لشبهها بها في الصورة والزيادة، وفي كِساء بالحمل على عِلباء لشبهها بها في الصورة ومقابلة الأصل، وقد حكى قُرَّاويي شاذاً، حملوه على كسِساء لاجتماعهما في الأصالة على الجملة.
وهذا التدريج وجه الصناعة في هذه الأقسام، وهو الذي اعتمده ابن جني وبوَّب عليه وعلى أمثاله في الخصائص، وكما لم يراع الناظم في حكاية الوجهين في القسم الثالث الترجيح لأحد الوجهين على الآخر في التثنية، كذلك ههنا، وقد تقدم وجه الترجيح، والخلاف فيه، وهو جارٍ هنا، بلا بدٍّ.
فإن قلتَ: فإن النحويين حكوا هنالك أشياء - أعني في التثنية - من قلب همزة التأنيث ياء، ومن قلب همزة نحو: كساء ياءً، ومن إثبات همزة التأنيث على حالها، ومن حذفها رأساً كأنها لم تكن، ومن غير ذلك، ولم يحكوا في التثنية: قُرَّاوان، وإنما قاسه الفارسيُّ على قُرَّاويّ، وقد تقدم التنبيه عليه في باب التثنية، على أن ابن جني يظهر من كلامه أن قُرَّاوان سماعٌ ولي بنصه منه فيه، والفارسيّ لم يعرفه، فالأظهر أنه لم يُسمع، وأيضاً فمن الأشياء التي
وقع التنبيه عليها ما في كونه قياساً خلافٌ؛ كمذهب الكسائي في جواز حمراءان بإثبات الهمزة، وكذلك مذهب الكوفيين في جواز حذفها رأساً إذا طال الممدود، وأجازوا أيضاً قياس إبدالها ياءً، وهكذا عادتهم في الشذوذ أن يقيسوا عليها، ولم يُحك عنهم في النسب شيءٌ من ذلك فيما علمت، وإذا كان كذلك فكان من حق الناظم ألاَّ يطلق قوله في مضاهاة النسب للتثنية؛ إذ يوهم الجريان والمضاهاة في القياس، والشذوذ، والمختلف فيه، وليس كذلك كما ظهر لك.
فالجواب: أن مقصد الناظم إنما هو مضاهاة المقيس عليه خاصة، وهو الذي بنى عليه في المختصر، بل هو الذي بنى عليه جميع النحويين، وإنما حكوا الشذوذات احترازاً منها وتنبيهاً على عدم القياس فيها، وذكرها عندهم تكميلٌ وزيادةٌ على الحاجة، لم يقصد الناظم الشذوذ في هذا التقرير، وأما المختلف فيه فهو راجع إلى الشذوذ أيضاً؛ لأن كل ما قاس عليه الكوفيون أصله الشذوذ، فلم يحفل به، فلم يبق إلا أنه / عنى المقيس خاصة، والمضاهاة فيه ظاهرة لا إشكال فيها.
وانسِبْ لصدرِ جملةٍ وصدرِ ما رُكّبَ مزجاً ولِثَانٍ تَمَّمَا
إضافةً مبدوءةً بابنٍ أوَ ابْ أو ماله التعريفُ بالثاني وجبْ
فيما سِوَى هذا انسُبِبَنْ للأولِ ما لم يُخَفْ لَبسٌ كعبد الأشهَلِ
هذا فصل يذكر فيه النسب إلى المركب، وقد مر أن المركب من الأسماء على ثلاثة أقسام: مركب تركيب إسناد كتأبَّط شراً، ومركب تركيب مزجٍ كبعلبكَّ، ومركب تركيب إضافة كامرئ القيس، وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تكلم عليها.
فأمَّا القسم الأول: وهو المركب تركيب الإسناد، فهو الذي قال فيه: "وانسب لصدر جملة" يعني أنك إذا أردتَ النسب إلى الاسم مركب من جملة فإنك لا تنسب إلى جميعها، ولا إلى الآخر منها، وإنما تنسب إلى صدرها، وهي الكلمة الأولى من تلك الجملة، فتقول في: برَقَ نحرُهُ: بَرَقيٌّ، كأنك إنما نسبتَ إلى بَرَقَ خاصةً من أول الأمر، وفي تأبَّط شراً: تأبَّطِيٌّ، وكذلك إذا نسبتَ إلى نحوه: "ضربتُ" و"ضَرَبَكَ"، فإنك تقول فيهما: ضَرَبيٌّ، أو نسبت إلى "قلتُ" فإنك تقول: قُوليٌّ، ترد الفعل إلى أصله؛ لأنك صيَّرتَ الاسم: قُلْ، وأنتَ إذا سمَّيتَ بـ"قُل" رددتَه إلى أصله، فقلتَ: هذا قولٌ يا فتى، وكذلك ما أشبهه، وحكى سيبويه في النسب إلى "كنتُ": كُونيٌّ، وهو موافقٌ لـ"قُوليّ"، هذا وجه القياس كما قال الناظم، فما خالفه
فمسموعٌ، فقد قالت العرب في النسب إلى "كنتُ": كنتيٌّ، حكى ابن خروف عن أبي زيد أنه قال: يقال رجلٌ كنتيٌّ؛ أي: كبيرٌ، قال رجل حرمازيٌّ مذ مائة سنة فيما حدَّثني ابنه: إذا ما كنتَ ملتمساً لغوثٍ فلا تصرخْ بكُنتيٍّ كبيرِ فليسَ بمدركٍ شيئاً بسعيٍ ولا سَمْعٍ ولا نطَرٍ بصيرِ وكُنْتُنيٌّ يحكى بزيادة نون بعد التاء، قال السيرافي: زادوا النون ليسلمَ لفظ "كنت"، وأنشد عن ثعلب: ولستُ بكنتيًّ ولستُ بعاجزٍ وشرُّ الرجال الكنتِنيُّ وعاجزُ هكذا وقع بالزاي، والشلوبين ينشده عاجنٌ بالنون، وهذا كله نسبٌ إلى "كنتُ"؛ لأن الشيخ كان كثيراً ما يقول: كنت وكنت، فنسب إلى لفظه وهو نسب على غير قياس، ولذلك قال ابن ولاَّد على ما وقع له في كتاب سيبويه: ليس يقول: كنتنيٌّ إلا غالطٌ؛
لأنه فعلٌ واسم، ويلزم من قاله أن يقول: تأبَّط شرِّيٌّ، والغلط الذي أراد هو أن يتكلم العربي بالشيء على قياسٍ ما /، ثمَّ يعرض له في توهُّمِ أمرٍ آخر فيعتبره، ويترك الأول لضرب من التوسع؛ لأنهم ليست لهم أصول يرجعون إليها، وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء فأخرجوه عن القصد، هذا معناه، ووجه الغلط هنا جعلهم فاعل الفعل كالجزء منه، وبه استدل ابن جني على شدة اتصال الفاعل بفعله، وقد خالف في المسألة الجرمي على ما نقل عنه المؤلف؛ إذ أجاز النسب إلى العجز في تركيب الإسناد قياساً على تركيب المزج حيث جاء فيه النسب إلى العجز، فأجاز أن تقول: تأبَّطيٌّ، وأن تقول: شَرِّيٌّ، وما أشبه ذلك، وهو مذهبٌ مرفوضٌ عند غيره؛ لأن النسب إلى عجز مثل بعلبك نادرٌ غير شائعٌ، فكيف يقاس عليه، وهو بعدُ لم يبلغ مبلغ أن يقاس عليه، ووجه النسب إلى الجملة وإن امتنعت التثنية فيها والجمع ونحو ذلك، أن النسب يزيل الاسم عن مسماه، فيصير المنسوب غير المنسوب إليه، ألا ترى أن البصريَّ مدلوله غير مدلول البصرة، فسَهُلَ عليهم
تغييره، وإن كان جملة، ولأن المنسوب قد ينسب إلى بعض حروف المنسوب إليه، فلذلك نسبواً إلى بعض الجملة، ووجه النسب إلى الصدر شبهه بالمضاف؛ لأنه عامل فيما بعده، كما أن المضاف عاملٌ فيما بعده، قال سيبويه: "ويدلُّك على ذلك أن من العرب من يفرد فيقول: يا تأبط أقبل، فيجعل الأول مفرداً، [قال]: فكذلك تفرده في الإضافة، يعني في النسب؛ لأن الياءين معاً بابا تغيير، والتغيير بالنسب أحق؛ لأن النسب يخرج الاسم عن مسماه، وذلك لا يكون في النداء، فهو أولى بالتغيير من النداء.
