قاصدًا لذلك ولا سيّما وليس في كلام العرب ما يردّه، فالوجه أن يقال به.
وقد قَصَر ابنُه بدر الدين في شرح هذا النظمِ معنى الكلام على التعدّى إلى المفعولين، فطالِعْه ثَمَّةَ.
(ثم قال):
وَلَا تُجِزّ هُنا بِلَا دَلِيلِ
سٍقُوطَ مَفْعُولَينِ أو مَفْعُولِ
هنا: إشارةٌ إلى الباب المُتَكَلِّم فيه، يعني أنه لا يجوزُ في هذا الباب حذفُ المفعولين معًا من غير دليل، / ولا حذف أحدهما [أيضا] من غير دليل، فلا تقول في -ظننت زيدًا أخاك-: ظننت، وتقتصر، ولا: ظننت زيدًا، وتقتصر، ولا: ظننت منطلقا، أو أخاك، وتقتصر.
فأما امتناع الاقتصار على أحدهما دون الآخر فمتفق عليه؛ لان المفعولين هنا أصلهما المبتدأ والخبر أن تأتي بالمبتدأ دون الخبر ولا بالخبر دون مبتدأ، فكذلك لا يجوز بعد دخول الناسخ؛ إذ من شرط الحذف أن يبقى على المحذوف دليل.
وأما امتناع حذفهما معًا والاقتصار على الفعل والفاعل دونهما من غير دليل فمسألةٌ مختلف فيها؛ فذهبت طائفة إلى جواز ذلك منهم ابن السرّاج والسيرافي، وذهبت طائفة أخرى إلى المنع من ذلك، منهم ابن خروف وشيخهُ ابن طاهر، وهو الذي ارتضى الناظم هنا وفي
التسهيل وغيره.
وكلامُ سيبويه قد تعلّق به الفريقان معًا.
والدليل على ما ذهب إليه الناظم أنّ القائل: ظننت، ولا يخلو أن يكون قصدُه الإخبارَ بمجرد وقوع الفعل فقط، أو الإِخبار به وبما وقع من الجمل، فإن كان القصدُ الأولَ فلا يصحّ؛ إذ المخر بأنه وقع منه ظنٌّ أو علم بمنزلة المخبر بأنّ النار حارة في عدم الفائدة؛ إذ لا يخلو إنسان من ظنٍ مّا أو علمٍ ما، كما لا يخلو إنسان مّا من قيامٍ مّا، والعربُ لا تتكلّم بما لا فائدة فيه: وإن كان القصد الثاني فقد تنزّل الظن من الجملة منزلة قولك: في ظني، فكما لا يجوز لمن قال: زيد منطلٌ في ظني، أن يقتصر على: في ظنى، كذلك لا يجوز لمن قال: ظننتُ زيدًا منطلقًا أن يقتصر على ظننت؛ لأن ذلك نقضُ الغرض.
ويظهر هذا المذهبُ من سيبويه في أبواب الضمائر، ولكن ليس بنصٍّ، وإن كان الفارسي وابن خروف قد اعتمداه كالنصّ في منع هذا الاقتصار.
وللكلام في بيان رأي سيبويه، والجمع بين ما قال هناك وما قال أول الكتاب، موضعٌ غير هذا.
وقد حكى مما يدلّ على الجواز قولهم: من يسمع يَخَلْ، وقولهم: ظننت ذاك، وظننتُ به.
وهذا على رأي الناظم ومن وافقه مسموعٌ ومؤوّل.
ولما قال هنا: «بلا دليلِ» اقتضى مفهومُ هذا القيد أنه إن حُذِفا معًا أو أحدهما بدليل جاز، ولا ينبغي أن يُختلف فيه.
وقد حُكِى عن ابن ملكون المنعُ منه، والسماع والقياس يردّان عليه، فممّا حُذِف فيه المفعولات معًا
اختصارًا قولُ الكُميت:
بأىّ كتابٍ أَمْ بأيّةِ سُنَّةٍ
ترى حُبّهم عارًا علىّ وتحسِبُ
أي: وتحسِبُ حُبّهم عارًا.
