شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 85-124

ووجهُ ترك إبدالها أن الألف والتاء علامة الجمع والتأنيث فكأنَّ التاءَ إنما دخلتْ على الألف لا على الاسم المجموع فصارت متصلة بالاسم ليست في تقدير الانفصال فأشبهت تاء الإلحاق نحو (سنبتة) فعاملوها معاملتها بتركها على حالها وصلا ووقفا بخلاف التاء في المفرد فإنها إنما لحقت الاسم وحدها فهي منفصلة مما قبلها انفصال الثاني من المركبين وبذلك شبهوها فبعُدَتْ من مشابهة تاء الإلحاق فأبدلوها في الوقف.
بهذا المعنى علَّلَ السيرافي وهو معنى تعليل سيبويه

وأما القليل - وهو الإبدال - فلم يذكره سيبويه وذكره غيرُه فحكى ابن جني عن قطرب أن طيئا تقول (كيف البنُونَ والبناهْ؟ ) و (كيف الإخوة والأخواهْ؟ ) قال «وذلك شاذ» ووجه ذلك تشبيه (مسلمات) بـ (علقاة) من حيث كانت التاءُ للتأنيث على الجملة

وأما قوله «وَمَا... ضَاهَى» يريد: ما ضاهى جمع التصحيح أي أشبهه وحقيقةُ المضاهاة المشاكلة يقال (ضاهأتُ) و (ضاهيت) بالهمز وبغير همز والظاهر أن هذا من غير المهموز والذي يضاهي جمع التصحيح ما سُمِّي به منه نحو (عرفاتٍ) و (أذرعاتٍ) تقول (عرفاتْ) و (أذرعاتْ) بالتاء في اللغة الفصيحة وكذا ما سُمِّي به من هذا الجمع لأنه جارٍ مجرى الجمع الحقيقي [85]

في الإعراب فيجري مجراه في كل شيء ومن ذلك (هيهاتِ) في لغة من كسر التاء فقال (هيهات) فتقول في الوقف (هيهاتْ) بالتاء كجمع التصحيح لأن من بناها على الكسر يقدّرها تاء الجمع كبيضات ولذلك بناها على الكسر لأنّ تاء الجمع لا تفتح أصلا

وأما القليل - وهو الإبدال - فعلى ما مضى في الجمع الحقيقي تقول (عرفاهْ) و (أذرعاهْ) كما قلت (الأخواهْ) و (البناهْ) وأما (هيهاتَ) فنقول فيه (هيهاهْ) لكن على لغة من بناها على الفتح فقال (هيهاتَ) أجراها مجرى (علقاه) كان الأصل فيها (هَيْهَيَة) وقد سأل سيبويه الخليلَ عنها اسمَ رجل فقال: أما من فتح فهي عنده كـ (علقاة) لأنه يقف بالهاء ومن كسر فكـ (بيضات) لأنه يقف بالتاء ويجيء من هذا أنّ من فتح فهي عنده كالمفرد ومن كسر فهي عنده كالمجموع فالوجهان في كلِّ واحدة جاريان في القياس على ما يقتضيه إطلاقه فإن ساعَدَ النقل فصحيح

ثم قال «وَغَيْرُ ذَيْنِ بِالْعَكْسِ انْتَمَى» (ذانِ) إشارة إلى جمع التصحيح وما ضاهاه وهما أقرب مذكور وغيرهما هو الاسم المفرد المتقدم يعني أن الإبدال في المفرد على العكس من هذين وقد ذكر في هذين أن القليل هو [86]

الإبدال والكثير هو البقاء على الأصل فعكسُ هذه القضيّة أن الكثير هو الإبدال وأنّ القليل هو البقاء على الأصل أما الإبدال فقد تقدّم تمثيلهُ وأما البقاءُ على الأصلِ من التاء فحكاه سيبويه عن أبي الخطاب - وهو الأخفش الأكبر - أنّ ناسًا من العربِ يقفون بالتاء قال ابن خروف: هي لغة يمنيةٌ فيقولون (طلْحَتْ) و (حَمْزَتْ) و (شجرَتْ) وأنشد الفارسي لأبي النجم

بل جَوْزِ تيهاءَ كظَهْرِ الجَحَفَتْ

وأنشد قطرب

الله نجاكَ بكفَّيْ مَسْلَمتْ... من بعدِما وبعدِما وبعدِمَتْ صارتْ نفوس القوم عند الغَلْصَمَتْ... وكادت الحرَّةُ أنْ تُدعى أمَتْ

والقراء يحكون هذا لغةً لطيِّءٍ وأنهم تنادَوا يوم اليمامة: (يا أهلَ سورة البقرَتْ) فقال طائي منهم: (ما معي منها آيت) وكلّ ما حُكي ههنا وحكاه [87]

النحويون إنما حكوه على حسب ما سمعوا من العرب، وللقراء طريقةٌ أخرى أصلها أنهم يقفون بالهاء البتّة إلا ما رُسم بالتاء فإنهم اختلفوا فيه على حسب ما استحسنوا

و(انْتَمَى) معناه انتسب وهو مطاوع (نميتُ الحديثَ إلى فلان): رفعتُه إليه و(نميتُ الرجل إلى أبيه): نسبته إليه، من ذلك، فكأنه يقول: وغير هذين بالعكس انتمى إلى العرب ونُقل عنهم

وَقِفْ بِـ «‍‍هَا» السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلّْ... بِحَذْفِ آخِرٍ كَأَعْطِ مَنْ سَأَلْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَ‍‍عِ أَوْ... كَ‍‍يَعِ مَجْزُومًا، فَرَاعِ مَا رَعَوْا

هذا أيضا نوعٌ من أنواع التغيير اللاحق للكلمة في الوقف وذلك إلحاق هاء السكت وإنما سُمِّيت هاءَ السكت لأنها يُسكَتُ عليها أي يوقف عليها دون آخر الكلمة وفائدتها الأولى بيانُ حركة الآخر؛ إذ لم يريدوا أن يُسكَّن بل أرادوا أن يبقى على حاله في الوصل ويكون الوقفُ والاستراحةُ على الهاء فيحصل المقصدان لكن بيان الحركة يتبعها فوائد بحسب المحالّ ففائدته في هذا الفصل تركُ الإجحاف بالكلمة الحاصل بسبب الوقف لأن الكلمة هنا قد حُذف لامها فصار الإسكان بعد ذلك كالإخلال بها قال [88]

سيبويه «كرهوا ذهاب اللامات الإسكان جميعا» قال «فلما كان ذلك إخلالا بالحرف كرهوا أن يسكّنوا المتحرك»

ويريد الناظم أن الفعل الذي دخله الإعلال بحذفِ آخرِه يوقف عليه بهاء السكت ومثل ذلك بقوله «أَعْطِ مَنْ سَأَلْ» فـ (أَعْطِ) فعلٌ قد حُذف آخره وهو الياء فتقف عليه (أعطِهْ) وكذلك تقول في (ارمِ): (ارمِهْ) وفي (اغزُ): (اغزُهْ) وفي (اقضِ): (اقضِهْ) وما أشبه ذلك

والألف واللام في الفعل لتعريف الجنس المقتضي للعموم فكلُّ فعل أُعلّ ذلك الإعلالَ فحكمُه ذلك الحكم كان المحذوفُ الياءَ كـ (أعطِ) أو الواو كـ (اغزُ) و(ادعُ) أو الألف كـ (اخشَ) و (ارضَ) فتقول (اغزُهْ) و (ادعُهْ) و (اخشَهْ) و (ارضَهْ) وسواءٌ أيضًا أكان الحذفُ للجزمِ أم للوقف، والحذف للوقف كما تقدم ذكرُه ومنه قوله تعالى ﴿أولئك الذين هدى اللهُ فبهداهم اقتَدِهْ﴾ والحذف للجزم كقولك (لم يخشَهْ) و (لم يقضِهْ) و (لم يغزُهْ) الحكم سواءٌ في الجميع