وأما القسم الثاني: من المركَّب وهو المركب تركيب مزجٍ، فهو الذي قال فيه:
...... وصدرِ ما رُكب مزجاً.........
وهو معطوف على "صدر" في قوله: "وانسب لصدر جملة"، فكأنه في التقدير وانسِب لصدر ما رُكِّب مزجاً، و"مزجاً" منصوب على المصدر بفعل مضمر على حد قولهم: تبسَّمْتُ وميضَ البرقِ، كأنه على تقدير: مزَجَ مزجاً، ومعنى الكلام ظاهر، وهو أن الاسم المركب تركيب مزجٍ إذا نسبت إليه حذفتَ العجز ونسبتَ إلى الصدر، لا يجوز غير ذلك، فتقول في معدي كرب: معديٌّ ومعدويٌّ،
وفي رامَهُرْمُزْ: راميٌّ، وفي بِلال أباد: بلاليٌّ، وفي بلال أباد: بلاليٌّ، وفي مارَسَرْجِسَ: ماريٌّ، وكذلك ما أشبهه، وكذلك تقول في خمسة عشر مسمًّى به: خمسيٌّ، وفي إحدى عشرة: إحْدِيٌّ وإحْدَويٌّ، وكذا القياس فيما / أشبه ذلك من المركبات، وهو مذهب الجمهور، وما جاء على خلاف ذلك فمسموع، نحو قول الشاعر:
تزوجتُها رامِيَّةً هُرمُزيَّةً بفضل الذي أعطى الأمير من الزرقِ
فنسب إلى الاسمين معاً، ولم يقتصر على الصدر فيقول: راميَّة، وهو القياس؛ إذ نسبها إلى رامهرمز، وقد بنوا من الاسمين اسماً واحداً، ونسبوا إليه فقالوا: حضرميٌّ في النسب إلى حضرموت، ومثل هذا في هذا القسم نادر، وإنما يكثر في المضاف نحو: عبشميٍّ في عبد شمس، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ووجه ما ذهب إليه الناظم والجمهور أن الاسم الثاني من المركبين مشبَّهٌ بتاء التأنيث، وهذا تشبيه الخليل، ووجه التشبيه أن كل واحد منهما - أعني من العجز والتاء - ليست الكلمة مبنية عليه، ألا ترى أنه
لا يتوالى في اسم واحد أربع متحركات، وتتوالى مع التاء كشجرة، ومع العجز كـ"شَغَرَ بَغَر"، وأيضاً فلا يكون اسمٌ على أكثر من سبعة أحرف ويكون ثمانية بتاء التأنيث كاشهيبابة، وكذلك بالعجز نحو: "أيادي سبا"، فلما كانا على هذا النحو حذف العجز كما حذفت التاء، وأيضاً فهذا المركب شبهه سيبويه بالمضاف والمضاف إليه، حيث كان من شيئين ضُمَّ أحدهما إلى الآخر، وليس بزيادة في الأول، كما أن المضاف إليه ليس بزيادة في الأول المضاف، ولما تقدم آنفاً قال ابن الضائع: "وهو جيد؛ إذ لا يجوز فيه الإضافة، وهو أوقع في التشبيه"، وحكم المضاف أنه لا يمكن فيه النسب إلا إلى الأول كما سيأتي إن شاء الله، فلذلك يكون الحكم هنا أيضاً، قال سيبويه بعد ما قرر أوجه التثنية: "فمن كلام العرب أن يجعلوا الشيء كالشيء إذا أشبهه في بعض المواضع"، وقد خالف الناظم بارتكابه هذا المذهب مذهبين آخرين: أحدهما مذهب الجرمي، حكاه عنه السيرافي: أنه يجيز النسب إلى العجز منهما إو إلى الصدر: إلى أي ذلك أحببت فتقول في حضرموت: حَضَريٌّ إن شئتَ، وموتيٌّ إن شئت، وكذا في بعلبك: بعليٌّ أو بكيٌّ، وفي بلال أباذ: بلالي أو أباذيٌّ، وكأنه اعتبر
في هذا الحكم الإضافة من حيث كان كل مركب مجوز الإضافة، والمضاف قد يجوز حذف الصدر منه والنسبة إلى العجز، فحمل المركب تركيب مزجٍ على / ذلك، قال ابن الضائع: "وهو ضعيفٌ؛ لأنه إذا أُضيف لا يجوز فيه إلا حذف الثاني" كما سيأتي، فقوله ومذهبه مرجوحٌ.
والمذهب الثاني من المذهبين مذهبُ أبي حاتم السجستاني في النسبة إلى خمسة عشر ونحوه وهو: أنه أجاز النسب إلى الاسمين مفردين لأجل اللبس، فتقول: هذا ثوب أحديّ عشريّ، وإحدويّ عشريّ، وإحديّ أو إحدويّ عشريّ، كل ذلك في النسب إلى إحدى عشرة، يريد: أنَّ هذا ثوبٌ طوله إحدى عشرة، وفتح الشين في عشري على لغة من قال: عشِر فكسر الشين، وكذلك سائر المثل إلى تسع عشرة أو تسعة عشر، فتقول: هذا الثوب ثلاثيٌّ عشريٌّ، أو عشريٌّ في ثلاثة عشر، أو ثلاثة عشر وتسعيٌّ عشريٌّ، أو عشريٌّ، وكأنه قاس هذا على مَن قال:
تزوجتُها رامِيَّةً هُرمُزيَّةً
مع أنه لا يمكن حذف الثاني لوقوع اللبس بالنسب إلى ثلاثٍ أو ثلاثةٍ، ونحوهما غير مركَّب، فإذا كانوا قد ينسبون إليهما معاً حيث
لا يراعى اللبس، وذلك في الأسماء الأعلام ففي العدد حيث يقع اللبس أولى أن ينسب إليهما معاً، وهذا المذهب مخالفٌ للجمهور في مسألتين:
أحداهما: في النسب إلى الاسمين معاً.
والآخرى: في أصل النسب إلى العدد المركب، وهو عدد غير مسمى به، ولأجل المسألة أولى أتيتُ به عند ذكر المسألة الأخرى إثر هذا بحول الله.
وأما القسم الثالث: وهو المركب تركيب إضافة فإنها عنده على أربعة أقسام: ثلاثة منها يكون النسب فيها إلى الثاني المضافِ إليه، ويحذف الأول، وواحد يكون فيه النسب إلى الأول.
فالنوع الأول: يكون النسب فيه إلى الثاني، وهو كل مضاف كانت فيه إضافة الابن أو الأب وذلك قوله:
........................... ولِثَانٍ تَمَّمَا
إضافةً مبدوءةً بابنٍ أوَ ابْ........................
يعني: أنك تنسب للاسم الثاني الذي تمَّمَ الإضافة، أي: كان فيها مضافاً إليه، وكانت تلك الإضافة مبدوءة بابن أو أبٍ، أي: كان المضاف لفظَ الابن أو لفظ الأب، كابن فلانٍ وأبي فلان، فالنسب بمثل هذا إنما هو للثاني، ويحذف الأول، فتقول في ابن زيد: زيديٌّ،
وفي ابن كراع: كُراعي، وفي ابن الزبير وابن عباس وابن عمر: زبيريٌّ وعبَّاسيٌّ وعُمَريٌّ، وما أشبه ذلك، وتقول أيضاً في أبي زيد: زيديٌّ، وفي أبي بكر وأبي مسلم: بكريٌّ ومسلميٌّ /، وكذلك قالت العرب في ابن دعلج: دعلجي، وفي أبي بكر بن كلاب: بكري، وهذا كله لا يقع فيه النسب إلا على الثاني، ويحذف الأول؛ لأنهما إضافة قد بدأت بابن وبأب، فحيث كان أبو فلان أو ابن فلان فعلى هذا الحكم يجري، ويدخل في معناه بنت فلان وأم فلان، فتقول في النسب إلى بنت غيلان: غيلانيٌّ، وفي بنت قيس: قيسيٌّ، وكذلك في أم السعد: سعديٌّ، وفي أم الوليد: وليدي، وما أشبه ذلك، فهو داخل تحت كلام الناظم بمعناه لا بلفظه، ووجه حذف الأول هنا أن الثاني هو المقصود، ولم يؤتَ بالأول إلا ليتعرف به، فلو حذف الثاني هنا مع أنه المقصود وبه الشهرة والمعرفة لكان ذلك نقضاً للغرض في الإتيان به، فلم يكونوا ليحذفوا ما كان مقصوداً في التعريف به، فل يبق إلا أن يحذف الأول.