ومنه أيضَا قولُ الله سبحانه: ﴿والله يَعلمُ وأَنتمُ لا تَعْلَمونَ﴾، وقولُه: ﴿أعندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُو يَرَى﴾.
وإنما حُذِفالعموم العلم بالمحذوف، أي: يعلم الأشياء كائنةً، أو ما في معنى هذا التقدير.
وكذلك: (فهو يَرَى)، أى: يرى ما سَمِع باطلا، أو: يرى الجزاء غير كائن، أو: يرى الأشياء أو ما يعتقده ويفعله حقًا وصوابًا -وكذلك قدّره ابن خروف- أو غير ذلك مما يعطيه معنى ما تقدّم من قوله: ﴿وَأَعْطَى قليلًا وَأَكْدَى﴾، فليس مثل هذا خارجًا عن هذا الأصل الذي أَصَّله الناظم؛ لأن عموم العلم بالمحذوف يُبِينهُ؛ ألا ترى إلى حذف خَبَر ما بعد لولا، وحذفهم متعلّق الظرف والمجرور إذا وَقَعا/ خبرين، وما أشبه ذلك، فكذلك ما نحن فيه.
ومما حذف فيه أحد المفعولين اختصارًا قول الله تعالى: ﴿ولَا يحسبنَّ الذين يَبْخَلُونَ بما آتاهُمُ الله من فَضْلِهِ هو خيرًا لَهُم﴾، قالوا:
التقدير: البخلَ هو خيرًا لهم، فحذف لدلالة الفعل عليه، وقال عنترة:
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّى غَيْرَهُ
مِنّى بِمَنْزَلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
أى: فلا تظنِّى غيره كائنا.
وقاله الآخر:
كَأَنْ لَمْ يَكُن بَيْنٌ إِذَا كَانَ بَعْدَهُ
تَلَاقٍ، وَلَكِن لَا إِخَالُ تلاقيا
قدّره المؤلف: لا إخال الكائنَ تلاقيا، ثم حذف الأول.
وقدره غيره: لا إخال تلاقيًا كائنا، أو لا إخالُ ثَمَّ تلاقيًا.
ثم حذف الثاني، وكلامه يدلّ على عموم اختصاص الحذف بأحدهما دون الآخر، فمن سأَلَ: أتظن زيدًا قائما؟ أجاز أن يقال له: ظننت زيدًا، وأن يقال له: ظننتُ قائمًا، وأن يقال له: ظننت، كل ذلك سائغ، والله أعلم.
(ثم قال): وَكَتَظُنّ اجْعَلْ «تَقُول» إِنْ وَلِى مُسْتَفْهَمًا بِهِ وَلَمْ يَنْفصِلِ بِغَيرِ ظَرفٍ أَوْ كَظَرفٍ أو عَمَلْ وَإِنْ بِبَعْضِ ذِى فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ وَأُجْرِى القَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا
عِنْدَ سُلَيم، نَحْو «قُلْ ذا مُشْفِقَا»
هذا الفصلُ يذكر فيه إلحاق القول بالظنّ في العَمَل في جزأَىِ الابتداء والخبر، فذكر أوّلًا لغة الجمهور من العرب في ذلك، وأنهم يلحقون القول بالظن بأربعة شروط، شرطان مصرّح بهما في كلامه:
أحدهما: أن يلى مستفهما به، وذلك قوله: إن ولى مستفهما به، والضمير في وَلِى عائدٌ على فعل القول وهو تقولُ المذكور.
والمستفهم به هو أداة الاستفهام، ولم يقيّده بأداة دون غيرها، فاقتضى الإطلاق في جميع أدوات الاستفهام، فتقول: أتقول زيدًا صاحبك؟ وهل تقول زيدًا صاحبك؟ ومتى تقولُ زيدًا منطلقًا؟ وأنشد سيبويه لابن أبي ربيعة للخَلِيطِ:
أما الرَّحيلُ فدونَ بَعْدَ غَدٍ
فَمتَى تَقُولُ الدارَ تجمعُنا؟
بنصب الدار.