وقوله «... بِحَذْفِ آخِرٍ» بيان للإعلال، ما هو؟ ثم قال «وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَ‍‍عِ أَوْ... كَ‍‍يَعِ مَجْزُومًا» يعني أن الوقف على الفعل بهاء السكت كما ذكر ليس بحتم أي لازم حتى لا يجوزَ تركُه بل هو غير لازم فيجوزُ لك أن تقول (ارْمْ) و (اخْشْ) و (اغْزْ) و (لم يخْشْ) و (لم يغْزْ) و (لم يرْمْ) وهي لغة [89]

لبعض العرب قال سيبويه «وقد يقول بعض العرب (ارْمْ) وفي الوقف و(اغْزْ) و (اخْشْ) حدثنا بذلك عيسى بن عمر ويونس» واعلم أن الوجه الأول

  • وهو الوقف بالهاء - هو الأجود والأكثر في الكلام وأم الوجه الثاني فهو أضعف الوجهين وأقل اللغتين قال سيبويه «جعلوا آخر الكلمة حيث وصلوا إلى التكلم بها بمنزلة الأواخر التي تحرّك مما لم يحذَفْ منه شيء لأن مِن كلامهم أن يشبّهوا الشيءَ بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع الأشياء التي هي فيه» والناظم لم ينص على الترجيح بين الوجهين ويمكن أن يكون في تقديمه إياه واعتماده أولا عليه في المسألة مشعرا بالترجيح ولا يضر بعد ذلك قوله «وَلَيْسَ حَتْمًا» إذ لا ينتفي بذلك الترجيح وإنما ينتفي به اللزومُ خاصةً

ثم قوله (وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى) كذا إلى آخره يعني به أنه إلحاق هاء السكت لا ينحتم إلا الفعل الذي يشبه (عِهْ) أو (يعِهْ) إذا كان (يعه) مجزوما.
ووجه الشبه في الفعلين أن يبقى الفعل بعد الحذف على حرف أصلي لا حرفين فأكثر وكأنه يقول: الفعل المحذوف الآخر على قسمين:

أحدهما أن يبقى بعد الحذف على أكثر من حرف واحد فهذا الذي فيه الوجهان المتقدمان وعليه دلّ مثالُه

والثاني ألَّا يبقى منه إلا حرف واحد أصليّ كـ (عهْ) الذي مثّل به وهو فعل أمر من (وَعَى يَعِي) أصله الثلاثة فحذف الأولُ لأنه واوٌ وقعت في المضارع بين [90]

ياء وكسرة ثم حُمل فعلُ الأمر عليه وحُذف الآخر بالحمل على المضارع المجزوم فلم يبق من الفعل إلا حرفٌ واحد و (يَعِهْ) الممثّل به أيضا أصله الثلاثة فحذف الأول لما ذكر وحذف الآخر للجزم فبقي على حرف واحد وياءِ المضارعة وهي زائدة ليست من أصل البناء فلما كان كذلك أرادوا ألّا تبقى الكلمة على أصلٍ واحد ساكن فإنك لو وقفت بغير هاءٍ لقلت في الأمر (يا زيدُ عِ) وفي المضارع (إن تَشِ أَشِ) من وشَيْتُ، و (إن تَقِ أَقِ) من وقيتُ فكرهوا هذا الإجحاف لأنه إخلال بالكلمة فألزم الهاء من يقف في (ارمِ) بلا هاء وصار هذا الفعل في الوقف نظير (يا مُرِي) في الأسماء حيث ألزموه الياءَ خوفًا أن يبقى على أصلٍ واحد ساكن وعلى هذا تقول في «ق» (يا زيد أق أنا: قِهْ وأقِهْ) وفي «شِ» (يا عمرو أش أنا شِهْ وأشهْ) وكذلك ما أشبهه

فإن قلت ما فائدة قول الناظم «أَوْ... كَ‍‍يَعِ مَجْزُومًا» فقيَّده بكونه مجزوما وكان يكفيه أن يقول (أو كيعه) لأن اللفظ لفظ المجزوم؟

فالجواب أن اللفظ لا يكفيه هنا؛ إذ لو لم يقيّده بالجزم لتوهم أنه أراد غير المجزوم لكنه حذف ياءه لضرورة الوزن إذ يمكن هذا في النظم [91]

فإن قلت إنّ هذا التوهُّم لا يصح لأن الهاء قد حصل من قوة المسألة أنها تثبتُ في الوقف جَبْرا للكلمة الموقوف عليها لتثبت فيها الحركة لئلا تنحذف إذ لو قُدِّر (يَعه) غير مجزومٍ لم يكن ثمَّ ما يؤتى بالهاء لأجله وهو الحذف الحاصل في الكلمة وإذا لم يصح هذا التوهم كان قوله «مَجْزُومًا» فضْلا!

فالجواب أنّ الكلمة وإن فرضْتَ أنّ آخرها غير محذوف فأولها محذوف إذ أصلها (يَوْعِ) فقد يذهب الوهم إلى لزوم الهاء هنا لما ثبت فيها من حذف أولها؛ لأن حذف الأول قد يُجبَر كحذف الآخر، ألا ترى قولهم في (شِيَةٍ) و (عِدَةٍ) و (زِنَةٍ) إن الهاء لزمت آخرا عوضا من الحرف المحذوف أولا وهو فاءُ الكلمة فأزال الناظم هذا الشغْب كله بقوله «مَجْزُومًا» وهو حال من «يَعِهْ» أي وليس حتما في غير الفعل الذي يشبه (عِهْ) مطلقا أو يشبه (يَعِهْ) حالة كونه مجزوما إذ هو فعل مضارع بخلاف (عِهْ) فإنه أمر والأمرُ لا يدخله الجزمُ على مذهب الناظم وجماعة أهل البصرة وقوله «فَرَاعِ مَا رَعَوْا» المراعاة الملاحظة للشيء تقول: (راعيت كذا) أي لاحظته واعتبرتُ أمره.
والمراعاة أيضا: المحافظة على [92]

الحقوق وكلاهما سائغ في هذا الموضع أي: لاحِظ ما لَحظوا - يعني العرب - أو حافظ على ما حافظوا عليه.
والظاهر أن هذا الكلام تتمة لبقية الشعر لا فائدة فيه، والله أعلم.
وكان الأولى أن لو قال: (فارْعَ) أو (فراعِ ما راعوا) لأن «فراعِ» من (راعى) و «ما رَعَوا» من (رَعَى) فلو وفَّق بين الفعلين لكان أولى مع أنه لا يمتنع ما قال وعكسه

وَ «مَا» فِي الِاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ... أَلِفُهَا، وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا... بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ: اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى؟ هذه المسألة من تمام الفصل الأول مما أثبت فيه هاءُ السكتِ خوفا من الإجحاف بالكلمة وهي مسألةُ ما الاستفهامية إذا حُذفت ألفها فالعربُ ألحقتها مع الحرف هاء السكت في الوقف؛ إذ لو لم تفعل ذلك ووقفتْ على «ما» لوجب إسكان الميم مع حذف الألف وذلك إخلال فجبروها بأن ألحقوا الهاء لتبقى الميم محركةً.
والناظم ابتدأ بالكلام على حذفِ ألف «ما» قبل الكلام على حكم الوقف عليها.
وليس الكلام في حذفها من أحكام باب الوقف لكن لا ينبني حكمُ الوقفِ إلا بعد تقرر الحذف فلذلك ابتدأ بذلك فقال [93]

«وَمَا فِي الِاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ... أَلِفُهَا» يعني أن ما الاستفهامية يحذف ألفها إذا وقعت في الكلام مجرورةً وذلك أنها تقع تارة في موضع رفعٍ وتارة في موضع نصب وتارة في موضع جر فمثال وقوعها في موضع رفع قولك (ما يُعجِبك؟ ) و (ما صُنعُك؟ ) فهي ههنا في موضع رفع على الابتداء وخبرها ما بعدها.
ومثال وقوعها في موضع نصب قولك (ما صَنَعتَ؟ ) و (ما أخذت؟ ) فـ (ما) في موضع نصبٍ على المفعولية بالفعل الذي بعدها.
ومثال وقوعها في موضع جر قولك (لِمَ قمت؟ ) و (عمَّ تسأل؟ ) و (علام تبحث؟ ) وما أشبه ذلك ومنه قوله تعالى ﴿عمَّ يتساءلون﴾؟ ﴿فلينظر الإنسان ممَّ خلق﴾؟ ﴿لِمَ تقولون ما لا تفعلون﴾؟ ﴿فيمَ أنت من ذكراها﴾؟ ومنه قولُ ربيعة ابن مقروم الضبي

فدعَوا: نَزَالِ فكنتُ أولَ نازلٍ... وعلامَ أركبُه إذا لم أنزلِ؟

وهذه المواضع كلها لا تُحذف ألف «ما» فيها إلا في موضع الجر وهو قوله «إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ... أَلِفُهَا» ولم يقيّد الجر هنا فهو مطلق في الجر بالحرف نحو ما تقدم وفي الجر بالاسم نحو (مجيءَ مَ جئتَ؟ ) ومثل (مَ أنت؟ ) ونحو ذلك [94]

ويُسألُ هنا فيقالُ: لِمَ حُذفت ألفُها؟ ولِمَ اختصَّ حذفُها بحالة الجر؟ وبهذا يتبين ما قال الناظم

فأما حذفُها على الجملة فللفرق بينها وبين الخبرية وهي التي بمعنى الذي، واختص الحذفُ بالاستفهامية دون الخبرية لأن ألف الاستفهامية طرَفٌ فكان أولى بالتغيير بخلاف الخبرية فإن ألفها يقع وسطا للزومها الجملة صلة لها وهي كالجزء منها فلم يسغ حذفها وأيضا فاختصت الاستفهامية بالحذف لأن لها صدر الكلام فلما تقدمها هذا العامل الذي هو الخافض دون سائر العوامل حذفوا ألفها تنبيها على أنها كالكلمة الواحدة كأن لم يتقدمها شيء بخلاف ما عدا الخافض من العوالم فإنه ليس كذلك وقد حصل جواب السؤال الثاني وهو سؤال اختصاص الحذف بحالة الجر

فإن قيل: فإنّ ما الجزائية هي مثلُ الاستفهامية فيما ذكرتُ فكان ينبغي أن تحذف ألفها أيضا؟

فالجواب أن يقال: الفرق بينهما أن ما الجزائية قريبة من التي بمعنى الذي، وهي الخبرية؛ ألا ترى أنك تقول (بمن تمرُرْ أمْرُرْ) و (بالذي تمرُّ أمرُّ) والمعنى واحد ولهذا دخلت الفاء في خبر الذي كما تقدمت الإشارة إليه في أنواع المبتدأ الذي يلزم تقديمه على الخبر حيث قال قال الناظم «أو لازم الصدر كمن لي منجدا» فلما كانت بينهما هذه المشاكلة جعلوها مثلها في عدم الحذف [95]

وقوله «حُذِفْ... أَلِفُهَا» ظاهره أن الألف حذفت البتّة ولم تجئ ثابتةً وهذا صحيح في المجرورة بحرف وإن جاء إثباتها ففي الضرورة نحو قول حسان بن ثابت

على ما قام يَشْتُمنِي لَئِيمٌ... كخنْزِيرٍ تمرَّغَ في رَمادِ

فإن قيل لا ضرورة في هذا لأن حذفها لا يكسر الشعر وإذا كان كذلك ثبت أنه اختيار على مذهب الناظم

فالجواب أن إثباته أكملُ في الوزن من حذفها وأيضا ليس معنى الضرورة أنه يُضطر الشاعر حتى لا يمكنه أن يُعوَّضَ منه غيره مما لا ضرورة فيه وإلا فما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوّض منها لفظ آخر لا ضرورة فيه لكن كان يكون فيه تضييق كثير وقد اعتمد الناظم في عربيّته على ذلك التوهم وبيّنتُ بطلانه في «الأصول» ومرّ من ذلك طرف في هذا الشرح

وأما المجرورة باسمٍ فليس ذلك بلامزٍ فيها بل يجوزُ أن تقول: (مجيءَ ما جئت؟ ) ومثلُ (ما أنت؟ ) نص على ذلك سيبويه إلا أنّ الأجود الحذفُ وهذا هو العذرُ له في أن لم ينبه على ترك الحذف وإنما كان الحذفُ هنا غير لازم ولازما في المجرور بحرف لأن الحرف لا يستقلّ بنفسه دون أن يتصل بغيره [96]

فصار مع ما كالشيء الواحد فصار اعتمادُ ما على ما اتصلت به من ذلك الحرف ثابتا فلزم فيها الحذف للفرق المذكور وأما الاسم إذا كان هو الجار فليس بمفتقر إلى ما بعده افتقار الحرف بل هو مستقل بنفسه فلم يكن لما معه ذلك الاتصال لكن شبهوه بالحرف فحذفوا معه كما حذفوا مع الحرف والمشبه لا يقوى قوة المشبّه به فلم يكن هذا الحذفُ لازما مع الاسم كما لزم مع الحرفِ لئلا يتساوى المشبه والمشبه به وعلى هذا التعليل ينبني لزوم الهاء في الوقف أو عدم لزومها

ثم أخذ يبين حكم لحاق الهاء في الوقف فقال «وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ» معنى «أَوْلِهَا» أتبعها الهاء إن وقفتَ، يعني على ما المحذوفة وكان حقه أن يقول (إن وقفتَ) فيأتي بالماضي لأن الجواب محذوف دلّ عليه قولُه «أَوْلِهَا الْهَا» لكن ارتكب الوجه النادر الذي لا يوجد إلا في الشعر نحو

فلم أَرْقِهِ إن ينجُ منها

وقد تقدم التنبيهُ على نظائرَ من ذلك وتركتُ التنبيه على أُخر لكثرة تكرارها كقوله قبل هذا «وَالنَّقْلُ إِنْ يُعْدَمْ نَظِيرٌ مُمْتَنِعْ» وكثيرا ما أخْطُر في هذا النظم على ضرائر شعرية فلا أُنبِّه عليها لكوني قد قدّمتُ التنبيه عليها مرارًا والعذرُ في مثل هذا مقبول [97]

ويعني أنك إذا وقفت على «ما» بعدما حُذفتْ ألفها فإنك تقف عليها بالهاء فتقول (علامَهْ؟ ) و (إلامَهْ؟ ) و (مجيءَ مَهْ؟ ) و (مثل مَهْ؟ ) وهذا حُكمٌ جُمْلِي؛ إذ لم يبيّن هنا هل هو على الجواز أو على اللزوم لكن ذكر ذلك بعدُ وإنما أوليتها الهاء لأنها لما حُذف آخرها أشبهت ما حُذف آخره من الأفعال نحو (اخشَ) و (ارم) فتأكّدَ الإتيان بالهاء لأجل ذلك

ثم قال «وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا... بِاسْمٍ» اسم ليس هو ضمير عائدٌ على الإيلاء المفهوم من قوله «وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ» على حدّ قوله تعالى ﴿وإن تشكروا يرضَهُ لكم﴾ فالهاء في (يرضه) عائد على الشكر المفهوم من (تشكروا) ويعني أن إلحاق الهاء لما يكونُ غير لازم ويكون لازما فأما لزومُه ففيما إذا انخفضت باسم كأنه قال: وليس الإلحاقُ حتما إلّا في ما التي انخفضت باسم، فتقول إذا وقفت: (مجيءَ مَهْ؟ ) و(مِثْلُ مَهْ؟ ) و (اقتضاءَ مَهْ؟ ) في قوله «اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى؟ » ولا يجوزُ أن تقول (مجيءَ مْ؟ ) ولا (مثل مْ؟ ) ولا (اقتضاءَ مْ؟ ) وهذا إنما هو مع الحذف أما مَن أثبت الألف فلا إشكال أنه يقف على الألف.
وأما عدمُ إلحاق الهاء فيما خُفضَ بغير اسمٍ نحو (لِمْ؟ ) و (فيمْ؟ ) و (عمّ؟ ) فإنك تقول (عمَّهْ) و (فيمَهْ؟ ) و (لِمَهْ؟ ) و(بِمَهْ؟ ) و (علامَهْ؟ ) و (إلامَهْ؟ ) وإن شئت قلت (عَمْ؟ ) و (فيمْ؟ ) و (لِمْ؟ ) و (بِمْ؟ ) و (علامْ؟ ) و (إلامْ؟ ) والوجهُ الأول أجودُ لأنّ «ما» لما حُذف آخرها أشبهت ما حُذف آخره من [98]

الأفعال فكما اختير هنالك إلحاقُ الهاء اختير هنا أيضا والوجهُ الثاني دونَ الأول قال سيبويه «وقد قال قوم: فيمْ؟ وعلامْ؟ كما قالوا: اخْشْ» وقد يظهر من كلام الناظم جودة الوجه الأول كما ظهر في (اخش) لأنّ عبارته هنا مثلُ عبارته هنالك

ووجه لزوم الهاء مع الاسم مبنيٌّ على ما تقدمَ من أن الاسم مستقل بنفسه قد ينفصل مما بعده لأنك قد تقول (جِئتَ مجيئا حسنا) و (كنت لزيد مِثْلًا) و (اقتضيت منك اقتضاءً جميلا) فليست هذه الأسماء بلازمةٍ للإضافة كما كانت حروفُ الجرّ لازمةً لمجروراتها بل هي وإن كانت مضافاتٍ - في حكم الاستقلال، فلم تكن «ما» معها كالجزء منها فلما وقفوا أتوا بهاءِ السكت لأن «ما» من أجل انفصالها حُكما مما قبلها تبقى على حرفٍ واحد فكان الوقف عليها بالسكون غاية الإخلال فلزمت الهاء عنده بخلاف الحرف إذا كان هو الجارَّ فإنه لا يستقلّ بنفسه فكان اتصاله بمجروره اتصالا تاما حتى صار كالكلمة الواحدة التي على أكثر من حرف واحد فلم يلزمها إلحاقُ الهاء.
وهذا نظيرُ المنقوص الذي بقي بعد الحذف على حرف واحد أو على أكثر نحو (مُرٍ) و (عَمٍ) وقد تقدم فإثباتُ الياء هنالك نظيرُ إلحاق الهاء هنا [99]

ثم إن كلام الناظم يقتضي أن الجارّ إذا كان اسما كيفما كان فإن الحكم لزومُ الهاء والأسماء الداخلة على (ما) على قسمين قسم متمكن

  • ومنه مثالُه وسائرُ الأمثلة المذكورة - وقسم غير متمكن وشبيه بالحرف نحو (عن) و (على) و (الكاف) على قول الأخفش وغيره ممن قال باسميتها أو حيث تثبت.
    أم القسمُ الأولُ فلا إشكالَ فيه وأما الثاني ففيه إشكالٌ ما من حيث دخولُه على الناظم فإنك إذا أخذت عبارته على إطلاقها لزم في هذا الهاء في الوقف فلا يجوزُ لك أن تقول إلا (كَمَهْ؟ ) و (علامَهْ؟ ) و (عمَّهْ؟ ) وهذا قد ينازَعُ فيه لأن هذه الأسماء موضوعةٌ وضعَ الحروفِ مفتقرةٌ إلى غيرها غيرُ مستقلة بأنفسها ولا يُمكنُ انفصالُها كالحروف فقد يقال: حكمها حكمُ الحروف وهو الظاهر على ما مضى من التعليل فإما أن يكون الناظم إنما تكلم على الغالب في الأسماء لأن مثل (عن) و (على) في الأسماء قليل ويُؤنس بهذا تمثيله بما هو متمكّن وهو الغالب في الباب فيخرج عن كلامه ما ليس بمتمكّن وإما أن يكون ارتكب مذهب الشلوبين في تغليب حكم الأسماء عليه قال ابن الضائع: سألتُ الأستاذ أبا علي وقت قراءتي عليه هذا الموضع من الكتاب عن كاف التشبيه إذا دخلت على ما الاستفهامية [100]

على مذهب أبي الحسن الأخفش في تجويز كونها اسما في الكلام فقال: ينبغي أن يكون حكمُها حكمَ الأسماء قال ابن الضائع: وكذا يلزمه في «على» اسما أيضا قال: والأولى عندي جوازُ الوقف دون هاء لأن اسميّة هذه لا تجعلها مستقلة بل الأغلب عليه الحرفية وعدمُ الاستقلال

والاقتضاءُ: طلبُ القضاء.
يقال: (اقتضيتُ ديني وتقاضيتُه) وقد يكون بمعنى الأخذ في القضاء لأنه اكتسابٌ واعتمالٌ فقوله «اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى؟ » تقديره: اقتضاءَ أيِّ شيءٍ اقتضى؟ وجوابه: اقتضاءَ يُسْرٍ أو عُسْرٍ أو تعجيلٍ أو مَطْلٍ أو نحو ذلك مما تقع عليه ما.
وقد يكون جوابه (اقتضاء زيدٍ أو عمرٍو) فقد وقع في حاشية نسخة أبي نصر من كتاب سيبويه حين مثّل بمثل (مَ أنت؟ ) ما نصُّه: جواب قولهم (مِثْل مَ أنت؟ ابنُ كذا وكذا سنةً) قال ابن خروف: وقال غيره: يجوز في جوابه مِثلُ زيدٍ وعمرٍو لأنَّ «ما» تقع على من يعقل

وَوَصْلُهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكِ بِنَا... أُدِيمَ شَذَّ، فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا [101]

يعني أنّ وصْلَ الهاء بحركة بناءِ مُدَامٍ - أي مستدام - مستحسنٌ عند العرب والنحويين ووصلها بحركة بناءٍ غيرِ مُستدامٍ شادٌّ يُحفظ ولا يُقاس عليه.
هذا ما قال على الجملة وهذا الكلام منه يشتملُ على أربع مسائل: ثنتان منصوص عليهما وثنتان مأخوذتان من قوة الكلام

فأما المسألة الأولى فهي مسألة البناء غير المستدام ومعنى المستدامِ البناءُ الذي لا تنتقل عنه الكلمة إلى الإعراب في حال من الأحوال، وغير المستدام هو الذي تنتقل عنه الكلمة في بعض الأحوال فيكون معربا مرة ومبنيا مرة

و«... أُدِيمَ» في كلامه جملة في موضع الصفة لـ (بِنَاءٍ... )، و «شَذَّ» جملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو «وَصْلُهَا» كأنه قال: ووصل الهاء بغير تحريك بناءٍ مُستدامٍ شاذ.
وكان حقه أن يقول: ووصلُها بتحريكِ بناءٍ غير مدامٍ شذَّ، فيُدخِلَ النفي على الدوام لأن هذا المعنى هو المراد وهو أن دخولها على البناء العراضِ شاذ، وظاهرُ عبارته يُعطي ما هو أعمُّ من هذا لأنّ غير تحريك البناء المدام أعمُّ من أن يكون تحريكا غير مدام أو تحريك غير بناء بل تحريك إعراب لأن حركة الإعراب يصدُق عليها أنها غير تحريك بناءٍ مدام مع أنّ القصد إنما هو في الكلام على حركة البناءِ المدام وغير المدام خاصة لا في حركة البناء والإعراب؛ إذ حركة الإعراب لا تلحقها الهاءُ في [102]

الوقف ولا يُحتاج إلى التنبيه عليها؛ لأنّ تخصيصه حركة البناء بالذكر يُعطي خروجَ حركة الإعراب عن هذا الحكم، فإذًا وجهُ العبارة أن لو قال: ووصلُها بتحريك بناءٍ غير مدام.
لكن يُعتذرُ عن بعذرين:

أحدهما أنّا نزعُم أنه قصد بغير تحريك البناء المستدام الحركتين حركة الإعراب وحركة البناء غير المدام فيريد أن وصلها بحركة الإعراب وحركة البناء غير المدام شاذ ويكون ذلك نصا على أن الهاء لا تلحق حركة الإعراب وهي من المقاصد في هذا الفصل فالنص عليها أولى من أخذها من قوة الكلام

فإن قيل فأين الشذوذ الحاصل بلحاق الهاء حركة الإعراب؟

فالجواب أن ذلك موجود حكى سيبويه «أعطني أبيضَّهْ» قال «أراد أبيضَ فألحق الهاءَ - يعني هاء السكت - كما ألحقها في هُنَّه وهو يريد هُنَّ» فأنت ترى حركة الإعراب قد ألحقوها هاءَ السكت مع التشديد الخاص بالوقف أيضا.
قال السيرافي: هو من أقبح الشذوذ.
قال: «وبعض أصحابنا يقول هو غَلَطٌ من قائله» ووجَّه القُبْحَ فيه من وجهين أحدهما أنّ هاء السكت لا تلحق حركة الإعراب وإنما تلحقُ حركة البناء والثاني أن التشديد إنما يلحقُ الحرف الموقوف عليه والوقف هنا إنما هو على الهاء لا على الضاد [103]

قال ابن الضائع ووجهه عندي أنه لما وقف على أبيض بالتشديد وهو خاص بالوقف والوقف يذهب معه الإعراب أشبه التشديد الذي ليس بمحل إعراب كهُنَّهُ.
قال ولذلك أشار سيبويه يعني بقوله كما ألحقها في هُنَّه وهو يريد هُنَّ فقد ثبت لحاق الهاء شذوذا لحركة الإعراب فيُدعى أنه من جملة ما نَبَّه عليه الناظم بقوله «وَوَصْلُهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكِ بِنَا... أُدِيمَ شَذَّ»

والعذر الثاني - على تسليم أنه إنما قصد تحريك البناء غير المستدام وأنه معنى كلامه - فقد تُدخِل العرب النفي على أول الكلام قصدا لنفي ما بعده ولا تقصد نفي ما دخلت عليه ومن ذلك ما أنشده الفراء من قول الراجز

من كان لا يَزْعُمُ أنّي شاعرٌ... فَيَدْنُ مني تَنْهَهُ المزاجِرُ

فلم يرد أن يقول من انتفى عنه الزعم بأني شاعر فيدنُ مني وإنما أراد من كان يزعم نفي الشعر عني أي من كان يزعم أني غير شاعر فيدنُ مني تنهه المزاجر.
وقال الآخر

ولا أراها تَزَالُ ظالمةً... تُحدِثُ لي قرحةً وتَنْكَؤُها [104]

أراد وأراها لا تزال ظالمة ولم يرد نفي الرؤية إذ لا يصح ذلك فكذلك أدخلَ هنا «غير» على التحريك وهو يريد المدام وإذا كان مثل هذا مستعملا فلا إشكال في كلامه والله أعلم

ثم نقول بعدُ إنّ لحاق الهاء لتحريك البناء غير المدامِ شاذ كما قال وكلامُ العرب على عدم اللحاق لأن حركة البناء غير المدام شبيهةٌ بحركة الإعراب لانتقالها وعدم بقائها على حالة واحدة فصار حكمها كحركة الإعراب وحركةُ الإعراب لا تلحقها الهاء أصلا فكذلك ما كان مثلها.
وبعدُ فحركة البناء التي على هذا الوصف تُوجَد في أنواع من الكلم وقد عدَّ منها في التسهيل أربعة أنواع:

أحدها الاسم المبني مع لا في قولك (لا رجلَ في الدار) فحركة اللام بنائية ولا بدّ على مذهبه إلا أنها لا تلحقها الهاءُ فلا تقول (لا رَجُلَهْ) ولا (لا علامَهْ) في (لا غلامَ) لشبهها بحركة الإعراب؛ ألا ترى أن العرب تُتبِع فيها على اللفظ كما تُتبِع في حركة الإعراب فتقول (لا رجلَ عاقلًا) كما تقول (رأيت رجلًا عاقلًا) ولأجل هذا زعم قوم أنها حركة إعراب وقد تقدم الكلام على ذلك في باب لا

والثاني المنادى المضموم نحو (يا زيدُ) و (يا حكمُ) و (يا رجلُ) فالوقف ههنا بالإسكان خاصة ولا يجوز أن تلحق الهاء فتقول (يا زيدُه) و (يا حكمُهْ) و(يا رجلُهْ) لما تقدم في اسم لا من أنّ الحركة هنا شبيهة بحركة الإعراب ولذلك جاز الإتباع فيها على اللفظ فتقول (يا زيدُ الظريفُ) و (يا عمرُو الفاضلُ) [105]

وإنما يختص هذا بالمضموم لا بما ليس بمضموم لأن الضمة هي التي أشبهت حركة الإعراب فأما إن كانت الحركة التي في آخر المنادى غير ضمة

  • أعني مما ليس بإعراب - فيجوز لحاقُ الهاء لها وقفا فإذا وقفت على المنادى المرخَّم فإنه يجوز أن تقف على الهاء فتقول في (يا جعفَ): (يا جعفَهْ) وفي (يا عامِ): (يا عامِهْ) وفي (يا منصُ): (يا منصُهْ) وإنما قلت ذلك وإن لم أجده منصوصا عليه بخصوصه لأنهم قالوا في (طَلْح) إذا وُقف عليه (يا طلحَهْ) بالهاء نصَّ على ذلك سيبويه وغيره وهو الأكثر في كلامهم ولا يقال (يا طَلْحْ) إلا قليلا لأنه قد صار في درجة (ارمِهْ) والأكثر في (ارمِ) الوقفُ بالهاء كما تقدم وذلك لأنهم لما ألزموه الترخيم في الأكثر ألزموه الهاء في الوقف ونص سيبويه على أنّ هذه الهاء هي هاء السكت لا غيرها وإن كان محتملا أن تكون كذلك أو تكون هاءَ الأصل ردّت للوقف كما ردّي ياء (يا مري) فقال «وإنما ألحقوا هذه الهاء ليبينوا حركة الميم والحاء» يريد في (يا سلمهْ) و (يا طلحهْ) قال «فصارت هذه الهاءُ لازمةً في الوقف كما لزمت الهاء في وقف ارمِهْ» وعلل ذلك بنحو ما عَلَّلَ به (ارمه) وبابه.
    وإذا ثبت هذا فكلُّ مُرخَّم قد لزمت فيه تلك العلة وصارت الحركة التي في آخر المرخم ليست بضمة نداء بل هي حركة بناء كحركة (لم يرمه) فلا بدَّ من القول بجواز [106]

الترخيم فيه وكذلك تقول في نحو (يا مسلمان) و (يا مسلمون) يجوز أن تلحق الهاء لأن حركة النون ليست بإعراب ولا شبيهة بحركة إعراب كما يقال ذلك فيه غير منادى كما سيأتي إن شاء الله

فالحاصلُ في ذلك أنّ المنادى المضموم هو المختص بمنع اللحاق دون غيره من المنادى الذي ليست حركة آخره حركة إعراب ولا شبيهةً بها، اتباعا لعقد الناظم

والثالث المبنيُّ لقطعه عن الإضافة كـ (قبلُ) و (بعدُ) و (قدامُ) و (خلفُ) و (أمامُ) و(علُ) و (أوَّلُ) و (غيرُ) وما أشبه ذلك فإنه أيضا لا تلحقه الهاء لشبه هذه الحركة بحركة الإعراب من حيث كانت في آخر اسم يدخله الرفع والنصب والجر فصار كالمعرب حقيقةً إذ هو اسمٌ متمكن فلا تقول (قبلُهْ) ولا (بعدُهْ) وإنما تقف عليه على حد الوقف على المعربات

والرابع الفعل الماضي فلا تقول في (قامَ): (قامَهْ) ولا في (خرجَ): (خرجَهْ) ولا نحو ذلك لأن حركته شبيهة بحركة الإعراب من جهة أنها أشبهت حركات الأسماء المبنية على الحركات لتمكنها نحو (قبلُ) و (بعدُ) و (يا حكمُ) وعلل سيبويه كون الفعل الماضي لا تدخله الهاء بأن آخره هو الذي يُعرَبُ في المضارع لأن الماضي يتصرف حتى يصير مضارعا فيعربُ آخره فال ابن خروف: وكذلك كل حركة بناء للمزيّة لا تدخلها الهاء، لأن علتها علّة حركة الماضي [107]

وبقي بعد هذا بيان الشذوذ الذي أشار إليه في المحرك بحركة بناء غير مُدامٍ وقد ألحقوا الهاء في الوقف «عَلُ» فقالوا (مِنْ عَلُهْ) حكاه في التسهيل ولم أستظهر عليه بشاهد فعليك البحث عنه وقد وجدتُ له شاهدا في شرح ابنه لهذا النظم ولكني لم أقيِّده كما أحبُّ فتركتُه

وأما المسألة الثانية فهي مسألة البناء المستدام وذلك قوله «فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا» وهو على حذف العاطف والمدام على حذف الموصوف وضمير «اسْتُحْسِنَ» عائد على «وَصْل» والتقدير: وفي تحريك البناء المدام استحسن وصلُ هاء السكت، والمستَحسِن لذلك إما العربُ أو النحويون

واعلم أنّ ما فيه حركة البناء المدام على ثلاثة أقسام

أحدها أن يكون آخره محذوفا فلحقت الهاء جبرا لما حُذِف وصونا عن تسكين ما قبله والثاني ألا يكون محذوفا منه إلا أن ما قبل آخره ساكن والآخر خفيٌّ في نفسه وهو النون أو ما أشبهها وهو الأكثر فيما قبله ساكن فألحقوا الهاء تبيينا للنون ولحركتها وكراهة لالتقاء الساكنين [108]

والثالث ألا يكون محذوفا منه أيضا إلا أنّ الآخر حرف خفيٌّ أو ما ألحق به فأرادوا أن يُبيِّنوا بلحاق الهاء، ويُقَوُّوا ما كان منها اسما على حرفٍ واحد

وهذه الأقسامُ في القوة والضعف على هذا الترتيب فلحاقُ الهاء للأول أقوى ثم يليه لحاقُها للثاني ثم لحاقُها للثالث والقسمان الأخيران هما المشار إليهما في كلام الناظم

وأما الأول فقد تقدَّمَ فمن أحد القسمين قوله (هما ضاربانه) و (هم مسلمونه) و (هم قاتلونه) ومنه أيضا: (هُنَّهْ) و (ضربتُنَّهْ) و (اعلمُنَّهْ) و (أينَهْ) و (إنَّهْ) في (إنَّ) بمعنى (نَعَمْ) قال ابن قيس الرقيات

بَكَرَتْ عَلَيَّ عَواذِلي... يَلْحَيْنَنِي وأَلُومُهُنَّهْ ويَقُلْن شيبٌ عَلا... كَ وَقَد كَبِرْتَ فَقُلْتُ: إنَّهْ

أنشد البيت الثاني سيبويه وأنشد قطرب لامرأة فَقْعَسِيَّةٍ في الهاء اللاحقة للمثنى

فَعَلتُهُ لا تَنْقَضي شَهْرَيَنهْ... شَهْرَيْ ربيع وجُمادَ يَينهْ [109]

وأنشد ابن جني

أهكذا يا طَيْبَ تَفْعَلُونَهْ... أَعَلَلًا وَنَحْنُ مُنْهُلُونَهْ؟

وأنشد أيضا

اكسُ بُنيَّاتِي وأُمَّهنَّهْ... أُقسِمُ بالله لَتَفْعَلَنَّهْ

هذه كلها لحقتها الهاء لخفاءِ النون لضعفها ولالتقاء الساكنين والميمُ في ذلك كالنون لأنها مثلها في الخفاء فقد قالوا (ثُمَّهْ) و (هَلُمَّهْ) وأنشد سيبويه قول الراجز

يا أيها الناسُ ألا هَلُمَّهْ

وقالوا (كيفَهْ؟ ) و (ليتَهْ) و (لعلَّهْ) وأجاز ذلك سيبويه وقال «لمّا لم يكن حرفا يتصرفُ للإعراب وكان ما قبلها ساكنا جعلوه بمنزلة ما ذكرنا» قال «وزعم الخليل أنهم يقولون (انطلقْتُهْ) يريد: انطلقت» وهكذا ينبغي في (انطلقت) و (انطلقت) فتقول (انطلَقْتَهْ) و (انطلقته) وأبَى ذلك المبرد وردّ على من أجاز هذا من وجهين أحدهما أن التاء فاعلة فهي في موضع الفاعل [110]

المعرب.
والثاني أنه يلتبس بالمضمر إن كان الفعل لا يتعدى فبضمير المصدر وإن كان يتعدى فبضمير المفعول به قال: ويقوّي ذلك جوازُ (ضاربانِهْ) و (مسلمونَهْ) وامتناع (يضربانِهْ) و (يسلمونَهْ) لأن هذه تلتبس وتلك لا تلتبس.
قال السيرافي: والقول عندي ما قال الخليل وسيبويه لأن سيبويه قد حكى (ضَرَبْتُنَّهْ).. وكذلك (اعلمُنَّهْ) ولو امتنع هذا لامتنع (ليتَهْ) و (لعلَّهْ) لأن يلتبس باسمها، وقد حكاه سيبويه عن العرب وأما امتناع (يضربانِهْ) و(يضربونَهْ) فسيذكر إثر هذا إن شاء الله تعالى

ومن ذلك أيضا قولك (غلامايَهْ) و (عصايَهْ) و (بُشرايهْ) و (قاضيَّهْ) وقع هذا في نسخة ابن السراج وقال: هذا كلُّه فاسد.
قال ابن خروف: أراد للّبس بالضمير.
قال: وليس فيه لبس بضمير لأن ضمير الغائب لا يقع هنا مع ضمير المتكلم

ومن القسم الثاني قولهم (غلامِيَهْ) و (جاء من بعدِيَهْ) و (ضرَبَنِيَهْ) وهذا على من حرَّكَ الياء في الوصل أما من سكَّنها فإنما يقفُ بالسكون لأن الهاء لا تلحق إلا المتحرك قال سيبويه «كرهوا أن يسكنوها إذْ لم تكن حرف الإعراب وكانت خفيَّةً فبيَّنُوها» وحسَّن أيضا لحاق الهاء هنا أنّ الياء اسم [111]

فكرهوا أن تكون على حرف واحد ثم يضعفوها بالإسكان ومما أُجرِي مجرى الياء قولهم (هِيَهْ) و (هُوَهْ) شبهوا ياء (هي) بياء (بعدي) وكرهوا في واو (هو) أن يلزموها الإسكان في الوقف فجعلوها بمنزلة الياء كما جعلوا (كَيْفَهْ) كـ (مسلمونَهْ) أيضا وقالوا (خُذْه بحُكْمِكَهْ) ومن المسموع في ذلك قول الله تعالى ﴿هاؤم اقرأوا كتابيَهْ إني ظننتُ أني مُلاقٍ حِسابيَهْ﴾ و ﴿يا ليتني لم أوتَ كتابيَهْ ولم أدْرِ ما حِسابيَهْ﴾ وقال ﴿ما أغنى عني ماليَهْ هلك عني سلطانيَهْ﴾ وقال ﴿وما أدراك ما هيَهْ﴾ وأنشد السيرافي

إذا ما تَرَعْرَعَ فينا الغلامُ... فليس يُقالُ لهُ: مَنْ هُوَه؟

وقال ابن قيس الرقيات

تبكيهمُ دَهْمَاءُ مُعْوِلةٌ... وتقول سلمى: وَارَزيَّتِيَهْ

إلى هذا النحو أشار الناظم بقوله «فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا»

أما المسألة الثالثة فإن هذه الهاء لا تلحقُ ساكنا وإنما تلحق المتحرِّك وذلك مستفاد من هذا الكلام؛ إذ قال (وَوَصْلُهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكِ بِنَا... ) أي: [112]

بتحريك بناءٍ غير مدامٍ، كما تقدم تقريره في المسألة الأولى ووجه ذلك ظاهر مما تقدم؛ إذْ كانت الهاءُ إنما لحقت لبيان الحركات والساكنُ لا حركة فيه.
وأيضا فلحِقتْ لئلا يلتقي ساكنان وهذا يقتضي أن لا تلحق إلا المتحرّك فإذا ما جاء من لحاقها لما آخره ساكن فقليل ولا يكون الساكنُ مع قلته إلا الألف وذلك قولهم (هؤلاهْ) و (هَهُناهْ) قال سيبويه «واعلم أنهم لا يُتبعون الهاء ساكنا سوى هذا الحرف الممدود - يعني الألف - لأنه خفِيٌّ فأرادوا البيان كما أرادوا أن يُحرّكوا ولا يجوزُ أن تلحق ما في آخره ياءٌ أو واواٌ وغيرها من السواكن إلا ما تقدم ذكره في الندبة من لحاقها الألف والواو والياء لِما أرادوا هنالك مِنْ مَدِّ الصوت»

فإن قيل إن لحاق الهاء مَدَّة الندبةِ قياس مُطَّرد وهو مُختصٌّ بالوقف كهذا الموضع فلِمَ أشعر هنا بأنها لا تلحقُ إلا المتحرك فظهر أن باب الندبة يدخلُ الاعتراض عليه

فالجواب أنه إنما تكلم هنا على غير الندبة إذ قد تقدّم الكلام عليها فهو لا يريدُها هنا أصلا وإلا كان تكرارا

المسألة الرابعة أن هذه الهاء لا تلحق حركة الإعراب وإنما هي مختصّةٌ بحركة البناء المستدام كما أخبر أولا وأشعر بهذا من كلامِه [113]

تخصيصُه حركة البناءِ باللحاق المذكور فدلّ على أن غير حركة البناء عنده على خلاف ذلك وإلا لم يكن لتخصيصه حركة البناء دون غيرها فائدة وأيضا إذا كان ينفي لحاقها عن حركة البناء غير المستدام فأنْ ينفيه عن حركة الإعراب أحرى وأولى وأيضا قد يُقال إن حركة الإعراب قد دخلت له تحت قوله: غير تحريك بناء أُديم.
وقد تقدم تقريره وإذا كان كذلك بقي علّة عدم لحاقها لحركة الإعراب ووجهُ ذلك أن المعرب يتصرف بوجوه الإعراب ويوقف على التنوين منه حالة النصب فجعلوا هذا كالعوض من الهاء مع أنهم أرادوا أن يفرقوا بين الحركتين

واعلم أنّ معنى قولِ من يقول: إنّ هاء السكت لا تلحق معربا أنها لا تلحق حركة إعراب فقد يكون الاسم معربا والهاء تلحقه مع ذلك لأن الحركة التي في آخره ليست حركة إعراب كـ (مسلمان) و (مسلمون) ونحوهما مما تقدم فإنه معرب مع أن الهاء تلحقه فتقول (مسلمانِهْ) و (مسلمونَهْ) وقد توهم ابن خروف خلافَ هذا وذلك أن المبرد أجاز في بَيْتَيْ سيبويه وهما

هُمُ القائلون الخير والآمرونَهُ... إذا ما خشُوا من محدث الأمر معظما وقوله [114]

ولم يرتفق والناسُ محتضرونَهُ... جميعا، وأيدي المعتفين رواهقه

أن تكون الهاءُ هاءَ السكت ثم شبهت بهاء الضمير فوصلت وحُرِّكت لأنه لا يُجمَع بين هذه النون وهاء الضمير فردّ عليه ابن خروف بأن هاء السكت لا تلحقُ معربا بوجه وإنما تلحق الأسماء المبنية فنسي قول سيبويه أن هذا الهاء تلحقُ هذه النون وإن كان الاسم الذي قبلها معربا قال ابن الضائع: وغلَّطه في ذلك إطلاقُ النحويين أن هذه الهاء لا تلحق معربا قال وإنما يريدون لا تلحق حركة إعراب وليست حركة هذه النون حركة إعراب

فإن قيل: فلِم امتنع في «يضربان» لحاق الهاء وفي (يضربون) وجاز في (ضاربان) وفي (ضاربون) مع أن النون فيهما لم تتحرك بحركة إعراب؟

فالجواب ما قاله ابن الضائع من أنّ النون في (يضربان) و (يضربون) علامةُ الرفع كالضمة في (يضربُ) وهذه الهاء لا تلحقُ علامة إعراب قال: ولذلك قال سيبويه: إن الهاء إنما تلحق هذه النون التي ليست بحرف إعراب، ليس يعني بحرف الإعراب أنّ فيها حركة إعراب بل يعني أنها نفسها الإعراب وقد تم النظرُ في المسائل الأربع بتمام النظرِ في كلام الناظم، والله المستعان

[115]

وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ مَا... لِلْوَقْفِ نَثْرًا، وَفَشَا مُنْتَظِمَا

يعني أن العرب قد تُجرِي الوصل مجرى الوقف فتعامل الكلمة في الوصل بما تعاملها به لو وقفت عليه من إسكان آخر الكلمة أو تضعيفها أو غير ذلك من الأحكام المختصة بالوقف لكن هذا قد يأتي في النثر كما قال وقد يأتي في النظم وإتيانه في النثر قليل لأنه على خلاف الأصل وأكثره ضرورة والضرورة إنما تختص بالشعر ولذلك أتى الناظم فيه بـ (ربما) المفيدة للتقليل والندور وأما إتيانه في النظم فكثير لأن النظم محل الخروج عن القياس ومحل ارتكاب الضرورات

وأما إجراء الوصل مجرى الوقف في النثر فمنه قراءة البزِّي ﴿وجئتك من سبأْ بنبأ يقين﴾ بإسكان همزة ﴿سبأ﴾ إجراءً للوصل مجرى الوقف هذا هو الظاهر في هذه القراءة وقد قيل مثل ذلك في قراءة من قرأ ﴿يؤدِّهْ إليك﴾ و ﴿نُولِّهْ ما تولى ونُصلِهْ جهنَّم﴾ و ﴿نؤتِهْ منها﴾ [116]

وهي قراءة حمزة وأبي عمرو وأبي بكر في هذه الألفاظ المذكورة وكذلك قراءة من قرأ ﴿فألقِهْ إليهم﴾ ﴿يتَّقهْ﴾ ﴿ومَنْ يأتِهْ مُؤْمِنا﴾ وسائر هذا الباب حمَله بعضُ الناس على أنه من إجراء الوصل مجرى الوقف والأشهر في هذه الأشياء غير هذا التعليل

ومن ذلك قراءةُ من قرأ ﴿ما أغنى عنِّي ماليَهْ هلك عنِّي سلطانيهْ﴾ وقوله ﴿وما أدراك ما هيَهْ﴾ بإثبات الهاء وصلا ووقفا وهم من عدا حمزة وما ذاك إلا إجراءُ الوصل مجرى الوقف وحكى سيبويه من كلامهم (ثلاثة أربعة) بإبقاء هاء (ثلاثة) هاءً على حالها في الوقف ونقل حركة همزة (أربعة) إليها

ومنه أيضا في الأظهر قراءة حمزة ﴿ومكر السيِّئْ ولا يحيق﴾ بإسكان الهمزة في الوصل وذلك إنما يكون في الوقف لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف وبعض العرب يُبدل ألف المقصور في الوقف واوا ومنهم من يبدلها فيه ياءً حكى ذلك سيبويه ثم حكى أن طيئا يدعون الألف في الوصل كما كانت في الوقف فيقولون (أفعَىْ) في الوقف فإذا وصلوا فعلوا ذلك أيضا فقالوا (هذه أفعَىْ يا هذا) وبعضهم يقولون (هذه أفعَوْ يا فتى) بالواو في الوصل أيضا فزعم المؤلف أنه من إجراء الوصل مجرى الوقف قال في [117]

كتاب التسهيل «ومنه إبدالُ بعض الطائيين في الوصلِ ألف المقصور واوا وعلى هذه اللغة يمشي ما روي عن الحسن أنه قرأ ﴿يومَ يُدْعَوْ كلُّ أناس بإمامهم﴾ ببناء ﴿يُدْعَوْ﴾ للمفعول والواو ساكنة» قال ابن جني «هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واوا نحو: أفْعَوْ وحُبْلَوْ» قال «وأكثر هذا القلب إنما هو ف الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير» قال «وهو أيضا في الوصل محكي على حاله في الوقف» وعلى هذا أيضا حمله ابن خروف

ومن ذلك قراءة نافع وابن عامر وعاصم ﴿وتظنُّون بالله الظنونا﴾ و﴿الرسولا﴾ و ﴿السبيلا﴾ بالألف في الوصل إجراء له مجرى الوقف وكذلك قراءةُ ابن عامر ﴿لكنا هو الله ربي﴾ بإثبات الألف وصلا وهي عند البصريين ألف «أنا» لأن الأصل (لكنْ أنا) وكذلك قراءة نافع ﴿أنا أُحيي﴾ ﴿فأنا أوّلُ﴾ بإثبات الألف في الوصل [118]

وقد يكون من هذا القبيل قراءة نافع ﴿ومحيايْ ومماتي لله﴾ بإسكان الياء من ﴿محياي﴾ وصلا وقراءة أبي عمرو والبزِّي ﴿اللايْ﴾ بالياء ساكنة في الوصل أيضا وقراءة الحسن ﴿حاشْ لله﴾ بإسكان الشين وصلا

وقد جاء من هذا النحو شيء صالح يكفي هذا منه إلا أن مع الناظم فيه متكلما وذلك أنه أتى في كلامه بـ (ربّما) المقتضية للتقليل الندور وأنت قد رأيت أن الذي جاء من ذلك ليس بنادر إذ أكثره قد قُرئَ به ومنه ما هو لغة لبعض العرب وقد مرَّ من عادته أنَّ ما قُرئ به لا بد أن يستنبط له قياسا جاريا في أمثاله وإن كان قليلا أجرى القياس فيه على قلته ولم يجعله مسموعا نادرا وقد جعل في التسهيل تحقيق الهمزتين مع الاتصال لغى ولم ينقلها أحد لغةً وإنما نُقل من ذلك ألفاظ شاذة، نعم جاء في القرآن ﴿أئمة﴾ بتحقيق الهمزتين قراءةً عن الكوفيين وابن ذكوان [119]

قال شيخنا القاضي رحمه الله: جعل ذلك لغة للقرآن أدبا مع القرآن أن يجعل ما نُقل فيه قراءة شاذة أو مخالفة لكلام العرب فكيف يجعل هذا الذي تقدم ذكره - مع كثرته وأن أكثره من القرآن ومن المنقول عن الأئمة - نادرا؟ ! هذا خارج عن مقتضى طريقته كما تقدم وأيضا إن أجرينا طريقته هنا في جعله لغة الطائيين جارية في الوصل على طريقة وقف غيرهم انفسح لنا في ذلك مجال من السماع رَحْب وذلك أن قراءة من قرأ ﴿نوله﴾ و﴿نُصلِهْ﴾ و ﴿يرضَهْ﴾ وما أشبه ذلك ما قبلَ الهاء فيه سكان في الأصل حُذف للجزم أو للوقف جارية على طريقة بعض العرب في ذلك إذ هذه الهاء فيها للعرب ثلاثة أوجه: التحريك باختلاس وبإشباع والتسكين ولا شك أن التسكين أقلها فنحملها على إجراء الوصل مجرى الوقف ولا يصادمنا في هذا التأويل تعليلهم بأن الهاء وقعت موقع ساكن محذوف فأسكنت كإسكانه كما لم يصادمه هو في لغة الطائيين ما علل به سيبويه من أنهم أبدلوا الألف واوا وياءً لخفاء الألف فأرادوا بيانها إذ كانت الألف خفية؛ فإن هذه التعليلات يصح أن يعلل بها إجراء الوصل مجرى الوقف إذ هو على خلاف القياس فيقال: لم أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف في مسألة كذا؟ فيجاب بعلة يقتضيها الموضع على هذه الطريقة يجري أيضا ما حكاه [120]

السيرافي أن من العرب من يقول (اشترْ ثوبا) و (اتقْ زيدًا) وأنشد على ذلك

ومن يتَّقْ فإنَّ الله مَعْهُ... ورزقُ الله مؤتابٌ وغادِ

وأنشد أيضا

قالت سُليمى: اشترْ لنا دقيقا

ومن ذلك هاء الضمير بعد متحرك نحو (بِهْ) و (لَهْ) يسكنها قوم من العرب حكاها الأخفش لغة عن أزْدِ السراة وحكاها المؤلف في «التسهيل» عن بني عُقَيل وبني كلاب وعلى ما حكى الأخفش حكى ابن جني

وأشرب الماءَ ما بِي نَحْوَهْ عَطَشٌ... إلا لأنَّ عُيونَهْ سَيْلُ وادِيها

وقولَ الآخر وهو رجلٌ من أزْدِ السراةِ

فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أخيله... وَمِطْوَاي مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقانِ [121]

هذه اللغة لا ما نع من ادعاء إجراء الوصل فيها مجرى الوقف بل الظاهر على ما قال أنها كذلك وكذلك تسكين واو (هُوَ) وياء (هيَ) في الوصل حكاها المؤلف عن قيس وأسد وحمل على ذلك قول الهذلي

إنَّ سَلْمَى هِيَ المُنَى لو تُواتِي... حَبَّذا هِيْ من خُلَّةٍ لو تُخالِي

وأنشد المؤلف

وركضُك لولا هو لقيتَ الذي لَقُوا... فأصبحتَ قد جاوزتُ قومًا أَعَادِيا

وقال متمم بن نويرة

أَدَعَوْتَه بالله ثُمَّ غَرَرْتَهُ... لَوْ هُوْ دَعَاكَ بذمَّةٍ لم يَغْدُرِ

وقرأ أبو جعفر والزهري ﴿ثُمَّ اجعلْ على كلِّ جبل منهنَّ جُزّا﴾ بتشديد الزاي من غير همز قال ابن جني: خفف الهمزة على قولك (الخبُ) في (الخبْء) وإذا خُفِّفَ فلك الوقف بالتشديد فتقول (الجُزُّ) ثم إنه وصَل على وقفه فقال (جُزًّا) فهذا من إجراء الوصلِ مجرى الوقفِ على قولهم: [122]

ببازلٍ وجناءَ أَوْ عَيْهَلِّ

كما سيُذكر إلى أشياء من هذا النحو لا أقدر على حصرها وقد جرى في التسهيل على هذا السبيل فأتى بـ (ربّما) في هذه المسألة فقال «ويجري الوصلُ مجرى الوقفِ اضطرارا وربما أجري مجراه اختيارا» والجميع مشكل لما ثبت في المسألة من السماع الفاشي الذي لا يقال في مثله ولا فيما قاربه إن نادر، ولا يقلَّلُ بـ (ربّما)، وللنظر في المسألة مجال واسعٌ مضاف إلى كلام الناظم هنا وفي التسهيل وغيرهما من كتبه لا أقدر على استيفائه الآن

وأما إجراء الوصل مجرى الوقف في النظم وهو الذي ذكر فيه أنه فاش كثير، فمنه جميع ما تقدم من الأبيات فإنها محمولة في النظم على إجراء الوصل مجرى الوقف منصوص عليها أو على أكثرها في ذلك الحكم ومن ذلك أيضا قولُ امرئ القيس

فاليوم أشْرَبْ غير مستحقبٍ... إثما من الله ولا واغِلِ

أنشده سيبويه وأنشد ابن جني: فاحذَرْ ولا تَكْثَرْ كريًّا أعوجا وأنشد سيبويه: [123]

إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ: صاحبْ قَوّمِ... بالدوّ أمثالَ السَّفين العُوَّمِ

وقال وضاح اليمن

إنما شعري شُهد... قد خُلِطْ بِجُلْجُلانِ

ومنه إثبات ألف «أنا» في الوصل قال الأعشى

فكَيْفَ أنا وانتحالَ القَوافيَ بَعْدَ المَشيبِ كَفَ ذاكَ عارا

وقال آخر

أنا سيفُ العشيرةِ فاعرفُوني... حُميدًا قد تدرّيتُ السَّنَاما

وقال أبو النجم

أنا أبو النجم وشعرِي شعرِي

ومن ذلك ما أنشده سيبويه من قول رؤبة لقد خشيتُ أن أرى جَدَبَّا... في عامنا ذا بعدما أَخْصَبَّا [124]

جارٍ التحميل