يبق على أصله من الفك, والإدغام نوع من أنواع الإعلال, فقد يدخل له تحت شرط الإعلال.
وفي الثاني: إنه لما لم يتكلم على شروط الجمع بالألف والتاء, ولا عين ما يجمع بهما, ذكر التأنيث الذي إليه يرجع هذا الجمع, وهذا ضعف.
واعلم أن الناظم حكم فيما اجتمعت فيه هذه الشروط بإتباع العين حركة الفاء, ولم يتعرض أولاً لكونه جائزًا أو واجبًا, وظاهر الأمر أنه واجب, إذ أطلق القول فيه, وعلى هذا محمل الأمر فيه, إلا فيما استثنى بقوله:
وسكن التالي غير الفتح أو... خففه بالفنح فكلا قدرووا
فحصل أن ما كان تاليًا للفتح لا يجوز فيه الإسكان, وما جاء من ذلك فشاذ على ما سيذكر إن شاء الله, وذلك صحيح, فتقول في (جفنةٍ): جفنات, وفي (قصعةٍ): قصعات, ولا يجوز: جفنات, وقصعات.
وأما التالي غير الفتح, وهو ما كان قبله ضمة نحو: غُرفةٍ, وخُطوةٍ, وظُلمةٍ, أو كسرةٌ نحو: كسرةٍ, وهند, فحصل من إطلاق القاعدة الأولى الإتباع كما تقدم, وزاد الآن وجهين آخرين:
الإسكان, وهو قوله: "وسكن التالي غير الفتح" أي سكن العين التي تبعت غير الفتح, فكان قبلها ضمة أو كسرة.
وقال: "التالي" والمراد عين الكلمة, وكذلك قال: "أو خففه" فأعاد ضمير المذكر, و"العين" مؤنثة, اعتبارًا بأنه حرف من حروف الكلمة, فعلى هذا تقول في (غُرفةٍ): غُرفاتٌ, وفي (خُطوةٍ): خُطواتٌ, وفي (كسرةٍ): كسراتٌ, وفي (هند): هندات.
والآخر, الفتح, وهو قوله: "أو خففه بالفتح" أي خفف عين الكلمة بفتحها, وإنما قال: "خففه" لأن الفتح خفيف, وهو مما يخفف به, وأيضًا فللتخفيف هنا موقع بالنسبة إلى الاتباع الذي قدم, وهنا الضم أو الكسر؛ ولا شك أن الفتح أخف منه, فقولك: (غُرَفاتٌ, وكسراتٌ) أخف من قولك: (غُرْفاتٌ وكسراتٌ) ولأجل ذلك لزم الإتباع بالفتح, ولم يجز فيه الإسكان لما كان الفتح خفيفًا.
وأجازوا هنا الإسكان والفتح كأنهما فرار من ثقل الإتباع, فتقول في الفتح في (غُرفةٍ): غرفاتٌ, وفي (هند): هنداتٌ, وفي (كسرةٍ): كسراتٌ, ونحو ذلك.
فالمجموع ثلاثة أوجه في العين غير التابعة فتحًا, والتابعة الفتح لها وجه واحد, وهو الإتباع.
وقوله: "فكلا قد رووا" يعني أن هذه الأوجه الثلاثة, في المضموم الفاء والمكسورها, مروية عن العرب, مسموعة من كلامها, وحكاها أهل العربية.
فمما جاء من ضم عين (فُعلةٍ) في الجمع قوله تعالى: } وهم في الغرفات آمنون}.
وقرأ ابن عامر والكسائي وقنبل وحفص: } ولا تتبعوا خطوات الشيطان}.
ومما جاء بالإسكان فيه (خطوات) وهي قراءة الباقين, وحكى اللغويون (غرفات).
ومن الفتح ما أنشده/ سيبويه:
ولما رأونا باديًا ركباتنا... على موطن لا نخلط الجد بالهزل
وذكر أنه سمعه ممن ينشده بفتح الكاف, وحكى أن من العرب من يفتح العين إذا جمع بالتاء, فيقول: ركبات, وغرفات, وقال دريد:
دفعت إلى المفيض وقد تجاثوا... على الركبات مغرب كل شمس
ثم مرجع النظر في كلام الناظم في مسائل:
إحداها: في قوله: "وسكن التالي غير الفتح" فإن الظاهر لبادي الرأي أن لو قال: واتركه على سكونه أو خففه بالفتح, إذ الأصل فيه السكون, وهو الظاهر, فلا ينبغي أن يعدل عن دعواه إلى دعوى سكون عارض بعد الإتباع.
