) فهي اسم لمن يعقلـ ومثال الجزم بها قولك: من يكرمني أكرمه، قال تعالى: } ومن يؤمن بالله يهد قلبه} وقال: } ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله} الآية.. وأنشد سيبويه للأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا.
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
وأنشد أيضا لزهير:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة... فيثبتها في مستوى الأرض تزلق.
وأما (ما) فهي اسم مبهم يقع على كل شيء، ومثال الجزم بها: ما تفعل أفعل مثله.
قال الله تعالى: } ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده}.
وقال تعالى: } وما تفعلوا ممن خير يعلمه الله}.} وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم}.
الآية.
وقال حسان:
ما يقسم الله أقبل غير مبتئس... منه وأقعد كريما ناعم البال
وقال الكميت:
وما يك في الناس من نائل... جزيل فنائلهم أجزل.
وأما (مهما) فهي بمعنى (ما) وكذلك أصلها عند الخليل (ما) ثم أدخلت عليها (ما) فاستقبحوا تكرار اللفظ، فأبدلوا الألف الأولى هاء.
ومن الجزم بها قول الله تعالى: } وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين}.
وقال زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة... ولو خالها تخفى على الناس تعلم.
وأما (أي) فنحو قولك: أي الناس يأتني أكرمه، وهي لتعميم أوصاف الشيء.
ومن الجزم بها ما أنشده سيبويه من قول ابن همام السلولي:
لما تمكن دنياهم أطاعهم... في أي نحو يميلوا دينه يمل.
وقال لبيد:
فأي أوان ما تجئني منيتي... بقصد من المعروف لا أتعجب.
وأما (متى) فمثال الجزم بها قولك: متى تكرمني أكرمك.
قال الحطيئة أنشده سيبويه:
/متى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد
وأنشد أيضا قول الآخر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا.
وأنشد أيضا لطرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
وأما (أيان) فالسماع بها قليل، ولكنه جائز نحو: أيان تأتني آتك، ومنه قوله الشاعر:
أيان نؤمنك تأمن غيرنا ومتى... لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا
وقد جعلها الفارسي في "التذكرة" من قبيل ما لا يجازى به، نحو: كيف، وكم، وما ذاك إلا لندور السماع فيها.
وأما (أين) فمثال الجزم بها قولك: أين تجلس أجلس.
قال الله تعالى: } أينما تكونوا يدرككم الموت}.
وقال ابن همام السلولي أنشده سيبويه:
أين تضرب بنا العداة تجدنا... نصرف العيس نحوها للتلاقي
وأنشد أيضا:
صعدة نابتة في حائر... أينما الريح تميلها تمل.
وأما (إذ ما) فهي (إذ) التي هي ظرف لما مضى، زيدت عليها (ما) فصارت بمعنى (إن) للمستقبل، نحو: إذ ما تقم أكرمك.
ولا تكون شرطية دون (ما) أصلا، والخلاف في كونها حرفا أو ظرفا سيأتي بعيد هذا إن شاء الله.
ومن الجزم بها في السماع ما أنشده سيبويه من قول ابن همام السلولي:
إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتي... أصعد سيرا في البلاد وأفرع
فإني من قوم سواكم وإنما... رجالي فهم بالحجاز وأشجع.
وأما (حيثما) فهي (حيث) لحقتها (ما) ولا تكون شرطية إلا مع (ما) فلذلك أتى بها مع (ما) كما فعل في (إذ ما) بخلاف سائر الأدوات، فإنها يكون منها جوازم بما دونها، فتقول: أين تكن أكن} وأينما تكونوا يدرككم الموت} ومتى ما يأتني آتك، ومتى تأتني آتك، ونحو ذلك، فكل ما قيده الناظم ب (ما) فلا يكون جازما إلا بها.
ومن الجزم بها قولك: حيثما تجلس أجلس، وأنشد ابن الناظم:
حيثما تستقم يقدر لك الله... نجاحا في غابر الأزمان.
ومما يشعر بالجزاء فيها قوله تعالى: }} وحيثما كنتم فولوا
وجوهكم شطره} فأتى بالفاء في الجواب.
وأما (أتى) فهي لتعميم الأحوال، وقد تأتي ظرف زمان أو مكان.
ومثال الجزم بها قولك: أنى تفعل كذا أكرمك، ومنه قول لبيد أنشده سيبويه:
فأصبحت أتى تأتها تبتئس بها.. كلا مركبيها تحت رجلك شاجر.
وهنا انتهى ما أتى به من الأدوات الجازمة لفعلين.
ودل ذلك على أن (كيف، وكم) لا يكونان منها، وكذلك (إذا).
أما (كيف) فمذهب البصريين عدم الجزاء بها، وخالف في ذلك الكوفيون، فجعلوها في الجزاء بها كمتى وأين، فيجوز عندهم أن تقول/ كيفما تكن أكن، وكيف تفعل أفعل.
وأما (كم) فذكر غير قطرب أنه جائز أن تقول: كم تلبس ألبس، ونحوه.
ومعتمدهم القياس على ظروف الزمان والمكان لملاقاتها إياها في المعنى، إذ كان معنى (كيفما تكن أكن) في أي حال تكن أكن، كما أن معنى (أين تكن أكن) في أي مكان تكن أكن، ومعنى (متى تقم أقم) في
أي زمان تقم أقم.