وأنشد غيره:
متى تَقُولُ القُلُصَ الرّواسما
يَحْمِلْنَ أم قَاسِمٍ وَقَاسما؟
وكذلك «ما» إذا قلت: ما تقول زيدًا فاعلًا؟ ومنه فى الحماسة لعمرو بن معد يكرب:
علامَ تقولُ الرُّمحَ يُثْقِلُ عاتِقِى
إذا أنا لم أطعُنْ إذا الخيلُ كرَّتِ؟
يُرْوى بنصبِ الرمح.
وعلى ذلك تقولُ: أينِ تقول زيدًا قاعدًا؟ وأىّ رجل تقولُ زيدًا مكرمًا؟ وما أشبه ذلك، فلو لم يتَقدّم الاستفهام لم يَعملِ القولُ، بل يرجع إلى الأصل فيه وهو الحكاية -إلا فى لغة سليم- فتقول: قلت: عَمرُو منطلق، وتقول: زَيدُ أخوك.
والثانى: أن تكون أداة الأستفهام متصلة بالفعل، أو فى حكم المتّصل، وذلك قوله: ولمَ ينْفَصِلِ بغير كذا، يريد أَنّ الفعل لا يخلو أن ينفصل من الاستفهام أولا، فإن لم ينفصل فالإعمال لوجود الشرط.
وإن انفصل الفعل من الاستفهام فإما بظرف أو مجرور أو عَمَل أو بغير ذلك، فإن انفصل بأحد الثلاثة فهو مُفْتقَر لأنها معمولاتُ القول أو معمولات معمولاته، والمعمول إذا تَقَدّم على العامل فهو فى نيّة التأخير، فكأنك حين قلت: أفى الدار تقول زيدًا، وأزيدًا تقول قائمًا؟ وأقائما/
تقول أخاك؟ إنما قلت: أتقول زيدًا فى الدار؟ وأتقول زيدًا قائمًا؟ وأتقول أخاك قائمًا؟ وكذلك إذا قلت: أفى الدار تقول زيدًا قاعدًا؟ وأعندك تقول زيدًا ساكنا؟ فكأنك قلت: أتقول زيدًا قاعدًا فى الدار؟ وأتقول زيدًا ساكنا عندك؟ فالاتصال حاصِلُ.
وإن انفصل بغير ذلك فلا يجوز الإعمال عَمَلَ الظّنّ، وهو معنى قوله: «ولمَ ينْفَصِلِ» من الاستفهام، فلو قلت: أأنت تقول زيدٌ منطلق؟ فلا بدّ من الرفع على الحكاية بالقول، قال سيبويه: «لأنك فصلت بينه وبين حرف الاستفهام، كما فَصَله: أأنت زيدٌ مررتَ به، فصارَتْ بمنزلة أَخَواتِها، وصارت على الأصل».
يفى صار زيد يختار فيه الرفع، كما كان زيدُ مررت به كذلك، لان الاستفهام قد انفصل منه، فلم يكن داخلًا عليه، فلم يكن ثَمّ طالبُ للفعل، فكذلك فى أأنت تقول، ليس الاستفهام بداخل على الفعل فَيَحْدُثَ فيه معنى الظن، فلم يصلح أن يعملَ عمله؛ إذ كان عملُه عَمَلَ الظّن تابعًا لأدائه معناه، فقولك: أتقول زيدًا أخاك، إنما معناه معنى: أتَظُنُّ زيدًا أخاك.
ومن هنا يُجعَلُ قول الناظم: «ولتَظنُّ اجعل تقولُ»، يريد: اجعله مثله مطلقا فى المعنى والعمل.
فهذان هما الشرطان المصرّحُ بهما فى كلام الناظم.
وأما الشرطان غير المصرّح بهما فمشارُ إليهما بالمثال، وهو قولُه: «ولتَظن اجعل تقولُ».
أحدهما: أن يكون فعلُ القول مضارعًا، كأنه قال: اجعل هذه الصيغة المعيّنةَ مثل تظن، فيخرج عن ذلك الفعلُ الماذى وفعلُ الأمر، فلا يجوز أن
يقال: أقلتَ زيدًا أخاك؟ ولا: قُل زيدًا أخاك؟ لأنه لم يبلغ من قوة القول فى تضميه معنى الظن وإعماله عمله أن يكون ذلك فى كل موضع.