والجواب: أن الأمر على ما يظهر من كلامه من تجدد السكون بعد الإتباع, وذلك أنه إن كان الأصل السكون, كما ذكر, فقد عرض له أصل ثان طاريء عليه, وهو الإتباع, فرقًا بين الاسم والصفة, بدليل لزومه في المفتوح الفاء؛ إذ لا يسوغ أن يقال هنا: إن الفرق بين الاسم والصفة أتوا به على الجواز, حتى تلجئنا الضرورة إلى ذلك, ولأن من عادة الفرق أن يكون لازمًا,
وإلا لم يكن فرقا, فلابد أن يدعى أنه سكون عرض لموجب, والموجب هنا قائم, وهو ثقل توالي الضمتين في نحو: (غرفات) وتوالي الكسرتين في نحو (كسرات) (ومن عادتهم الفرار عن ذلك ألا ترى أنهم يقولون في (رسل) و (كتب) ونحوهما: رسل, وكتب, وفروا من بناء (فعل) بكسرتين, فلم يأتوا منه على ما قاله سيبويه إلا بإبل, وزاد غيره ألفاظًا يسيرة, فلما كانوا يلقاهم في الإتباع هنا ما عادتهم أن يجتنبوه ولو على الجواز, فعلوا تلك العادة هنا, وما ظهر هنا من كلام الناظم هو الظاهر من كلام سيبويه, إذ قال: "ومن العرب من يدع العين من الضمة في (فعلةٍ) فيقول: غروات, وخطوات, ثم تكلم على (مديةٍ) ونحوه, وأنه لا يجوز فيه الإتباع.
ثم قال: "ومن خفف قال: كليات, ومديات".
وقال في (فعلةٍ): ومن قال: (غرفات) فخفف قال: كسرات, فظاهر هذا أن التخفيف فيها من الضم أو الكسر.
وأظن أن الفارسي نص على ذلك في "الحجة" واحتج له, فاستظهر عليه.
وعلى هذا النوع / جرى الفراء في توجيه قراءة من قرأ: } خطوات الشيطان} بالإسكان, وعلى أن ابن الضائع جرى في عبارته على مقتضى السؤال فقال ومنهم من استثقل الضمة فتركه ساكنًا, فانظر فيه.
المسألة الثانية: أنه ذكر الإتباع في الاسم, والبقاء على الإسكان في الصفة, فإذا كانت الصفة قد سمى بها ففي أي قسم تدخل له, مع أنهم قد أجازوا الوجهين, أعنى النحويين, في المسمى بالصفة إذا جمع, اعتبار الأصل فسكنوا, واعتبار الحال فحركوا؟
والجواب: أن هذا القسم يدخل تحت قاعدته, وذلك أن الأصل فيما سمى بالصفة أن تجرد عنه حالة الوضعية, وعلى ذلك جاء قولهم: العبلات, لقوم من قريش, لأن أمهم اسمها (عبلة) وهي منقولة من الصفة, فلو سميت بضخمة لقلت: ضخمات, وكذلك ما أشبهه.
فعلى هذا التقدير تدخل الصفات المسمى بها تحت حكم الأسماء, لأنها قد انتقلت إلى الاسمية, غير أنهم أجازوا لحظ الأصل بعد التسمية رعيًا له, كما رعوه في باب "ما لا ينصرف" فمنعوا (أحمر) بعد التسمية, إذا نكر, الصرف اعتبارًا بالأصل من الوصفية, وكما قال الأعشى:
أتاني وعيد الحوص من آل جعفر... فيا عبد قيس لو نهيت الأحاوصا
فجمع (الأحوص) على (حوصٍ) و (فعل) لا يجمع عليه إلا الوصف, فراعو أصل (الأحوص) إذ هو وصف, فيقال: رجل أحوص, بمعنى
ضيق مؤخر العين, وامرأة حوصاء, ثم راجع الأصل المرجوع إليه من التسمية, فجمعه على (أحاوص) فكذلك يجوز هنا أن يجمع (ضخمة, وعبلة) مسمى بهما على (ضخمات, وعبلات) على هذا التقدير, وإذا كان على مراعاة الوصيفة لحق بالصفة, وخرج في التقدير عن حكم الأسماء, فلزمه الإسكان الذي يلزم الوصف, فدخل تحت كلام الناظم.