وأيضا فكل اسم من أسماء الاستفهام قد استعمل في هذا الباب، إلا (كيف، وكم) وهما قابلان، من حيث وقعا مستفهما بهما، لاجتماع أدوات الشرط والاستفهام، في كون ما بهدهما غير موجب، فإذا دخل جميع أسماء الاستفهام في الشرط سماعا دونهما فالقياس سائغ فيهما، فيتدخلان.
وهذا قياس يهدمه السماع، إذ لم تفعل العرب ذلك، ولم يوجد لها الجزم بكيف، وإن كان الجزم بها في المعنى صحيحا، إذ جائز أن تقول: كيف تصنع أصنع.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: } ينفق كيف يشاء}.
وقوله: } فيبسطه في السماء كيف يشاء} إذ المعنى: كيف يشاء بسطه بسطه، وكيف يشاء أن ينفق أنفق.
وإنما امتنع البصريون من الجزاء بهما لعدم السماع، لا لأجل القياس، إذ هو قابل للجزاء بهما.
قال الفارسي في "التذكرة" حين ذكر (كيف): ونظير ذلك في أن لم يجاز به (كم، وأيان) قال: ولو جوزي بكيف لكان جائزا، والمعنى عليه، قال: وعلى ذلك يدل كلام سيبويه، وأشار بذلك إلى قول سيبويه: وسألت الخليل- رحمه الله- عن قوله: كيف تصنع أصنع.
فقال: هي مستكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها: على أي حال تكن أكن.
وقد فرق النحويون بين (كيف) وغيرها بأوجه، منها أن جوابها لا يكون إلا نكرة فتقول: كيف زيد؟ فيقال: سقيم، ولا تقول: السقيم، لأنه سؤال عن الحال، والحال نكرة، بخلاف (متى) وغيرها، فإن جوابها يكون معرفة ونكرة، فلما قصرت عن حال أخواتها لم يبلغ من قوتها أن تجري في الجزاء مجراها.
ومنها أن (كيف) قصرت عن نظائرها أيضا بأنها لا يخبر عنها، ولا يعود إليها ضمير، كما / يكون ذلك في: من وما، ومهما، وأي وهذا الوجه ضعيف، والمعتمد السماع.
وعلل المنع في (كم) بأنهم استغنوا عن الجزاء بها بالجزاء ب (ما) لدخول معناها تحت معنى (ما) إذا قلت: ما تأكل آكل عدده، وما تلبس ألبس عدده، فتقع على المعدودات وغيرها، لما فيها من الإبهام، كما استغنوا عن (وذر، وودع) بترك.
وباب "الاستغناء" كثير.
وقد علل الفارسي أيضا بهذا النحو في (كيف) وذكر غيره أنهم استغنوا عنها بأني، لأنها تأتي بمعناها.
وأما (إذا) فلا يجازى بها أيضا في الكلام، كما أشعر به النظم، فلا يقال: إذا تقم أقم، وإنما الوجه الرفع، إلا أن يضطر شاعر إلى الجزم فيجوز، لأن معنى الجزاء حاصل فيها، وأنها للمستقبل ك (إن) ولأن وقتها غير معلوم، فأشبهت (إن) في جهالة الوقت، لأن الكون مع (إن) لا يدري كونه، فلا يدري وقت كونه.
ومما جاء مجزوما بها ما أنشده سيبويه من قول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها... خطانا إلى أعدائنا فنضارب.
فقوله: "فنضارب" دليل على جزم ما عطف عليه، وهو موضع "كان" وذلك يدل على جزم موضع "قصرت" وأنشد أيضا للفرزدق:
ترفع لي خندق والله يرفع لي... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد.
وأنشد أيضا لبعض بني سلول:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها... لها واكف من دمع عينيك تسجم.
قال سيبويه: فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول
كعب بن زهير:
وإذا ما تشاء تبعث منها... مغرب الشمس ناشطا مذعورا.
وأنشد أيضا في الرفع لدى الرمة:
تصغي إذا شدها بالرحل جانحة... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب.
وإنما كان الوجه الرفع، لأن (إذا) إنما تكون لما كان من المستقبل معلوم الوقوع، بخلاف (إن) فإنها إنما تكون لما يجهل وقوعه، ولذلك يجوز أن تقول: آيتك إذا احمر البسر، أو إذا غربت الشمس، ولا يصلح أن تقول: آتيك إن احمر البسر، أو إن غربت الشمس، ففارقت (إن) بذلك، فلم تجر مجراها، لكنها من حيث الاستقبال والمشاركة لها، فاعتبر ذلك في الضرورة.
ثم قال الناظم- رحمه الله- (وحرف إذ ما كان) إلى آخره.
يعني أن هذه الأدوات التي تجزم فعلين على قسمين: أسماء، وحروف.
فأما الحروف فإن وغذ ما.
أما /كون (إن) حرفا فمعلوم، ولا خلاف في ذلك، وأما كون (إذ ما) حرفا فهو موضع الإشكال، ولذلك اعتمد التعريف بذلك فيها، فقال: (وحرف إذ ما) فقدم الخبر تنبيها على الاعتناء بكونها حرفا لا اسما، أو أتى بها نكرة مبتدأ بها، والخبر ما بعدها، إشعارا بالحصر في المعنى، أي إنما هي حرف لا اسم، وشبهها ب (إن) التي هي شهيرة في الحرفية، ونبه بهذا الحصر على الخلاف الواقع في (إذما).