فإن قيل: هذا ظاهر في ابن فلان؛ لأن ابن كراع لم يوضع لمن ليس بابن كراع، بل هو ابن له تعرف أولاً بالإضافة إليه حتى صار غالباً عليه؛ فلم يجز حذف الثاني؛ لأن العلمية من حيث جاءت بالغلبة، وأما أبو فلان وسائر الكنى فليس فيها تعريف بالثاني أصلاً؛ إذ ليس بموجود فضلاً عن أن يتعرف به الأول.
فالجواب: أن العرب قصدت بالكنى التفاؤل فصيَّرتهُ كأنه يتعرف بالثاني تفاؤلاً له أن يكون له ابنٌ يتعرف به فهو داخل بالحكم في ذلك بالقصد، وقد علل أيضاً باللبس؛ لأنك لو نسبت إلى الأول وهو ابن أو أب، فقلت: أبوي أو ابني، لم يتميز أبو بكر من أبي عمرو، ولا ابن كراع من ابن عمر، وما أشبه ذلك، فنسبوا إلى الثاني ليرتفع اللبس ويبين المراد.
والنوع الثاني: يكون النسب فيه للثاني المضاف إليه، وذلك قوله:
أو ماله التعريف بالثاني وجبْ
"ما" معطوفٌ على "ابن" في قوله: "بابن أو أب"، والضمير في "له" عائد على "ما" وصلة ما الفعل الذي هو "وجب" إن جعلتها موصولة، وإن جعلتها نكرة فصفتها وجب، و"له" متعلق به وبـ"الثاني" متعلق بالتعريف، والتقدير: ولثانٍ تمَّمَ إضافةً مبدوءةً بما وجب له التعريف بالثاني، والثاني هو المضاف إليه، يعني: أن النسب يجب أيضاً للثاني إذا كان التعريف للأول، إنما جاء من إضافته إليه، ومثال/ ذلك ما إذا نسبت إلى دار زيد وصاحب عمرو وغلام بكر وما أشبه ذلك، وهي باقية على ما وضعت له لم تنتقل بالتسمية إلى غير ما دلَّت عليه بالوضع فإنك تقول: زيديٌّ، وعمريٌّ، وبكريٌّ،
فتحذف الأول وتنسب إلى الثاني، ويتأتى النسب إلى مثل هذا بأن يكون الأول قد كثر تعريفه بالثاني، حتى صار غالباً عليه، وصار في حيِّز الأعلام بالغلبة كابن عمر وابن عباس في النوع الأول، وقد تقدم بيان كون هذا المعرَّف بالغلبة مما حصل له التعريف بالثاني في أصله، وأنَّ أصله ملحوظ، فإن غلب فلا يعترض به عليه، وأما إذا كان على أصله لم يغلب عليه الاسم حتى صار علماً له، فقد ينسب أيضاً لكن ليس في تمكن النسب إليه هناك.
ولكن الشلوبين قد فرض النسب إلى كل منهما، وهو ظاهر كلام الناظم، ولا مشاحَّة في مثل هذا، ولكن ابن عصفور فصل بين القسمين في الحم، فقال في شرح الجمل فيما إذا كان نحو غلام زيد باقياً على أصله لم ينتقل إلى علَميَّة بغلبة أو بتعليق: فإنك مخير في النسب إلى ما شئتَ، فإن شئتَ قلتَ: غلاميٌّ، وإن شئتَ قلتَ: زيديٌّ، وإن كان قد انتقل إلى التعريف الغلبة، فحكمه ما تقدم، ولم أرَ هذه التفرقة لغيره، ولكن
الأبَّديّ وجَّه ذاك، وذهب إليه، وذلك أنه حين شرع في الكلام على المضاف قال: "والكلام في هذا الباب في النسب إلى المضاف، وهو علمٌ أو غالبٌ لا في العلم على الإطلاق نحو: غلام زيد الذي ليس علماً ولا غالباً، فإنه لا يقصد بالنسب إليه ولا النسب إلى مفرداته، وليس لمجموع الاسمين معنًى مفردٌ فينسب إليه كابن الزبير، وامرئ القيس، قال: فإن قال قائل: كيف تنسب إلى غلامِ زيدٍ إذا لم يكن علماً ولا غالباً؟ فيقال له: هذا سؤال فاسد؛ لأنك إن كنت قاصداً السؤال عن النسب إلى مفرداته فما الفائدة في قولك: كيف تنسب إلى غلام زيد، وهلاَّ قلت: إلى زيد أو إلى غلام؟، وإن كان قصدك السؤال عن مجموع الاسمين فقد تقدم - يعني في المركب تركيب مزجٍ، هذا والأمر أيسر ممَّا قال؛ لأن النسب إلى غلام زيد، وهو غير علم ولا غالب متأتٍّ من حيث كان هذا اللفظ واقعاً على الغلام، وهو المراد بالكلام حين أخبرت عنه / مثلاً بالقيام في قولك: قام غلام زيد؛ لأنك أردتَ مدلولي الاسمين معاً في إخبارك؛ إذ ليس إتيانك بـ"زيد" لأجل أنك تخبر عنه بشيء، وإنما أتيت به تخصيصاً للغلام من بين
سائر الغلمان، فصار كالألف واللام جزءاً من الكلمة، وإذا كان كذلك، وكان بينك وبين مخاطبك عهدٌ فيه، فما الذي يمنع من أن تنسب إليه، لا فرق بين النسب إليه في هذا الحال والنسب إليه إذا صار الاسم غالباً عليه، وهم يقولون: إنما نسب إلى الثاني في الذي غلبت عليه الإضافة؛ لأنه المقصود، وبه الشهرة، أي: المقصود في جهة التعريف الغالب؛ لأنه ما غلب إلا تعريفه بالثاني، فكذلك أيضاً يكون الحكم فيما إذا لم يغلب؛ لأن الثاني أيضاً مقصود، وبه الشهرة والتعريف، اللهم إلا أن يقال: إن النسب إلى مثل هذا يقلّ لبعده عن شهرة الأعلام؛ إذ هو مفتقر إلى عهد، وتقدم معرفة به بينك وبين مخاطبك، فهذا الذي يقال، لكن ذلك غير مانع من صحة النسب إليه، فما قاله الأُبَّذي فيه ما ترى، وعلى هذا التقرير نقول: إنه يدخل تحت كلام الناظم في النوع الأول أبو فلان وابن فلان وإن لم يغلبا، وكذلك بنت فلان وأم فلان، وهو ظاهر، ووجه النسب إلى الثاني في النوع ما تقدم في النوع الأول من أن الثاني مقصود، وبه الشهرة والتعريف، فلم يمكن حذفه لفقد ذلك المقصود بحذفه.