المسألة الثالثة: أن الناظم حكى جواز الإتباع حكاية مطلقة, فيظهر منه استواء الجواز في الأوجه الثلاثة بالنسبة إلى (فعل) و (فعل) وفيه نظران:
أحدهما: أن الإتباع في (فعلة) بالضم ليس كالإتباع في (فعلة) بالكسر, من جهة أن العرب لا تستعمل الجمع بالتاء في (فعلة) إلا قليلاً, كراهية توالي الكسرتين, فاستغنوا ببناء الأكثر وهو (فعل) كفقرة وفقر, وكسرة وكسر, وقربة وقرب, لأنه في توالي الكسرتين يشبه (فعلاً), و (فعل) في الأبنية نادر, بخلاف/ (فعل) فإنه يكثر في كلامهم, فمن ها هنا كثر استعمال نحو: غرفات, وخطوات, ولم يكثر سدرات وكسرات.
ذكر ذلك سيبويه, (وعلل بمعنى ما ذكرته), وإذا ثبت هذا فكيف يجعل الإتباع في (فعلة) مساويًا للإتباع في (فعلة) وبينهما ما تراه.
والثاني: أن من مثل (فعلة) ما لا يجوز فيه الإتباع, ويجوز فيه غيره, وهو ما إذا كانت لام الكلمة ياء نحو: لحية, فرية, فلا يقال:
لحيات, فريات, لتوالي الكسرات مع الياء, بخلاف (خطوات) ونحوه, فإنه جائز وإن توالت الضمات مع الواو, فقد قال سيبويه: "وتقول: لحية ولحى, وفرية فرى, ورشوة ورشًا".
قال: "ولا يجمعون بالتاء كراهية أن تجيء الواو بعد كسرة - يعني في (رشوةٍ) لو قلت: رشوات - واستثقلوا الياء هنا بعد كسرة - يعني في (لحية) لو قلت: لحيات - قال: "فتركوا ذا استثقالاً, واجتزوا ببقاء الأكثر".
يعني الجمع على (فعل).
ثم ذكر أن من قال: كسرات: قال: لحيات.
فهذا كالصريح في المنع, ويرشحه أنه قرنه بما يمتنع اتفاقًا, وهو (رشوات) فظاهر كلام الناظم مشكل.
والجواب عن النظر الأول: أن من عادته أن يأتي بمثل هذا مجملاً, فلا يعين الأقل من الأكثر إذا كان الجميع جائزًا في الكلام؛ إذ لا محظور.
وعن الثاني: أن السيرافي: زعم أن الإتباع يجوز في (لحية) وبابه, هكذا غير مقيد بقلة, قال: لأنه لا ينقلب فيه حرف إلى غيره, يعني كما ينقلب في (رشوةٍ) لو أتبعت, إذ لابد من الإتباع من قلب الواو ياء, بخلاف (لحية) لأنها ياء من أصلها, فلعل الناظم اعتمد على هذا النقل, والمؤلف نقل في "التسهيل" الخلاف في المسألة, وذكر في "الشرح" أن من البصريين من منع لاستقلال الياء بعد الكسرتين, ومنهم من أجازه, ولم يذكر هناك نصًا على مرتضاه, وظاهر مذهبه ها هنا الجواز, ويكون اعتماده على ما ذكره السيرافي إن كان سماعًا من العرب, أو قياس منه, وعلى ما يشير إليه رده على الفراء في منعه (فعلات) مطلقًا, على ما أذكره على إثر هذا إن شاء الله تعالى.
المسألة الرابعة: في حكاية ما خالف ما تقدم من المذاهب, فمن ذلك ما ذهب إليه قطرب من إجازة الإتباع في (فعلة) الصفة/، فيجوز عنده أن يقال في (ضخمة): ضخمات, وفي امرأة (عبلة): عبلات, وما أشبه ذلك, وكأنه قاس الصفة على الاسم.
