شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 465-504

كلام الناظم ما بين مراده بالإلغاء، وأنه أراد الإلغاء بالاعتبارين، فلو أتى بلفظ التركيب لفاته التحرز من الإلغاء الحقيقي، لكنه أتى بما يحصل به الوجهان، إذا التركيب كما قال: إلغاء معنوي، وعلى هذا السبيل جرى في "التسهيل" فلم يذكر في هذا الشرط الإلغاء وحده، وفسره بالحقيقي والحكمي كما مر.
والثاني: أن كلامه يقتضى إذا توفر الشرطان أن تكون بمعنى الذي ونحوها أي: موصولة بلابد، وليس كذلك، بل قد تكون كذلك وقد يكون اسم الإشارة يفيد معناها ولا يحتاج إلى صلة كما تقول: ما هذا الرجل؟ وما هذا الثوب؟ وهذا مما لا يمنعه ابن مالك ولا غيره، فإذا كان حقه أن يحترز من ذلك كما فعل في "التسهيل" إذا قال: و "ذا" غير ملغي ولا مشار به إلى آخره، لكن لم يفعل ذلك، فكان اشتراطه قاصرا لنقص شرط ثالث وهو: ألا تكون "ذا" مشارا بها.
والجواب: أنه ليس في كلامه ما يدل على أن الموصولة تختص بالموضع الذي يجتمع فيه الشرطان حتى لا تقع هناك المشار بها البتة، وإنما فيه أنها لا تكون موصولة إلا مع اجتماعهما وهو صحيح، إذ لا تقع موصولة إذا كذلك.
فقوله: (ومثل ما "ذا" بعد ما استفهام) إلى آخره" معناه أنها تكون مثل "ما" عند اجتماع الشرطين والاختصاص بذلك الموضع غير مشار/ إليه في كلامه فلا اعتراض عليه.

واعلم أن الناظم أثبت كون "ذا" مثل، "ما" إذا أتت بعد "من" أو "ما"، أما إذا أتت بعد "ما" فمتفق على ذلك فيها، وأما إذا أتت بعد "من" فغير متفق عليه، لكن ظاهر كلام سيبويه أنها كذلك أيضا، قال في "باب ما ينتصب لأنه حال صار فيه المسئول والمسئول عنه: "وأما قولهم: من ذا خير منك، فهو على قوله: من ذا هو خير منك، لأنك لم ترد أن تشير أو تومئ إلى إنسان قد استبان لك فضله على المسئول فيعلمه، ولكنك أردت من ذا الذي هو أفضل منك.
قال: فإن أو مأت إلى إنسان قد استبان لك فضله عليه فأردت أن يعلمك نصبت كما قلت: من ذا قائما.
قال ابن خروف: قدر "ذا" في هذه المسألة بالذي لما لم يكن في المسألة مشار إليه فقدرها به لبيان المعنى، فعل في قوله: من ذا قائما بالباب، يعني أنه قدرها بمن الذي هو قائم بالباب.
قال: ولم يذكر أن "ذا" تكون بمعنى الذي إلا مع "ما" في ماذا قط.
قال: ولا يمكن أن تكون هنا إلا بمنزلة الذي، كما كانت مع "ما" في "ما" و "ذا" ولا يمكن غيره، ثم حكي عن شيخه أبي بكر أنه كان يذهب إلى أنها إشارة إلى جنس حاضر غير معين

قال: ثم رجع عنه، وحكى ابن الضائع عن الشلوبين أنه كان يتأول كلام سيبويه على الإشارة، وأن "ذا" لا تكون بمعنى الذي إلا مع "ما" ويجعل تقديره في الرفع كتقديره في النصب.
قال: ويقويه حذف الضمير من الصلة.
قال ابن الضائع: وقد سمعته بعد يأخذ على ظاهره أن "ذا" بمعنى الذي تحقيقا، هذا ما في المسألة من الخلاف، وقد اعتمده ابن الضائع خلافا، وفي التحقيق ليس بخلاف لرجوع المخالف عن مخالفته، ولذلك- والله أعلم- لم يشر في "التسهيل" إلى شيء من ذلك، فإن اعتمده أحمد خلافا فالناظم مع سيبويه والجمهور، وهو الصحيح إن شاء الله، و (في الكلام) من قوله: (إذا لم تلغ في الكلام) متعلق بـ (تلغ) أبو باسم فاعل محذوف ينتصب حالا من ضمير (تلغ) أي: إذا لم تلغ حالة كونها موجودة في الكلام.
ويقال: ألغيت الشيء إذا أسقطته وأبطلت اعتباره، وهنا تم له ما أراد من المسألة الأولى من مسائل هذا الباب، إذا لم يبق له من الموصولات ما لم يذكره إلا أيا فإنه آخرها لما تعلق بها مع بعض الأحكام الخاصة.