وإنما كان ذلك فيها فى موضع واحد وهو المضارع، فصار كما الحجازية لا تعمل فى كل موضع، قال سيبويه: «ولم يُجْعَلْ «قلتُ» كظننتُ لأنها إنّما أصلها عندهم أن يكون ما بعدها محكيا، فما دخلت في باب ظننتُ بأكثر من هذا، كما أنّ «ما» لم تقو قوّة ليس، ولم تقع فى جميع مواضعها، لأنّ أصلها أن يكون ما بعدها مبتدأً».
والثانى: أن يكون مُسْنَدًا إِلى المخاطب، هو ما دلّ عليه المثال فى قوله: «اجعَلُ تقولُ»، كأنه قال: بشرط أن يكون مسندًا إلى ضمير المخاطب، فلا يجوز إعمال المضارع المسند إلى ضمير متكلّم ولا غائبٍ، فلا يقال أأقول عمرًا منطلقًا؟ ولا: أيقول زيدُ عمرًا منطلقا؟ بل الحكاية.
واجبة؛ ووجه ذلك أن الإعمال إنما يكون مع فعل المخاطب إذا استفهمتَه عن ظنِّه، فأكثر ما يقول الإنسان لمخاطبه: أتقول كذا؟ وما تقول في كذا؟ يريد: ما تعتقد؟ وإلى أَيْشٍ تذهب؟ وكثر هذا المعنى فَأجروا مجْرِى الظنِّ؛ فإذا قالوا للمخاطب: أيقول زيدُ كذا؟ حَكَوا؛ إذ لم يكثر أن يُستفْهم المخاطبُ عن ظن غيره، هذا معنى تعليل سيبويه.
ومثلُ ذلك استفهامُ الإنسان عن ظن نَفْسِهِ، لا يكادُ يوجدُ.
فهذا كمال الشروط الأربعة، وهى غاية ما اشترطه الناسُ.
ثم قال: «وَإِن ببعضِ ذِى فَصَلْتَ/ يُحتَملْ»، ذى: إشارة إلى ما
تَقَدّم له قريبًا، وهو الظرفُ وشبهه، وهو الجارّ والمجرورُ، والعملُ، ويريد به معمول القول، أطلق عيه مجازًا، وكأنه على حذف مضاف، أى: أو ذى عمل.
وإتيانه بإشارة المؤنث، لأنها مما يُشار بها إلى الجماعة.
والمتقدم له قريبًا ثلاثة أشياء، فلو قال: ببعض ذا، لتوهم أنه أراد بعض المعمولات، وأنه لم يُرِدْ الظرف ولا المجرور، وذلك فاسدُ، فأتى بما يُعطى شمول الثلاثة.
ويعنى أنك إن فَصَلْتَ بين الاستفهام وفِعْلِ القول ببعض هذه الأشياء، بظرف، أو بمجرور، أو بمعمولاتِ القولِ، احتُمِلَ ذلك فى صحة الإعمال فلم يقدح فيه.
فمثال الفصل بالظرفِ قولَكَ: أكلّ يوم تقول أخاك منطلقا؟ وأنشد فى الشرح:
أبَعْدَ بعد تقولُ الدارَ جامعةً
شَمْلِى بِهِمْ، أم دوامَ البُعْدِ مَحْتوما؟
ومثال الفصل بالمجرور قولك: أفى الدار تقولُ زيدًا قائمًا؟ ومثال الفصل بالمعمول قول الكميت:
أَجُهَّالًا تقولُ بنى لُؤَىّ
لَعَمْر أَبيكَ أم مُتَجاهِلِينا؟
ويروى: أنُوَّاما أم متناومينا؟ فالفصل بهذه الأشياء كلا فصلٍ، قال سيبويه -فى قولك: أكل يوم تقولُ عمرًا منطلقا؟ -: «لَا نفْصِلْ بها كما لَا
تفْصِلْ بها في قولك: أكلَّ يَوْمٍ زيدًا تضربه:، يعنى أنها لم تغيّر اختيار النصب فى زيدٍ لأجل الفصل، فكذلك هاهنا.
ومثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك: أتقول زيدًا أخاك؟ ومتى تقول عمرًا صديقك؟ وأنشد سيبويه لعُمَر بن أبى ربيعة:
أَمَّا الرحيلُ فَدُونَ بَعْدِ غَدٍ
فِمتى تقولُ الدارَ تَجْمَعُنا؟
بنصب الدار.
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدى، وهو من أبيات الحماسة:
عَلَام تقولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتِقِى
إذا أنا لمْ أطعُن إذا الخيلُ كرّتِ؟
يروى بنصب الرمح ورفعه، والرفع على الرجوع إلى الأصيل من الحكاية، والنصب على إعمال القول.
وقول الآخر:
متى تقولُ القُلُص الرَّواسِمَا
يَحْمِلْنَ أُمُّ قاسِمٍ وقاسما؟
وهو كثير.
ثمَّ قال: وأجرى القولُ كظَنٍ مطلقا.. عند سلِيمٍ»، سليم: قبيلة من
قيس عيلانَ، وهو سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قيس بن عيلان.
وسُلَيم أيضًا: قبيلة فى جُذَام من اليمن.
ويعنى أن القول فى لغة سُليم يجرى مجرى الظنّ بإطلاقٍ من غير تقييد بشرطٍ من الشروط المذكورة فى غيرهم، فسواءُ أكان الفعل ماضيا أو مضارعا أو أمرًا، ولذلك مثّله بالأمر فقال: «نحو: قُلْ ذا مشفقًا»، وسواءُ تقدّمه استفهام أم لا، فتقول: قلت زيدًا قائمًا، ولا أقولُ عمرًا قاعدًا، وأنشدوا:
قَالَتٍ -وكنتُ رجلًا فَطِينا: -
هذا -وربّ البيت- إسرائينا
فنصب إسرائين بقالت مفعولًا ثانيا، جعل اسم الإشارة المفعول الأوّل.
وإسرائين: لغة في إسرائيل.
وعلى هذه اللغة حمل فى الشرح ما أنشده الفارسىّ فى التذكرة وغيرُه، من قولِ الحُطَيئة:
إذا قُلتَ أَنِّى آيب أهلَ بلدةٍ
حَطَطْتُ بها عنه الوَلِيَّة بالهَجْرِ
بفتح أنّ، وذلك يقتضي الإعمال، وقد تأوّله الفارسي على غير لغة سُليم بأنّ جعل القول بمعنى الظن، قال/: ومعناه: إذا قَدَّرت وظننت أنِّي آيب، ولم يحمله على لغتهم؛ لأنّ لغة بني سُليم غير مسلتزمة لمعنى الظنّ.
قال ابن خروف: القول في مذهب بني سُليم على معناه، وعمله عمل الظنّ بخلاف من يشترط فيه الاستفهام، فإنّه عندهم بمنزلة الظنّ معنىً وعملصا، وقد نصّ على ذلك سيبويه بقوله: إنّه لا يكاد يُستفهم عن ظنّ غيره، ولم ينصّ في لغة سُليم على شيء من ذلك.
وما قاله ابن خورف هو ظاهر من كلام سيبويه؛ إذ أطلق القولَ بالإعمال في حكايته عن أبي الخطاب بقوله: «وزعم أبو الخطاب -وسألته غير مرّة- أن ناسًا يوثق بعربيّتهم -وهم بنو سُليم- يجعلون باب (قلتُ) أجمع مثل (ظننتُ)».
يعني يجعلون ما دخله معنى الظنّ وما لا مثل (ظننت) في العمل.
قال ابن الضائع: لو كان معنى الظنّ مشروطًا لاشترط سيبيه ذلك، حيث حكى هذه اللغة.
قال: وأيضًا فلا يحتاج لذلك؛ لأنّ القول الذي هو النطق إنّما يكون عن علم أو ظنّ، فلا بدّ من الظنّ في ذلك.