قال المؤلف: ويعضده ما روى أبو حاتم من قول بعض العرب: كهلات, وكهلات - بالفتح (والإسكان) - والإسكان أشهر, وهذا الحرف شاذ نادر, فلا يقاس عليه, وما ذكر من القياس على الاسم فاسد, لأنه مخالف لمقاصد العرب؛ إذ علمنا بالاستقراء أنها قصدت أن تفرق بين الاسم والصفة, وهو أراد أن يجمع بينهما في الحكم, فهو بمثابة من يقيس الفاعل على المفعول فينصب, أو المفعول على الفاعل فيرفع.
ومن ذلك ما ظهر من ابن معط في "أرجوزته" من التفرقة في التحريك بين ما فيه الهاء, كغرفة, وسدرة وبدرة, وبين ما لا هاء فيه نحو: دعد, وهند, وجمل, فأجاز في نحو (خطوة, وسدرة) ثلاثة الأوجه, وفي نحو (بدرة) وجهًا واحدًا, وهو صحيح, وأجاز فيما لا هاء فيه وجهين خاصة, وهما الإتباع والتخفيف, فنحو (دعد) فيه عنده وجهان, ونحو (هند) و (جمل) لا تفتح عينه, هذا ظاهر كلامه, وهو مخالف لما تقدم.
وأيضًا فإن سيبيويه جعل نحو (دعد) مثل ما فيه الهاء, ذا وجه
واحد كجفنة, وأجرى نحو (جمل, وهند) على اللغات فيما فيه الهاء, إلا أنه لم ينص على لغة الفتح, فقال السيرافي: يجوز في (جمل, وهند) ثلاث لغات, كظلمة, وكسرة, فالظاهر أنه ما قاله ابن معط غير ثابت, والله أعلم.
ومن ذلك ما ذهب إليه الفراء من منع الإتباع في (فعلة) المكسورة الفاء, فلا يقول (فعلات) أصلاً, سواء كان لامها ياءً أو غيرها, واحتج بأن (فعلات) يتضمن بناء (فعل) و (فعل) وزن أهمل إلا فيما ندر, كإبل, وبلز, ولم يثبت سيبويه منه إلا إبلاً, وما استثقل في الإفراد, حتى كاد يكون مهملاً, حقيق بأن يهمل ما كان يتضمنه من الجموع, لأن الجمع أثقل من المفرد, والذي رجح المؤلف الجواز, وهو ظاهر هذا "النظم".
وأجاب عما احتج به الفراء من أوجه:
منها أن المفرد, وإن كان أخف من الجمع, قد يستثقل فيه ما لا يستثقل في الجمع, لأن المفرد معرض لأن يتصرف/ فيه بتثنية وجمع ونسب, وإذا كان على هيئة مستثقلة تضاعف استثقالها بتعرض ما هي فيه إلى استعمالات متعددة, بخلاف الجمع, فإن ذلك فيه مأمون.
ومنها أن (فعلاً) كإبل أخف من (فعل) كطنبٍ, فمقتضى الدليل أن يكون أمثلة (فعل) أكثر من أمثلة (فعل) إلا أن الاستعمال اتفق وقوعه بخلاف ذلك فأي تصرف أفضى إلى ما هو أحق بكثرة الاستعمال فلا ينبغي أن يجتنب, بل يحق أن يؤثر جبرًا لما فات من كثرة الاستعمال, ويؤيد هذا أنهم لا يكادون يسكنون عين (إبل) بخلاف (فعل) فإن عينه تسكن كثيرًا.
ومنها أن العرب قد استعملت (فعلات) جمعًا لفعلة, وقد أشار سيبويه إلى أن العرب لم تجتنب استعمله, كما لم تجتنب استعماله (فعلات).
وقد رجح بعض العرب (فعلات) على (فعلات) إذ قال في جمع (جروة): جروات, فاستسهل النطق بكسر عين (فعلات) في ما لامه واو, ولم يستسهل النطق بضم عين (فعلات) في (فعلة) أو أولى بالجواز منه, والقاطع في هذا كله السماع, وقد حكى في غير ضرورة, فلا يعدل عنه.
ومن ذلك ما تقدمت الإشارة إليه من منع من منع (فعلات) في المعتل اللام بالياء, كلحية, فلا تقول لحيات, وهو ظاهر كلام سيبويه, ووجه المنع الاستثقال, لتوالى كسرتين مع ياء, مع عدم السماع أو ندوره.. وظاهر كلام الناظم في إطلاقه جواز مثل هذا, وهو الذي يعطيه رده على الفراء في منع (فعلات) مطلقًا, لأن (فعلات) المعتل اللام بالياء فرد من أفراد ذلك المطلق, فما احتج به يجري في هذا, والمعتمد في الجميع السماع, لأن التعليل بالاستثقال ثان عن كونه معدومًا أو نادرًا, "قف حيث وقفوا, ثم فسر".