فمذهب سيبويه أنها حرف، كما ذهب إليه الناظم، وكان أصلها (إذ) التي هي ظرف زمان لما مضى، فضمت إليها (ما) وصيرتا حرفا واحدا يدل على الاستقبال، وصار التركيب ناقلا لها.
عن حكم أصلها، كما كان التركيب في (إنما) و (قلما) ونحوهما ناقلا لها.
عن الحكم الأول.
ولو كانت باقية على أصلها لكانت ظرفا لما مضى، ولم يصح إن تقع للجزاء.
وأيضا فلا دليل يدل على بقاء الاسمية ومعناها كمعنى (إن) فالحمل على ما ظهر أولى، وهو أصل مبين في الأصول، ولا نكر في أن تكون الكلمة قبل التركيب من قبيل، ثم تنتقل بالتركيب إلى قبيل آخر، كما في (قلما) ونحوه، وعلى ما ذهب إليه الإمام جمهور النحويين.
ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي القول باسميتها كما كانت في الأصل، وأنها بمعنى: أي حين، أو بمعنى: أي مكان.
ورد عليهم ابن خروف وغيره بالاستقبال وبقوله:
- إذ ما تريني اليوم موجى ظعينتي
والمراد، لا محاله: إما تريني، فدخول "اليوم" يفسد معنى: أي حين، بلا بد، وقد استدل لمذهبه بأن نقل (إذ) مع (ما) للاستقبال لا يخرجها عن وضعها، فإنها قد تأتي للاستقبال، حكى ذلك عن أبي عبيدة، واستدلوا على ذلك بقوله
يجزيه رب العالمين إذ جزى... جنات عدن في العلالي العلى
وأيضا فلو كان التركيب مع (ما) مخرجا عن الاسمية إلى الحرفية لكان مخرجا ل (حيثما) عن الاسمية، وذلك غير صحيح بلا اتفاق، فإنها عند الجميع اسم لا حرف، فكذلك ينبغي أن تكون (إذ ما).
وأجيب عن الأول بأن استعمال (إذ) في الاستقبال غير معروف، وما احتج به لا حجة فيه، لاحتمال حملها على المضي.
وعن الثاني بالفرق بين (إذ ما) و (حيثما) أن (حيثما) لم تزل عما كانت عليه قبل من الدلالة على المكان، بخلاف (إذ ما) فإنها كانت قبل دخول (ما)
عليها اسم زمان ماض، فلما دخلت/ (ما) عليها صيرتها تدل على غير ما كانت تدل عليه، وهو مستقبل، ولم تظهر فيها أمارة اسمية، فلذلك ادعى في (حيثما) البقاء على ما كانت عليه، بخلاف (إذ ما) وهذا واضح.
وأما الأسماء فما عدا ما ذكر، وذلك قوله: "وباقي الأدوات أسما" أي باقي الأدوات الجازمة لفعلين أسماء لا حروف، وإن كانت مع ذلك تدل على معنى (إن) لكن أمارات الأسماء موجودة.
والباقي المذكور تسع أدوات، كلها قد تضمن معنى (إن) وبذلك عملت عملها، وهي على خمسة أضرب: اسم محض، واسم يشبه الظرف، وظرف زمان، وظرف مكان، وجار على حكم ما صاحبه.
فالأول: ثلاث أدوات، وهي: من، وما، ومهما.
والثاني: (أنى) إذ هي في معنى (كيف) وقد تستعمل ظرفا كقوله: } أنك لك هذا}.
أي من أين لك هذا؟ ويلحق بها (كيف) عند من ألحقها.
والثالث: (متى) و (أيان) ويلحق بها (إذا) في الشعر.
والرابع: (حيثما) و (أين).
والخامس: (أي) فهي بحسب ما تضاف إليه، إن أضيف إلى اسم محض فهي اسم، أو إلى ظرف فهي كذلك، نحو قولك: أيهم تكرمه يكرمك، وأي مكان تجلس أجلس فيه، وأي يوم تسر أسر معك.
وفي قوله: "وباقي الأدوات أسما" إشعار بانحتام اسمية (مهما) عنده، وهو كذلك عند النحويين، لثبوت اسميتها بإعادة الضمير عليها في
نحو قوله تعالى: } وقالوا مهما تأتنا به من آية} الآية، إلا أبا زيد السهيلي، فإنه زعم أنها تكون اسما في الموضع الذي يعود عليها فيه ضمير كما في الآية، وتكون حرفا في الموضع الذي لا يعود عليها فيه ضمير، كقول زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة... ولو خالها تخفى على الناس تعلم.
قال: هي هنا حرف، لأنها لا موضع لها من الإعراب، فهي بمنزلة (إن) قال: وإنما كانت كذلك لأنها مركبة من (ما) الشرطية و (ما) الزائدة، فإذا غلب عليها حكم الحرف الزائد كانت حرفا، وإذا غلب عليها حكم (ما) الشرطية صارت اسما.
ثم فرق في الدعوى بينها وبين (حيثما) و (كيفما).