والنوع الثالث: يكون النسب فيه إلى الأول لا إلى الثاني، ويحذف الثاني، وهو ما عدا ما تقدَّم إذا لم يوقع لبساً، وذلك قوله:
فيما سوى هذا انسبَنْ للأول
هذا إشارة إلى النوعين الأولين، و"فيما" متعلق بـ"انسبن"، يعني: أن ما سوى ما تقدم ذكره من النوعين المذكورين يكون النسب فيه إلى الاسم الأول من المضافين، وتحذف الثاني، ويجري على ما تقدم
في أقسام المركب من حذف عجزه، والنسب إلى صدره، ولم يبين هذا النوع بياناً يخصه في نفسه كما فعل في الأولين، وإنما عرفه بنفي ما عداه، وهو تعريف جملي ولكنه موفٍ بالمقصود؛ إذ معناه: كل مضاف لم يتعرَّفْ فيه الأول بالثاني ولا كان مبدوءاً بابن أو أب، وحقيقته أن كل مضاف وقع علماً لشيء بالتعليق والوضع الأول، ولم يُرَد له معنًى غير ذلك، هذا هو التعريف الخاص به كامرئ القيس، وعبد / القيس، وما أشبه ذلك، فمثلُ هذا تقول فيه: امرئيّ ومرئيّ في امرئ القيس، وعبديّ في عبد القيس، قال سويد بن أبي كاهل: همُ صلبوا العبديَّ في جِذع نخلةٍ فلا عَطَسَتْ شَيبانُ إلا بأجدَعَا وقال ذو الرمة في النسبة إلى امرئ القيس: تُبيِّنُ نسبةُ المرئيِّ لؤماً كما بيَّنْتَ في الأدم العُوَارا إذا المرئيُّ شبَّ له بناتٌ عَصَبْنَ برأسه إبةً وعارا إذا المرئيُّ سيقَ ليوم فخرٍ أُهينَ ومدَّ أنواعاً قصارا إذا مرئيَّةٌ وَلَدت غلاماً فألأمُ ناشئٍ نُشِغَ المحَارا وفي هذه القصيدة في رواية بعضهم:
ويهلِكُ وسْطَهَا المرئيُّ لغواً كما ألغيتَ في الدِّيَةِ الحُوَارا ويروى هذا البيت لجرير رَفَدَ به ذا الرمة في قصيدته هذه مع بيتين قبله فانتحلها ذو الرمة، نقل ذلك البكري في صلة الموصول، وكذلك إذا سميت رجلاً بـ"غلامِ زيدٍ" تعليقاً أولياً، تقول فيه: "غلامي"، وفي صاحب عمرو علَماً، كذلك صاحبي، وأمثال ذلك، والنسب إلى الأول الذي هو الصدر وحذف الثاني هو القياس والوجه، لأن الثاني بمنزلة تمام الأول، وواقع موقع التنوين منه، حيث لم يكن له تأثير في تعريف الأول فصار الاسم الأول بمنزلة "زيد"، والثاني: بمنزلة التكملة له كـ"تنوين"، فهذا أولى بالحذف، ولكن عوض فيما تقدم شيء أوجب ألا يحذف الثاني، فإذا زال ذك العارض فلا بُدَّ من الرجوع إلى الأصلِ، ما لم يقع لبس كما سيأتي،
فإنه يرجع إلى النسب إلى الثاني؛ لأن اللبس عارضٌ يجب اعتباره عند الناظم.
والنوع الرابع: يكون النسب فيه إلى الثاني على غير الأصل، ويحذف الأول لطروء لًبْسٍ فيما قبله، وذلك قوله "ما لم يُخَفْ لًبْسٌ"، يعني: أن الحكم المذكور في ذلك النوع المتقدم، إنما هو إذا لم يقع بحذف الثاني لبسٌ، فإن وقع لبسٌ فالمفهوم أن النسب لا يكون للأول، وإنما يكون للثاني، ثمَّ مثَّل ما يقع فيه اللبس فينسب إلى الثاني بـ"عبد الأشهل"، وذلك أنك لو نسبت إليه على القياس فقلتَ: عبدي لالتبس بعبد القيس أو عبد الدار، أو غير ذلك من العبادة المضافة، فيطرح الأصل لذلك، فيقال فيه: أشهلوا؛ إذ يفهم منه النسب إلى عبد الأشهل، وعلى هذا قالوا في "عبد مناف": منافيٌّ، قال سيبويه: وسألت الخليل (رحمه الله) عن قولهم في "عبد مناف": منافيّ، فقال: أما / القياس فكما ذكرتُ لك إلا أنَّهم قالوا: منافي مخافة الالتباس، يعني: الالتباس بعبد الدار، إلا أن النحويين في مراعاة هذا اللبس على فرقتين، فمنهم من يقف ذلك على السماع كابن أبي الربيع، ويجعل منافياً وما جاء نحوه شاذّاً، ومنهم من يقيسه وهو مذهب الناظم، كما رأيت، وهو ظاهر كلام سيبويه؛ لأنه لما ذكر
كلام الخليل في منافيّ قال هو أو الخليل: ولو فعل ذلك بما جعل اسماً من شيئين جاز كراهية الالتباس.
هذا نصُّهُ، وإليه ذهب السيرافي والشلوبين وابن عصفور وغيرهم.
واعلم أنه قد تقرر من هذه الأنواع أنه لا ينسب إلى الاسمين معاً المضاف والمضاف إليه، بل إلى أحدهما، وإنما كان ذلك؛ لأن الأول من الاسمين إعرابه بحسب العامل، والثاني مخفوض بلا بد بالإضافة إليه، وإذا كان كذلك لم يكن أن تزاد ياء النسب في آخر الاسم بالحقيقة، وهو آخر الثاني مع بقاء الأول؛ إذ لو قلت في غلام زيد: غلام زيدي، وياء النسب لا بد أن ينتقل إليها الإعراب.
فإن نقلت إليها الإعراب الأول مع أنه مضاف إلى الثاني لم يمكن الجمع بين إعرابين، وإن أزلته عن الإضافة إلى ما بعده تغير عما كان عليه قبل، ولا يمكن أيضاً أن ينتقل إلى الياء إعراب الاسم الثاني، فيلتبس بمضاف إلى منسوب، قال سيبويه: كما لا تقول في تثنية أبي عمرو: أبو عمرين، فالأول هو الذي ينبغي أن تجري الأحكام عليه؛ لأن الثاني من تمامه، ولا يجوز أيضاً أن تلحق ياء النسب الأول، ثم تضيفه
إلى الثاني، فيلتبس بمنسوب مضاف إلى ما بعده.
هذا مع أن النسب قد يحذف بسببه من الاسم الواحد إذا طال، فهذا أولى بالحذف؛ لأنه أطول مع أن الضرورة تضم إلى ذلك، كما تقدم تقريره.
فثبت أنه لا بد من حذف أحدهما: إما الأول، وإما الثاني.
وما جاء على خلاف ذلك فشاذ ومسموع، يحفظ ولا يقاس عليه، والذي نقل في مخالفة أنهم بنوا من الاسمين اسماً واحداً على زنة الأسماء، فقالوا في عبد شمس: عبشميّ، قال عبد يغوث بن وقَّاص الحارثي:
وتضْحَكُ مني شيخةٌ عبْشَمِيَّةٌ كأنْ لم تَرَى قبلي أسيراً يمانياً
وفي عبس القيس: عبقسيّ، وإلى عبد الدار: عبدريّ، وهو كثير، وكذلك جعله الجوهري قياساً على ما يظهر منه في الصحاح.
وقال ابن خروف: إنه كثير غير مقيس، والجمهور على أنه لم
يبلغ مبلغ القياس، وقد نصَّ سيبويه على عدم القياس فيه، وهو الأصح، وإليه ذهب الناظم، حيث قصر النسب على أحد ذينك الوجهين: إمَّا النسب إلى الصدر وحده، أو إلى العجز وحده، ثم يبقى النظر مع الناظم في هذا الفصل في مواضع:
أحدها: قوله: "وانسِب لصدر جملة" فإنه يقتضي جواز النسب إلى نفس الجملة من حيث هي جملة، وهذا لا يعقل، وإنما ينسب إلى الجملة إذا صارت في حكم المفرد وذلك عند التسمية بها، فعند ذلك يصح النسب إليها؛ لأنه كالنسب إلى زيد وعمرو، وأما غير ذلك فممتنعٌ لا يصح؛ إذ لا يعقل أن يسأل أحدٌ: كيف تنسب إلى قولك: قام زيدٌ، فإن هذا لا ينسب إليه، كما لا يصح أن ينسب إلى الفعل أو الحرف، وهو فعلٌ أو حرفٌ؛ إذ كان النسب مختصاً بالأسماء، والناظم لم يبيِّن كونه مختصاً بالأسماء، فصار كلامه في ظاهره غيرَ محصَّل.