وقول الناظم: "فكلا قد رووا" ارتهان منه في النقل في هذه الأنواع كلها.
ولما كان إطلاقه جواز الإتباع قد تضمن إجازة ما هو ممنوع اتفاقًا أخذ في استثنائه من ذلك فقال:
ومنعوا إتباع نحو ذروه... وزبية وشذ كسر جروه
فاستثنى نوعين/ أعطاهما مفهوم المثالين, ويعني أن العرب منعت الإتباع فيما كان من المؤنث المذكور على (فعلة) بكسر الفاء ولامه واو وهو الذي أشار إليه بنحو (ذروة) أو كان على (فعلة) بضم الفاء ولامه ياء, وهو الذي أشار إليه بنحو (ذروة) أو كان على (فعلة) بضم الفاء ولامه ياء, وهو الذي أشار إليه بنحو (زبية) فكأنه قال: كل ما كان من المؤنث على (فعلة) ولامه ياء, أو (فعلة) ولامه واو, فإن العرب امتنعت في جمعه بالألف والتاء من الإتباع, وأجازت ما عداه, فلا يجوز أن يقال في (ذروة): ذروات, ولا في (رشوة): رشوات, ولا ما أشبه ذلك, لما في ذلك من الاستثقال والمنافرة بين الكسرة والواو, لاقتضاء الكسرة قلب الواو ياء, فاجتنبوا ذلك.
وكذلك لا يجوز أن تقول في (زبية): زبيات, ولا في (كلية): كليات, لما في ذلك من استثقال الخروج من الضم إلى الياء, ولاقتضاء الضمة قلب الياء واوا, فاجتنبوه رأسًا.
ثم حكى ما جاء من النوع الأول شاذًا فقال: "وشذ كسر جروة" [يعني أنه جاء هذا اللفظ, وهو (جروة)] مكسورة العين في الجمع بالتاء, ولامه واو, فقالوا: جروات, وأبقوا الواو بعد الكسرة على حالها, وذلك في غاية الشذوذ؛ إذ لم يحك منه سواه, ولذلك خصه الناظم وعينه بقوله: "وشذ كسر جروه" والجروة التي جمعت هكذا: يجوز أن تكون أنثى الجرو, وهو ولد الكلب والسباع, أو الجروة التي هي الصغيرة من القثاء.
وذروة الشيء: أعلاه, وكذلك ذروته, وذراه, والزبية: حفرة
يحفرها الصائد لما يصاد من أسد أو صيد ونحوه, والزبية أيضًا: الرابية لا يعلوها الماء, ثم قال:
ونادرًا أوذو اضطرارٍ غيرما... قدمته أولأناس انتمى
يعني أن ما عدا ما تقدم في الجمع بالألف والتاء, من الإتباع, والتسكين, والتحريك بالفتح, فهو خارج عن جمهور كلام العرب, إما أنه وقع نادرًا, وإما اضطرارًا, وإما أنه نقل عن قوم من العرب مخصوصين, وأما ما تقدم فإنما انبنى على مشهور كلامهم.
وهذه الأنواع الثلاثة التي ذكر متباينة في المعنى.
فالنادر هو الذي جاء في الكلام المنثور قليلاً جدًا, بحيث لا يبنى عليه لقلته.
وذو الاضطرار هو/ ما جاء في الشعر لضرورة الوزن, ولولا الوزن لتكلم به على ما يعطيه القياس.
والذي انتمى لأناس هو ما كان لغة لبعض العرب, إختصوا بالتكلم بها دون سائر قبائل العرب, بحيث تنسب إليهم خصوصًا دون أن تنسب إلى مطلق كلام العرب, فيقال: هذه لغة بني فلان.
وقوله: "أولأناس" يشعر بأقليتهم بالنسبة إلى سائر العرب, وعلى هذا النوع أحال على ما يذكر بحول الله.
ولابد من ذكر ما حضر من مثل هذه الأنواع الثلاثة وبها يتبين كلام الناظم.
