تحقيق أ. د. سليمان بن إبراهيم العايد
النَّسب
ياءً كَيَا الكُرْسيِّ زادوا للنسب وكلُّ ما تليه كسرُهُ وَجَبْ
الإضافة والنِّسبة: لفظان اصطلح النحويون على إطلاقهما على نسبة الشيء إلى الشيء بنوعٍ من أنواع النسبة، لكن على ترتيب مخصوصٍ، وقد أتى الناظم بكلامٍ يُشعر بتعريفه عند النحويين، وذلك قوله:
"ياءً كَيَا الكُرْسيِّ زادوا للنسب"
فـ"ياء" منصوبٌ على المفعولية بـ"زادوا" يعني: أنهم زادوا في آخر الاسم ياء مشددة لتدلَّ على نسبة معنى ما لذلك الاسم، هذا معنى قوله: "للنسب" أي: لتنسب إلى ذلك الاسم، فالنسب في كلامه على معناه الأصلي؛ لأنه تعريفٌ للنسب الاصطلاحي، فلا يمكن أن يكون النسب في لفظه إلا على أصل اللغة، وإلا كان تعريفاً للشيء بنفسه، ويلزم منه الدَّورُ المجتنب في الحدود والتعريفات، فكأنه يقول: النسب الاصطلاحي هو: أن تزيد في آخر الاسم ياءً مشددة علامة على أنك تنسب لذلك الاسم معنى ما لتعلقه به ضرباً من التعليق، وهذا تعريف بعض المتأخرين.
فقوله: "أن تزيد في آخر الاسم ياءً مشددة" قيدان دل عليهما
قول الناظم: "كيا الكرسي"؛ لأن ياء الكرسي في آخر الاسم في ياءٌ مشددة.
وقوله: "علامةً على أنك تنسِبُ لذلك الاسم إلى آخره"ردلَّ عليه قوله: "للنسب"؛ أي: لتنسب إليه معنىً من المعاني، فقولك: تميميٌّ أصله: تميمٌ، فألحقته الياء لتنسب إليه الرجل لتعلقه به من حيث هو منهم، وكذلك بصريٌّ وزيديٌّ، ونحو ذلك، وقوله: "ياءً كيا الكرسي زادوا" فقدَّم المفعول إشعاراً بالحصر؛ أي: أن هذه الياء هي الدالة في كلامهم / على النسب، والمشهورة عندهم لا غيرها.
وهذا تنكيت على أن ما دل على النسب من غير الياء فهو قليل بالنسبة إلى دلالة الياء، وذلك كدلالة (فاعل) نحو: حائض، وطامث، أي: ذا حيضٍ وطمثٍ عند القائل به، وكذلك لابنٌ وتامرٌ، و (فعَّال) نحو: فكَّاه ونجَّار، ونحو ذلك، و (فَعِل) نحو: نَهِر، وسيذكر ذلك كله، فالياء هي المعتدة في الباب لا غيرها، ثم قال:
"وكلُّ ما تليه كسرُهُ وَجَبْ"
هذا ذكر بعض التغايير اللاحقة للاسم المنسوب، وذلك أن هذه الياء المشددة يلزمها أيضاً في الكلام أربعة تغاييرَ مطَّردةٌ لا بدَّ منها:
تغييران لفظيان وهما:
كسر ما قبل هذه الياء، وهو الذي ذكره الناظم، ولا بدَّ من ذلك، فالكسر هنا نظير الفتح قبل تاء التأنيث فتقول: زيديٌّ،
وعمريٌّ، وغرناطيٌّ، فتكسر ما قبل الياء.
ونقل الإعراب إلى الياء؛ لأنها صارت في الكلمة كهاء التأنيث.
وتغييران معنويان وهما:
صيرورة الاسم صفة، يرفع الفاعل كما ترفعه الصفة المشبهة باسم الفاعل تقول: مررتُ برجل تميميٍ أبوه، وتميميِّ الأبَ، وتميميِّ الأبِ، وجميع ما ذكر في باب الصفة (الصفة المشبهة) من الأحكام جارٍ هنا في المنسوب.
وصيرورته واقعاً على غيره؛ إذ كان قبل لحاق الياء واقعاً على المنسوب إليه، فلمَّا لحقت صار واقعاً على المنسوب، فغرناطة اسمٌ واقعٌ على المدينة المعروفة، وغرناطيٌّ واقعٌ على الرجل المنسوب إليها.
ولما كانت هذه التغايير الأربعة لا يتعلق منها بباب (النسب) إلا الأول، اقتصر الناظم عليه، فلم يذكر غيره، ويعني أن ما يليه الياء المشددة، وهو آخر الكلمة كسرُهُ معها واجب، كان الاسم صحيحاً أو معتلاً، أو على أيِّ وجهٍ كان، لا بد من ذلك، وإنما أطلق الناظم عليها ياء واحدة، وهما ياءان في الحقيقة أدغمت إحداهما في الأخرى؛ توسعاً في العبارة لارتفاع اللسان بهما ارتفاعة واحدة، وذلك في باب التغيير قريب، والضمير المرفوع بـ"يليه" عائدٌ على الياء، والهاء في "يليه" عائدة على "ما" ومدلولها آخر الاسم المنسوب.
ومثله مما حواه احذِفْ وَتَا تأنيثٍ او مدَّتَهُ لا تُثْبِتَا
وإن تَكُنْ تربَعُ ذا ثانٍ سَكَنْ فقَلْبُها واواً وحَذْفُها حَسَنْ
/ لما ذكر أوّلاً التغييرَ اللازم للاسم المنسوب في كل حال، أردف ذلك بما يلحقه من التغايير التي لا تلزم إلا لموجِبٍ، وذلك أن الأصل فيه ألا يتغير عما كان عليه إلا ما تقدم من التغيير، فكل تغيير زاد على ذلك فإنما هو لعلة، فيُسأل عن سببه، لكن هذا التغيير على ضربين:
أحدهما: تغيير علم من استقراء كلام العرب اطِّرادُهُ وقياسُهُ.
والآخر: تغيير لم يُعلم له اطِّرادٌ، بل عُلِمَ قصره على السماع، وأن غيره هو المطرد.
فأما الأول: فهو الجزء الذي يجب على النحوي التعرض له من حيث هو نحوي، وهو الذي أخذ الناظم في الكلام عليه، وأما الثاني فليس للنحوي من حيث هو نحوي، وإنما هو للُّغويِّ؛ إذ كان شأن النحوي أن يتكلم فيما اطَّرد لا فيما خرج عن باب الاطراد، فإذا تكلم على المطرد علم أن ما خرج عنه مقصور على السماع، فلذلك لم يتعرض له الناظن لا سيما في هذا المختصر، وإنما أشار إليه آخر الباب إشارة على عادته في الإشارة إلى الشذوذات، وقد تعرض النحويون لذكر بعض هذا الذي لم يطرد، وأولهم في ذلك سيبويه،
واتبعه أرباب المطولات، واقتدى بهم بعض أرباب المختصرات كأبي القاسم الزجاجي وغيره، وهم في ذكر ذلك لغويون لا نحويون، فالناظم بقي على طريقته لم يتعدها، وغير أنس بذكر بعض المسموع على جهة التمثيل والتوجيه لما سُمِع، وكل في طريقته على صواب.
وبدأ الناظم بذكر التغيير بالحذف فقال: "ومثله"، الضمير في "مثله" عائدٌ على الياء المشددة، وذكِّرَ اعتباراً بالحرف، و"ما" الموصولة واقعة على الاسم الذي فيه الياء المشددة، والضمير العائد على "ما" هو الفاعل بـ"حوى"، وهاء "حواه" عائدٌ على الياء أيضاً، ونصب "مثله" بـ"احذف"، يعني: أن الاسم إذا كان في آخره ياءٌ مشددة على وجهين:
أحدهما: أن تكون الياء المشددة في أصلها زائدة أي: أن أصلها ياءان زيدتا معاً كما زيدت ياءا النسب معاً، وهو الذي أراد هنا، وإليه أشار بمثاله، فهو قد أعطى قيداً وهو الثاني من القيود؛ إذ قال: "ومثله مما حواه" فقيَّد بالمماثلة، فيقتضي أنهما زائدتان زِيدتا / معاً، وذلك نحو: كرسيّ، وبُختيّ، وقُمريّ، فالحكم الذي أعطاه فيه
أنك تحذف الياء المشددة، ثم تلحق ياء النسب، فتقول في النسب: كرسيٌّ، وبُختيٌّ، وقُمريٌّ، وكذلك إذا لحقته ياء النسب لا بد أن تحذفها؛ إذ صارت بالتسمية مستهلكة المعنى، فأشبهت كرسياً فتحذفها وتلحق ياءَ النسب، إلا أن اللفظ في ذلك كله قبل النسب وبعده واحد، لكن يقع الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الاسم بعد النسب من قبيل الصفات المشبهة باسم الفاعل، وجارٍ على أحكامها بخلاف ما قبل النسب، فإنه اسم جامد لا عملَ له.
والثاني: أن الاسم بعد النسب مصروف على كل حال، وإن كان قبل النسب غير مصروفٍ، فكراسيُّ، وبخاتيُّ إذا سميتَ بهما، ثم نسبت إليهما قلتَ: بخاتيٌّ، وكراسيٌّ، فصرفت كما تصرف: مدائنيّاً ومَعَافِرِيّاً؛ لأن الياءين الآن غير الياءين اللتين كانتا قبل التسمية، بهذا المعنى استدل سيبويه على أن الياءين بعد النسب غير الياءين قبله، وهو من الأدلة الحِسَان.
وأما الوجه الثاني: وهو ألا تكون الياء المشدد بمنزلة ياء النسب
فلم يُرِدْهُ هنا، وسيذكره بعد، وإنما حُذِفَ الياءان معاً لزوماً، ولم يُفعل بهما ما فُعل بمرميٍّ وبابه؛ لأنهما زيادتان معاً، فيجب أن يحذفا معاً، بمنزلة كل زيادتين زيدتا معاً، ولا يجوز أن يقال: كُرْسَويٌّ، بُخْتَويٌّ، على من قال في "مرمي"/ مَرْمَوِيٌّ؛ لما ذكر، وقد وقع لابن خروف في هذا الموضع من شرح الكتاب أن قياس مَرْمَوِيّ: بُخْتَويّ، وقال في موقع آخر: ومن قال: مَرْمَويّ قال: بُختويٌّ وكُرْسَويٌّ؛ لأنهما ليسا بنسب.
وما قاله غير صحيح، وياءا مرميٍّ منفصلتان في الحقيقة؛ لأن إحداهما أصلية، والأخرى زائدة، فالقياس يقتضي ألا تُحذفا معاً، وإنما حذفتا معاً تشبيهاً بكرسيٍّ: معاملة للأصلي معاملة الزائد، فكيف يُعْكس الأمر في المسألة، ويلزم عليه أن يفعلَ مثل هذا في كل زيادتين زيدتا معاً كعلامي التثنية والجمع ونحو ذلك، فالصحيح ما حَتَمَ بع الناظم من لزوم الحذف، وهو مذهب النحويين، ثم قال الناظم:
............ وتَا تأنيثٍ أو / مدَّتَهُ لا تُثْبَتا
"تا" مقصور على حد قولهم: شربت ما يا هذا، وهو منصوب بـ"لا تثبت"، وقوله: "أو مدته" معطوف عليه، يريد: أن تاء التأنيث ومدَّته لا يجوز إثباتها في النسب، بل تحذفهما فيه بلا بدٍّ.
فأما التاء: فإنها تحذف كما قال، فتقول في النسب إلى طلحة: طَلحيٌّ، وإلى بصرة: بصريٌّ، وإلى غرناطة: غَرناطيٌّ، ولا تقول: طلحَتيٌّ، ولا بصرتيٌّ، ولا غَرناطتيٌّ، وذكر النحويون في توجيه حذف التاء هنا وجوهاً منها: أن تاء التأنيث مع ما لحقته بمنزلة الثاني من المركبين؛ لأنه زيادة على ما قبله ما عدد حروفه، فكما أن ياء النسب لا تلحق بعد الثاني من المركبين، فكذلك لا تلحق بعد تاء التأنيث، وإذا كانوا مما يحذفون في النسب الحرف الأصلي إذا كان خامساً على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - فهذا أولى بالحذف.
ومنها: أن ياء النسب تجتمع مع تاء التأنيث في أن كل واحد منهما يُفرَّقُ به بين الجنس والواحد، فتقول: يهوديٌّ ويهود، وزنجيٌّ وزنجٌ، كما تقول: تمرةٌ وتمرٌ، وشجرةٌ وشجرٌ، وأيضاً فتجتمعان في الدلالة على معنى النسب كمهلَّبٍّ ومهالبةن وبربريٍّ وبرابرة، لما زالت ياء النسب بالجمع صارت التاء عوضاً منها على معناها، وأيضاً - فكل واحدة منهما علامة تلحق آخر الاسم، تنقله عن معناه إلى معنى آخر، وينتقل الإعراب إليها، فلمَّا اشتبهتا من هذه الأوجه حُكِمَ للتاء بحكم الياء، فلم يجمعوا بينهما؛ لأن الجمع بينهما كان يكون كالجمع بين حرفين لمعنى واحدٍ.
قال ابن الضائع بعد ما ذكر بعض هذه الأوجه المشابهة: وهذا كما ترى (يعني في الضعف)، قال: وإذ لا بدَّ من تعليل فالأولى ما قال بعضهم: إنَّ الاسم المنسوب
يصير بياء النسب صفة، فتدخله تاء التأنيث إذا جرى على مؤنثٍ، تقول: امرأة تميميَّةٌ، وقَيسيَّةٌ، قال: فلو لم تحذِف من الاسم المنسوب إليه علامة التأنيث، فقيل في النسب إلى فاطمة: فاطمتيٌّ لوجب إذا جرى على مؤنثٍ [أن يقال]: فاطتيَّةٌ، فيجمع بين علامتي تأنيث في كلمةٍ واحدةٍ، فتجنَّبوه، مع أن تاء التأنيث إن كانت للتأنيث في الاسم المنسوب إليه فيصير وزنُهُ يقعُ على المنسوب زال ذلك التأينث له، فيصير حكم الاسم حكم المنسوب لا حكم المنسوب إليه، قال: وحذف تاء التأنيث / من الاسم مطرد لم ينكسر، ولم يشذَّ منه شيء، ولذلك وجب في أختٍ وبنتٍ حذف التاء لشبههما بها، وتركهم الجمع بينهما البتَّة.
وقول الناظم: "وتا تأنيث" يدخل له من حيث العبارة تاء التأنيث في: أخت وبنت كما تقدم له ذلك في باب (التصغير)، إلا أنه قد خصَّهما بالذكر بعد هذا، وحكى خلاف يونس فيهما، فيصير هذا الموضع مقيداً بذلك، فيريد هنا التاء التي هي على أصلها.
وأما مدة التأنيث: فهي الألف التي للتأنيث؛ لأن حقيقة الألف مدَّةُ صوتٍ ناشئةٌ عن الفتحة، فيريد: أنها لا تثبت في النسب أيضاً، بل يجب حذفها على الإطلاق إلا ما يُستثنى من ذلك إثر هذا، وألف
التأنيث لا تكون إلا رابعةً فصاعداً، ولا تقع ثالثة أبداً، وإذا كانت كذلك فهي في الأسماء إما رابعةٌ وإما خامسةٌ وإما سادسةٌ وإما سابعةٌ، وهي الغاية.
فالخامسة لا بدَّ من حذفها، كما ذكر، فتقول في النسب إلى جَحْجَبًى: جَحْجَبِيٌّ، وفي سُمَّهى: سُمَّهِيٌّ، وفي حُبارى: حُباريٌّ، وفي سِبَطرى: سِبَطْرِيٌّ، وما أشبه ذلك.
وكذلك السادسة لا بد من حذفها، فتقول في شُقَّارَى: شُقَّاريٌّ، وفي فَيْضُوْضَى: فَيْضُوضِيٌّ، وفي يَهْيَرَّى: يَهْيَرِّيٌّ، وفي حَوْلايا: حَوْلائِيٌّ.
وكذلك السابعة، فتقول في أربعاوى: أربعاويٌّ، وفي حَنْدَقُوقي: حَنْدَقُوقِيٌّ، وفي بَرْدَرَايا: بَرْدَرَائِيٌّ، وما أشبه ذلك، ولا تثبت الألف، وإنما لم يثبتوا ألف هنا استثقالاً لثبوتها، لو قالوا مثلاً: شُقَّارَوِيٌّ، وفَيْضُوضَوِيٌّ، ونحو ذلك، وأيضاً فإذا كان الحذف في نحو: حُبْلى أحسنَ على ما نص عليه سيبويه، فمن باب أولى أن يكون فيما فوق ذلك أوجب، قال سيبويه: وإنما ألزموا ما كان على خمسة فصاعداً الحذف؛ لأنه حين كان رابعاً في الاسم بمنزلة ما ألفه منه، كان الحذف فيه جيداً، وجاز الحذف فيما كانت ألفه من نفسه، فلما كثر العدد كان الحذف لازماً؛ إذ كان من كلامهم أن يحذفوه في المنزلة الأولى، فإذا ازداد الاسم ثِقلاً كان الحذف ألزمَ.
فأما إذا كانت الالف رابعةً، فقد أعطى كلامه فيها تقسيماً، وهو أن الاسم الذي هي فيه على وجهين:
أحدهما: أن يكون محرك الثاني.
والآخر: أن يكون ساكن الثاني، فقوله:
وإنْ تكُنْ تربَعُ / ذا ثانٍ سَكَنْ
دالٌّ على أن الحكم المذكور إنما هو ثابت فيما لم يكن كذلك، فإذا ما كان منه محرك الثاني، فحكمه حكم ما كانت ألفه فيه خامسةٌ فصاعداً، وهو وجوب الحذف، فتقول في بَشَكَى: بَشَكِيٌّ، وفي مَرَطَى: مَرَطِيٌّ، وفي جَمَزَى: جَمَزِيٌّ، ولا يجوز أن تقول: جَمَزَوٍيٌّ؛ وذلك لاستثقال توالي أربع متحركات، وإذا كان الحذف في نحو: حُبْلَى جيداً كما سيأتي، فالواجب أن يُلتَزم الحذف في نحو: جَمَزَى، وهذا مما جعل النحويون الحركةَ فيه تنزل منزلة الحرف؛ إذ عاملوا نحو: جَمَزَى معاملة نحو: حُبَارى في لزوم حذف الألف.
والوجه الثاني: أن يكون الحرف الثاني ساكناً، وذلك قوله"وإنْ تكُنْ تربَعُ اثانٍ سَكَنْ" إلى آخره، تربُع: معناه تصيِّره ذا أربعة أحرف، ولا يكون الاسم إذ ذاك إلا ثلاثياً، تقول: رَبَعتُ الثلاثة: إذا صيَّرتَهُم أربعة، فيريد: أن الألف التي للتأنيث إذا كانت رابعةً في اسمٍ ساكنِ الثاني فإن لك فيه وجهين حسنين عنده:
أحدهما: قلب الألف واواً في حُبْلَى: حُبْلَوِيٌّ، وفي بُشْرى: بُشْرَويٌّ، وفي ذكرى: ذِكْرَويٌّ، ونحو ذلك، ووجه هذا العمل
إلحاقُ الألف الزائدة بالمنقبلة عن أصل؛ إذ حكمها القلب في الوجه المختار لا الحذف، كما سيذكره إثر هذا، فكما قالوا في مَلْهًى: مَلْهَوِيٌّ، كذلك قالوا في حُبْلَى: حُبْلَويٌّ، وفي حقيقة التدريج إنما قُلِبت حملاً على ألف الإلحاق المحمولةِ على الالف المنقلبة عن الأصل، ولكنَّ سيبويه إنما ذكر ما تقدم، إذ كانت ألف التأنيث قد بنيت عليها الكلمة، والكلمة شبيهةٌ بملهًى ونحوه، في الحركة والسكون وعدة الحروف، فحملوها عليه لذلك.
والثاني: حذف الألف رأساً كالخامسة والسادسة، فتقول: حُبْلِيٌّ، وبُشْرِيٌّ، وذِكْرِيٌّ في: حُبلى، وبُشرى، وذِكرى، ومن السماع في ذلك قولهم في سِلَّى: سِلِّيٌّ، وأنشد سيبويه لساعدةَ بن جؤيَّةَ:
كأنما يقع البصري بينهمُ من الطوائفِ والأعناقِ بالوَذَمِ
وأنشد أو عبيد لأوس بن حجر:
يعْلُونَ بالقَلَعِ البصري هامَهُمُ ويَخرجُ الفَسْوُ من تحت الدَّقاريرِ
فنسب إلى بُصْرَى بالحذف، ووجه الحذف أن الألف زائدة غير أصلة، ولا ملحقة بأصل، فأرادوا أن يفرقوا بينهما، ويجعلوا الحذف حظ الزائد على الإطلاق؛ لأنه أولى به من / الأصلي؛ إذ كان في حذف الأصل خرمُ البنية.
هذا تعليل سيبويه بالمعنى، وأيضاً فحُمِلت ألف التأنيث في الحذف على التاء، وقد تقدم وجوب حذفها لاختصاصها بعلةٍ تناسب الوجوبَ بخلاف هذه، فكان الحذفُ فيها جائزاً لا واجباً، وقوله:
فقَلبُهَا واواً وحَذْفُها حَسَنْ
تسويةٌ منه بين الوجهين، وليس في تقديم ما قُدِّمَ ما يُشعر برجحانه، بل الظاهر فيه التسوية بينهما في الاستحسان، إلا أنه معتَرَضٌ عليه من أوجه: أنه ذكر وجهين من ثلاثة، وكان من حقِّه إذا أراد الاقتصار على بعضها أن يقتصر على ما هو أشهر من غيره، ويتركَ الأقلَّ في الاستعمال، وهو لم يفعل ذلك، بل ذكر الأقلَّ، وتركَ ما هو أكثر وأشهر منها، وذلك أن النسب إلى نحو: حُبْلَى
ثلاثة أوجه:
أحدها: الحذفُ، كما تقدم ذكره.
والثاني: إثباتها وزيادةُ ألفٍ قبلها، فتقول: حُبْلاويٌّ، ودِفْلاوِيٌّ، وقالت العرب في النسب إلى دهنا: دَهْناوِيٌّ، وإلى دنيا: دُنْياويٌّ، فرَّقوا بزيادة هذه الألف بين هذه الألف والألف المنقلبة عن أصلٍ، كذا قال سيبويه، وأيضاً فعاملوه معاملة الممدود كما سوَّوا بينهما في الجمع، إذ قالوا في صحراء: صَحَارَى، كما قالوا في حُبْلى: حَبَالَى.
والثالث: قلبها واواً من غير زادة ألفٍ، كما تقدم.
وهذه الأوجه الثلاثة في الجودة والكثرة على هذا الترتيب، فالأول أجودها، ثم يليه الثاني، ثم الثالث، وبهذا الترتيب رتبها سيبويه في الذكر، وأشار المؤلف إلى هذا الترتيب في التسهيل فذَكَرَ الحذف في ألف التأنيث مطلقاً في الرابعة فما زاد، ثم قال: "وربَّما حذفت الألف الرابعة كائنةً لغير التأنيث، وقلبت كائنة له فيما يسكنُ ثانيه، وقد تُزاد ألفٌ قبل بدلها وبدل الرابعة التي للإلحاق"، فجعل
القلب [في] نحو: حُبْلَى نادراً؛ إذ أتى فيه بـ"ربَّما"، وجهل زيادة الألف مع القلب أكثر قليلاً من القلب وحده؛ إذ قال: "وقد"، والتعبير بـ"ربَّما" يعطي من الندور والقلة ما لا يعطيه التعبير بـ"قد"، فهو موافق لما ذكره غيره، فالدَّرَكُ عليه في هذا الموضع من وجهين:
أحدهما: أنه جعل الأقل مساوياً في الحسن للأكثر.
والثاني: أنه ترك ذكر ما هو أكثر من ذلك الأقلِّ /، على أن كلام السيرافي يشعر بأن القلبَ مع إلحاق ألفٍ وعدمِ إلحاقها متساويان؛ إذ قال: إنَّ الأجودَ حُبلِيٌّ ثم حُبلاويٌّ، وقد يعتذرُ عنه بعذرٍ بعيدٍ، وإن كان ممكناً، وهو أن ما ذكر من الوجهين مسموهٌ مقيسٌ، وإن كان أحدهما أكثرَ وأشهرَ من الآخر، لكن ذلك لا يُخرج الآخرَ عن كونه مقيساً، فأطلق عليهما لفظ الحسن بهذا الاعتبار، وأيضاً فهما في النظر القياسي كما قال؛ لأن كل واحد من الحذف والقلب على نظر مستقيمٍ اعتباراً بالشبه بالأصلية، فلا تحذف بل تقلب، أو إلحاقاً للرابعة بما فوقها بخلاف زيادة الالف من غير موجب، فإنه على غير قياس، بل هو شبيه بتغييرات النسب السَّماعية، كقولهم في زبينة: زَبَانيٌّ، وما أشبه ذلك، ومن هنا يخرج الجواب عن الاعتراض الثاني، فإنه لما خرج عن الحكم القياسي لم يعتبره،
وجعله داخلاً تحت قوله: وغيرُ ما أسْلفتُهُ مقرراً على الذي يُنقَلُ فيه اقتُصرا ثم أخذ يذكر باقي أقسام الألف؛ لأن الألف في آخر الاسم على ثلاثة أقسام: زائدة للتأنيث، وهي التي فرغ من ذكرها، وزائدة للإلحاق، ومنقلبة عن أصل، وضمهما في كلامه فقال: لشِبْهِهَا المُلحِقِ والأصلي ما لها وللأصلي قَلْبٌ يُعْتَمَى والألفَ الحائزَ أربعاً أَزِلْ كذاكَ يا المنقوصِ خامساً عُزِلْ والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ مِنْ قلبٍ وحَتْمٌ قلبٌ ثالثٍ يَعِنّ الضمير في "شبهها" عائدٌ على الألف التي تربع الكلمة، وهي التي قال فيها: وإنْ تكُنْ ترْبَعُ ذا ثانٍ سَكَنْ فيعني أن ما كان من الألفات الزائدة للإلحاق، أو التي هي أصلية غير زائدة شبيهاً بالالف المتقدمة الذكر قريباً، فإن حكمها في الحذف أو القلب في النسب حكم تلك الألف، إذا وُجد الشبه المشارُ إليه؛ وهو كون الألف رابعة، وقد تقدم هنالك أن فيها وجهين: حذفَ الألف، وقلبها واواً، فكذلك يكون الأمر هنا، فأما الأصلية فنحو: ملهًى، ومغزًى، ومدعًى، ومرمًى، فتعاملها معاملة الزائدة للتأنيث، تشبيها لها بها؛ لأنها رابعة مثلها، قبلها ثلاثة أحرف، وهي أيضاً غير أصل
بنفسها؛ لأن حقيقتها أنها منقلبة عن أصلٍ؛ إذ لا تكون / الألف أصلاً بنفسها، في معربٍ أصلاً، ولذلك يكون قول الناظم: "والأصلي" مجازاً؛ إذ ليس بأصليٍّ، بل هو منقلبٌ عنه، لكن مثل هذا التوسُّع قريبٌ /، وتقول في القلب: مَلْهَوِيٌّ، ومَغْزَويٌّ، ومَدْعَوِيٌّ، ومَرَمَوِيٌّ، فتقلب الألف واواً مطلقاً، وسواءٌ في هذا القلب ما كان أصله الواو أو الياء، كما تقدم تمثيله لاستثقال توالي الياءات، لو قلت في مرمًى: مَرْمَيِيٌّ، وكذلك إذا عاملت في مَدْعًى ومَغْزًى أصلها القريب، وهو الياء؛ لأن حقيقة الألف فيها الانقلاب عن الياء المنقلبة عن الواو لوقوعها رابعةٌ بعد فتحةٍ في اسمٍ على مثال الفعل/ كما سيأتي في التصريف، إن شاء الله تعالى.
فالواو في: مَلْهوِيٌّ بدل من ألفٍ بدلٍ من ياءٍ بدلٍ من واوٍ، وفي مرْمَوِيٌّ بدل من ألف بدلٍ من ياء، وترك الحذف هنا هو الأصل؛ لأن الألف من أصل الكلمة، فالحذف فيها على غير الأصل، قال سيبويه: "فهذا يجري مَجْرى ما كان على ثلاثة أحرف، وكأن آخرُهُ ألفاً مبدَلةً من حرفٍ من نفس الكلمة، نحو: حصًى، ورحًى"، وحكى من هذا في أعيا: أعْيَوِيٌّ، وفي أحوَى: أَحْوَوِيٌّ.
وأما الألف التي للإلحاق فنحو: مِعْزًى، وأرْطًى على من قال: أديمٌ مأروطٌ، وتقول في الحذف: مِعْزِيٌّ، وأَرْطِيٌّ، وإنما حذفت لشبهها بألف التأنيث من الوجه الذي أشبهتها الألف الأصلية، وتزيد عليها ألف الإلحاق بالاجتماع في الزيادة، فتمكن وجه الحذف، وتقول في الإثبات والقلب مَعْزَوِيٌّ، وأرْطَوِيٌّ، وهو الأجود عندهم، ووجهُهُ معاملتها معاملة ما هو منقلب عن أصل؛ لأن الألف هنا في مقابلة الأصل، كما أن الهمزة المنقلبة عن الملحق بالأصل كعِلْبَاءٍ، بمنزلة الألف المنقلبة عن الأصل ككساءٍ، على ما سيأتي ذكره، إن شاء الله.
وهذا معنى تعليل سيبويه على ما نقل عن يونس قال: "ولا يكون أسوأ حالاً في ذا من حُبْلَى" يعني أن حُبْلَى قد أُثبتت فيها الألفُ وهي زائدة زيادة محضة لا في مقابلة أصلٍ في أحد الوجهين، فلو لم تثْبت ألف الإلحاق مع أنها في مقابلة أصل لكانت أسوأ حالاً منها، وهو تعليل ظاهر، ولما ذكر حكم هذين الألفين، وأحال بذلك على ألف التأنيث، وكان قد قدم في ألف التأنيث / وجهين على تساوٍ كما تقرر قبل، خاف أن يُتوهمَ مثل ذلك هنا، فبيَّنَ ما أراد من تفضلي أحد الوجهين على الآخر، فقال: "وللأصليِّ قلبٌ يُعْتَمَى" أي: يختار، يعني: أن الألف الأصلي أي: المنقلبَ عن
الأصل، يختار فيه من الوجهين القلب.
وأما الحذف فليس بمختار، وما اختاره هو المختار عند غيره؛ وذلك أن سيبويه قرر أولاً في مثل هذا القلب، ثم قال بعد ذلك: "فإن قلت في مَلْهًى: مَلْهِيٌّ لم أر بذلك بأساً"، فجعل الحذفَ تابعاً لما تقدم أولاً أنه الباب وهو القلبُ، وكذلك نصَّ غيره على أنه الأجود، ووجهُهُ ظاهر من جهة كونه أصلاً، بخلاف الزائد؛ فإن الحذف فيه أجودُ من جهة كونه زائداً، وقد تقدم هذا المعنى، وهذا في الأصلي.
وأما الملحق فلم يختر فيه هنا شيئاً، فالظاهر أنه الوجهين فيه عنده متساويان أو مسكوتٌ عنهما كما تقدم تفسيره عند قوله:
فقَلبُهَا واواً وحَذْفُها حَسَنْ
ولا شك أن الحذف في ألف الإلحاق أمثلُ منه في الأصلية، والإثباتُ فيها أجودُ منه في ألف التأنيث، وإحالته في الألفين معاً على ما تقدم من الوجهيم في ألف التأنيث، يؤذِنُ بأن الوجه الثالث فيهما غير معتبرٍ عنده، أما في ألف الإلحاق فلأنه لم يحكِ فيه سيبويه أرْطاويٌّ، وإنما حكاه أبو علي عن أبي زيد الأنصاري، فهو على
الجملة قليلٌ، وأما في الألف الأصلية فلم يُسْمَع، وإنما قاسه السيرافي على مسألة حُبْلاوي، فأجاز: مَلْهَاوي، قالوا: وهو قياس ضعيف، فلم يتعرض الناظم لهذا الوجه لما فيه من مخالفة القياس، ولقلته أو عدمه سماعاً، ويقال: اعتَمَيتُ الشَّيءَ بمعنى: اخترتُهُ، قال الجوهري: وهو قلب الاعتيام، فيقال: اعتام الرجل: إذا أخذ العِيمَةَ بالكسر، وهو خيال المال، ورجلٌ عَيْمَانُ أيْمَانُ أي: ذهبت إبِلُهُ، وماتت امرأتُهُ.
ثم يتصدى النظر إلى كلام الناظم هنا من جهة أن ما تقدم من الحكم في هذه الألف الأصلية والملحقة هو غيرُ مقيَّدٍ عند النحويين بشيء، غير بكون الألف رابعةً خاصةً، وقد نص عليه، والناظم قد أحال به على ما يعطي بنصه قيداً ثانياً زائداً إلى الأول، وذلك أنه أحال على قوله أولاً:
وإن تَكُنْ تربَعُ ذا ثانٍ سَكَنْ
وهذا له قيدان: / كون الألف رابعةً، وكون الاسم الذي هي فيه
ساكنَ الثاني، وإذا كان كذلك فهو قد قال بعد:
لشِبْهِهَا المُلحِقِ والأصلي ما لها..................
والشبهُ إنما يكون مع استيفاء كلا القيدين، لكن قيد سكون الثاني غير معتبرٍ في المشبَّه أصلاً، بل الحكم كذلك، ولو فرَضْتَهُ مُحرَّكَ الثاني، فظهر الخلل في هذه الإحالة التي أحالها.
والجواب: أن يقال: إنما نلتزمُ أولاً القيدين معاً، ونقول: لا بدَّ منهما وإن لم يذكر النحويون الثاني منهما، وذلك أن ما فيه الألف رابعةً إذا كانت للتأنيث فإن سكون الثاني وتحريكه موجودٌ فيه، كما تقدم، نحو: مرطًى، وحُبْلًى؛ إذ لا يلزم على ذلك محذورٌ بخلاف ما إذا كانت أصليَّةٌ أو ملحَقَةً، فإن تحريك الثاني غير موجودٍ في كلام العرب لما يلزمُ عليه من توالي أربع حركات في كلمة واحدة، وقد حصر الناظم أبنية الرباعي في أول التصريف، فلم يذكر فيها نحو: جَعَفَرٍ، وإنما يأتي ذلك لعارض حذفٍ كعُلَبْطٍ وذَلَذِلٍ، أو زيادة في تقدير الانفصال كشجرةٍ، وأما أن يأتي في أصل بناءٍ فلا، فنحو:
ملْهًى، الألف فيها منقلبةٌ عن حرفٍ متحركٍ، وألف أرطًى في مقابلة متحرك، فلو قدَّرنا تحريك الثاني منهما، لكان تقديراً لوجود أربع حركات متوالية في بناءٍ أصليٍّ.
فإن قلتَ: قد توالت أربعُ حركاتٍ في نحو: مَرَطًى؛ لأن ألف التأنيث لا بدَّ من تقدير الإعراب فيها فتساويا، فلِمَ نفيتَ ذلك عن الوجود؟ فهذا ليس من المعاني المرادة في هذا الباب، وإنما موضعها التصريف، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
فإذا ثبت ذلك لم يضرنا التقييد بسكون الثاني، إذ ليس ثمَّ متحركٌ يُتَوَهَّمُ مخالفةُ حكمه لهذا الحكم، وعلى هذا نقول ثانياً: إنَّ ذلك القيدَ في كلامه غيرُ معتَبَرٍ؛ إذ ليس ثَمَّ ما يتحرزُ به منه بنصِّ كلامه في حصر الأبنية في التصريف، فكلامه مفسَّرٌ بكلامه، فرجع الأمر إلى ما ذكره النحويون من إهمال قيدِ سكون الثاني، والاقتصار على اعتبار القيد الآخر، وكل ما تقدم إنما هو فيما إذا كانت الألف رابعةً، فإن زادت الأحرفُ قبلها بأن تكون خامسةً، فذلك قوله:
والألِفَ الحائِزَ أربعاً أَزِلْ
الألف منصوبٌ بأزِلْ، أي: / أزِلِ الألفَ الحائزَ أربعاً، والأربع أتى به مؤنثاً، والمراد الأحرف؛ لأن ذلك جائز، وقد تقدم مثلُهُ، والاستشهاد عليه، والحائز للشيء هو الذي يضمُّه إلى نفسه، وكل من ضمَّ إلى نفسه شيئاً فقد حازه حوزاً وحِيازةً واحتازه أيضاً، وأصلُهُ
الجمع، فالألف الحائز في كلامه هو الذي جمع إليه أربعة أحرفٍ، فيكون هو الخامس، يريد: أن الألف إذا كانت خامسة في الكلمة، فإن حذفها في النسب واجبٌ مطلقاً؛ لقوله: "أزِل"، ولم يقيد ذلك بقيدٍ، ولا ذكر وجهاً آخر من الإثبات، والألف في كلامه هي: ما عدا ألف التأنيث، فإن ألف التأنيث قد تقدم ذكرها، فلا وجه لإعادة ذكرها، فبقي ما كان من الألفات دون ذلك، فالأصلية نحو: مُرَامًى، ومُشْتَرًى، ومُقْتَنًى، تقول في النسب إليه: مُرَامِيٌّ، وفي مُشْتَرًى: مُشْتَريٌّ، وفي مُقْتَنًى: مُقْتَنِيٌّ، ونحو ذلك، والملحقة نحو: حَبَرْكًى، وجَلَعْبًى، وحَبَنْطًى، تقول فيه: حَبَرْكِيٌّ، وجَلَعْبِيٌّ، وحَبَنْطِيٌّ، فتحذف ولا تثبتها أصلاً، وإنماحذفت، وقد كان لإثباتها وجهٌ لمكان الأصلية، أو مقابلة الأصلي، استثقالاً للكلمة مع ثبوتها؛ إذ كانوا قد حذفوا الرابعة جوازاً في مَلْهًى وحُبْلَى، فليجب هنا؛ لأنها خاسمة، فالثقل مع إثباتها أكثر، وأيضاً فشبهوا هذه الألفات بألف التأنيث فحذفوها، كما حذفوها، وعلَّةُ الحذف في ألف التأنيث متمكنة وحملوا هذه عليها؛ إذا كان من شأنهم تشبيه الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله في جميع الأشياء، وأيضاً فقال يونس
وسأله سيبويه عن المسألة: لو قلتَ: مُرَامَوِيٌّ لقلتَ في حبارى: حُبارَوِيٌّ، يعني: أنه كان يجب أن تحمل ألف التأنيث على الأصلية في الإثبات كما أجازوا في حُبْلَى: حُبْلَوِيٌّ، حملاً على قولهم في مَلْهًى: مَلْهَوِيٌّ، ثم قال: ولو قلتَ ذا لقلتَ في مُقْلَوْلًى: مُقْلَولَوِيٌّ، وهذا لا يقوله أحدٌ؛ إنما يقولون: مُقْلَوْلِيٌّ كما تقول: في يَهْيَرَّى: يَهْيَرِّيٌّ، يعني: لو لم تستثقل الخامسة، فأثبتها لم تستثقل السادسة، ولا يقول هذا أحدٌ من العرب قال: فإذا سُوِّيَ بين هذا رابعاً وبين ما الألف فيه زائدةٌ، نحو: حُبْلَى، لم يجز إلا أن تجعلَ ما كان من نفس الحرف إذا كان خامساً بمنزلة حُبَارَى، ثم يتعلق النظر هنا في مسألتين: إحداهما: / أن ما ذكر من الحكم في الألف الخامسة حكم مطلق لم يقيد بشيء، وهذا مذهب الجمهور، وذهب يونس إلى التفرقة بين أن يكون ما قبل الألف مشدداً أو لا، فإن لم يكن كذلك فالحكم ما تقدَّم، وإن كان ما قبلها مشدداً نحو: مُثَنًّى ومُعَلًّى
ومُعَدًّى، وما أشبهه مما الألف فيه أصلية، فحكمه عنده حكم ما الألف فيه رابعة، نحو: مِعْزًى، ومُعْطًى، فيجوز فيه الوجهان على ما تقدَّم، ولا يلزم الحذف، أما إن كانت الألف فيه زائدةً نحو: زِمِكَّى، وعِبِدَّى، فإن السيرافي قد أشار إلى أن مذهب يونس فيها كمذهب غيره، ولذلك ألزمه سيبويه أن يقول في عِبِدَّى: عِبِدَّوِي، كما جاز في حُبْلَى: حُبْلَويٌّ، وذلك أن يونس اعتبر الصورة في الدال وهي صورة لحرف واحد، وأن اللسان يرتفع بالمدغم ارتفاعةً واحدةً فأُجريَ مُجْرَى الحرف الواحد، قال سيبويه: "ينبغي له أن يجيز في عِبِدَّى: عِبِدَّوِيٌّ، كما جاز في حُبْلَى: حُبْلَوِيٌّ، ثم ألزمه أيضاً أنه إن سمَّى رجلاً باسمٍ مؤنث على وزن معَدٍّ مدغم أن يصرفه كما يصرف قَدَماً اسم رجل، فيجعل المدغم كحرف واحد، وهو
إلزامٌ من سيبويه صحيح، ثم بين سيبويه أن الحرف المدغم حرفان لا حرف واحد، وكذلك هو في بناء الشعر مسحوب بحرفين.
وقد انتصر الفارسي ليونس، وأجاب عمَّا ألزمه سيبويه، فانظر فيه ثَمَّة.
فالناظم لمَّا لم يفرق في هذه الألف اقتضى أن مذهبه مذهب الجماعة، وكذلك مذهبه في "التسهيل".
والمسألة الثانية: فيما يقتضيه هذا النظم في الألف السادسة والسابعة، والذي يظهر أولاً أنه سكت عن حكم ذلك اتكالاً على فهم حكمه مما تقدم؛ لأنه إذا كان حكم الخامسة وجوبَ الحذف، فمن باب أولى أن يكون الحذف ثابتاً للسادسة والسابعة، وهذا المنزَع ظاهر، وقد يقال إن حكم السادسة والسابعة نصوصٌ عليه بحسب مقتضى اللفظ، وذلك أن الألف الحائزة للخمسة فصاعداً حائزة للأربعة، وهو قد قال:
والألِفَ الحائزَ أربعاً أَزِلْ
فاقتضى محصول هذا اللفظ الحذف في الحائز للخمسة لأنه ما كان حائزاً لها إلا وهو حائز لما تحتها، فهذا أيضاً قد يقال، وهو منزَعٌ لفظيٌّ، / والأول منزَعٌ معنويٌّ.
والمسألة الثالثة: وهي أن لفظه يدخل له تحته ألف التكثير، فيكون حكمها الحذف، وذلك أنه قال: "والألف الحائز أربعاً"، فدخل تحته كل ألف إلا ما قدم من ألف التأنيث.
والألفات أربعُ أنواع: ألف التأنيث، وألف الإلحاق، والألف الأصلية، وألف التكسير، نحو: قَبَعْثَرًى، وضَبَغْطَرًى، فتقول فيه: قَبَعْثَرِيٌّ، وضَبَغْطَرِيٌّ بمقتضى لفظه، وهو صحيح، ووجه الحذف ما تقدم من الاستثقال مع أنها زائدة، فهي أولى بالحذف من الأصلية كألف التأنيث، ثمَّ لما أتمَّ الكلا على الألف انتقل منها إلى حكم الياء فقال:
كَذَاكَ يا المنقوصِ خامساً عُزِلْ
إلى آخره.
المنقوص في كلامه المراد به ما كان آخره ياء قبلها كسرةٌ، وهو عند المتأخرين المنقوص بقياس، وذلك لنقصان يائه إذا التقت ساكنةً مع التنوين، نحو: قاضٍ، وغازٍ، وإذا ثبت هذا عَلِمَ أن النحويين يقسمون الاسم ههنا إلى أربعة أقسام:
أحدها: ما كانت الياء فيه ثانيةً، نحو: في زيدٍ، وذي مالٍ، وشِيَة، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما كانت الياء فيه ثالثة، نحو: عَمٍ، وشَجٍ.
والثالث: ما كانت فيه رابعةً نحو: قاضٍ وغازٍ وداعٍ.
والرابع: ما كانت فيه خامسةً فصاعداً، نحو: مُشَترٍ، ومُهْتَدٍ، ومُسْتَدْعٍ، ومتقاضٍ، وما أشبه ذلك، ولكلِّ واحد من هذه الأقسام حكمٌ مختصٌّ به ذكروه، والناظم إنما ذكر هنا ثلاثة أقسام، وهي: ما كانت الياء ثالثة وما بعده، ولم يذكر الأول هنا، بل ذكره قريباً من آخر الباب في قوله:
وَضَاعِفِ الثاني مِن ثُنَائِيّ ثانِيهِ ذُو لينٍ كَلاَ ولاَئِيّ
إلى آخر المسألة.
وكان من حقه أن يذكره هنا، كما فعل غيره من هؤلاء المتأخرين، لكن اتبع الناظم في ذلك لفظ المنقوص، وذلك أن ما الياء فيه ثانيةٌ ما حُذف منه حرفٌ فصار لذل ثنائياً كشِيَةٍ، أصله: وِشْيَةٌ، وفي زَيدٍ، أصله: فو زَيدٍ، وفا زَيدٍ، وذو مال، وذا مال، فكأن الناظم لم يأت هنا إلا بما دخل تحت لفظ المنقوص، ثم ذكر الثنائي على حده، وأما من أتى / من النحويين بأربعة الأقسام، فإنا أتى بها من حيث قَسَمَ ما آخره ياء، لا المنقوص المصطلح عليه، فكلٌّ اتبع طريقاً صحيحاً.
وبدأ الناظم بالخماسي، وهو الذي الياء فيه خامسةٌ فقال:
كَذَاكَ يا المنقوصِ خامساً عُزِلْ
وقد دخل له بالمعنى ما فوق الخماسي؛ لأنه إذا كان الحذف
يتوجّه على الياء خامسةً للاستثقال، فأولى أن يتوجّه إذا كانت سادسةً، ويعني: أن الياء التي قبلها كسرة إذا كان قبلها أربعة أحرف فوقعت خامسة، فإنها تُعزل في النسب؛ أي: تحذف وجوباً، فتقول في مشترٍ: مُشْتَرِيٌّ، وفي مُعْتَدٍ: مُعْتَدِيٌّ، وفي منقض: منقضيٌّ، ونحو ذلك، ولا تقول: مشتَرَوِيٌّ، ولا مُعتَدَوِيٌّ، ولا مُنقَضَوِيٌّ، وفي صحارٍ: صحاريٌّ، وفي ثمانٍ: ثمانيٌّ، وفي يمانٍ: يمانيٌّ، إذا سميتَ بذلك كله، إلا أن الحذف في ثمانٍ ويمان على غير جهة الحذف في صحارٍ ومشترٍ، كما سيذكر، وكذلك تقول في مستدعٍ: مستدعيٌّ، وفي متقاضٍ: متقاضيٌّ، وما أشبه ذلك، ولا تبقي الياء؛ لِمَا في بقائها من الثقل، ولِمَا في الياء من السكون مع سكون ياء النسب الأولى فيلتقي ساكنان، والقلب لا يكن؛ لأنه لا يكون إلا مع فتح ما قبلها، وهو غير جائزٍ؛ إذ لا موجب له، وأما الفتح في تغلَبيٌّ فله وجهٌ، على أنه مسموعٌ على ظاهر كلام الخليل، كما سيذكر بحول الله تعالى، ولا يمكن أيضاً تحريك الياء بالكسر؛ لما في ذلك من الثقل، كذلك لم يجيزوا في رحًى: رحَيِيٌّ، فلم يبق إلا الحذف فحذفوها، وأما ياء يمانٍ فهي ياء نسب، فوب أن تحذف لدخول ياء النسب الطارئة، كما تقدم ذكره، وياء ثمان لاحقةٌ في الحكم
بيمان، وكلامه شامل لهما من جهة أنهما كالاسم المنقوص فدخلا في حكمه، و"عُزل" معناه: نُحِّي وأزيل، يقال: عزلتُهُ عن العمل والولاية أي: أزلته ونحَّيتُهُ، ثم قال: والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ مِنْ قلبٍ.................. وهذا هو القسم الثاني من أقسام المنقوص، وهو ما كانت الياء في رابعة، فيعني: أن المنقوص إذا كان رباعياً وقعت الياء فيه رابعةً، فإن لك فيه وجهين: أحدهما: حذف الياء وجعله أحق وأولى، فتقول في قاضٍ: قاضيٌّ، وغازٍ: غازيٌّ، وفي داعٍ: داعيٌّ، وحكى سيبويه أنهم قالوا في رجل من بني ناجية: ناجيٌّ، ومثل ذلك لو / سميتَ بيَرْمِي ويقضي لقلتَ: يرمِيٌّ ويقضِيٌّ، وأنشد سيبويه لعلقمة بن عَبْدَة: كأسُ عزيزٍ من الأعنابِ عتَّقها لبعضِ أربابها حانيَّةٌ حُومُ
وذكر أنه أضاف إلى مثل: ناجية وقاض، قال السيرافي: ذكر بعض أصحابنا أنه يقال: حانيَّة للموضع الذي تباع فيه الخمر كناحية، قال السيرافي: والمعروف حانة، كما قال الأخطل:
وخمرةٍ من جبال الروم جاء بها ذو حانةٍ ماجدٌ أكْرِمْ بها حَانَا
ووجه هذا الحذف ما تقدم من سكونها فتلتقي ساكنة مع ياء النسب، وذلك لا يجوز، وأيضاً تحريكها بالكسر لا يجوز لثقله، فحذفوا لأجل ذلك.
والوجه الثاني: وهو الوجه المرجوح قلب الياء واواً، ولا يدفع ذلك من تحويل كسرة ما قبل الياء فتحةً فتقول: قاضَوِيٌّ، وداعَوِيٌّ، وأُمَوِيٌّ، وما أشبه ذلك، وكذلك تقول في يرمي: يرمَويٌّ، ونظيره ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
فكيف لنا بالشُّربِ إنْ لمْ تكنْ لنا دوانِقُ عند الحانَوِيِّ ولا نَقْدُ
وهذا الوجه محمول على من قال في تغلب: تغلَبِيٌّ، وفي يثرب:
يَثْرَبِيٌّ، فكأن قاضياً وغازياً مثل: يثرب وتغلب، وهم قد فتحوا ما قبل الآخر لتوالي الكسرات مع عدم الاعتداد بالساكن، فصار كنَمَرِيّ وشَقَرِيَ في نَمِر وشَقِر، فكذلك قاض ونحوه، تُقلب كسرته فتحة، فتنقلب ياؤه واواً، وقولهم: تغلَبِيٌّ ليس بكثير ولا بلغ عند سيبويه مبلغ القياس، ولذلك قال فيه: إلا أن ذا ليس بالقياس اللازم، وإنما هو تغيير، يعني بالتغيير: التغيير الشاذُّ كسُهْلِيٍّ ونحوه، وهو عند المبرد قياسٌ، لأنه لا يعتدُّ بالساكن، ولمَّا كان قاضويٌّ مفرعاً على ذلك كله، كان وزانه في القلة وعدم الاطراد، فلذلك صار مرجوحاً عند الناظم.
وبعد فهاهنا نظران:
الأول: أن الناظم جعل الحذف في المنقوص المذكور هو الأجود على الإطلاق؛ إذ لم يستثن من ذلك شيئاً، وليس كذلك عند غيره؛ لأنهم يقولون: إذا تحولت كسرة ما قبل الياء فتحةً قياساً على تغلَبِي، انقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيصير في التقدير: قاضَيّ وغازَيّ، فمن قال في ملهًى وبابه: ملهَوِيٌّ، قال في هذا: قاضَويّ وغازَويّ، وهو أحسن الوجهين، ومن قال في ملهٍى: ملهِيٌّ /
فحذف حملاً على باب (حُبلى)، قال في هذا: قاضِيٌّ وغازيٌّ، وهو أضعف الوجهين، قالوا: فقد صار قاضِيٌّ على وجهين - أحدهما أحسن الأوجه الثلاثة وهو الأصل -: الأول والثاني، والوجه الثالث وهو أضعفها، وهو فرع الفرع، والوجه الثاني فرعٌ بين أصل وفرعٍ، هذا ما قالوه، فإذن ليس قولهم: قاضيٌّ بأحقَّ على الإطلاق من قاضَوِيٍّ، والناظم قد أطلق القول بأنه أحق، فهو مشكل، والجواب: أن هذه الطريقة جرى عليها ابن أبي الربيع وبعض المتأخرين، وإنما قالوا ذلك بالقياس، وأما غيرهم فعلى ما قاله الناظم من إطلاق القول براجحية الحذف، وقد يقال: لا يلزم من كون قاضٍ إذا صار بعد التحويل على قاضًى تقديراً أن يجريَ مجرى ملهًى في جميع وجوهه، وإنما ذكر سيبويه جريانه مجرى تَغْلَبِيٍّ في القلب لا في الحذف، فلنقتصر عليه حتى يقوم دليل على غير ذلك.
والنظر الثاني: أن المنقوص في باب النسب على وجهين:
أحدهما: أن يكون مستعملاً قبله، وهذا هو الباب والأعمُّ كقاضٍ وغازٍ ومستدعٍ، ونحو ذلك، وحكمه ما تقدم.
والثاني: أن يكون مقدراً في باب النسب خاصة لم يستعمل في
غيره، وذلك يتصور في كل اسم كان آخره واواً قبلها ضمة، إلا أنه لم يرفض لبناء الكلمة على تاء التأنيث كقَلَنسُوَةٍ، وقَمَحدُوَةٍ، وقَرْنُوَةٍ لنبْتٍ يُدبغ به، وعَرْقُوَةٍ، ونحو ذلك، فهذا إذا أرادوا النسب إليه فلا بدَّ من حذف التاء كما تقدم، فيصير اسماً آخره واوٌ قبلها ضمة فلا بد أن يرجع إلى القياس من قلب الضمة كسرة والواو ياء فيصير في التقدير قَلَنْسٍ، وقَمَحْدٍ، وقَرْنٍ، وعَرْقٍ، كما قالوا: أدْلٍ، وأجْرٍ، وإذا صار كذلك كان حكمه حكمَ المنقوص في الاستعمال، إن كانت الياء خامسةً، فلا بد من حذفها، فتقول: قَلَنْسِيٌّ، وقَمَحْدِيٌّ، وإن كانت رابعة فالوجهان، فتقول في الأجود: عَرْقِيٌّ، وقَرْنِسٌّ، وفي غيره: عَرْقَوِيٌّ، وقَرْنَوِيٌّ، وقد نص السيرافي على جواز ذلك في: عَرْقَوِيٍّ، وحكاه سماعاً في قَرْنَوِيٍّ، وإذا ثبتَ هذا وأن المنقوص / تقديراً كالمنقوص تحقيقاً، فقد يقال: إن الناظم لم يتعرَّض له، وإنما تكلم في المنقوص المستعمل، وترك غيره لبعد فهمِه من كلامه، إذ لا يسبق الذهب في المنقوص إلا إلى المستعمل،
وقد يقال: إنه قصد ما هو أعمُّ من المستعمل؛ إذ كان المقدَّرُ النقص منقوصاً، وعليه يجري حكمه، والقياس مؤدٍّ إليه، ويطلق عليه لفظ المنقوص؛ لأنه مما آخره ياءٌ قبلها كسرةٌ، أعني: عند النسب إليه، وإذا حملناه على هذا، كان أكثرَ فائدةً وأقربَ إلى مقاصد الناظم في الحصر والاستيفاء للقوانين مع الاختصار، والله أعلم.
ثم قال:
وحَتْمٌ قلبُ ثالثٍ يعِنّ
هذا هو القسم / الثالث من أقسام المنقوص وهو ما كانت الياء فيه ثالثة، فيريد أن الياء إذا وقعت في المنقوص ثالثة، فإن القلب فيها واواً حتمٌ لازمٌ لا يجوز غيره، فلا تحذف فيه الياء كما حذفت فيما تقدم، فتقول في شجٍ وعمٍ ورَدٍ: شَجَوِيٌّ، وعَمَوِيٌّ، ورَدَوِيٌّ، وكذلك ما أشبهه، ووجهه أنه لما كان هذا القسم من باب نَمِرٍ وشَقِرٍ يجب أن تحوَّلَ كسرتُهُ في النسب فتحةً وياؤُهُ الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ما سيأتي، صار من باب المقصور الذي الألف فيه ثالثة، فقد تقدم منه الحذف فيه ووجوب القلب، فكذلك هذا، وتقول عنَّ الشيءُ لي يعنُّ بالكسر، ويَعُنُّ بالضم عنّاً، أي: اعترضَ لي، يقال: لا أفعله ما عنَّ في السماء نجمٌ، أي: ما عرَضَ، ورجلٌ مِعَنٌّ، وامرأةٌ مِعَنَّةٌ من ذلك.
واعلم أن الثلاثي المقصور، نحو: عصًى ورحًى لا يدخل له هنا،
ولا يشمله لفظ ثالث، وإن كانت الألف ثالثة؛ لأن "ثالثاً" في كلامه على حذف الموصوف، فإما أن يقدر الياء حتى كأنه قال: وحتمٌ قلب ياء ثالثٍ، وإما أن يقدر الحرف المعتلُّ كأنه قال: قلبُ معتلّ ثالث، أما الأول فصحيح، ومما يدل عليه ما قبله؛ إذ قال:
والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ مِنْ قلبٍ..................
فهذا حكم الياء الرابع، وقد تقدم حكم الخامس، فلم يبق إلا الثالث فذكره، وأما الثاني فلا دليل عليه، فوجب اطَّراحه، وعلى هذا يبقى له حكم المقصور الذي ألفه ثالث، فانظر من أين يؤخذ له الحكم فيه، وإلا فمسألته ناقصة، / والله أعلم.
ولما حكم على الياء الثالثة بوجوب القلب واواً ثم ما يلزم عن ذلك من فتح ما قبل ذلك المنقلب؛ إذ لا يمكن بقاءُ الواو مع كسر ما قبلها، فقال:
وأولِ ذا القلبِ انفِتَاحاً وفَعِلْ وَفِعِلٌ عينُهما افْتَحْ وَفُعِلْ
ذو القلب هو الياء الذي حكم عليه بالقلب أي: اجعل الفتح والياء للياء المنقلب واواً، وقد تقدم تمثيله، إلا أن في كلامه ما يظهر منه عكس القياس الصناعي، وذلك أنه حكم أولاً بقلب الياء واواً، ثم ذكر أن الحرف المنقلب إلى الواو لا بدَّ من إيلائه الفتح، فحصل من كلامه أن القلب كأنه سابقٌ على الفتح لاحقٌ بالحرف المقلوب، هذا ظاهر ما يفهم من كلامه، وهو مفهوم على غير وضع الصناعة
وغير ممكن فيها،؛ لأن القلب إذا فرض حصوله قبل الفتح لم يمكن استقراره لمكان الكسر قبل الواو، والواو لا تثبت معه، فلا بد من رجوعها إلى أصلها من الياء؛ لأنها المناسبة للكسرة.
فحصل نقض الغرض من القلب واواً، بل وضع الصناعة فيه ما قالوه من أنَّ "شجٍّ وقاضٍ" ونحوهما لما عُلِمَ أن الياء تلحقه أعني: ياء النسب، فتصير ياؤه مكسورة في التقدير، فتتوالى كسرتان، فيلحق بباب نَمِر ونحوه، عمِلوا على إزالة هذا العارض من النقل، فحوَّلوا كسرته الأولى فتحة، فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار في التقدير شجًى كفتًى ورحًى وما أشبه ذلك، ومن شأن النسب إلى مثل هذا أن تقلب الألف فيه واواً لا ياءً، لما يلزم من الثقل باجتماع الياءات والكسر، فكذلك العمل في شجٍ، هذا وجه الصناعة عندهم، وهو سبق تحويل الكسرة فتحة لقلب الياء واواً، وهو الجاري على الأمر المعقول والمتعارف لا ما ظهر من كلامه - وأيضاً - فليس القلب في هذه الياء كما قال، بل انقلبت الياء ألفاً لوجود موجب القلب، ثم انقلبت الألف واواً؛ لأنهم إنما يغيرون ما يغيرون في الاسم قبل لحاق ياء النسب في التقدير، فكل ما أمكن لحاقُهُ من الإعلال قبل لحاقها فلو استعمل كذلك دون ياء، فهو الذي يلحقونه في الاسم المنسوب، ألا ترى إلى ما تقدم من كلامهم في عَرْقُوَة، وقَمَحْدُوَة، ونحوهما، وقد نصوا على أن النسب إلى عَبَايَة، وهِرَاوَة، ونحوهما، / مما يبنى
على التاء: عَبَائيٌّ وهَرَائيٌّ بالهمز لما كانوا يقدرون حذف التاء قبل لحاق ياء النسب، واستعماله على ذلك وتقدير الاستعمال كذلك موجب لقلب الواو والياء همزةً لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة، هذه قاعدة معلومة لسيبويه وغيره في باب النسب، وفي باب جمع التكسير، وغير ذلك، ولا أحد يمنعها فيما أذكره، فكيف يجعل الواو هنا منقلبة عن الياء من غير ذلك التدريج المذكور، فهذا أيضاً عدم اعتبارٍ لقوانين الصناعة ووجوه التعليم.
والجواب عن الأول: أنه لا يتعيَّنُ من كلامه سَبْقِيَّةُ قلب الياء واواً لتحويل الكسرة فتحةً؛ لأنه معطوف عليه بالواو التي لا تقتضي ترتيباً، كما نص هو عليه في باب العطف، وأما قوله: "وأَوْلِ ذا القلب" فلا يقتضي أيضاً حصول القلب إلى الفتحة، إذ لم يمكن أن يسمَّى ذا القلب مع عدم حصوله في الوقت؛ لأنه سيحصل بعد