والثاني: على تسليم أنه أراد الجملة المسمَّى بها لم يبين إلام ينسب؟ وذلك أن النسب إنما هو إلى الجملة نفسها، لكن لا ينسب إليها إلا بالنسب إلى صدرها، وهو قد قال: "وانسب لصدر جملة"، وهذا الكلام إنما يفيد جواز النسب إلى صدر الجملة لا إلى الجملة، وهذا غير مطلوب؛ لأنَّ صدر الجملة إذا كان اسماً كزيد قائم، فوجه
السؤال: كيف تنسب إلى زيد؟ إذ لا فائدة في إضافته إلى الجملة إذا أردت النسب إليه، وإن كان صدرها فعلاً لم يصح من أصله؛ إذ لا ينسب إلى هذا الصدر، وإنما مطلوبنا هنا هو كيفية النسب إلى الجملة لا جواز النسب إلى صدرها، فهو أراد أن يبين معنًى فخرج إلى معنًى آخَرَ غير محتاج إليه.
هذا وإن كان قصده معلوماً عند العارف بالمسألة، فإنما الكلام معه في لفظه بالنسبة إلى تعلم العربية منه، فوجه الكلام هنا أن لو قال: وانْسُبْ لجملة، بأن تنسب إلى صدرها، أو تحذف عجزها، أو ما يعطي هذا المعنى.
والثالث: إذا سلمنا ما ذكر، فهو لم يبين كيفية هذا النسب؛ لأنه إنما قال: "وانسب لصدر جملة"، وهذا الكلام غاية ما يعطي: أن تُلحِقَ الصدرَ ياءَ النسب، فيبقى حذف العجز مسكوتاً عنه، فقد يتوه بقاؤه، وكذلك قوله:
...... وصدرِ ما رُكَِبَ مزجا.........
/ وقوله:
فيما سوى هذا انسبن للأوَّلِ
وقد تقدم أنه لا بدَّ من حذف غير المنسوب إليه من الجزئين، فكان حقاً على الناظم على أن ينبَّه على حذف ما لم ينسب إليه، فتركُهُ لذلك إخلالٌ كبيرٌ.
والرابع: إتيانه بعبارة قاصرةٍ غير موفية بأطراف المسألة؛ لأنه
قال: "وانسب لصدر جملة" فقصر ذلك على الجملة، وهذا الحكم ليس بمقصورٍ عليها، بل هو عام في كل ما يحكى في الكلام، ولذلك لما بوَّب سيبويه على المسألة قال: "هذا باب الإضافة إلى الحكاية" فدخل تحته الجملة المسمَّى بها، وكل ما يحكى مما يُسمَّى به، وكذلك بـ"حيثما" و"لولا" و"إنما"، وما أشبه ذلك مما إذا سُمِّيَ به بقي على حاله، وذكر أنَّ حكمه حكم الجملة، فكما تقول: تأبَّطيٌّ وبَرَقيٌّ في: تأبط شرَاً وبرق نحره، كذلك تقول في الإضافة إلى "حيثما" مسمًّى بها: حيثيٌّ، وفي الإضافة إلى "لولا": لوِّيٌّ، وإلى "إنما": إنِّيٌّ، فتحذف العجز وتنسب إلى الصدر، وهذا عام في كل مركَّب يُحكى.
فكان من حق الناظم أن يَعُمَّ ولا يخُصَّ؛ إذ كان يوهم تخصيصه أنه لا يفعل ذلك إلا بالجملة وحدها، وهو مفهوٌ مُخِلٌّ، وكلامه في التسهيل شاملٌ؛ إذ قال: "ويحذف لها (يعني لياء النسب) عجز المركب غير المضاف"، فإن المركب يشمل اتقدم، فلو قال: "وانسب لصدر ما حُكِي" أو ما يعطي هذا المعنى، لكان أعم وأولى.
والخامس: أن قوله ...... وصدرِ ما رُكّبَ مزجاً......... عام في كل مركب تركيب مزج، سواء أكان علماً أو غير علم، وذلك غير صحيح؛ لأنَّ النحويين إنما أجرَوه على عمومه في الأعلام خاصة، فكل ما سميت به من مركَّب تركيبَ مزجٍ، فالنسب إلى صدره قياساً، فإن سميت بـ"شَغَرَبَغَرَ" قلتَ: شَغَرِيٌّ، وإن سميتَ بـ"خمسة عَشَر" قلت: خَمْسِيٌّ، وكذلك سائرها، أما ما كان مركباً غيرَ مسمًّى به، فإنهم قالوا: لا يجوز النسب إلى "خمسة عشر" وهو عدد على أصله، ولا إلى أحد عشر وأخواتهما من المركَّب؛ لأنه يلتبس بمثل صدره من المفرد؛ إذْ لا يعرف إذا قلتَ: خمْسِيٌّ أو أحَدِيٌّ، هل نسبتَ إلى خمسة عشر أو إلى خمسة، أو إلى أحد عشر أو إلى أحد، فلما كان ذلك يوقع اللبس تحامَوه ولم يتكلموا به، وقد أجاز أبو حاتم النسب إلى العدد المركب وهو عدد، ولكن ألحق الياء الاسمين معاً مفردين فتقول: هذا ثوب أحديّ عشريّ، وخمسيّ عشريّ، وقد تقدم تمثيل ذلك، وإنما فعل ذلك خوف اللبس؛ إذ كانوا إنما تركوه للبس، فهذا العمل لا يقع به لبسٌ، فلا يجتمع، وقد / تقدم وجه قياسه على قوله: تزوجتها راميَّةً هُرْمُزِيَّةً
وأنه لا يمكن حذف الثاني لأجل اللبس، وإذ كانوا قد ينسبون، وإن وقع اللبس، كالأعلام، ففي العدد حيث لا يقع لبس أولى بالجواز، قال ابن الضائع: "وهو وجه، غير أنه لا يوجب إلا طرح النسب إلى الأول، وحذف الثاني، فيستغنى عن النسب إليهما بما يعطي معناه، كما استغنوا عن إضافة اثني عشر اسم عدد، وقد بنت العرب من الاسمين اسماً واحداً، فقالوا: [في حضرموت]: حضرمي، ولم يطردوه كما لم يطردوا النسب إليهما"، وقال: "ولا شك أنه لا يجوز أن يبنى من خمسة عشر اسمٌ واحد، فكذلك لا ينسب إلى الاسمين".
فإن قيل: كيف هذا مع أنكم أجزتم النسب إلى خمسة عشر: خمسي، وهو يلتبس بالنسب إلى المسمى بخمسةٍ أو خمسٍ، ولم تراعوا اللبس، فلِمَ راعيتموه في العدد قبل التسمية ولم تراعوه بعد التسمية؟
فالجواب: ما قاله السيرافي من أن اللبس لا يراعى عند التسمية؛ لأن الأسماء الأعلام ليست تقع لمعانٍ في المسمَّين، فيكون التباسهما يوقع فصلاً بين معنيين، يعني بخلاف ما قبل التسمية، فإن الأسماء واقعةٌ لمعانٍ في مدلولاتها يوجب اللبس فيها الفصل بين المعنيين، وقد يقع في المنسوب إليه لبسٌ لا يحفل به لعلم المخاطب بما نسب إليه كقولنا: حنفي وربعي في النسب إلى: حنيفة وربيعة، وإن كنا نجيز أن
يكون في الأسماء: حَنَفٌ وربَعٌ، وذلك لعلم المخاطب بما ينسب إليه؛ إذ هو اسمٌ علمٌ بخلاف العدد؛ فإنه لا يعرف بما ينسب إليه إلا بما يدل عليه، فامتنع الوقوع في اللبس؛ لأجل ذلك" انتهى.