ورد عليه الشلوبين بأنه بني في البيت على أنها ليس لها فيه موضع من الإعراب، وإنما ذلك إذا كان "من خليقة" فاعل "كان" إن كانت تامة، أو اسمها إن كانت ناقصة، و "من" زائدة، و"عند امرئ" خبر الناقصة، أو متعلق بها إن كانت تامة، وهذا لا ضرورة تدعو إليه إذا ثبت اسميتها، ويمكن أن يكون/لها في البيت موضع من الإعراب، بتقدير كون مرفوع
(كان) ضميرا عائدا على "مهما" وأنثه حملا على المعنى، و"من خليقة" تفسير معنى "مهما" وهذا صحيح.
وما ذكره من التوحيد إنما يصح مع موافقة السماع، وهو لم يوافقه فلا يلتفت إليه.
وقوله: "وحرف إذ ما" مبتدأ وخبر، والخبر مقدم، والأصل: وإذ ما حرف، ولكنه قدمه لما ذكر من التنكيت على مذهب المخالف، ويجوز أن تكون "حرف" مبتدأ خبره ما بعده، وابتدأ بالنكرة لما فيها من معنى الحصر المقصود، كقولهم: "شر آهر ذا ناب" أي: ما أهره إلا شر، فكذلك المعنى هنا.
فعلين يقتضين شرط قدما... يتلو الجزاء وجوابا وسما.
ذكر في هذين الشطرين أولا أن هذه الأدوات المذكورة تطلب فعلين اثنين فالضمير في قوله: "يقتضين" عائد على لأدوات، والاقتضاء هنا بمعنى الطلب، أي يطلبن فعلين، والفعلان المطلوبان هما: فعل الشرط، ولا بد من كونه مجزوما في اللفظ إن كان مضارعا، أو في الموضع إن كان ماضيا، لأنهن من الأدوات الجوازم، وفعل الجواب، ولا بد أيضا من الجزم فيه، أو في موضعه.
وفي قوله: "فعلين يقتضين" إشعار بأن الأدوات المذكورة هي العاملة الجزم في الفعلين معا، لأنه وضعها جوازم، ثم ذكر محل الجزم الذي تطلبه، فذكر فعلين، فدل على أن الجزم فيهما معا بالأداة الداخلة على جملة الشرط، وهذا الذي ذهب إليه الناظم هو أحد المذاهب الأربعة في المسألة.
فمن النحويين من ذهب إلى جزمهما بالأداة وحدها كما تقدم.
ومنهم من ذهب إلى أن الفعل الأول مجزوم بها، والثاني: مجزوم بفعل الشرط، فليس على هذا المذهب بجازمة إلا فعلا واحدا.
ومنهم من ذه إلى أن الأداة هي الجازمة للأول وحده، وأما الثاني فمجزوم بالأداة وما عملت فيه، وهو فعل الشرط.
وعليه حمل قول الخليل: إنما إذا قلت: إن تأتني آتك، / ف (آتك) انجزمت ب (إن تأتني) وقد يظهر من كلام سيبويه في قوله: وينجزم الجواب بما قبله.
وذهب الكوفيون إلى أن جزم فعل الجواب على الجوار، لمجاورته المجزوم، وهو فعل الشرط.
والأصح من هذه المذاهب مذهب الناظم، وقد أشعر في كلامه بالعلة التي لأجلها ذهب إلى ما ذهب إليه، وذلك أن العمل أصله الطلب، فكل عامل/إنما يثبت له العمل إذا ثبت طلبه له، وإذا كان يطلب أكثر من عامل واحد فلا بد من أن يقتضي جميع ما يطلبه، كالفعل اللازم، والمتعدي إلى واحد، أو إلى اثنين، أو ثلاثة.
وبهذا احتجوا في القول بعمل المبتدأ في الخبر، وليس بفعل ولا مشتق من فعل، وهو ظاهر.
لكن شرط العمل بعد ثبوت الطلب أمران:
أحدهما: الاختصاص وهو في الحقيقة، المحقق للطلب.
والثاني: أن لا يصير مع مطلوبه كالشيء الواحد، فالعلة هي الطلب، وهو المناسب للعمل وما عدا ذلك شرط.
وهذه المسألة موضع بيانها الأصول، وقد ذكرها النوحويون، وإليها الإشارة بقول الناظم: "فعلين يقتضين" فآتي بعلة العمل، ليشعر أن الأداة هي الطالبة للفعلين، وإذا كان كذلك، وحصل شرطا العمل، وهما الاختصاص، وألا يصير الطالب كجزء من المطلوب- ثبت له العمل بلا شك، وثبت أن الفعل ليس بعامل في الفعل، لأن الفعل غير طالب للفعل.
فإن قيل: إنه طلبه لما كان شرطا- فيقال: فالشرط هو الطالب لا الفعل، وكذلك يقال في قول الخليل: إن الجملة، من الأداة والفعل، هي العاملة، لأن الفعل دخيل في الطلب، والأداة هي الطالبة.
وأما مذهب الكوفيون فضعيف جدا، فلا معنى للاشتغال برده.
وقد خالف الناظم هنا مذهبه في "التسهيل" إذ جعل الفعل الأول هو الجازم للثاني، ومذهبه هنا أسد.
واعترض هذا المذهب بأوجه، منها أن الأدوات لا تقتضي الفعلين معا، وإنما تقتضي الفعل الأول، والفعل الأول هو الذي يقتضي الثاني، فينبغي أن يكون هو العامل، وقد تقدمت الإشارة إلى الجواب عنه.