فأما النادر فمنه قولهم: عيرات, (في جمع عير, وهي جماعة الإبل تحمل الميرة, قال في الشرح: "وأما عيرات في جمع (عير)
فجائز عند جميع العرب مع شذوذه عن القياس" وإنما شذ من جهة تحريك عينه, وهي حرف علة؛ إذ كان السكون فيها أخف فالتزموه, وخرجوا بهذه اللفظة عن ذلك الأصل, وأما هذيل فهم فيه على أصولهم, وإنما ندروه من جهة التزام جميع العرب ذلك فيه, قال سيبويه: "حركوا الياء, وأجمعوا فيها على لغة هذيل", قال الكميت أنشده السيرافي:
(عيرات الفعال والحسب العود إليهم محطوطة الأعكام)
ومنه ما تقدم من قولهم: جروات, وقد تقدم وجه شذوذه.
ومنه على مذهب سيبويه ومن تبعه قولهم: لجبات في (لجبة) حيث اعتزم من يسكن في الإفراد أن ينتقل إلى لغة من يحرك وهو وصف, وعلى هذا المعنى يمكن أن يحمل قولهم: ربعات, إن ثبت أن بعض العرب يفتح في الإفراد, وأن من يسكن فيه يفتح في الجميع.
ووجه سيبويه (ربعات) بأن أصله اسم مؤنث يقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد, فصار كالوصف بخمسة, إذا قلت: مررت برجال خمسة.
قال ابن الضائع: ولزوم التاء في (ربعة) يدل على ذلك.
قال ابن الضائع في (لجبات) بعد ما ذكر قول سيبويه: ويمكن أن يقال: لما كانت هذه الصفة مختصة بالمؤنث أشبهت الأسماء, حيث لم تكن التاء فيها
علامة للتأنيث, لأنها كالتاء في (ناقة) ومن الفتح في الوصف قولهم: كهلات في (كهلة) ففتحوا في الجمع, وهو وصف قطرب.
وقال يونس: امرأة عدلة, وعدلات, فحرك, وقال: قوم ربعة وربعات, وقال يونس: شاة لجبة, ولجبات, فحرك الجمع, وقال: لا أعرف: لجبة, بالتحريك ومن الإسكان في الاسم قولهم: (أهلات) في (أهل) وأهلات أشهر.
قال سيبويه: "وقالوا: أهلات, فخففوا, شبهوها بصعبات, حيث كان (أهل) مذكرًا تدخله الواو والنون", قال: "فلما جاء مؤنثًا كمؤنث (صعب) فعل به كما فعل بمؤنث (صعب) ", يعني أنهم أنثوا (أهلاً) فقالوا: أهلة, وجمعوا فقالوا: أهلون في (أهل) فصار لذلك مثل: صعب, وصعبة, وصعبون, فعومل معاملته.
ومما جاء منه مؤنثًا قول الشاعر, أنشده السيرافي, وأنشده الفراء أيضًا, قال أنشدني المفضل:
وأهلة ود قد تبريت ودهم... وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي
وأما الاضطرار فمنه قول الشاعر:
وحملت زفرات الضحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشى يدان
فأسكن عين (فعلات) وهو اسم, وقال ذو الرمة:
أبت ذكر عودن أحشاء قلبه... خفوقًا ورفضات الهوى في المفاصل
أراد "ورفضات" فأسكن ضرورة, وأنشد ابن خروف قال أنشده الباهلي في "معانيه":
ولكن نظرات بعين مريضة... ألاك اللواتي قد مثلن بنا مثلا
أراد "نظرات" وقال عدى بن الرقاع:
يكابد نفحات الهواجر والضحى... مكافحة بالمنخرين وبالفم
وإنما سهل هذا النوع شيئًا أنها مصادر, والمصادر تشبه الصفات, فهي أسهل في القياس من (تمرات) لو قيل.
وأما اللغات الأقلية بالنسبة إلى ما ذكر, فمنها ما حكى أبو الفتح عن
قوم من العرب من تسكين عين (فعلات) إذا كانت اللام معتلة, فيقول في (ظيبة): ظيبات, وفي (شريه): شريات, واللغة المشهورة: ظيبات, شريات.
ومنه لغة هذيل, أنهم يفتحون عين (فعلات) المعتلة, فيقولون في (جوزة): جوزات, وفي (بيضة): بيضات, وفي (سيرة): سيرات, وفي (عير): عيرات.