وأمّا الشلوبين فإنّه زعم أن النصب بالقول إذا لم يكن فيه معنى الظن لا وجه له، وأنّ بني سُليم لا يُعملون إلا على معنى الظنّ، ومعنى كلام سيبويه -عنده- لمّا قال: يجعلون
باب قلت أجمع مثل ظننت»، أى جميع ضروب القول من متكلم وغائب، وماض ومستقبل، مما فيه كلِّه معنى الظن ثم حكى عن بعض المتأخرين أنه فهم من كلام سيبويه أن القول كلّه ما فيه معنى الظن، وما ليس فيه معناه يجرى مجرى الظنِّ، وخطّأه فيه.
وإذا تقرّر هذا فكلام الناظم محتمل للمذهبين معًا، وذلك أن قوله «مطلقا» راجع إلى التقييد المتقدم فى مذهب الجمهور إذا أعملوا، وهو لم يذكر هناك هل القول إذا أعمل معناه معنى الظن أم لا؟ وعلى ذلك ينبنى تعيين مذهبه، لكن تقدم أن معناه هناك معنى الظن، وذكر أن قوله: «ولَتَظن اجعَلْ تقولُ» يريد به فى المعنى والعمل، لأن معنى الظن كالازم لاجتماع الشروط، فيكون إذًا قوله فى هذا البيت: «وأُجري القولُ كَظنَ مطلقا» يريدُ فى المعنى والعمل.
وهو ما نصّ عليه الشلوبين، ويظهر من الفارسىّ وابن جنى فى كلامهما على بيت الحطيئة، لأنهما أجريا فيه القول مجرى الظن بنص الفارسىّ، وتسليم ابن جنى في كتابه التنبيه، ثم قال ابن جنى: فإن قيل: فليس هنا استفهام فكيف جاز استعمال القول استعمال الظن؟ قيل: لم يجز هذا للاستفهام وحده، بل لأن الموضع من مواضع الظن، ولو كان للاستفهام مجردًا من تقاضى الموضع لإنه وتلقّيه إياه [فيه] لجاز أيضا: أأقولُ زيدًا منطلقا؟ وأيقول زيد عمرًا جالسًا؟ ولما لم يجز ذلك لأنه لا يكاد يستفهمه عن ظنّ غيره، وعلمت به أَن جوازه إنما هو لأن الموضع مقتضٍ له، وإذا كان الأمر كذلك جاز
[أيضاً] إذًا: قلت أَنِّى آيبُ، بفتح همزة أنى، من حيث كان الموضع متقاضيًا للظنِّ».
هذا ما قال، واقتضى كلامُه أن بني سليم ينقسم القول عندهم قسمين، قسم يقتضى فيه الموضعُ معنى الظن، فهذا هو المعمل عندهم، وقسمُ لا يقتضى الموضعُ ذلك فيه، فليس بمُعْمَلٍ عندهم.
وهذا محتاج إِلى توقيف، وظاهر نقل الأئمة خلافه.
فهذا وجه مما يحتمله كلام الناظم.
والوجه الثانى: أن يكون قوله: «ولتَظن اجعلْ تقولُ» يريد فى العمل خاصّةً، ويبقى معنى الظن مسكوتا عنه، لم يتعرّض له لعدم الحاجة إليه؛ لأن/ الشروط المذكورة إذا توفرت لزمها معنى الظن، فذكرُها مُغنٍ عن اشتراطه، وإذا تخلّف منها شرط أو أ: ثر بقى الفعلُ على أصل وضعه من الحكاية والدلالة على معنى النطق، ويكون قوله بعدُ: «وأُجرِى القولُ لتَظنّ مطلقًا»، يريد أيضا فى العمل خاصة، ولا ينظر فى لغة سُلَيم إلى معنى ظنٍ ولا غيره، فإذا توفّرت الشروط صار معنى القول كمعنى الظن، وإذا تخلفت بقى على أصل معناه، وربّما يدخله معنى الظن، إن دخل فلا يعتبر؛ إذ ليس ثمّ ما يطلبه.
وعلى هذا يمشى كلامُ الناظم على ظاهر كلام سيبويه ومن وافقه، ولا فرق إذ ذاك عند سليم بين إشرابه معنى الظن وعدم إشرابه ذلك، بل يعلمون القول في القسمين.