أيضا، فالجزم في الفعل نظير الجر في الاسم، وليس في الحروف الجارة ما يعمل جرين دون إتباع، فوجب أن يكون عامل الجزم كذلك، تسوية بين النظيرين.
وهذا الاعتراض ساقط مع أصل العمل، وهو الطلب.
وأيضا، فقالوا: لا يوجد عامل يعمل في معمولين عملا متفقا، قيل: إنما
يعمل عملاً مختلفا.
وهذا لا يلزم (لأنه) إذا قام الدليل، فلا يلزم إيجاد النظير.
وقد بسط هذا المعنى ابن جنى في "الخصائص".
وقد اعترضوا بغير ذلك مما لا يثبت مع تلك القاعدة.
والغالب في هذا النظم إنه إذا خالف / فيه "التسهيل" فما ذهب إليه هو الأصح، والأجرى على القواعد.
وقد مضى من ذلك أشياء.
ثم قال: "شرط قدما يتلو الجزاء" "شرط" هنا مبتدأ، "وقدم" خبره، وهي جملة مستأنفة لا تعلقلها من حيث اللفظ بما تقدم، إلا إن قدر حذف العاطف.
وكذا قوله: (يتلو الجزاء).
وأراد بهذا الكلام أن جملة الشرط لها صدر الكلام، فلا يجوز إلا أن تأتي بها أولا، ثم تأتي بالجواب، فتقول: إن تكرمني أكرمك، و "إن تكرمني" هي جملة الشرط، و"أكرمك" هو الجزاء.
فإن قلت: أكرمك إن تكرمني، كان ذلك ممتنعا عند الناظم، وكذلك إذا قلت: أنا مكرمك إن أكرمتني.
ولكون الشرط له صدر الكلام لم يجز تقديم معمول معموله عليه، فلا يقال: متاعك إن أخذت أعطكه، ولا يجوز النصب في الاسم المبتدأ قبله على إضمار الفعل من "باب الاشتغال" نحو: زيد إن تكرمه يكرمك، وقد تقدم ذلك في "باب الاشتغال".
فعلى هذا إذا وجد ما هو جواب من جهة المعنى قد تقدم على الشرط فليس به، وإنما هو دليل عليه كقوله تعالى: } قد افترينا على الله
كذبا إن عدنا في ملتكم} وقوله: } أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين}.
ونحو ذلك.
وخالف في هذا الكوفيون والمبرد وأبو زيد الأنصاري، فجعلوا الجواب جائز التقدم، وزعموا أن ما تقدم على الشرط فهو الجواب حقيقه، وقد احتج أبو زيد على صحة ما ذهب إليه بمجئ الجواب قبل الشرط مقرونا بالفاء في نحو قول الشاعر، وهو قيس بن مسعود:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت... فطعنة لاغس ولا بمغمر.
وعلى هذا أيضا حمل قول عمران بن حطان:
فتمسي صريعا ما تقوم لحاجة... ولا تسمع الداعي ويسمعك من دعا.
قال: أراد: ومن دعا يسمعك.
ورد هذا المذهب بأن حرف الشرط دال على معنى في الشرط والجزاء، وهو الملازمة بينهما، فوجب تقديمه عليهما، كما وجب تقديم سائر حروف المعاني على ما فيه معناها.
وأما البيت الأول فلا حجة فيه، لاحتمال كون الفاء لعطف ما بعدها على شيء تقدم قبلها، وإلا فكل ما جاء في كلام العرب، مما ظاهره تقدم الجواب، لم يأت بالفاء إلا أن تكون عاطفة، ولا بد في الجواب من لافاء إذا كان مثل قوله: } قد افترينا على الله كذبا} الآية.
وأما البيت/الثاني: فعلى تسكين العين تخفيفا، كما سكنت القاف في قوله: } ويتقه} في قراءة حفص.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
وقوله: } يتلو الجزاء} أي الجزاء يتلو الشرط، وأراد بالشرط على هذا التفسير جملة الشرط، لا أداة الشرط وحدها، ويحتمل هذا الكلام تفسير أثانيا، وهو أن يكون الشرط في كلامه يراد به الأداة، ويعني أن أدوات الشرط لها صدر الكلام، فلا يجوز أن يتقدم عليها معمولها وهو فعل الشرط، ولا معمول معمولها ويكون ذلك مفيدا أمرين:
أحدهما: أن يكون تنكيتا على مذهب الكسائي القائل بجواز تقديم: طعامك إن آكل أكرمك، وتنكيتا على الكسائي والفراء في جواز تقديم ما انتصب بالجزاء، نحو: زيدا إن يقم تضرب.
ودليلهم على ذلك أن الجزاء حقه التقديم على (إن) كقولك: أضرب إن تضرب، وكان حقه الرفع، لكنه لما تأخر انجزم بالجوار، ودليل ذلك قوله أنشده سيبويه:
يا أقرع بن حابس يا أقرع... إنك إن يصرع أخوك تصرع
فالتقدير: تصرع إن يصرع أخوك، وغير ذلك من الأبيات المرفوع فيها الفعل، وإذا ثبت له الصدربة والشبة بأدوات الاستفهام التي لها الصدر، لكون كل واحد منهما يقتضي إبهام وقوع الفعل، ولذلك كام عندهم كل ما يستفهم به يصح فيه أن يكون شرطا.