ثم أخذ في بيان المسألة الثانية فقال: وكلها تلزم بعده صله... على ضمير لائق مشتمله هذه المسألة يذكر فيها ما يلزم هذه الموصولات التي فرغ من ذكرها من الصلات والعوائد وما يتعلق بذلك، وقدم أولا أن هذه الموصلات لابد لها من صلات، ولذلك سميت موصلات، وسبب وصلها أنها لا يتبين معناها بنفسه، فإذا قلت: جاءني الذي واقتصرت لم يفهم من الذي شيء.

فإذا قلت: الذي قام، أو الذي عندك تبين بتلك الصلة معنى الذي فساوى بها معنى زيد، إذا قلت: جاءني زيد، أو عمرو في قولك: جاءني عمرو فصارت إذا الصلة من الموصول بمنزلة جزء الاسم من الاسم، فلهذا السبب لزمت، ولأجله حتم الناظم بذلك فيها حيث قال: (وكلها تلزم بعده صله) وذلك صحيح إلا أن الصلة قد تحذف لفظا اختصارا لدلالة ما قبلها أو بعدها عليها، أو/ لأن المراد توكيد الموصول كقول العجاج: بعد اللتيا واللتيا والتي... إذا علتها أنفس تردت وأنشد الفارسي وغيره: من اللواتي والتي واللاتي... يزعمن أني كبرت لداتي وأنشد أيضا: فإن أدع اللواتي من أناس.... أضاعوهن لا أدع اللذينا

وقد يأتي الموصول دون صلة: وكفيت جانبها اللتيا والتي ومثل هذا مما لا يعتد به مع أنه عندهم مؤول، لأن اللتيا والتي عبارة عن الداهية، وحذفت الصلة لعلم السامع أنه يريد التي عظمت وجلت وما أشبه ذلك فالصلة إذا لازمة على كل حال لا يخرج عن حكم اللزوم شيء من الموصولات وذلك قال: (وكلها) فأكد بكل المقتضية للعموم، ثم إنه صرح بأن صلة الموصول لابد أن تشتمل على وصفين: أحدهما: أن تقع بعد الموصول فإنه قال: (تلزم بعده) والضمير عائم على كل ومدلوله الموصول، فلما عين لها موضعا كان ذلك تصريحا أو كالتصريح بمنع تقدمها، ويلزم من ذلك أيضا منع تقدم بعضها، إذا لو تقدم بعضها لم يصدق عليها أنها وقعت بعد الموصول على الإطلاق، فإذا لا يجوز أن تقول: جاءني ضربته الذي، ولا جاءني إياه الذي ضربت، ولا جاءني عندك من قعد ولا ما أشبه ذلك، ومن هنا قوى عند الجمهور موصولية الألف واللام حيث لم يجز: أعجبني زيد الضارب، ولا كلمت عنك المعرض، وما جاء بخلاف ذلك في الظاهر فمحمول على محذوف كقوله تعالى: {وكانوا فيه

من الزاهدين} فـ "فيه" لا يتعلق بـ "الزاهدين"، ولكن بمحذوف دل عليه والتقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، أي: من جملة الزاهدين، ومثله قوله تعالى: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ وكذلك قال: ﴿إني لعملكم من القالين﴾، ومثل ذلك قول بعض السعديين: تقول وصكت صدرها بيمينها... أبعلى هذا بالرحا المتقاعس ووجه ذلك أن الصلة من كما الموصول وبمنزلة جزء منه، فكما لا يتقدم الدال من زيد مثلا على الباقي كذلك لا يتقدم ما هو بمنزلته، ومعمول الصلة جزء من الصلة، لأن المعمول تابع للعامل في الأصل تبعية الجزء، ولذلك لا يتقدم المعمول عند جماعة إلا حيث يصح تقدم العامل، ألا ترى أن الفارسي