وأيضاً فإن اللبس في الأعلام قليل النسبة إلى كثرته في غيرها، فاغتفر فيها لقلته، ولم يغتفر في غيرها لكثرته، وإذا ثبت هذا فإطلاق الناظم القول بالنسب إلى الصدر، ولم يقيده بالعلمية، فيه ما ترى، ولا يقال: لعله ارتكب في ذلك مذهب أبي حاتم من الشذوذ بمكانٍ مكين، وقليلاً ما ينقله أرباب المطولات فضلاً عن أهل المختصرات، وهو خارج عن القياسات، فبعيد أن يرتكبه غير مَن نقل عنه، وعلى هذا فلا يستقيم الحمل على مذهب أبي حاتم؛ لأنه إنما أجاز النسب إلى الاسمين مفردين، والناظم لا يقول بهذا، ولا / يقتضيه كلامه، وإنما يعطي كلامُهُ النسب إلى الصدر خاصة وحذف العجز، فكان هذا مذهباً ثالثاً لم يقل به أحد من النحويين.
والسادس: أنه أطلق القول في الإضافة بابن أو أب، فالنسب هنالك يكون للثاني لا للأول، والإطلاق غير صحيح؛ لأن ما كان مبدوءاً بابن أو أب على قسمين:
أحدهما: أن لا يكون مسمًّى به، فلا شك أن حكمه ما قال، وكذلك ما كانت كنية تجري ذلك المجرى؛ لأن الكنية معتبرة الأصل؛ إذ هي غير معلقة وضعاً على شخص بعينه، بل مرادهم بـ"أبي فلان" أن يكون أباً لفلان فصار كقولك: هذا ابنُ فلان تريد: ولده، وهذا أبو فلان تريد: والده.
والثاني: أن يكون مسمًّى به معلقاً على رجل بعينه بالوضع الأول لا يراد به معنى غير التعليق على المسمَّى، كما كان امرؤ القيس معلقاً على رجل بعينه، لا يراد به معنًى سوى التعليق على المسمّى، فهذا حكمه حكم امرئ القيس، فلا ينسب إليه إلا بحذف العجز، فتقول في "ابن زيد" علماً: ابنيٌّ أو بنويٌّ، وفي أبي زيد علماً كذلك: أبويٌّ لا بد من هذا؛ إذ العلة التي لأجلها نسب إلى العجز هناك هي: قصد الثاني للتعريف به، وليس ذلك هنا بل حاصله حاصل امرئ القيس، فدخل تحت حكم امرئ القيس في أن العلميَّة وقعت بهما معاً، ولم يتعرف الأول بالثاني، كما أنه لو كان رجل غلاماً لزيد، فكثر تعريفه به حتى غلب وصار في حيِّز الأعلام، وأردت أن تنسب إليه لوجب أن تقول: زيديٌّ؛ لأن التعريف هنا بالغلبة لا بالتعليق، هذا ما في هذه المسألة، وهي مما قرَّر ابن الضائع، وذكر أنه القياس عنده، وهو قياس لا مدفَع فيه، قال: ولم
أرَ أحداً تتبعهما كذا، بل اقتصروا على ابن فلان وأبي فلان.
فالناظم لم يلتفت إلى هذه التفرقة هنا، وهي ضرورية، وكلامه في "التسهيل" صال لهذه التفرقة الحسنة التي ترْكُهَا إخلالٌ.
والسابع: أنه أتى بنوعين أحدهما داخل في الآخر، فكان من حقه أن يأتي بهما نوعاً واحداً؛ لأن الإتيان بهما نوعين تطويلٌ بلا فائدة، وذلك أن نوع الإضافة المبدوءة بالابن أو الأب داخلٌ في الإضافة التي يعرَّف بها الأول بالثاني؛ لأن ابن فلان أو أبا فلان إنما وجب فيه النسب إلى الثاني؛ لأن الثاني مقصود، وبه التعريف والشهرة، فلو حذف لكان نقضاً للغرض، كما تقدم بسطه، وهذا بعينه هو الذي عُرف به النوع الثاني، فصار النوع الأول حشواً؛ لأنه لو سكت عنه لم يسقط له مما / أراد شيءٌ، وحيث اكتفى في التسهيل بهذا الثاني فقال: ويحذف لها عجز المركب غير المضاف وصدر المضاف إن تعرَّف بالثاني تحقيقاً، وإلا فعجزه، وقد يحذف صدره خوف اللبس.
والجواب عن هذه الاعتراضات أن يقال:
أما الأول: فمن المعلوم أن الجملة من حيث هي جملة لا ينسب إليها؛ إذ لا يتأتَّى فيها ذلك من جهة المعنى؛ لأن النسب إلى الشيء
إضافة إليه في المعنى، والإضافة مختصة بالأسماء، فإنما قصد الناظ ما يصح قصده، وذلك الجملة المسمى بها.
وأما الثاني: فإن القصد يفهم من كلامه، وإن كان كلامه إنما وقع جواباً لسؤال كيف تنسب إلى الجملة، وذلك أن قصده بيان ايعرض في الاس المنسوب من التغيير، فهاهنا لا بدَّ أن يحمل كلامه على هذا القصد، فإذا حمَّلناه ذلك لاح لنا أنه يريد: أن الجملة ينسب إلى صدرها؛ أي: تلحق ياء النسب صدرها، وإما أن يريد ما صدر في الاعتراض فذلك لا يسأل عنه مَن عنده أدنى مُسْكَةٍ من العربية، فأطلق العبارة اتكالاً على ما يفهم العاقل المتدبر فيها، وقد تضيق على الناظم العبارة حتى يأتي بها في غاية من التثبيج فيسمح له لمكان ضرورة النظم، ولذلك سومح الشعراء في الضرورات، وأجيز ارتكابها قياساً على ما هو مبسوط في مظانه، وهذا الجواب جارٍ في قوله:
...... وصدرِ ما رُكّبَ مزجاً ولثانٍ تُمِّمَا
إلى آخره.
وأما الثالث: فإن الكيفية مفهومة من كلامه، وذلك أنه قد تقدم له الإشارة إلى أن ياء النسب موضعها الآخر، أي: آخر
الكلمة فلا تلحق وسطاً، ولما قال هنا: "وانسب لصدر جملة" كان معناه ألحق ياء النسب آخر الصدر، وآخر الصدر إن كان آخر الاسم على ما اقتضاه كلامه أول الباب فهو المراد، ويفهم منه أنه لا يكون بعد الياء شيءٌ، وهو معنى الحذف، وإن لم يكن آخرَ الاسم لم يصحّ كلامه الأول، لكنه صحيح، فلا بد من انحتام الحذف للعجز حتى يكون آخر الصدر هو آخر الاسم، والاسم هو الجملة كلها لا بعضها، فلا يقال: إن الياء قد وقعت آخر الصدر، فهي واقعة آخراً؛ إذ ليس آخر الصدر آخراً، وكذلك القول في قوله:
...... وصدرِ ما رُكّبَ مزجاً.........
وغيره، فأما قوله: "ولثانٍ تُمِّمَا إضافة" فإن معناه: ألحق الياء آخر الاسم الثاني من المركبين، وحقيقة الاسم / المركب مركبة من شيئين: فكان من حقه لو لم يُرِدْ حذفَ الأول أن يقول: وانسب للمركَّب بلحاق الياء آخره؛ لأن آخر الكلمة الثانية آخرٌ للأولى بسبب المزج، لكن لما قال: "ولثان" أي: وانسب لثانٍ دلَّ على أن مراده النسب إلى الكلمة الأخيرة فقط مع اطراح الأولى وزوال المزج؛ إذ لا يظهر للكلمة الثانية آخرٌ إلا بذلك، فإذن الحذف قد تضمنه كلام الناظم بإشارة خفية.
وأما الرابع: فإنا لا نقول: قد يدخل له ما سوى الجملة من الحكاية في تركيب المزج؛ لأنَّ "حيثما" و"لولا" ونحوهما من قبيل ما ضُمَّ صدره إلى عجزه وصيِّرا شيئاً واحداً، ولا يقتصر بتركيب
المزج على الأعلام، وأما الإبهام بالمفهوم فلا يتجه؛ لأن ذلك مفهومُ اللقلب، هو مردودٌ.