وأما أن أصل الجواب التقديم فليس كذلك، بل الأمر بالعكس، لأن الشرط سبب في الجزاء، والسبب رتبته التقديم على المسبب، وإذا كان كذلك فمعموله أولى بالتأخير.
وأما الأبيات فسيأتي توجيهها إن شاء الله تعالى.
والأمر الثاني: أن يكون مبنيا أن اسم الشرط إذا كان معمولا لفعله فإنه لا يجوز أن يتقدم الفعل على الاسم، وإن كان معمولا، وحق المعمول التأخير عن عامله في الرتبة، كما تقرر في الكتب المبسوطة، فلا يجوز أن تقول في نحو (أي رجل تكرم يكرمك): تكرم أي رجل يكرمك، لأن قاعدة تأخير المعمول فيهه غير معتبرة، لمكان تضمن معنى (إن) التي لها صدر الكلام، فلزم تقديم المعمول لأجل ذلك، قال تعالى: أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وقال ابن همام:
في أي نحو يميلوا دينه يمل
وقال الآخر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
/ ف "متى" معمول ل"تأته" وقد تقدم عليه.
ومثل ذلك كثير، فكأن الناظم خاف أن يتوهم جواز التقديم في مثل هذا اعتبارا بالأصل، فنبه على جواز التقديم، فكأنه يقول: أداة الشرط لا يتقدم عليها شيء من المعمولات ولا من العوامل.
فإن قيل كيف لك بمنع التقديم وأنت تقول: زيدا رأيته يضرب، وزيدا متى رأيته تكرم، وما أشبه ذلك، فتقدم معمول "تضرب" وهو جواب الشرط، ولا يضر كونه مرفوعا، فإن الرفع هنا سائغ، لمكان مضي فعل الشرط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فيظهر أن هذا عين ما رددت على الكسائي، وهو جائز عند سيبويه والبصريين نص عليه سيبويه في أبواب "الاشتغال": وقبله الجمهور، وإذا كان كذلك انهدم مما بنيته في هذا التفسير الأول.
فالجواب أن هذه مغلطة، لأن سيبويه إنما أجاز ذلك حيث جعل قولك: "تضرب" في: زيدا إن رأيته تضرب، دليلا لي الجواب، أصله التقديم، لا أنه الجواب بعينه، ولذلك إنما أجازه حيث يكون فعل الجواب مرفوعا.
وإما إذا كان مجزوما فهو عنده ممنوع، نص على هذا أيضا، واعتل للمنع بأنه جواب، فلا يتقدم ما في حيزه على الشرط، فالفعل المرفوع دليل على الجواب، فجاز تقديم معموله، لأن جملة الشرط صارت
إذ ذاك كجملة الاعتراض.
وهذا صحيح.
فإذا لم يتقدم معمول الجواب على الشرط فيما أجازه سيبويه أصلا.
وإذا تقرر أن مراد الناظم بقوله: "شرط قدما" هذا التفسير الثاني بقي التفسير الأول كأنه ساقط الاعتبار، فيعترض به.
والجواب أن التفسير الأول على هذا دل على معناه من كلام الناظم قوله: "يتلو الجزاء" أي إن الجزاء يتلو ذلك، أي يتبع ما ذكر من الشرط وفعله، فإنه لا يخلو أن يريد أنه يتلو أداة الشرط وحدها، أو أداة الشرط مع فعله، فالأول لا يصح، لأنه يصير الجواب فاصلا بين أداة الشرط ومعمولها وهو أجنبي منهما، وإذا فسد هذا ثبت يتلو أداة الشرط مع فعلها، فيكون مفيدا لمرتبة الجزاء، وإنه بعد الشرط لا قبله.
وما أوهم خلاف ذلك فدليل على الجواب وليس إياه، على ما مضى تفسيره.
ولا يبعد أن يقصد الناظم هذا التفسير الأخير، كما تقدم في نظائره من المقاصد الخفية.
والله أعلم.
وقوله "وجوابا وسما" ضمير "وسم" عائد على "الجزاء" وهو أقرب مذكور، إن الجزاء/ وسم بلفظ الجواب، فيطلق عليه أنه جزاء، وأنه جواب وكذا قال في "التسهيل": وتسمى الجملة الثانية جزاء وجوابا، لأنها قد أدعي فيها أنها لازمة لما جعل شرطا، كما يلزم في عرف الناس، والجواب السؤال.
والجزاء: الإساءة أو الإحسان، فسميت بذلك على الاستعارة والتشبيه، والواسم بهذين الوسمين هم النحويون أهل الاصطلاح.
وقوله: "وسم" أي جعل لفز الجواب سمة على تلك الجملة، و"جوابا" مفعول ثان ل "وسم" لأنه بمعنى (سمى).
ثم أخذ يذكر كيفية مجئ الفعلين، فعل الشرط، وفعل الجزاء، فقال:
وماضيين أو مضارعين.. تلغيهما أو متخالفين
ويعد ماض رفعك الجزا حسن... ورفعه بعد مضارع وهن
فقسم الأمر فيهما إلى أقسام ثلاثة، تصير في التحقيق أربعة:
أحدهما: أن يكونا معا ماضيين، فتقول: إن قام زيد قام عمرو، وإن أكرمتني أكرمتك.
ووقوع الماضي هنا ليس بالأصل، لأن الفعلين معا مستقبلان في المعنى بسبب أداة الشرط، ولكن لما كان الفعلان معا قد علم، باقتران (إن) أو إحدى أخواتها، استقبالهما لم يعتبر بالصيغة، فإن الصيغة عندهم: إنما يحافظ عليها في الدلالة على الزمن المخصوص إذا كان الموضع محتملا، وأما إذا كان ثم ما يعين الزمان فلا مبالاة بالصيغ.
هكذا يقول ابن السراج والفارسي في هذا النوع.
وقد اعترضه الشلوبين بكى ولام الجحود، واختار أن سبب الإتيان بالماضي أمر معنوي، وهو تحقيق الأمر، وأنه صار في الاعتقاد كالواجب، والعرب تفعل مثل هذا، كقوله تعالى: } أتى أمر الله فلا تستعجلوه}.
ولما كان الجواب مرتبطاا بالشرط، وأنه لا بد من وقوعه عند وقوعه، أتوا بلفظ الماضي تحقيقا للوقوع.
والثاني أن يكون الفعلان مضارعين، فتقول: إن تكرمني أكرمك، وإن تحسن إلي أحسن إليك.
وهذا هو الأصل في الباب والحقيقة، إذا الأصل مطابقة اللفظ للمعنى، والمعنىى مع هذه الأدوات على الاستقبال فالمطابقة أولى.
والثالث: التخالف، ويعني له أن يكون الفعلان مختلفين في المضي والمضارعة لا متفقين، فيكون أحدهما ماضيا والآخر مضارعا، ولا يريد بالتخالف التخالف المطلق/ فيقع مثلا الماضي مع الأمر، أو المضارع مع الأمر، بل إنما يريد التخالف بين ما ذكر، وذلك الماضي والمضارع.
وللتخالف هنا صورتان:
إحدهما: أن يكون فعل الشرط ماضيا، وفعل الجزاء مضارعا، وذلك نحو قولك: إن قام زيد يقم عمرو، وإن أكرمتني أكرمك.
ويجوز في الجزاء هنا وجهان: الرفع والجزم كما نذكره إثر هذا.
وهذا الوجه قليل بالإضافة إلى التوافق، ومنه قوله تعالى: } من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها}.
وقوله تعالى: } من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها}.
وأنشد في الكتاب للأسود بن يعفر:
ألاهل لهذا الدهر من متعلل... على الناس مهما شاء بالناس يفعل.
وأنشد للفرزدق:
دست رسولا بأن القوم إن قدروا... عليك يشفوا صدورا ذات توغيز.
ومنه في (إذا) قول الفرزدق:
ترفع لي خندف والله يرفع لي... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد.
وقول الآخر السلولي:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها... لها واكف من دمع عينيك تسجم.
لأن (لم) وما بعدها في تقدير فعل ماض.
والصورة الثانية، وهو رابع الأقسام، أن يكون فعل الشرط مضارعا وفعل الجزاء ماضيا، نحو: إن تقم قمت، وإن تكرمني أكرمتك.
واقتضى كلام الناظم، حيث لم يفرق بين هذه الوجوه الأربعة، أن الجميع جائز، ولا فصل لأحدهما على الآخر في القول بالقياس، وقد قال المتأخرون: إنه ضعيف قال الشلوبين: ولا أحفظ منه إلا بيتا واحدا، وهو قوله:
من يكدني بشيء كنت منه... كالشجا بين حلقه والوريد.
وضعفه من جهة المعنى، وذلك لأن الإتيان بالماضي في الشرط أو في الجزاء إنما القصد به تحقيق الأمر، وأنه كالواقع، فكيف يجعل مع هذا القصد مرتبا على فعل لم يكن، وإنما هو بعد مستقبل، بدليل الإتيان بالمضارع فيه، فضعف لذلك.
وأيضا فتكون أداة الشرط قد هيئت للعمل بجزمها الفعل الأول، ثم قطعت عنه، بخلاف ما إذا كان الأمر بالعكس، فإن فعل الشرط إذا لم يعمل فيه الشرط فليس فيه تهيئة للعمل وقطع عنه، لأنه إذا عمل في الثاني علم أنه قد عمل في الأول من باب أولى، وكذلك إذا كانا معا ماضيين لا يلقى/ فيه محذور، لاستواء العمل في الموضعين، فهذا معنى توجيه الشلوبين.
ولم ير الناظم ذلك، فإنه قد جاء عنده في النثر الفصيح، وفي النم الذي قوته قوة النثر، فمن النثر، فمن النثر ما في الحديث من قوله
صلى الله عليه وسلم: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: "إن أبا بكر رجل أسيف، إن يقم مقامك رق"
ومن النظم قول الشاعر:
إن يسمعوا سيئا طاروا به فرحا... مني وما سمعوا من صالح دفنوا.
وقول الآخر:
إن تصر مونا وصلناكم وإن تصلوا... ملأتم أنفس الأعداء إرهابا.
وصاحب البيت الأول متمكن من أن يقول بدل "إن يسمعوا": إن سمعوا.
وصاحب البيت الثاني متمكن من أن يقول بدل "وصلناكم": نواصلكم، وإن تصلونا تملؤوا" فلما لم يقولوا ذلك مع إمكانه وسهولة تعاطيه علم أنهم غير مضطرين.
قال المؤلف: وقد صرح بجواز ذلك الفراء، وجعل منه قوله تعالى: } إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} لأن "طلب" بلفظ الماضي، وقد عطف على "ننزل" وحق المعطوف أن يصلح لحلوله محل المعطوف عليه.
هذا جملة ما احتج على مذهبه، ولعله يقول في قوله:
من يكدني بسيء كنت منه
أنه صالح لأن يقال فيه: من يكدني بسيء أك منه" فيجري على حكم الاختيار، والحق أنه نادر ليس في رتبة ما تقدم كما يقول النحويون.
كل ما احتج به المؤلف جار على طريقته، وقد تقدم له نظائر من هذا النوع.
وقوله: "وماضيين" مفعول ثان ل (تلفيهما) أي تلفيهما ماضيين أو مضارعين، وألفى: بمعنى وجد.
ثم عطف بذكر بعض الأحكام اللاحقة لبعض الأقسام فقال: "وبعد ماض رفعك الجزا حسمن".
يعني أن فعل الجزاء يحسن رفعه، ولا يكون حينئذ إلا مضارعا، وذلك إذا كان فعل الشرط فعلا ماضيا.
وقوله: "حسن" يقتضي أنه لا يقتصر فيه على الرفع، بل يجوز فيه وجه آخر وهو الجزم، ولم يحتج إلى ذكره لأنه معلوم الدخول في حكم الجزم، لما تقدم من إطلاقه جزم الفعلين، وإنما ذكر ما لم يتقدم له، فتقول في الرفع: إن
أكرمتني أكرمك، وإن قمت أقوم، ومنه ما أنشده سيبويه:
وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول لا غائب مالي ولا حرم.
وقال الآخر:
فإن كنت لا يرضيك أن لا تردني... إلى قطري لا إخالك راضيا.
/ وقال الآخر:
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه
ولا يلزم هنا أن يكون فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى تقدم في الأمثلة بل يجوز أن يدخل له في عبارته ما كان ماضيا معنى لا لفظا، وذلك المضارع إذا دخلت عليه "لم" كقولك إن لم تكرمني أكرمك.
ومنه
قول أعشى باهلة:
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه... من كل أوب وإن لم يأت ينتظر.
والقوافي مرفوعة.
وعلى هذا يكون الماضي في قوله: "وماضيين أو مضارعين" أعم من أن يكون ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ، فيشمل ذلك قولك: إن لم تكرمني لم أكرمك، فهما ماضيان، وكذلك إن أكرمتني لم أكرمك، أو بالعكس، فإنهما ماضيان.
وإنما جاز رفع الفعل الواقع جابا، والشرط ماض، من جهة أنه مقدر التقديم، وليس عندهم في موضعه، فهو في الحقيقة دليل الجواب، كما قلت: أكرمك إن أكرمتني، ولو قدرت أنه نفس الجواب لوجب الجزم، فقلت: إن أكرمتني أكرمك.
والذي سوغ ذلك مجئ فعل الشرط ماضيا، لأنه إذا كان ماضيا لم يظهر فيه عمل الجازم، فحسن الإتيان بعده بما لا ينجزم، على حد ما لو أتى قبل الشرط.
ألا ترى انه لا يجوز: آتيك إن تأتني، إلا في الشعر، ويجوز: آتيك إن أتيتني... فهذا مثله، وذلك لأن العرب مما يكرهون أن تعمل (إن) أو غيرها من
أدوات الجزاء في لفظ الفعل جزما، ثم لا يكون لها جواب (ينجزم)، فعلى هذا الوجه جاز الرفع، فالجزم والرفع على وجهين مختلفين عند سيبويه.
وأما المبرد فزعم أنه هو الجواب بنفسه، وأنه على إرادة الفاء، ولم يرتض مذهب سيبويه، من جهة أن الفعل عنا في موضعه وهو الجواب، فادعاء كونه مقدما إخراج له عن موضعه، ودعوى لا دليل عليها.
وهذا المذهب ظاهر من كلام الناظم إذ قال: "وبعد ماض رفعك الجزا حسن" فجعله نفس الجزاء، ولو أراد أنه دليل عليه يقال: رفعك الفعل، أو نحوه مما لا يفهم له به أنه جزاء بنفسه.
والذي صححه الناس مذهب غير المبرد، لأن حذف الفاء من الجزاء لا يكون إلا في الشعر، وهذا كثير في الكلام، وذلك دليل على أنه ليس من ذلك القبيل، واحتجوا أيضا بغير هذا، ولكن قد يترجح مذهب المؤلف بما ذكر، وبان الجواب هما يغتفر فيه حذف الفاء، لأنه لما لم يظهر في الفعل الشرطي جزم كان الجواب كجواب (إذا) رفعا، تشبيها ل (إن) ب (إذا) لما لم ينجزم بها فعل الشرط لم ينجزم فعل الجواب.
وأما إن كان فعل / الشرط مضارعا فإن الجواب إذا كان مضارعا إنما بابه الجزم كما تقدم، ولا يجوز فيه الرفع إلا نادرا، وهو مراد الناظم بقوله: "ورفعه بعد مضارع وهن".