استدل على جواز خبر "ليس" عليها بتقدم معمول خبرها عليها في قوله تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾ وكذلك لا يفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، كما لا يفصل بين أجزاء الكلمة وهذا كله ظاهر.
والوصف الثاني: أن تكون الصلة مشتملة على ضمير عائد على الموصول، ليربط الصلة بالموصول، وذلك قوله: (على ضمير لائق مشتمله) و (على) متعلق بـ (مشتملة) صفة لصلة، أي صلة مشتملة على ضمير لائق، وقد حصل أن الصلة إذا لم يكن فيها ضمير عائد على الموصول لا يصح أن تقع صلة له فلا تقول: أعجبني الذي قام زيد، ولا جاءني الذي خرجت إلا أن يكون نم إليه أو ما أشبه ذلك مما يعود منه إليه ضمير، ولأجل هذا منع الفارسي في "التذكرة" أن تقع "نعم" و "بئس" صلة فلا تقول: الذي نعم الرجل أو بئس الغلام لعدم الراجل إلى الموصول قال: فإن أظهرته فقلت: مررت بالذي هو نعم الرجل جاز، وكذلك إن حذفته وأنت تريده، وقد منه أيضا بعض النحويين من الوصل بجملتي القسم، والجواب والشرط والجزاء إذا خلت إحدى الجملتين من ضمير عائد على الموصول، فالقسم والجواب عند هؤلاء لا يقع صلة أصلا، لخلو جملة القسم من

ضمير لزوماً، وكذلك إذا قلت أعجبني الذي إن قامت هند أكرمته لا يجوز، حتى تقول: الذي إن قامت هند من اجله أكرمته، وهذا وإن كان غير مرض ففيه ما يقوى دعوى لزوم الضمير العائد، وكذلك مسألة الفارسي مختلف فيها أيضا، كما سيأتي بعيد هذا بحول الله.
(ولائق) معناه: مناسب، أي مناسب للموصول، وأصل لاق أن يكون بمعنى لصق ولاق به الثوب، أي: لصق به، وهذا الأمر لا يليق بك، أي: لا يلصق بك، يعني في المناسبة بينك وبينه، فيريد بقول: (لائق) أن يكون مناسبا أن يعود على الموصول، فإن كان الموصول مفردا مذكرا عاد عليه ضمير المفرد المذكر وإن كان مثنى عاد عليه ضمير الاثنين أو مجموعا عاد عليه ضمير الجمع، وكذلك المؤنث في هذه الأحوال فتقول: أعجبني الذي أكرمته والتي أكرمتها، واللذان أكرمتهما والذين أكرمتهم، واللاتي أكرمتهن وما أشبه ذلك، وكذلك "من" و "ما" إذا قلت: جاءني من أكرمته، وأعجبني ما صنعته، فإذا كان المراد بهما المثنى أو المجموع أو المؤنث فإنه يليق بهما اعتبار اللفظ فيعاملان معاملة المفرد المذكر كما مثل، ويليق بهما اعتبار المعنى فيعاملان تلك المعاملة فتقول: جاءني من أكرمتهما، وفي التنزيل الكريم، ﴿ومنهم من يستمع﴾.
وفي موضع آخر: ﴿من يستمعون إلي﴾، وكذلك تقول: أعجبني ما صنعته وما صنعتما وما صنعتن، وعلى هذا السبيل يجرى الحكم فيما أشبههما وجميع هذا منتظم تحت قوله:

(على ضمير لائق مشتملة) وهو حسن من التعبير.


ثم شرع في تعيين الصلة لكل موصول فقال: وجملة أو شبهها الذي وصل... به كمن عندي الذي ابنه كفل وصفة صريحة صلة "ال"... وكونها بمعرب الأفعال قل الذي وصل به مبتدأ خبره جملة، و (به) هو المقام لـ (وصل) مقام الفاعل، لأنه حذف المفعول للعلم به وهو الموصول، وقد يكون المقام هو المفعول ولم يحذف، بل هو مستتر عائد على كل و (الذي) واقع في الوجهين على الصلة و (به) عائد على الذين، ويريد أن صلة الموصول على الإطلاق إنما تكون جملة أو ملابسة الجملة.
فأما الجملة: فهي الكلام التام سواء أكانت اسمية أم فعلية، فالاسمية نحو: زيد قائم، والفعلية نحو: قام زيد، فمثال ما وصل بالجملة الاسمية أعجبني الذي أبوه قائم ومثال ما وصل بالفعلية: أعجبني الذي أبوه قائم ومثال ما وصل بالفعلية: أعجبني الذي قام أبوه، وكذلك الحكم في سائر الموصولات ما عدا "أل" حسب ما يأتي، وإطلاقه الجملة ينتظم له ما كان من الجمل منحلا إلى مفردين وهو الذي مثل به وما كان منها منحلا إلى جملتين جملة الشرط والجزاء وجملة/ القسم والجواب، فهذا مما يوصل به على مقتضى إطلاقه، وأولى أن يوصل بما ينحل إلى مفرد وجملة، لأنه في حكم ما ينحل إلى مفردين.
وقد زعم بعضهم أن جملة القسم والجواب لا يوصل بهما ألبته