وهذا المحمل أولى الاحتمالين، وهو الذى قصد فى التسهيل فقال: «وإلحاقه فى العمل بالظن مطلقًا لغة سليم»، فقيّدَ
الإلحاق بالعمل، ثم قال: «ويخصّ أكثر العرب هذا الإلحاق بمضارع المخاطب الحاضر بعد استفهام».. إلى آخر ما قال، فتأمل كيف لم يتعرّض لإشراب القولِ معنى الظن.
وقوله: «قُلْ ذا مُشْفِقا»، الإشفاق لغة: الخوفُ، يقال: أشفقت عليه بمعنى خفت.
ويقال: أشفقت من كذا، بمعنى حَذِرْتهُ وخِفٍت منه أيضا.
وعلى الناظم بعدُ فى هذا الفصل دَرْكُ من أربعة أوجه:
أحدهما: أن شروط الإعمال فى مذهب الجماعة إذا توفّرت كانت الحكاية جائزة، رجوعًا إلى الأصل فى القول، ولم يلزم الإعمال، قال سيبويه: «وإن شئت رفعت بما نصبت»، يعنى مع اجتماع شروط النصب، كأنه قال: وإن شئت رفعت فى الموضع الذى نصبت فيه.
وبين ذلك المؤلفُ فى التسهيل فقال: «فإن عُدشم شرط رجع إلى الحكاية، وتجوز إن لم يعدم».
وهذا مملا أعلم فيه خلافًا بين النحويين.
وقد تقدّم الوجهين في بيت عمْرو:
عَلَام تَقولُ الرمْحُ يُثْقِلُ عاتِقِى
وأنشد ابن خروف:
متى تقولُ خَلَتْ من أَهْلِها الدارُ؟
كأنَّهُمْ بِجَنَاحَىْ طَائِرٍ طَارُوا
فأتى بجملة محكية بعد استكمال الشروط.
وليس فى نظم الناظم ما
يشعر بالجوار، بل هو يقتضى لزوم الإعمال، لقوله: «وَلتظنّ اجعَلْ تقولُ» فهذا يقتضى اللزوم لأنه أمرُ بالإعمال كما قال أول الباب: «انصب بفعل القلبِ جزءَى ابْتَدِا».
والوجه الثانى: أن الباب الأعمّ والمذهب المطرد فى القول هو الحكاية، وهو لم يتكلم فيها بشئٍ، وإنما تعرّض للإعمالِ وهو الأقل بالنسبة إلى الحكاية، وللغة سُليم وهى قليلة أيضًا بالنسبة إلى جميع اللغات، وترك ما هو الأولى بالبيان من أحكام القول، لا سيما وفيه فى الحكاية تفصيل، وذلك أن ما يقع بعد القول إما أن يكون جملة أو مفردًا، فإن كان جملة حُكِيَتْ على ما كانت عليه قبل دخول القول، نحو: قلت: زيد قائم، (قال الله: هَذَا يَومُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)، (قَالَ الله: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ).
وإن كان مفردًا/ فإما أَنْ يكون فى تقدير الجملة، وهو الذى ليس من لفظِ القول ولا معناه، أو لا، فإن كان كذلك فهو محَلىُّ كالجملة، نحو: قلت: زيد، مجيبا لمن قال: من جاءك؟ ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أنزلَ رَبُّكم؟ قالُوا: أساطيرُ الاولين﴾، كأنهم قالوا: هى أساطيرُ الأولِين، نفيًا لكونه منزلًا -صدق الله وكذبوا.
وإن لم يكن فى تقدير الجملة وجب نَصبُه، كان من لفظ القول أو معناه، نحو: قلت قولًا، وقلت حقًّا وصدقًا، وقلت كذبًا وكلامًا.
أو لم يكن كذلك بل أُريد به مجرد اللفظ، نحو قلتُ زيدًا، أي:
هذا اللفظ.
ومن الأول: ﴿وقيل للذين اتقوا: ماذا أنزلَ ربُّكم؟ قالوا خيرًا﴾.