وأما الخامس: فإن النسب إلى الإعلام المركبة كثير وشهير فتكلم عليه، وأما النسب إلى غير الأعلام فنادرٌ بالنسبة إلى باب (المركب) فلم يحفل بالتنبيه على المنع فيه، وأيضاً فإن النسب إلى ما رُكِّبَ ممَّا ليس بعلم موقعٌ في اللبس كما تقدَّم في السؤال، بخلاف العلم فإنه لا يوقع في الغالب لبساً، وقد عرف من حال الناظم اجتنابه اللبس في مسائلَ كثيرةٍ وأبواب عدة، ومن جملتها هذا الفصل؛ إذ قال فيه:
ما لم يُخَفْ لبسٌ كعبد الأشهلِ
فاقتضت هذه القاعدة عنده ألا ينسب إلى نحو: خمسة عشر غيرَ علمٍ لالتباسه بما ينسب إلى غير المركبَّب، فلذلك - والله أعلم - أطلق العبارة إطلاقاً.
وأما السادس: فإن الناظم إنما أراد القسم الأول، وهو ما لم يكن مسمَّى به، والحكم المذكور فيه صحيح، وأما المسمَّى به فهو نادرٌ ومرفوض قلما يأتي من كلام العرب ابن فلان وأبو فلان علماً بالتعليق، وإنما يأتي علماً بالغلبة، والعلم بالغلبة حكمه حكم غير العلم كما تقدم، ويكفيك عذراً عنه أن النحويين لم يذكروا فيه إلا قسم التعريف بالغلبة، وأهملوا التعريف بالتعليق حتى عدَّ ابن الضائع أنه لم ينبه عليه أحد إلا هو.
وما ذاك إلا لفقده في كلام العرب، فالناظم
في تركه غير ملومٍ من جهتين:
إحداهما: أن المتقدمين لم يذكروه نصاً ولا تحرزوا منه، فاتبعهم هو في ذلك.
والثانية: فقده أو قلته في السماع.
وأما السابع: فتقول: إن ما بدئ بابن أو أب على قسمين: أحدهما: ما ظهر منه وجه التعريف بالثاني، كما إذا قلتَ: هذا ابنُ زيدٍ، هذا ولد زيدٍ، وما / أشبهه مما لم يلغب عليه الاسم.
والثاني: ما لم يظهر فيه وجه التعريف وإن كان أصله ذلك، وذلك الكنى بالنسبة إلى الأب كأبي فلان، والتعريف بالغلبة بالنسبة إلى ابن فلان، وهذا هو الغالب في الأب والابن المنسوب إليهما، وعلى أرادته هذا الثاني، لا يكون عليه اعتراض؛ لأنه وجه تعريف الأول بالثاني فيه غير ظاهر، وإنما ظاهر الأمر فيه تعريف العلميَّة، وكذلك يعدون من أقسام العلم المعرف بالغلبة والكنية، وقد تقدم له ذلك في باب (العلم) إذ قال:
واسماً أتى وكنيةً وَلَقَبًا
وقال في آخر الباب:
وقد يصير علماً بالغلبة مضافٌ او مصحوبُ أل كالعقبهْ
لكن الفرق بين هذين وبين العلم بالتعليق أن هذين يظهر فيهما القصد الأصلي من التعريف بالثاني؛ إذ كان هو أصلَ العلميَّة فيهما كما تقدم، فالثاني هو المحرز لعلمية الغلبة فيهما، فلو فرضنا زواله
والنسب إلى الأول، لذهب التعريف المكتسب بالغلبة، فأما هنا فإن التعريف بالثاني غير ظاهر ولا بيِّنٍ.
ولذلك حرر العبارة في التسهيل في هذا المقصد؛ إذ قال: وصدر المضاف إن تعرف بالثاني تحقيقاً أو تقديراً"، وأشار بالتقدير إلى الكنى والمعرف بالغلبة، فلمَّا كان التعريف بالثاني أمراً تقديرياً لم ير أنْ يكتفي بالنوع الثاني دون الأول، وهذ يمشي في القس الثاني، وأما الأول وهو ما ظهر فيه وجه التعريف فهو قليل في النسب إليه، وأيضاً فإنما يريد بالنوع الثاني ما عدا ما تقدم، فكأنه يقول: انسب لثانٍ تُمِّمَ إضافة مبدوءة بابن أو أب أو ما وجب له التعريف بالثاني من غير الابن والأب، ولو لم يرد هذا لداخل التقسيمَ، والحمل على عدم التداخل أولى.
واجبُر بِرَدِّ اللامِ ما منه حُذِف جوازاً إن لم يكُ ردُّهُ أُلِفْ
في جمعَي التصحيح أو في التثنيهْ وحقُّ مجبورٍ بهذي تُوْفِيَهْ
هذا الفصل يذكر فيه حكم الاسم المحذوف منه إذا نُسب إليه، وما يرد إليه المحذوف وجوباً أو جوازاً، وما لا يردّ إليه، وما يلحق مع ذلك من التغيير الحادثِ في النسب.
واعلم أن ما حذف منه حرف على ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما كان المحذوف منه الفاء كشِيَة وعِدَة، ونحو ذلك.
والثاني: ما كان المحذوف منه العين كَسَه ومُذْ إذا سُمِّيَ / به، فإنه عند سيبويه محذوفٌ من (منذ)، فلذلك تقول في تصغيره: مٌنيذ.
والثالث: ما كان المحذوفُ منه اللامَ كيدٍ ودَمٍ وابنٍ واسمٍ ونحو ذلك، وهو كثير، والناظم أخذ يتكلم على حكم كل واحد من هذه الأقسام إلا القسم الثاني، وهو ما حذفت منه عينه، فإنه لم يتعرض لحكمه ولا أشعر به، فربما ينقدح للسائل سؤال عن هذا فيقول: كان من حقه إذا تكلم عن القسمين أن يذكر القسم الثالث، ما فعل غيره من النحويين، والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن ما حُذفت عينه قليل جداً في كلام العرب، حتى إنه لم ينقل إلا اللفظة أو اللفظتان، وما لا يعتد به فاختصر الناظم ذكره لذلك.
والثاني: على تسليم أنه كثير ومحتاج إلى ذكر، لم يذكره؛ إذ لا زيادة فيه على ما ثبت له، وذلك أنه لما ذكر القسمين وما يغير منهما دل على أن ما سكت عنه لا يغير عن حاله، ويدل على هذا المقصد من كلامه: أنه لما ذكر منه ما حذف منه الفاء، لم يذكر منه إلا ما يجب فيه الرد وهو "شِيَة" ونحوه، وسكت عما الحكم فيه أن يترك
على حاله كزِنَة، ورِقَة، وعِدَة، وما أشبه ذلك، فليس قصده إلا ذكر ما فيه تغييرٌ ينبه عليه، وأما ما ليس فيه من التغيير إلا كسر آخره لياء النسب، فقد تقدم ذلك أول الباب في قوله:
وكلُّ ما تليه كسرُهُ وجَبْ
فهذا المعنى معتمد عليه في تفسير كلامه، وهو ظاهر جليٌّ، فإذا ثبت هذا فكأنَّ الناظم قد استوفى الكلامَ على ثلاثة أقسام.
ووجه عدم الرد فيما حذفت عينه أن الرد من باب تغيير الاسم، ولا يرد في النسب من بنات الحرفين إلى أصله إلا ما يقع عليه تغيير النسب وهو اللام، وأما العين والفاء فلا يقع عليهما تغييرٌ لبعدهما من ياء النسب الموجب للتغيير؛ لأنهما لو ظهرا لم يلزمهما ما يلزم اللامَ لو ظهرت من التغيير، ثم نرجع إلى تفسير المتن.
والنظم قد بدأ بما حُذفت منه اللام فقال: واجبر بردِّ اللام"، أصل هذا الجبر الإصلاح وإزالة الآفة اللاحقة، يقال: جبَرتُ العظمَ أجبُرُهُ: إذا أصلحْتَهُ، وجبرتُ الفقيرَ: إذا رقَّيته من فقره وأزلته عنه، وهذا المعنى في مسألتنا ظاهر؛ لأنَّ المحذوفَ منه قد دخله نقص من حروفه، وفاته بعضها فأتى بلفظ الجبر عبارة عن رد محذوفه، و"ما" واقعة على الاسم / المحذوف منه، وضمير "منه" عائد على "ما"، و"منه حذف" عائد على اللام، و"جوازاً" مصدر على حذف
المضاف أي: ذا جواز، ومعنى كلامه أن ما حذفت لامه فحكمه عند النسب إليه أنه ينقسم قسمين:
أحدهما: أنَّ ترجع إليه اللام في التثنية أو أحد جمعي التصحيح، وهذا الجمع بالواو والنون أو بالألف والتاء، وسُمِّيا جمعي تصحيح لصحة المفرد فيهما وسلامته من التغيير.