بناء على أن إحدى الجملتين خالية من الراجع إلى الموصول، وهي جملة القسم، وأن جملة الشرط والجزاء لابد في كلام جزأيهما من ضمير وإلا لم يجز، فعند من قال بهذا لا تقول: أعجبني الذي (والله إنه لفاضل، ولا أعجبني الذي إن أكرمت) زيدا أكرمته حتى تقول: أعجبني الذي إن أكرمته أكرمت زيدا من أجله أو أعجبني الذي إن أكرمني أكرمته وما أشبه ذلك.
قال ابن الضائع: وهذا خطأ لأن هاتين الجملتين صارتا جملة واحدة.
والدليل على ذلك أن إحداهما غير مستقلة مع الارتباط، بل لابد من ذكرهما معا قال: ثم لا يمنع جاءني الذي لأضربنه من عنده مسكة من اللغة.
قال: ثم إن هذا ليس للغة فيه مجال، بل هو معنى لا يصح أن يخالف فيه أحد من العقلاء لأن الفطرة السليمة تقبل مثل هذا الإخبار وهو أن تقول: زيد والله لأضربنه وكذلك بالله لأضربنه، وكذل زيد إن يكرمني يحسن حالي.
وقال امرؤ القيس: وأنت إذا استدبرت سد فرجه.... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل قال: ومثله في الكلام كثير، ومعنى صحيح في كل لغة.
قال: ثم أي فرق بين الوصل والخبر؟ فكما يجوز الخبر بجملة الشرط والجواب كذلك جوز الوصل ولا فرق بينهما في ذلك أصلا، ولهذا إذا ارتبطت الجملتان بالفاء جاز

أيضًا أن يكون الضمير في إحداهما وتكون الأخرى خالية عنه وإن كانت الخالية هي الأولى لارتباطهما بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة، وعلى هذا كان الشلوبين يجيز في قول زهير: إن الخليط أجد البين فانفرقا رفع البين على أن يكون فاعلا بـ "أجد"، ويكون الضمير العائد على اسم "إن" في قوله: "انفرق" وجاز لارتباطهما بالفاء وعلى هذا التقدير قد تدخل للناظم الجملتان المرتبطان بالفاء لأنهما في حكم الجملة الواحدة فتقول: الذي يطير الذباب فيغضب زيد، والذي تطلع الشمس فأكرمه عمرو وما أشبه ذلك وأما شبه الجملة الذي أشار إليه فهو ضربان: أحدهما: الظرف وما في معناه وهو المجرور نحو: جاءني الذي عندك وأعجبني من في الدار، وأحببت ما لديك وما أشبه ذلك، وهذا الضرب لا يختص به واحد من الموصولات دون غيره، كما لا يختص بالجملة شيء منها دون البواقي.
فإن قلت: جعله الظرف والمجرور شبه الجملة مشكل، بل هما من قبيل الجمل، ألا ترى أنهما يقدران بالجملة لا بالمفرد، فتقدير ذلك الذي استقر عندك، ومن استقر في الدار أو نحو ذلك ولا تقدره بالمفرد فتقول: الذي مستقر في الدار أو عندك، لما سيذكر في باب الابتداء إن شاء الله.