قال الفارسي عن قطرب: وزعم يونس أن (توبة) و (توبات) بالتثقيل يقولها ناس كثير, قال:
أبو بيضات رايح متأوب... رفيق بمسح المنكبين سبوح
وقال الشلوبين: قياس لغة هذيل الفتح في نحو: دولة, ودولات, وصوفة, وصوفات, وكأنه إنما قال هذا لأنه لم يسمعه نقلاً عن لغتهم, ولا شك أن القياس سائغ.
وقول الناظم: "أولأناس انتمى" أي: انتسب.
يقال: انتمى فلان, إذا انتسب, و"غير ما قدمته" مبتدأ خبره "نادر" وما بعده.
بين يدي التحقيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
وبعد، يخرج هذا الجزء على غير ما خرجت عليه الأجزاء الأخرى من هذا الشرح المبارك؛ إذ اشترك في تحقيقه ثلاثة من أساتذة الصرف في قسم الدراسات العليا من كلية اللغة العربية في جامعة أم القرى، هم:
أ. د. محمد بن إبراهيم البنا، وقد أسند إليه تحقيق جمع التكسير.
أ. د. السيد تقي عبد السيد، وقد أسند إليه تحقيق التصغير.
أ. د. سليمان بن إبراهيم العايد، وقد أسند إليه تحقيق النسب.
ولهذا الجزء قصة مجملها أن بعض الزملاء الأعزاء كان التزم بتحقيقه، ولم يمكنه إنجاز العمل لموانع أو صوارف أو شواغل شغلته، لا تخرج عن باب العلم، ونشاطه في التحقيق، ووجد مجلس مركز إحياء التراث الإسلامي وإدارته نفسه في موقف حميد؛ إذ حقِّق الكتاب كله، ولم يتبقَّ منه إلا هذا الجزء، والأمر يحتمُ العجلة والإسراع في أمر طال انتظاره، وإسناد تحقيقه إلى واحد قد يمطل الأجل، ويطيل الزمن.
فكان الرأي أن يقسم بحسب أبوابه الثلاثة، وأن يسند تحقيق كل باب إلى أستاذ، فكان العمل على الصورة المثبتة في صدر الحديث، ثم جدت بعد ذلك أمور، فرجع الأستاذان: محمد البنا والسيد تقي إلى عملهما في مصر، وأكملا تحقيق ما أسند إليهما هناك، وتمت إجراءات النشر من المراجعة، والطباعة، والتصحيح في غيبتهما، وكان لي شرف تصحيح تجارب الطباعة، وشاركني تلميذي د. محمد الدغريري، وأرجو أن تنال شيئاً من رضا الجميع، وإن كانت الطباعة لا تأتي على جميع رغبات المحقق، خاصة
الضبط، فإن الكَتَبَةَ عادةً يحاولون التخلص منه أو التخفف، لكن عمل أو بقي منه ما هو بالإمكان، وما تدعو إليه الضرورة، وليغفر لنا القارئ ترك ضبط أشياء واضحة، أو السهو عن ضبط ما يحتاج إلى ضبط، مما كان المحققون قد ضبطوه وأحكموه؛ لأن مثل هذا الكتاب إنما تقرؤه فئةٌ من المختصين، أو نبهاء الطلاب ومتقدميهم، وإليهم يساق الكتاب، وهؤلاء لا يخفي عليهم كثير مما يخفى على غيرهم.
وإن محققي هذا الجزء ليشكرون كلَّ من أسهم في هذا الجزء مراجعة أو نشراً، من القائمين على أمور معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، ومركز إحياء التراث، ولا سيما الزميل العزيز د. مطر بن مسفر الزهراني مدير المركز سابقاً، الذي تابع مراحل هذا الكتاب في آخرها، وأولاه كل اهتمامه، مع أعمالٍ أخرى غيره، حتى بعد انتهاء فترة عمله، وهو في سنة تفرغه العلمي، وكان لمتابعته واهتمامه أكبر الأثر في تمام العمل وظهوره، فله منا الشكر والعرفان، وندعو الله أن يجزيه خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أ. د. سليمان بن إبراهيم العايد
أستاذ العلوم العربية (اللغويات)
قسم الدراسات العليا - كلية اللغة العربية
جمع التكسير
تحقيق الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنا