شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 383-415

فمالي إلا الله لا رب غيره... ومالي إلا الله غيرك ناصر وإن تأخرت عن المستثنى فلأحدها حكمه إن كان منفردًا، وللبواقي النصب على الاستثناء، فتقول: قام القوام إلا زيدًا إلا عمرًا، وما قاموا إلا زيدٌ إلا عمرًا على المختار، وما قاموا إلا زيدًا إلا عمرًا على غير المختار، هذا معنى ما قاله على الجملة، ثم رجع إلى لفظة فقال رحمه الله: وإن تكرر دون توكيدٍ فمع... تفريغٍ التأثير بالعامل دع في واحدٍ مما بإلا استثنى... وليس عن نصب سواه مغني يعني أن إلا إذا كررت مع مستثنى ولم يرد بالتكرير التوكيد فمع تفريغ ما قبلها لا يصح تأثير العامل في واحدٍ من تلك المستثنيات، وإنما يعمل فيه المفرغ له، وهذا يدل على أن العامل المتقدم على إلا ليس هو العامل في المستثنى، أعني المفرغ لما بعد إلا، والمشغول في القسم الآتي، وإنما يعمل فيه غير ذلك، وهو إلا نفسها على ما تقدم، ولا أثر للفعل، ولا لغيره في نصب المستثنى؛ لأنه جعل المفرغ مانعًا لعمل العامل فيه، وهذا يدل على أنه غيره، وإذا كان غيره فهو ما حصلت الإشارة إليه فيما تقدم، فالعامل في قوله: "التأثير بالعامل دع" هو إلا، و"التأثير" منصوب بدع، و"في واحد" متعلق بدع أيضًا، ولا يتعلق بالتأثير؛ لما يلزم من اعتراض دع بين أثناء الصلة، وهو أجنبي منها، وقوله: "في واحد" يريد أي واحد كان منها، متقدمًا كان على البواقي أو متأخرًا؛ إذ الرتبة في هذا غير لازمةٍ، بل يجوز أن تقول: ما جاءني إلا زيدًا إلا عمرو، فيكون "إلا عمرو" هو

المفرَّغُ له، وهو متأخر، ويجوز: ما جاءني إلا زيدٌ إلا عمرًا؛ وسبب ذلك أن المستثنى يجوز تقديمه على المستثنى منه أو ما يقوم مقامه، قال سيبويه: "وإن شئت قلت: ما أتاني إلا زيدًا إلا عمرو، فتجعل الإتيان لعمرو، ويكون زيدٌ منتصبًا من حيث انتصب عمرو" يعني على الاستثناء في المسألة الأولى، قال: "فأنت في ذا بالخيار إن شئت نصبت الأول ورفعت الآخر، وإن شئت نصبت الآخر، ورفعت الأول".
ثم قال: "وليس عن نصب سواه مغنٍ" يعني أن ما عدا المستثنى الذي اشتغل به العامل المفرغ له لا بد له من النصب، ولا يغني النصب غيره فلا يتبع على البدل؛ لما يلزم من إبدال المستثنى من المستثنى؛ لأنهما معًا مستثنيان.
قال السيرافي: "لا بد من رفع أحدهما مع التفريغ؛ لأن الفعل المنفي لا فاعل معه، ولا يرفع الآخر؛ لأن المرفوع بعد إلا على أحد وجهين: إما على التفريغ، وإما على البدل، ولا يصح واحدٌ منهما، فوجب النصب لأحدهما" و"مغنٍ" واقع على ما عدا النصب، وهو الرفع أو الجر على البدل، وهو اسم ليس، وخبرها محذوفٌ و"عن نصب سواه" متعلق بمغن، والتقدير: ليس ثم أو ليس في الوجود أو في الحصول إعراب ٌ مغنٍ عن نصب سواه، واستعمل سوى متصرفة على مقتضى اختياره فيها على حسب ما يأتي ولا يعني بالنصب هنا مطلق النصب على أي وجهٍ كان، وإنما يعني النصب على الاستثناء.
فكأنه يقول: لا بد فيه من النصب على الاستثناء، ولو حملت العبارة على إطلاقها لأوهم أنه يصح النصب على البدل إذا كان المستثنى الأول المفرغ له

العامل منصوبًا نحو: ما رأيت إلا زيدًا إلا عمرًا، والنصب على البدل كالرفع من غير فرق، ويبين هذا القصد من كلامه نصه على التزام النصب؛ إذ لا يكون ذلك إلا مع النصب على الاستثناء، وأما النصب على البدل إذا كان ما قبله منصوبًا فغير متجهٍ؛ لأنه كالرفع والجر، فمن حيث امتنعا يمتنع النصب، ولا وجه لجواز البدل في النصب، ومنعه في الرفع والجر.
ثم قال: ودون تفريغٍ مع التقدم... نصب الجميع احكم به والتزم يعني إذا تقدمت المستثنيات على المستثنى منه؛ وذلك مع عدم التفريغ؛ إذ هناك يتصور التقديم فلا بد من نصبها كلها، فتقول: ما جاءني إلا زيدًا إلا عمرًا أحدٌ، ولا يجوز الرفع في واحد منها كما جاز في قولك: ما جاءني إلا زيدٌ أحدٌ؛ لأن البدل لا يصح كما لو تأخرت المستثنيات؛ لأن المستثنى لا يكون بدلًا من المستثنى، قال سيبويه: "وذلك أنك لا تريد أن تخرج الأول من شيء تدخل فيه الآخر" يعني أنك لم ترد أن يكون الأول مستثنًى منه، والثاني مستثنًى، وإنما هما معًا مستثنيان من المتروك، والبدل إنما يكون حيث يوجد مدخل ومخرج، وذلك معدوم هنا، فامتنع الرفع؛ فلذلك قال الناظم: "نصب الجميع احكم به" وأكده بقوله: "والتزم" أي التزم الحكم بالنصب، ولا تتعداه إلى غيره، ويريد النصب على الاستثناء، لا النصب مطلقًا كما تقدم في قوله: "وليس عن نصب سواه مغن"، و"نصب" منصوب بمقدرٍ من باب الاشتغال، والمفسر قوله: "احكم به" و"دون تفريغ" متعلق باسم فاعل هو حالٌ من الضمير في (به) أي احكم بالنصب حال كونه دون تفريغ، و"مع التقدم" متعلق باحكم، وقوله:

"والتزم" على حذف المفعول أي: والتزم الحكم بذلك أو النصب.
وانصب لتأخير وجيء بواحد... منها كما لو كان دون زائد كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي... وحكمها في القصد حكم الأول قوله: "وانصب لتأخير" أراد النصب على الاستثناء، ومعنى الكلام أن تلك المستثنيات إذا تأخرت عن المستثنى منه فالنصب أيضًا لازمٌ فيها إلا في واحدٍ منها أي واحدٍ كان، فإن حكمه في جواز النصب أو الإتباع كما لو كان وحده دون استثناءٍ آخر، فتقول: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ إلا عمرًا، برفع زيد على البدل، وهو المختار، وما أتاني أحدٌ إلا زيدًا إلا عمرًا بنصبهما معًا على غير المختار، ومثل ههنا بقوله: لم يفو إلا امرؤ إلا علي" وعلي خلاف امرئ فأتى بأحدهما مرفوعًا على ما يجب، وكان الأصل أن يقول: إلا عليًا، وبه يتم المثال ليتبين المراد إلا أن النظم ألجأه إلى الإتيان به على لغة.
جعل القين على الدف إبر وكذلك تفعل في الإيجاب إلا أنه لا أثر للحكم في الظاهر، وقوله: "وجيء بواحدٍ منها" لم يقيد فيه ذلك الواحد بكونه أولًا أو ثانيًا ليظهر أن كل واحدٍ منهما قابلٌ لما حكم به، فيجوز أن يكون المحكوم عليه الأول أو الآخر فتقول: ما أتاني أحدٌ إلا زيدًا إلا عمروٌ فترفع الآخر على البدل، وتنصب الأول، وذلك

ظاهر، إلا أن هذا المثال في ظاهره ليس من هذا القسم بل من قسم المفرغ له العامل، فكان حقه أن يأتي به هنالك، أو يأتي هنا بغير مفرغ، ولكن يقال: هذا مثال لقسم المكرر على غير التوكيد، أتى به في آخره كما أتى للأول، وهو المكرر للتوكيد، بمثال في آخره فاتفق أن كان من المفرغ.
وأما قوله: "وحكمها في القصد حكم الأول" فالضمير في حكمها عائدٌ على المستثنيات الثواني للأول، ويعني أن المستثنى الثاني وما بعده حكمه في المعنى المقصود حكم المستثنى الأول في أنها كلها مخرجات من المستثنى منه المذكور أو المتروك، قال في الشرح: "وما بعد الأول من هذا النوع مساوٍ له في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجبٍ، وفي الخروج إن كان موجبًا" انتهى.
واختلاف إعرابها لا يخرجها عن ذلك المعنى، قال السيرافي: "المستثنيان وإن اختلف إعرابهما مشتركان في معنى الاستثناء، وإنما رفع أحدهما ونصب الآخر على ما يوجبه تصحيح اللفظ" قال: "ويدل على أنهما مستثنيان معًا أنك لو أخرت المستثنى منه وقدمتهما نصبتهما"، وقال ابن خروف: إن الكل مستثنى من مقدر.
فإن قلت: فإذا كان حكمها كلها واحدًا على حكم الأول فكان ينبغي أن يعطف بعضها على بعضٍ، فإن ابن الناظم قال: "إنهم قصدوا بالمستثنى الثاني إخراجه من جملة ما بقي بعد المستثنى الأول، وبالثالث إخراجه من جملة ما بقي بعد المستثنى الثاني" قال: "ولم يقصدوا إخراجها دفعة واحدة وإلا وجب العطف".

واعلم أن هذا الحكم الذي ذكر عامٌ فيما كان من المستثنيات يمكن استثناء بعضها من بعضٍ، وفيما لا يمكن فيه، أعني الحكم بوجوب النصب فيها أو جوازه، ورفع أحدها في التفريغ أو غيره، إلا أن التمثيل بقوله: "كلم يفو إلا امرؤ إلا علي" تعيين لأحد القسمين، وهو قسم ما لا يصح فيه استثناء بعض المستثنيات من بعض، فعلى هذا القسم حكم بأن حكمه حكم الأول؛ لأن المستثنيات فيه لا يصح رجوع بعضها إلى بعض، ولا استثناؤه منه حسب ما أعطاه التمثيل، وانبنى على ذلك أمران: أحدهما: أن كل ما كان من المستثنيات كذلك فهذا حكمه، فإذا قلت: له عندي عشرة إلا اثنين إلا اثنين فالمقر به ستة؛ لأن الجميع مخرج من العشرة، وكذلك إذا قلت: له عندي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة، أو قلت: له عندي [عشرة إلا] ثلاثة إلا أربعة، وهو رأي الأكثر في هذا؛ لأن الأخير لا يمكن استثناؤه مما قبله، والقائل: إلا اثنين إلا ثلاثة مقر بخمسة، والقائل: إلا ثلاثة إلا أربعة مقر بثلاثة.
وذهب الفراء إلى أنهما ليسا بمستثنيين من العشرة- فيكون قد أقر بخمسة أو بثلاثةٍ بل يحكم بأنه قد أقر بأحد عشر؛ لأنه عنده في تقدير: له عندي عشرة إلا اثنين فليسا له عندي إلا الثلاثة التي له عندي، وكذلك الأخرى في تقدير: له عندي عشرةٌ إلا ثلاثة، فليست له عندي سوى الأربعة التي له عندي، وارتضاه المؤلف في التسهيل، وشرحه، وظاهر إشارته هنا أنه مع الجمهور، وهو الأصح قياسًا على مسألة: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا،

ولأن الاستثناء الثاني لا يمكن على هذا المعنى إلا أن يكون منقطعًا، فيكون التقدير: له عندي عشرةٌ إلا ثلاثة سوى الأربعة التي له عندي، ومتى أمكن حمله على الاتصال لم يجز حمله على الانفصال.
فإن قيل: يعين الحمل على الانفصال هنا أنه لو أراد استثناءها من الأول معًا لقال: عشرة إلا سبعة لأنه أخصر، فتخصيصه الثلاثة بالاستثناء ثم جاء بالأربعة دليل على أن الأربعة تزاد على ما أقربه أولًا، وهي السبعة.
فالجواب: هذا لازم في: عشرة إلا ثلاثة، فلقائل أن يقول: لو أراد استثناء الثلاثة من الأول لقال: له عندي سبعة لأنها أخصر، فأن لم يفعلوا ذلك دليل على أنهم قصدوا أمرًا آخر، وهذا فاسدٌ.
فإن قيل: إن للعرب في كلامها تصرفاتٍ كثيرةً فلا يمتنع مثل هذا عليها.
قيل: فكذلك يلزم في مسألتنا.
والأمر الثاني: أن قاعدته تشعر بأنه إذا أمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض فليس الحكم كذلك خلافًا لمن زعم أن الحكم في القسمين واحدٌ.
وفي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن الجميع مخرجٌ من الأول، فإذا قلت: له عندي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة فالمقر به خمسة كما تقدم، وإذا قلت: عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين فكذلك وهذا إذا أمكن أن تكون المستثنيات كلها مخرجة من الأول.
والثاني: مذهب الفراء المتقدم فيجعل الاستثناء الثاني منقطعًا كما تقدم.
والثالث: مذهب الأكثر أن يجعل الثاني مستثنى من الأول، والثالث مستثنى من الثاني، فإذا قلت: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، فالثلاثة مخرجة من العشرة، والاثنان مخرجة من الثلاثة، فالمقر به إذًا تسعة، وليس في كلام

الناظم ما يعين هذا الأخير، ولا ما قبله، وفيه ما يعين مخالفته للأول من جهة ما أشار إليه من مخالفة القسم الأول لهذا القسم في حكم الإخراج، ولما لم يتعين له رأي في هذا القسم لم نتعرض للاحتجاج عليه.
وبالله التوفيق ثم قال: واستثن مجرورًا بغيرٍ معربًا... بما لمستثنًى بإلا نسبًا أدوات الاستثناء على أربعة أقسام: قسم هو حرف فقط، وذلك إلا، وهو الذي قدم الكلام عليه، وقد فرغ من شرحه، والحمد لله، وقسم هو اسم فقط، وذلك غير وسوى، بلغاتها، وهو الذي شرع في الكلام عليه، وقسم هو فعل فقط، وذلك ليس، ولا يكون، وقسم هو متردد بين الفعلية والحرفية، تارة يكون فعلًا، وتارةً يكون حرفًا، وهو خلا، وعدا، وحاشا بلغاتها.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأصل في غير أن تكون صفةً؛ لأنك تقول: مررت برجلٍ غيرك، تريد أنه مغايرٌ لك، كما تقول: مررت برجل مثلك على معنى مماثلك غير أنها ضمنت معنى إلا حيث يصح ذلك فيها، وذلك إذا تقدم ما يكون المضاف إليه غير جزءٍ منه، فتقول: قام القوم غير زيدٍ، تريد غايرهم في أنه لم يقم، لأنك لا تريد أن القوم ليسوا زيدًا، وإذا صح فيها معنى إلا بتضمينها إياه جرت مجرى إلا في الاستثناء بها كما يستثنى بإلا؛ فلذلك أدخلوها في حكمها، فيريد الناظم أن غيرًا يستثنى بها ما أضيفت إليه فتعرب معه بإعراب الاسم الواقع بعد إلا، فكل حكم لزم فيما بعد إلا فهو لازمٌ في غير، من نصب، وإتباعٍ، واتصال، وانقطاع غير أن إعراب ما بعد إلا من رفعٍ أو نصبٍ أو جرٍ حاصلٌ في غيرٍ لا فيما بعدها؛ إذا كان ما بعدها قد استحق الجر بالإضافة؛ لأن غيرًا من الأسماء فهي بمنزلة ما بعد إلا في الإعراب، وبمنزلة إلا نفسها في معنى الاستثناء، فقوله: "واستثن مجرورًا بغيرٍ" أي اجعل المجرور بغيرٍ هو المستثنى، وغيرًا أداة الاستثناء،

و (معربًا) حالٌ من غير، أي استثن بهذا الاسم حالة كونه معربًا بإعراب ما بعد إلا مما نسب إليه فيما تقدم، والذي نسب إلى ما بعد إلا هو جميع ما تقدم من الوجوه، فإذا كان الكلام موجبًا فالنصب في غيرٍ، نحو: أتاني القوم غير زيدٍ، وإن كان غير موجب فالإتباع إن لم يكن العامل مفرغًا هو المختار، نحو: ما أتاني القوم غير زيدٍ، ويجوز النصب قليلًا، نحو: ما أتاني القوم غير زيدٍ، وإن كان مفرغًا فالجريان على حكم العوامل المتقدمة، نحو: ما أتاني غير زيدٍ، وما مررت بغير زيدٍ، وما زيدٌ غير قائمٍ، وكذلك يجري الاستفهام والنهي فيها مجرى النفي، فتقول: هل أتاك أحدٌ غير زيدٍ، على البدل، وغير زيد- على الاستثناء، وهل أتاك غير زيدٍ- على التفريغ، ولا تمرر بأحدٍ غير زيدٍ، ولا تمرر بغير زيدٍ.
وسائر الأحكام في الاتصال كذلك، وكذلك في الانقطاع أيضًا النصب في الإيجاب لازمٌ، وفي غير الإيجاب النصب في لغة الحجازيين، والإتباع جوازًا في لغة التميميين، نحو: جاءني القوم المسافرون غير زيدٍ المقيم، وما في الدار أحدٌ غير حمارٍ وغير حمارٍ، وما أشبه ذلك.
وكذلك يكون النصب مع تقديم المستثنى على المستثنى منه أولى في النفي وشبهه، نحو: ما أتاني غير زيدٍ أحدٌ، وما أتاني غير زيدٍ أحدٌ، على خلاف المختار.
وما جرى من المسائل في تكرير إلا جارٍ في تكرير غيرٍ، فقد تقول: ما أتاني غير زيد غير أبي عبد الله، وما أتاني أحدٌ غير زيد غير أبي عبد الله، وما أتاني غير زيدٍ غير عمر أحدٌ، وما أتاني أحدٌ غير زيدٍ غير عمروٍ، وما أشبه ذلك- الحكم في هذه المسائل كلها واحدٌ، والمعنى واحدٌ؛ إذ قد اشتركا أيضًا في معنى الوصف الأصلي؛ فلذلك أتى الناظم بما المقتضية للعموم في قوله: "بما لمستثنى بإلا نسبا"، أي معربًا بجميع ما نسب للمستثنى بإلا، فإذا تقرر هذا فههنا ثلاث مسائل متعلقة بهذه القاعدة.

إحداها: أنه لما جعل حكم غير حكم ما بعد إلا كان ذلك ظاهرًا في أن نصبها في المواضع التي ينصب ما بعد إلا على الاستثناء فيها نصب على الاستثناء، فإذا قلت: جاء القوم غير زيد، فغير منصوب على الاستثناء إذا أشربت معنى إلا لا على الحال خلافًا لمن زعم ذلك؛ لأن الحال أصلها الصفة "لكن امتنع جريانها على الموصوف حين اختلفا في التعريف والتنكير، وإذا كان أصلها الصفة"- وهي الآن كذلك بالفرض- فلم يدخلها معنى إلا كما في نحو: قام القوم غير زيدٍ، فالظاهر أن النصب على الاستثناء، ولا يحتمل الحال مع إشراب معنى إلا.
نعم يجوز أن تكون حالًا من حيث أن تكون صفةً بغير إشكال.
والثانية: أن قوله: "معربًا بكذا" مشعرٌ بتصرفه بوجوه الإعراب، وذلك ظاهرٌ في أنه لا يجوز بقاؤه على حالةٍ واحدةٍ بإطلاقٍ، وهو معنى كونه لا يبنى مطلقًا أضيف إلى معرب أو إلى مبني، وهذا مذهب البصريين: أنه لا يطلق فيه جواز البناء، ونقل عن الفراء أن ذلك جائز لتضمنه معنى إلا، فيجوز أن تقول على مذهبه: ما قام غير زيدٍ، وما أتاني غير عمروٍ، ولم يعجبني غلى أن قلت كذا، قياسًا على قول الشاعر: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت... حمامةٌ في غصون ذات أوقال وكلام العرب على خلاف ما قال، إذ لم يأت ذلك في غير إلا عند إضافته إلى

مبني، وهناك يجوز أن تبنى على الفتح اتفاقًا، وأما مع إضافته إلى معربٍ فلا.
والثالثة: أنه أحال في أحكام غيرٍ على حكم ما بعد إلا على العموم فاقتضى أن كل موضع تقع فيه إلا يصح أن تقع فيه غير، وذلك غير مستقيم، لأن إلا قد يقع بعدها المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، فتقول: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ خيرٌ منه، وما جاءني إلا يضحك، ولا تقع غير في هذا الموضع فلا تقول: ما أتاني أحدٌ غير زيدٌ خيرٌ منه، ولا غير يضحك، لأن غيرًا مختصة بالإضافة إلى المفرد فلا تضاف إلى جملة، وأيضًا فإن غيرًا تخالف إلا في مواضع أخر.
وجملة ما يتخالفان فيه خمسة مواضع: أحدها: ما تقدم من صحة وقوع الجملة بعد إلا، ولا تقع بعد غير.
والثاني: أن غيرًا يوصف بها حيث لا يتصور الاستثناء وإلا ليست كذلك، فتقول: عندي درهمٌ غير جيد، ولا تقول: عندي درهمٌ إلا جيد.
والثالث: أن إلا إذا كانت مع ما بعدها صفةً لم يجز حذف الموصوف وإقامتها مقامه، فتقول: قام القوم إلا زيد، ولو قلت: قام إلا زيدٌ لم يجز بخلاف غير فإنك تقول: قام غير زيدٍ كما تقول: قام القوم غير زيدٍ.
والرابع: أنك إذا عطفت على الاسم الذي بعد إلا لم تعتبر إلا اللفظ، فتقول: قام القوم إلا زيدًا وعمرًا، وما قام إلا زيدٌ وعمرو، وإذا عطفت على

الاسم الواقع بعد غير كان لك وجهان: أحدهما: الحمل على اللفظ، فتقول: ما أتاني أحد غير "زيدٍ وعمروٍ، بالجر حملًا على لفظ زيد.
والثاني: الحمل على المعنى، فتقول: ما أتاني أحدٌ غير زيدٍ" وعمرو، برفع عمرو؛ لأن المعنى: ما أتاني إلا زيدٌ وعمروٌ، فهو من باب الحمل على المرادف الذي يقول فيه النحويين الحمل على التوهم.
والخامس: أنك إذا فرغت العامل قبل إلا لما بعدها على أن يكون مفعولًا له صح نصبه بخلاف غير فإنه لا بد من جره، فتقول: ما جئتك إلا ابتغاء الخير نصبًا، وتقول في غير: ما جئتك لغير ابتغاء الخير، ولا تحذف اللام.
فهذه المواضع كلها تنقض على الناظم كليته التي عمم، وقاعدته التي أصل.
والجواب: أن الناظم لم يذكر وقوع الجمل بعد إلا، ولا وقوعها مع ما بعدها صفةً، ولا حكمك العطف على المستثنى، ولا تعرض في هذا النظم لتلك الأحكام المعترض بها في إلا، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه؛ لأنه إنما أحال على ما ذكر هنا، ألا تراع كيف قال: "بما لمستثنى إلا نسبا" يعني ما أضيف إليه في نظمه هذا من الأحكام، ولا شك أن جميع ما ذكر في ما بعد إلا جارٍ في غير.
وأما مسألة المفعول له فغير داخلة عليه، إذ قد قدم أن من شرطه أن يكون مصدرًا، وغير ليس مصدرًا، فقد تخلف فيه شرط النصب فلا بد من الجر باللام.
والقاعدة العامة في غير مع إلا أن غيرًا لا تقع موقع إلا في الاستثناء إلا أن تكون غير على أصلها وتجري في الاستثناء، وأصلها أن تجري صفة على

ما قبلها كما أن إلا لا تقع موقع غير في الصفة إلا حيث تكون إلا على أصلها من الاستثناء، ولا تكون كذلك إلا ومعنى الاستثناء حاصلٌ فيها، فإلا لا تفارق أصلها كما أن غير لا تفارق أصلها.
وهذه القاعدة هي أصل النظر في الأداتين فتأملها.
[ثم قال]: ولسوى سوى سواءٍ اجعلا... على الأصح ما لغير جعلا أراد: ولسوى وسوى وسواء فحذف العاطف على عادته في أمثال هذا، ونبه بذلك على أن فيها ثلاث لغاتٍ: سوى بكسر السين، وسوى بضمها، وكلاهما مع القصر، وسواء بفتحها لكن مع المد، ومعناها معنى غير، ويريد أن سوى بجميع لغاتها من أدوات الاستثناء، ولها في الاستثناء من الحكم ما تقرر لغير؛ فتقول: قام القوم سواك، وما قام سواؤك بالرفع، لأنه فاعل، وما قام أحد سواؤك، وما مررت بأحدٍ سوائك، كما تقول ما قام غيرك، وما قام أحد غيرك، وما مررت بأحدٍ غيرك، وكذا سِوى وسُوى.
ومما جاء من ذلك قول الفند الزماني من شعراء الحماسة: ولما صرح الشر... فأمسي وهو عريان ولم يبق سوى العدوا... ن دناهم كما دانوا وعلى هذا يجري الحكم في سائر المسائل، والحاصل عنده في سوى أنها مثل غيرٍ بإطلاق، فيكون إعرابها كإعراب غير، وأحكامهم كأحكام غير، ويشمل ذلك

الإطلاق غير باب الاستثناء، فتقع عنده مبتدأ، وفاعلًا، وقد تقدم آنفًا كونها فاعلًا، ومثال كونها مبتدأ ما أنشده ابن الأنباري من قول الشاعر: وإذا تباع كريمة أو تشترى... فسواك بائعها وأنت المشتري وأنشد المؤلف على دخول إن عليها: لديك كفيلٌ بالمنى لمؤملٍ... وإن سواك من يؤمله يشقى وتقع مضافًا إليها بحرفٍ، وغير حرفٍ، فمثال الإضافة بالحرف قول أبي دؤاد، أنشده ابن الأنباري: وكل من ظن أن الموت يخطئه... معلل بسواء الحق مكذوب وأنشد سيبويه للمرار بن سلامة العجلى: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا

وأنشد أيضًا للأعشى: تجانف عن جو اليمامة ناقتي... وما قصدت من أهلها لسوائكا وأنشد ابن الأنباري: أمر على الكتيبة لا أبالي... أحتفي كان فيها أم سواها فالتقدير: أم في سواها، ومثال الإضافة بغير حرفٍ ما أنشده المؤلف من قول الشاعر: ذكرك الله عند ذكر سواه... صارفٌ عن فؤادك الغفلات وقوله: "على الأصح" متعلق باسم فاعل محذوف هو حال من "ما"، والتقدير: اجعل لسوى جميع أحكام غير كائنًا على الأصح، أو مشتملًا أو مستقرًا على الأصح- أو باجعلا.
وهذا إشعار بمخالفته في التعميم للبصريين، فإن الخليل، وسيبويه، والجمهور لا يجعلون سوى وأختيها كما جعلها ابن مالك، بل هي عندهم لازمة النصب على الظرفية، فلا تقع مبتدأة، ولا ترفع على الفاعلية، ولا تجر بالإضافة، فهي من الظروف غير المتصرفة غير أن العرب ضمنتها معنى الاستثناء، إذ وقعت في موضع نصب، نحو: قام القوم سواء

زيدٍ، وسوى زيدٍ، فلا تجري في هذا الباب مجرى غيرٍ إلا في كون ما بعدها مستثنى بها في نحو المثال المذكور، وإنما تجري عندهم مجرى غير في ضرورة الشعر كالشواهد المتقدمة، وأما في الاختيار فلا.
وما ذهب إليه الناظم- هو مذهب الكوفيين أنها تكون عندهم غير ظرف.
وحجته في ذلك القياس والسماع.
أما القياس فإن سواءً أصلها الوصف كقوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم﴾، وقوله: ﴿في أربعة أيامٍ سواءً﴾ الآية، وإذا كانت غير ظرف في أصلها بل صفة متصرفة، فالأصل بقاءها على ما كانت عليه من التصرف حتى يقوم الدليل على عدم التصرف، ولم يقم بعد، ثم تضمينها معنى حرف الاستثناء لا يوجب لها عدم التصرف، ولو كان ذلك كذلك لوجب ألا تتصرف غير حين ضمنت معنى حرف الاستثناء فلما لم يكن ذلك موجبًا في غير لم يكن موجبًا في سواءٍ، وأيضًا فإن معنى سوى وسواء معنى غير، وقد ثبت تصرف غير في باب الاستثناء وغيره، فكذلك يجب فيما كان في معناها، وقد أقر سيبويه بموافقتها لغير في المعنى فقال في: باب ما يحتمل الشعر، بعد ما أنشد بيتي المرار، والأعشى:

إذا جلسوا منا ولا من سوائنا و ما قصدت من أهلها لسوائها "فعلوا ذلك لأن معنى سوى معنى غير" فهذا تصريح بأن معناها معنى غير، وذلك يستلزم انتفاء الظرفية كما هي منتفية عن غيرٍ، ولو كانت ظرفًا لأعطت معنى (في) الذي كانت تتضمنه؛ إذ معنى الظرف ما ضمن معنى (في) من أسماء الزمان أو المكان، وسوى ليس فيها معنى (في)، ولا هي اسم زمان ولا مكان، فلا ظرفية فيها البتة، فهي وغير سواء.
وأما السماع فقد تقدم من الشعر جملة، ومنه في النثر ما في الحديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوًا من سوى أنفسهم" وقوله عليه السلام: "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود" الحديث، وحكى ابن

الأنباري: أتاني سِواؤك، ومن أمثلة الفراء: أتيت سواك، أي غيرك.
فهذا كله دليل واضح على صحة ما تقدم، ولا يبقى في المسألة إلا أن يقال: إن العرب تقول: مررت بمن سواك في شهير الكلام، فتصل الموصول بها كما تصل بسائر الظروف، ولولا أنها ظرفٌ لما جاز ذلك.
والجواب: أنه لا يلزم من معاملتها معاملة الظرف أن تكون ظرفًا "فإن حرف الجر يعامل معاملة الظرف ولم يكن بذلك ظرفًا" وإن سمي ظرفًا فمجاز، فكذلك إن أطلق على سوى لفظ الظرف مجازًا فجائزٌ، أما إطلاقه حقيقة فممنوع.
فإن قيل: فلم وقعت سوى صلةً دون غير، فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن ذلك من النوادر كنصب غدوةٍ بعد لدن، وإضافة ذي إلى تسلم في قولهم: اذهب بذي تسلم.
والثاني: أن سوى لزمتها الإضافة لفظًا ومعنى فأشبهت عند ولدي فعوملت معاملتها في الوقوع صلةً مع كثرة الاستعمال، بخلاف غيرٍ فإنه لا يلزم الإضافة لفظًا فلم يتحقق الشبه.
وقد ظهر من هذا أن سوى وأختيها عند الناظم لا تكون ظروفًا كما زعم البصريون؛ فإنه لما قال: "ما لغير جعلا" ظهر أنها لا تكون ظرفًا؛ لأن عدم الظرفية مما جعل لغير، ودليله ما مر.

واعلم أنَّ جميع ما استدل به الناظم أو استدل له به مبناه على السماع، فإن القياس عند أهل اللسان تابعٌ غير متبوع، أي تابعٌ للسماع من العرب، فالسماع هو الحاكم على القياس، وليس السماع تابعًا للقياس، فلا يكون القياس حاكمًا على السماع، ولذلك قال الإمام: "قف حيث وقفوا ثم فسر" فأخذ الناس هذا منه أصلًا يرجعون إليه.
والسماع الذي اعتمده الناظم أمران: أحدهما: الشعر والآخر الحديث.
أما الحديث فإنه خالف في الاستشهاد به جميع المتقدمين؛ إذ لا تجد في كتابٍ نحوي استدلالًا بحديثٍ منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على وجه أذكره بحول الله، وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم، وبأشعارهم التي فيها ذكر الخنا والفحش، والذين لا يعرفون قبيلًا من دبيرٍ، بل روى أبو حاتم عن أبي عمر الجرمي أنه أتى أبا عبيدة معمر بن المثنى بشيءٍ من كتابه في تفسير غريب القرآن، قال: فقلت له: عمن أخذت هذا يا أبا عبيدة، فإن هذا تفسير خلاف تفسير الفقهاء، فقال لي: هذا تفسير لأعراب البوالين على أعقابهم، فإن شئت فخذ، وإن شئت فذر.
ويتركون الأحاديث الصحيحة كما ترى.
ووجه تركهم للحديث أن يستشهدوا به ما ثبت عندهم من نقله على المعنى، وجواز ذلك عند الأئمة؛ إذ المقصود الأعظم عندهم فيه إنما هو المعنى لتلقي الأحكام الشرعية لا اللفظ، ولذلك تجد في الأحاديث اختلاف الألفاظ كثيرًا، فترى الحديث الواحد في القصة الواحدة، والمقالة

الفذة التي لا ثانية لها قد اختلفت فيه العبارات اختلافًا متفاوتًا، ما بين جارٍ على ما عرف من كلام العرب، وما لم يعرف، وليس ذلك إلا لما ساغ لهم- أعني للرواة- من نقله بالمعنى.
ومن ههنا أجاز المحققون ذلك للعارفِ بدلالات الألفاظ؛ لأن المعاني إذا سلمت في النقل فلا مبالاة بمجرد الألفاظ إلا من باب الأولى خاصة، خلاف ما عليه الأمر في نقل الشعر، وكلام العرب فإنهم- أعني رواته- لم ينقلوه أخذًا لمعناه فقط، بل المعتنى به عندهم كان اللفظ لما ينبني على ذلك من الأحكام اللسانية فاعتنى النحويون بالاستنباط مما نقل من كلام العرب عن الثقات، وتركوا ما نقل من الأحاديث لاحتمال إخراج الراوي لفظ الحديث عن القياس العربي، فيكون قد بنى على غير أصلٍ، وذلك من جملة تحريهم في المحافظة على القواعد اللسانية، فاعتنى النحويون بالاستنباط مما نقل من كلام العرب عن الثقات، وتركوا ما نقل من الأحاديث؛ لاحتمال إخراج الراوي لفظ الحديث عن القياس العربي، فيكون قد بنى على غير أصل، وذلك من جملة تحريهم في المحافظة على القواعد اللسانية ولو رأيت اجتهادهم في الأخذ عن العرب، وكيفية التلقي منهم لقضيت العجب فليس بمنكرٍ تركهم للاستشهاد بالحديث والاستنباط منه، كيف وهم قد بنوا على ما نقل أهل القراءات من الروايات في ألفاظ القرآن، فبنوا عليها لما كان اعتناؤهم بنقل الألفاظ، وإذا فرض في الحديث ما نقل بلفظه، وعرف بذلك، بنص أو بقرينةٍ تدل على الاعتناء باللفظ صار ذلك المنقول أولى ما يحتج به النحويون، واللغويون، والبيانيون، ويبنون عليه علوهم.
وعلى هذا نقول: إن الحديث في النقل ينقسم قسمين:

أحدهما: ما عرف أن المعتنى به فيه نقل معانيه لا نقل ألفاظه، فهذا لم يقع به استشهاد من أهل اللسان.
والثاني: ما عرف أن المعتنى به في نقل ألفاظه لمقصودٍ خاص بها، فهذا يصح الاستشهاد به في أحكام اللسان العربي، كالأحاديث المنقولة في الاستدلال على فصاحةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ككتابه إلى همدان: أن لكم "فراعها ووهاطها وعزازها، تأكلون علافها، وترعون عفاءها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب، والناب، والفصيل، والفارض، والداجن والكبش الحوري، وعليهم فيها الصالغ، والقارح" وكتابه إلى وائل بن حجر الذي فيه: "في التيعة شاةٌ لا منوطة الألياط ولا ضناك" إلى آخر ما كتب عليه

السلام، ومن هذا ما روي أن قومًا وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من أنتم، فقالوا: بنو غيان، فقال: بل أنتم بنو رشدان"، فاستدل ابن جني بهذا الحديث على أن النون في غيان زائدة، وأنه مشتق من الغي لا من الغين، لأن مثل هذا مقصود فيه نقل اللفظ، وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته؟ فقال: نعم إذا كان ملفجًا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما قلت وما قال لك رسول الله، فقال عليه السلام: قال لي: أيماطل الرجل امرأته، فقلت: نعم إذا كان فقيرًا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد طفت في أحياء العرب فما رأيت أحدًا أفصح منك يا رسول الله فقال: وما يمنعني وأنا قرشي وأرضعت في بني سعد" إلى أمثال هذا من الأحاديث المتحرى فيها اللفظ، وابن مالك- رحمه الله- لم يفصل هذا التفصيل الضروري الذي لابد منه، فبنى الأحكام على الحديث مطلقًا، ولا أعرف له فيه من النحاة سلفًا إلا أن ابن خروف يأتي بأحاديث في تمثيل جملةٍ من المسائل، وقصده في الغالب لا يتبين في ذلك حتى قال ابن الضائع: لا أدري هل يأتي بها بانيًا عليها أم هي لمجرد التمثيل، هذا معنى كلامه، وكأن ابن مالك بنى- والله أعلم- على القول بمنع نقل الحديث بالمعنى مطلقًا، وهو قولٌ ضعيف يرده المقطوع به من نقل القضايا المتحدة بالألفاظ المختلفة غير مختصٍ بزمان الصحابة دون غيرهم، ولا مقتصر به على العرب دون من عداهم، ومن تأمل في كتب الحديث وجد فيها

من ذلك من الألفاظ الحائدة عن كلام العرب أشياء كثيرةً حتى تقع تخطئة الرواة من الأئمة الناقدين، والعلماء العارفين بكلام العرب من غير نكيرٍ من غيرهم، فالحق أن ابن مالك في هذه القاعدة غير مصيب، كما أنه غير مصيب في قاعدته الأخرى في اعتبار ما في الشعر من الضرورات اعتبار ما يجوز تبديله أو لا يجوز، وأما اعتماده على الشعر مجردًا من نثر شهيرٍ يضاف إليه، أو يوافق لغةً مستعملة يحمل ما في الشعر عليها- فليس بمعتمد عند أهل التحقيق؛ لأن الشعر محل الضرورات.
وسيأتي بيان هذا الأصل بعد- إن شاء الله تعالى- والمقصود بيان ضعف مدرك الناظم في جعله سوى متصرفةً كغيرٍ، فإن اعتماده هنا كان على هذين الأصلين، وهو يعتمدها كثيرًا كما أنه يعتمد غيرهما مما لم يعتمده غيره من الأئمة حسب ما ذكر بعضه، ويأتي باقيه- إن شاء الله-: وقوله: "اجعلا" الألف فيه مبدلة من نون التوكيد الخفيفة.
واستثن ناصبًا بليس، وخلا... وبعدا، وبيكون بعد لا هذا هو الكلام على القسم الثالث والرابع من أدوات الاستثناء، فمن القسم الثالث الذي أدواته أفعالٌ ليس ولا يكون.
ومن الرابع المتردد بين الفعلية والحرفية خلا، وعدا وحاشا التي يذكرها آخرًا.
وصدر الكلام بالأربعة، وهي غير حاشا وأخر الكلام في حاشا لمخالفتها للبواقي في حكم يذكره.
و"ناصبا" حالٌ من فاعل (استثن) ويعني أن هذه الأدوات الأربعة، وهي ليس المعروفة الفعلية، وخلا، وعدا المفسرين بعد، ولا يكون، وهي المعبر عنها بقوله: "وبيكون بعد لا"

يستثنى بها ما بعدها، فيكون منصوبًا بها؛ لأنها إذ ذاك أفعالٌ، والفعل لا بد له من فاعل، وقد يقتضي منصوبًا، ففاعلوها ضمائر مستترة فيها، ولم ينبه على ذلك علمًا به، والنصب بحسب ما تطلبه تلك الأفعال، لا على محض الاستثناء كما بعد إلا في الفعل المشغول، بل كما بعدها في الفعل المفرغ، فلذلك قال: "واستثن ناصبًا بكذا" فليس ولا يكون تطلبان ما بعدهما بالنصب على الخبرية لأنهما من باب كان الداخلة على المبتدأ والخبر، فتقول: قام القوم ليس زيدًا، وقام القوم لا يكون زيدًا، فزيدًا خبر ليس وكان، فذلك وجه نصبه معهما، وخلا، وعدا فعلان يطلبان الاسم الذي بعدهما بالمفعولية، فتقول: قام القوم خلا زيدًا، وقام القوم عدا زيدًا، فزيدًا مفعولٌ؛ لأن معنى خلا وعدا عند سيبويه جاوز، كأنه قال: جاوز بعضهم زيدًا، ضمنا في الاستثناء هذا المعنى، والبعض المضمر هم من عدا زيدًا، وهذه الأفعال ضمنت معنى إلا؛ فلذلك عدمت التصرف، وقد دل على عدم تصرفها حين قال: "بليس وخلا" وكذا فعيّن لخلا وعدا صيغة الماضي، وعين ليكون صيغة المضارع، وعين لها حرف (لا) دون غيرها من حروف النفي، فلا يجوز إذًا أن يقال: قام القوم يخلو زيدًا، أو: يعدو زيدًا، أو ما يكون زيدًا، أو ما كان زيدًا، أو ما أشبه ذلك، وأيضًا فأتى بها على لفظ المسند إلى ضمير مفردٍ مذكرٍ، فدل على أن مرفوعها مفردٌ مذكر أبدًا، وهو ضمير البعض المقدر، وهو رأي البصريين، أو ضمير المجهول- كنايةٌ عن الفعل، والاسم في موضع الفعل كأنه قال: ليس فعلهم فعل زيدٍ.
وليس

في كلامه ما يعين أحد المذهبين.
وهذا كله يبين عدم تصرف هذه الأفعال، وأنها تأتي على لفظ واحدٍ، فلا تقول: قامت الفرقة ليست زيدًا، ولا تكون زيدًا، ولا خلت، ولا عدت، ولا: قام القوم ليسوا زيدًا، ولا يكونون زيدًا، وأنت تريد الاستثناء، ولا قام القوم خلوا، أو عدوا زيدًا، وإنما جرت مجرى ما ضمنت معناه وهو إلا، فلو خلت من معنى إلا لجاز تصرفها ولحاق الضمائر المطابقة.
ولما ذكر النصب في الأربعة وأطلق ذلك فيها إطلاقًا، وكان منها ما يكون ذلك فيه على اللزوم، وما يكون فيه على الجواز استدرك لما كان النصب فيه على الجواز وجهًا آخر، وهو الجر، فقال في ذلك: واجرر بسابقي يكون إن ترد... وبعد (ما) انصب وانجرار قد يرد سابقي يكون هما خلا وعدا، ويعني أنك إن أردت الجر بهذين الفعلين فجائز لك ذلك.
فإذًا قد حصل في استعمال ما بعدهما وجهان: أحدهما: النصب الذي قدم، ومنه في خلا ما أنشده ابن خروفٍ، وغيره من قول الشاعر: وبلدةٍ ليس بها طوري... ولا خلا الجن بها إنسي ومنه في عدا ما أنشده ابن خروف أيضًا: يا من دحا الأرض ومن طحاها... أنزل بهم صاعقةً أراها تحترق الأحشاء من لظاها... عدا سليمى وعدا أباها

والثاني: الجر المنبه عليه الآن، ومنه في خلا قول الشاعر الأعشى: خلا الله لا أرجو سواك وإنما... وأعد عيالي شعبة من عيالكا ومنه في عدا قول الآخر أنشده ابن خروف: تركنا بالحضيض بنات عوجٍ... عواكف قد خنعن إلى النسور أبحناحيهم قتلى، وأسرى... عدا الشمطاء، والطفل الصغير وسوى بين خلا وعدا في إجازة الجر بهما.
أما في خلا فقال السيرافي: لا خلاف أعلم في جواز الجر بخلا، وأما في عدا فللنحويين في إجازة الجر بها خلاف، فذهب ابن خروف إلى الجواز كالناظم، وفي كلام الأخفش ما يشعر بذلك، فإنه قال: وأما عدا فقد ينصبون بها ويجرون، فإذا جروا فهي حرفٌ بمنزلة من، وإذا نصبوا فهي فعلٌ كأنك قلت: جاوز بعضهم زيدًا، قال: وكذلك خلا، وذلك أنك إذا قلت: ما جاءني أحد، توهم السامع أن زيدًا هو أحد الذين لم يأتوك، فقلت: عدا أحدهم زيدًا، أي ليس في الآتين، ولم يذكر سيبويه الجر بعدا، فحمل على أنه غير جائزٍ عنده، وذلك أن السماع في ذلك قليلٌ، فلم يبلغ سيبويه، فلذلك سكت عنه، وبلغ الأخفش فألحقه بخلا،

وأيضًا فإن خلا عند الناظم يجوز فيها النصب على غير قلةٍ؛ إذ لم يقيده بذلك، وهو مذهب سيبويه.
وذهب الأخفش إلى أن النصب بها لا يكاد يعرف، وقد استدل ابن خروف على صحة ما حكاه سيبويه من النصب بالنصب بها بعد (ما) باتفاق، ما عدا الجرمي فإنه أجاز الجر بها بعد (ما) حكايةً عن العرب كما سيأتي، فإذا ثبت ذلك فيها مع (ما) جاز فيها دونها من حيث ثبتت فعليتها، وأيضًا فإن سيبويه ما أثبت إلا ما ثبت عنده فليس قول الأخفش حجةً عليه، لأنه نافٍ وسيبويه مثبت، والمثبت مقدم على النافي في مثل هذا، فالأصح ما ذهب إليه الناظم.
وهذا كله ما لم يتصل بهما (ما).
فأما إن اتصلت بهما (ما) فإن الوجه المختار هو النصب كما نص عليه بقوله: "وبعد ما انصب".
فبين أن النصب هو الوجه والقياس المطرد إذا وقعا بعد (ما)، وأما الجر فقليل، لقوله: "وانجرار قد يرد" يريد عن العرب قليلًا، فتقول على المختار: قام القوم ما خلا زيدًا، وقام القوم ما عدا زيدًا، وتكون (ما) مع ما بعدها في موضع نصبٍ، وهي مصدرية كأنه في التقدير: قام القوم مجاوزتهم زيدًا، وهو مصدرٌ منصوبٌ نصب غير وسوى عند ابن خروف، ومصدر في موضع الحال عند السيرافي من باب: رجع عوده على بدئه ونظائره، أي مجاوزين زيدًا أو خالين من زيدٍ؛ فإذا كانت مصدرية لم يصلح أن يكون ما بعدها من خلا وعدا إلا فعلًا، لأن (ما)

المصدرية لا توصل إلا بالفعل، ومن ذلك في الشعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل... وكل نعيمٍ لا محالة زائل وروى الجرمي الجر بهما بعد (ما)، نحو: قام القوم ما عدا زيدٍ، كأنه على تقدير زيادة (ما)، قال في الشرح: "وفيه شذوذ؛ لأن (ما) إذا زيدت مع حرف جر لا تتقدم عليه بل تتأخر عنه، نحو: ﴿فبما رحمة من الله﴾ و ﴿عما قليل﴾.
ثم قال: وحيث جرا فهما حرفان... كما هما إن نصبا فعلان يعني أن خلا وعدا إذا كان ما بعدهما مجرورًا فذلك لأنهما حرفا جر؛ لأن الفعل لا يعمل الجر، ولا يقع بعده المجرور، وإنما يعمل الجر الحرف أو الاسم، وهما ليسا باسمين، فلا بد أن يكونا حرفين.
وأما إذا نصبا ما بعدهما فهما فعلان؛ لأنه قد ثبتت لهما الفعلية قبل دخولهما في هذا الباب فلا يخرجان عن ذلك إلا بدليل، ولا دليل على ذلك، فلذلك قال: "كما هما أن نصبا فعلان" وهو تشبيه تنظير، لا تشبيه تعليل لكن قوله: "كما هما أن نصبا فعلان" إن أراد أنهما كذلك بغير مطالبةٍ بالدليل فهذا لا يسلم، وإن أراد بالدليل فلا يلزم من النصب كونهما فعلين؛ إذ قد ينصب الحرف على مذهبه؛ ولأجل ذلك ذهب إلى أن النصب قبل بإلا إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، وقد اعترض هنالك على نفسه فقال: "فإن قيل: لو كانت إلا عاملة

لجرت؛ لأن الجر هو اللائق بعامل الاسم الذي لا يشبه الفعل، ولذا حكم لعدا وخلا وحاشا بالحرفية إذا جرت وبالفعلية إذا نصبت، فالجواب: لا نسلم أن اللائق بعامل الاسم الذي [لا يشبه الفعل] هو الجر خاصة، بل اللائق به عمل لا يصلح للفعل، وهو جر أو نصب لا رفع معه" ثم أتى على باقي كلامه فقد ثبت أن نفس النصب لا يستلزم الفعلية، فالذي تثبت به الفعلية على مذهبه في هذين اللفظين وقوع ما المصدرية قبلهما كما قاله ابن خروف، ولذلك أنكر الجمهور الجر مع ما، فإذا ثبت لهما الفعلية مع النصب في موضع حمل عليه الموضع المحتمل، وأقوى من هذا أن يقال: كما ثبت لهما وهما حرفان عمل الجر لم يصلح أن ينصبا وهما حرفان أيضًا؛ إذ ليس في أدوات الجر ما يعمل تارةً جرًا وتارةً نصبًا، بل إذا ثبت له عملٌ ما لم ينصرف عنه إلى غيره، فلا بد إذا نصبا أن يكونا غير حرفين، فتعينت الفعلية.
والله أعلم.
وهنا انقضى كلامه في خلا وعدا، وبقي الكلام في ليس ولا يكون.
وهل تتعين لهما الفعلية أم لا، والأمر فيهما يسير؛ إذ قد ثبتت لهما الفعلية بإطلاق، وتبين أن ما بعدهما ينصب، ولم يذكر غير ذلك، فدل على أن لا زائد على ما ذكر فيهما، وهذا ظاهر.
ثم أخذ في الكلام على حاشا فقال: وكخلا حاشا ولا تصحب ما... وقيل: حاش وحشى فاحفظهما يعني أن حاشا لها وجهان أيضًا: الجر على أنها حرف، والنصب على أنها

فعل كما كان ذلك لخلا، فتقول في الأول: قام القوم حاشا زيدٍ، ومنه ما أنشده السيرافي وغيره: حاشا أبي ثوبان إن له... ضنا على الملحاة والشتم وهذا هو المشهور فيها، وتقول في الثاني: قام القوم حاشا زيدًا، حكى أبو عمرو الشيباني عن بعض العرب: "اللهم اغفر لي ولمن سمعني حاشا الشيطان وأبا الأصبغ".
وذكر عنه أن العرب تخفض بها وتنصب حكاه عنه السيرافي، وأنشد ابن خروف قول الشاعر: حاشا قريشًا فإن الله فضلها... على البرية بالإسلام والدين وفيما ذهب إليه في حاشا ما يدل على مخالفته للنحويين من وجهين:

أحدهما: أنه خالف أهل الكوفة القائلين بأنهما فعلٌ أبدًا، إلا أن منهم من قال: هو فعلٌ ماضٍ، ومنهم من قال: هو فعلٌ استعمل استعمال الأدوات، فأما إذا انتصب ما بعدها فلا إشكال على مذهبهم، وأما إذا انخفض فعلى تقدير اللام، ولذلك تظهر فتقول: حاشا لزيدٍ.
والدليل على أنها مع الجر حرفٌ أن الفعل لا ينجر ما بعده أبدًا، وتقديرهم حرف الجر غير صحيح، لأن الجار في الأمر العام المطرد إذا حذف زال عمله، وقد يقال: إن اللام زائدة، والأصل عدمها.
وأيضًا إذا جر ما بعدها باللام فليست حينئذ أداة استثناء، ولا ما بعدها مستثنى؛ لأنها تقع في أول الكلام لزومًا أو غلبةً، وليس ثم ما يستثنى منه.
والثاني: أنه خالف سيبويه حيث التزم في حاشا الحرفية وجر ما بعدها؛ وذلك أنه لم يحكِ معها غير الجر.
ولم يجز أن تأتي بما كعدا وخلا، فلم يكن لها وجهٌ يحكم لأجله بفعليتها، وحكى غيره النصب بعدها، وقد تقدم من ذلك أشياء- وإن كانت قليلة، فهي حجة للنصب الذي أثبته الناظم ومن اقتفى أثره، ودليلٌ على فعليتها، قال الأخفش: "وأما حاشا فقد سمعنا من ينصب بها" قال وهذه أشبه؛ لأنها من حاشيت، فقد ثبت النصب بها على الجملة، وإن كان قليلًا فهي مثل خلا في جواز الوجهين، ولا شك أنها إذ ذاك فعل، لكن كونها من حاشيت فيه نظر.
والحاصل أن سيبويه لم يحك النصب بها، وحكاه غيره فلا مخالفة في الحقيقة بين سيبويه والأخفش كما تقدم في عدا.
ولما قال: "وكخلا حاشا" وكانت خلا يجوز أن تصحب ما المتقدمة أوهم ذلك أنها مثلها في مصاحبة ما أيضًا، فرفع ذلك بقوله: "ولا تصحب ما" فبين أنها تخالف خلا في هذا الحكم، فلا تلحقها ما، فلا تقول: قام القوم ما حاشا

زيدًا، كما تقول: قام القوم ما خلا زيدًا، ولأجل هذه المخالفة- والله أعلم- لم يدخلها مع خلا وعدا في الذكر، وإنما لم تلحقها ما؛ لأن الغالب عليها الحرفية، فلم يصلح لها من التصرف أن تدخل عليها ما عند إرادة الفعلية لندور ذلك، ثم حكى في حاشا ثلاث لغات: إحداها: ما بدأ به وهي حاشا على وزن ماشى، وهي الشهيرة، والثانية: حاش على وزن عاش، والثالثة: حشى على وزن مشى، ومنها ما جاء في قوله الشاعر: حشا رهط النبي فإن منهم... بحورًا لا تكدرها الدلاء وقوله: "فاحفظهما" تنبيه على قتلهما، وأنهما من المحفوظ القليل الاستعمال، وإنما المستعمل ما قدم.
وهناك ثلاث مسائل: إحداها: أنه أطلق القول في جواز الوجهين في خلا وعدا وحاشا من غير أن اعتنى بترجيح أحد الوجهين على الآخر.
وقد أتى بالترجيح غيره؛ فإن الحرفية أغلب على حاشا، والفعلية أغلب على عدا.
وأما خلا ففيها خلافٌ، فعند سيبويه أن النصب هو المختار، وعكس الأخفش فجعل الجر هو المختار، وكلاهما مدرعٍ أن السماع كذلك، وكأن الناظم مائلٌ إلى رأي الأخفش، ألا ترى أنه قال: "وكخلا حاشا" والمعلوم في حاشى أن الجر هو الشهير المختار، وهو قد شبهها بخلا دون عدا، فدل على قصده لاختيار الجر فيها.
والله أعلم.
والثانية: أن حاشا التي تكلم عليها هنا هي التي تفيد الاستثناء كما تفيده إلا،

ولم يتعرض لغير ذلك، فإن حاشا لها استعمالان: أحدهما في الاستثناء، وقد تقدم.
والآخر أن تستعمل استعمال المصادر الموضوعة لإنشاء أمرٍ من تنزيه أو دعاء أو غير ذلك، وهي التي تستعمل باللام فتقول: حاشا لزيد وحاشا لله، وتقول: حاشا الله وحاشا زيدٍ، فالأول مثل تنزيهًا لله، والثاني مثل: سبحان الله.
كما أن خلا وعدا لهما استعمالان أيضًا: أحدهما: في الاستثناء، والآخر كسائر الأفعال المتصرفة من خلا يخلو وعدا يعدو.
والثالثة: أنه قال في حاشا: "ولا تصحب ما" وذلك مشكل مع أنه قد حكى في الشرح في بعض الأحاديث: "أسامة أحب الناس إلي ما حاشى فاطمة" ونبه عليه في التسهيل، فكيف يقول هنا: "ولا تصحب ما".
والجواب: أنه أراد لا تصحب ما قياسًا، وسكت عن السماع الآتي، فلم ينفه ولا أثبته، ولو أراد نفي السماع لقال: ولم تأت بما، أو لم ترد بما، أو ما أشبه ذلك، فعبارته بينة لا إشكال فيها.
والله أعلم.

جارٍ التحميل