والثاني: أن لا ترجع إليه اللام في واحدٍ منهما، فأما إن لم ترجع اللام في واحد منهما فإن في النسب إليه وجهين: إن شئتَ تركته على حاله فلم تجبره بردِّ لامه، وإن شئتَ رددت إليه اللام ونسبتَ إليه مجبوراً وذلك قوله:
واجبُر بِرَدِّ اللامِ ما منه حُذِف جوازاً إن لم يكُ ردُّهُ أُلِفْ
في كذا: يعني أن الحكم الرد على الجواز بهذا الشرط، وهو ترك التثنية أو الجعين، ومثال ذلك: يد، ودم، وغد، لك في هذه ونحوها وجهان: إن شئتَ رددتَ المحذوفَ فقلتَ: يَدَوِيٌّ، وإن شئتَ لم تردَّها فقلتَ: يَدِيٌّ، وكذلك تقول: دَمِيٌّ ودَمَوِيٌّ، وكذلك: غَدِيٌّ وغَدَوِيٌّ، وهذا الأخير مسموعٌ للعرب حكاه سيبويه، وذكر أن التمثيل كله عربي، وكذلك تقول في شَفَة: شَفِيٌّ إن شئتَ وشَفَهيٌّ، فترد اللام وهي هاء لقولهم: شفاهٌ، وكذلك ثُبة فتقول
فيه: ثُبيٌّ وثُبَويٌّ، وما أشبه ذلك، وكان هذا كله ذا وجهين؛ لأنه لم يرد منه في التثنية ولا في جمعي التصحيح محذوفٌ، بل ترك فيها على حاله، فتقول في التثنية: يدان ودمان وشفتان وما أشبه ذلك، وكذلك تقول في حِرٍ: حِريٌّ وحِرَحِيٌّ فترد اللام وهي حاءٌ بدليل أحراح وحُريح، وجاز الوجهان؛ لأنك تقول في التثنية: حِران لا غير، وقول الناظم: "إن لم ردُّهُ أُلف" يعني: إن لك يكن رد المحذوف في التثنية والجمعين مألوفاً، وفي قوله: "أُلِف" تنبيهٌ حسنٌ، وذلك أنه أثبت الحكم المتقدم من جواز الوجهين لما يُؤلف ردّ لامه في التثنية وجمعي التصحيح، ومعنى المألوف أن يكون معتاداً مشتهراً، فكأنه يقول: إن لم يشتهر رده جاز الوجهان، فعلى هذا يدخل تحت ما لم يرد فيه اللام أصلاً، ويطلق على مثل هذا أنه لم يشتهر رده، أي: ليس له رد فيشتهر على حد قولهم: على لاحِبٍ لا يُهتَدَى بمَنَارِهِ ويدخل له أيضاً ما رُدَّ، لكن الرد لم يشتهر فيه، ولم يعتد
بكل ما وقع في التثنية والجمع من الرد / النادر الشاذ فليس بمعتدٍّ به، بل الحكم في النسب جواز الوجهين، فتقول في يدٍ: يدِيٌّ ويدَوِيٌّ، وإن كانت العرب قد قالت: يدَيَان؛ لأن "يديان" شاذٌّ نادرٌ، ونحو قوله: يديَان بيضاوَان عندَ مُحَلَّمٍ قد تمنَعانِكَ أنْ تُضَام وتُقْهَرَا وفي دمٍ: دميٌّ ودَمَويٌّ، وإن قالوا: دَمَيَان نحو قال الشاعر: ولو أنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَان بالخبر اليقينِ وكذلك ما جاء من هذا النحو، فقوله: إن لم يكُ ردُّهُ أُلِفْ" حسنٌ من التثنية، لم ينبَّه عليه في "التسهيل"، وكان من حقه أن ينبه عليه فهذا من المواضع التي أربى فيها هذا النظم على "التسهيل"، وأما إن اشتهر ردَّ اللام في التثنية وجمعَي التصحيح واعتيد وأُلِفَ، فإن الرَّدَّ في النسب أيضاً لازم، فلا بد، وذلك قوله: وحقُّ جبورٍ بهذي توفيهْ وهذي إشارة إلى التثنية والجمعين، يعني: أن الواجب فيما جبر
في هذه المواضع برد ما حذف منه أن يوفَّى حقه في النسب أيضاً، فيجبر كذلك، مثاله: أخ، وأب، وحم، وسنة إذا قلنا: إنَّها من الواو، وضَعَة، وعِضَة، تقول: أخويٌّ وأبويٌّ وحَمَويٌّ وسَنَويٌّ، وضَعَويٌّ، وعِضَويٌّ؛ لأنك تقول فيها: أخوان وأبوان وحموان، وقالوا: سنواتٌ وضَعواتٌ، وقالوا: عِضَواتٌ، أنشد سيبويه:
هذا طريقٌ يأزِمُ المآزِمَا
وعِضَوَاتٌ تقطعُ اللهازِما
وهذه الأُلفَةُ المنبَّه عليها تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون أُلفَةَ السماع، فيريد: أنَّ ردَّ اللام في التثنية إذا كان مألوفاً من كلام العرب مستعملاً كثيراً، وكذلك في الجمع بالتاء فإن الحكم في النسب الرد، وإن لم يكن مألوفاً فالحكم الخيار في الرد، وهذا ظاهر، والثاني أن تكون الإحالة في الأُلفةِ على القياس، فيريد أن رد اللام إذا كان مألوفاً قياساً في التثنية والجمع بالتاء، فإن الحكم في النسب الردُّ، وإلا فالخيار.
فإن قلتَ: لِمَ حمل الناظم النسب في هذه المسألة على التثنية وجمعَي التصحيح.
فالجواب: أنه في ذلك مقتدٍ بالأئمة المتقدمين؛ إذ فعلوا ذلك الفعل، قال سيبويه: اعلم أن كلَّ اسم على حرفين ذهبت لامه ولم
يردّ في تثنيته إلى الأصل ولا الجمع بالتاء كان أصله (فَعْل) أو (فَعَل) أو (فَعُل) فإنك فيه بالخيار"، ثم مضى في التقرير، وقال في القسم الآخر حين مثل بأبويّ وأخويّ: "لا يجوز إلا ذا، من قبل أنك ترد من بنات الحرفين التي ذهبت لاماتهن / إلى الأصل ما لا يخرج أصلُهُ في التثنية ولا في الجمع بالتاء، فلما أخرجت التثنية الأصلَ لزمَ الإضافةَ أن تُخْرِجَ الأصل" إلى آخره، وكذلك فعل غيره، وإنما فعلوا ذل ليضبطوا ما يُردُّ من المحذوف وجوباً وما لا يُردُّ، ولبيان وجه الرد أيضاً وذلك أن التثنية وجمعي التصحيح بابهما ألا يغير الاسم معهما عن حاله التي كان عليها قبل ذلك لا بزيادة ولا بنقصان، بخلاف باب النسب فإنه على الضد من ذلك مبني على التغيير، فإذا كانوا يردون المحذوف في التثنية والجمعين مع أن الأصل معه السلامة، فإنه بردِّهِ في النسب الذي الأصل معه عدم السلامة أولى، وأما إذا لم يردّوا في التثنية والجمعَين، فإنهم قد يردون في النسب؛ لأن النسب أقوى على الردّ منهما؛ إذ هو باب تغيير، وكان التغيير بالرّدّ لقلّة الحروف، كما كان التغيير بالحذف حين كثرت نحو: حُبلى وحنيفة، واعلم أن قوله: واجبر بردِّ اللامِ ما منه حُذِفْ