ومن الثاني: ﴿قالُوا: سمعنا فتى يذكُرهُمْ يُقَالُ لَهُ: إبراهيم﴾، فإبراهيم مرفوع يقال، ولو بنى القول للفاعل لكان منصوبا.
فأنت ترى هذا التفصسل الأكيد لم يذكره على كثرته وعموم البَلْوى به، وذكر لغة سُليم التى يُسْتَغنى عنها لقلتها بالنسبة إلى غيرها.
فإن قيل: قد يؤخذ له حكم الحكاية من مفهوم قوله: «ولتَظُنّ اجْعَلْ تَقُولُ إِنْ وَلِى» كذا؛ لأن معناه أنّ القول يعمل مع توفّر الشروط، فمقتضاه أن الشروط إذا اختلت لم يعمل، وهو معنى الحكاية فيما بعده، فيحصل مرادُه.
فالجواب: أن المفهوم من الكلام ليس ترك الإعمال فقط، بل ترك الإعمال عمل الظنّ، وإذا انتفى عمل الظن بانتفاء شرط لم ينتف الإعمال مطلقا؛ إذ نفي الأخصْ لا يستلزمُ نفى الأعَمّ، لتعدّد ما يبقى من وجوه الإعمال، كإعماله عمل ضرب أو كان إو إنِ، أو غير ذلك من وجوه الإعمال، والإهمال واحد من هذه الوجوه الداخلة تحت المفهوم، فمن أين يتعيّن.
وأيضًا فترك الإعمال مطلقًا لا يصحّ؛ إذ القول لا يعرى عن العَمَل إما فى اللفظ إذا وقع بعده المفرد المحض، نحو: حقًّا وقولًا، وإما فى الموضع إذا وقع بعد الجملة أو المفرد فى تقديرها كما تقدم، والقصد هنا تعيين الحكاية، وهى لا تتعيَّن.
وأيضا لو تعيَّنت لم يصحّ لما فى الحكاية من التفصيل المذكور.
والوجه الثالث من أوجه الدَّرْك: أن قوله: «وإنْ بِبَعْضِ ذى فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ»، حشوُ لا يعطى زيادةً فائدةٍ، علي ما يفهم له من الشطر الذى قبله؛ لأن قوله: «ولم ينفصل بغير ظَرْفٍ، أو كظرفٍ، أو عَمَلْ» يبيّن أن الفصل بها مُحتَمَلْ، فكان الأولى به أن يأتى فى هذا الشطر الثانى بالحكم الذى أغفل، وبيان ما أجمل.
والوجه الرابع: أنه أطلق العبارة فى إجراء القول مجرى الظن، فاقتضى أنه جارٍ مجراه فى جميع ما يتعلّق به من الأحكام المتقدمة، ومن جملتها الإلغاء والتعليق، فكأنه يقول: وَلتَظن اجعَلْ تقولُ فى الإعمال والإلغاء والتعليق وغير ذلك.
وهو إطلاق غير صحيح عنده؛ إذ قد نصّ فى التسهيل أن هذا الإلحاق مقتصر به على العمل، لقوله: «وإلحاقه فى العمل بالظن مطلقا لغة سليم».. إلى آخره/.
وما قاله هو القياس والصواب، أما فى لغة سُليم فظاهر؛ إذ لا يشترط فيه عندهم معنى الظن على ما هو الصحيح، والإلغا والتعليق لا يصح معناهما إلا مع أفعال القلوب، وليس القولُ منها، وإن اتفق معناه فى القول فغير معتبر ولا ملحوظ لعروضه وعدم أصالته.
وأما فى لغة غيرهم فكذلك أيضا، فلم يتصرّفوا فى القول إذا أشرب معني الظن هذا التصرّف، بحيث يقوم مقام فِعْلِ الظن من كلّ وجهٍ، فليس لأحدٍ أن يفعل به ذلك، هذا وليس فى المسألة سماعُ يرجع إليه، فلا اعتماد على هذا الإطلاق لعدم صحته.
وهذه الأوجه الأربعة قويّة الورود على الناظم، يصعُب الجواب عنها.
(ثم قال):