قيل: إن تقديرهما بالجملة لا يخرجهما عن كونهما من قبيل ما ليس بجملة في التحصيل لأنه تقدير لا ينطق به وهم مما يهملون اعتباره في اللفظ بحيث لا يكون الظرف والمجرور عندهم في حكم ذلك التقدير حسب ما يذكر./ بعد إن شاء الله، فلهما منزلة بين منزلتي المفرد المحض والجملة المحضة، فلذلك أخرجهما عن الجملة بقوله: (أو شبهها)، وأتى للجملة ولهذا الضرب الشبيه بها بمثالين في كلام واحد وهو قوله: (كمن عندي الذي ابنه كفل) فقوله: (من عندي) تمثيل شبه الجملة وهو الظرف وفي معناه المجرور.
وقوله: (الذي ابنه كفل) تمثيل الجملة، ومن عندي مبتدأ خبره الذي ابنه كفل، أو يكون "من" خبرا والمبتدأ هو الذي، فقدم وأخر، والعائد من الظرف على الموصول مقدر في الظرف وتقديره اللفظي: من استقر هو عندي، والعائد من الجملة الهاء في ابنه.
فإن قلت: فأين العائد من الخبر على المبتدأ في مثال الناظم؟ قيل: ضمير ابنه، فإن قلت: إنما الهاء في ابنه عائدة على الذي؟ قيل: وإن كان كذلك فهو يكفى في الربط، لأنه أيضا راجع إلى المبتدأ من جهة المعنى، فالربط حاصل بين المبتدأ والخبر كما كان رابطا في قولك: زيد القائم، فضمير القائم عائد على "أل" وهو عائد أيضا على زيد، ثم إن في كل واحد من المثالين إشارة إلى شرط معتبر فيما مثل به.
فأما المثال الأول بالظرف فقد تضمن اشتراط التمام في الظرف والمجرور، ومعنى كونه تاما أن يستقل في الإخبار عن المعنى المراد بالموصول، كما كان ذلك في قوله: (من عندي) فإن عند تستعمل في الإخبار عن الموصول، كما تقول: زيد عندي.

فإن قلت: جاءني الذي اليوم أو الذي في اليوم لم يجز، كما لا يجوز زيد اليوم ولا زيد في اليوم، ولو قلت: أعجبني الخروج الذي في اليوم لجاز لأنك تقول: الخروج في اليوم، ومثل ذلك المجرور لابد أن يكون تاما نحو: جاءني الذي في الدار والمال الذي لك.
ولو قلت: جاءني الذي عنك أو الذي فيك لم يجز، كما لا يجوز زيد فيك ولا زيد عنك، وأما المثال الثاني: فأشار به إلى شرطين لازمين: أحدهما: كون الجملة خبرية تحتمل الصدق والكذب وذلك قوله: (ابنه كفل) فكأنه قال: وجملة أو شبهها الذي وصل به إذا كانت على هذه الصفة.
فأما إن كانت غير خبرية فلا يجوز أن يوصل بها فلا تقول: جاءني الذي أضربه ولا أكرمت الذي هل رأيته؟ ولا جاءني الذي لعلى مثله، وما جاء من قول الشاعر: وإني لرام نظرة قبل التي... لعلى وإن شطت نواها أزورها فشاذ، وعلى هذا لا يقع فعل التعجب صلة ولا نعم وبئس ولا عسى ولا حبذا ولا كم الخبرية ولا رب ولا ما أشبه ذلك من الإنشاءات التي لا تحتمل الصدق والكذب فلا تقول: أعجبني الذي ما أحسنه أو أحسن به، ولا أتاني

الذي نعم الرجل أو بئس الغلام ولا أتيت الذي عساه أن يكرمني، ولا جاءني الذي كم درهم أعطيته، ولا غير ذلك، وهذا بخلاف جملة القسم والجواب؛ فإن جملة القسم وإن كانت إنشائية هي بمنزلة "إن" في التأكيد للجملة الخبرية بعدها وأيضا فجملة القسم والجواب بمنزلة الشرط والجزاء، بهذا المعنى رد الفارسي في "التذكرة" على من منع من القدماء الوصل بها مع ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾.
قال: وشبيه بهذا ما أشار إليه أبو عثمان في كتاب "الإخبار" من قوله/ تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ الآية.
وقد تقدم لابن الضائع في المسألة خلاف قرره على نحو آخره، والحاصل أن جمل الإنشاء لا يوصل بها مطلقا عند الجمهور، وأجاز ذلك ابن خروف في "شرح الجمل في التعجب ونعم وبئس قال: والعائد على الموصول ماتضمنه الرجل من حيث جاز: زيد نعم الرجل، وقال في التعجب: لا ينبغي أن يمتنع كما لا يمتنع مررت بالذي هو أحسن الناس وبالذي هو حسن جدا، وهذا منه اعتبار لمعنى الجملة ومحصولها وإهمال لوضعها المقصود نحو ما قال

الفارسي في "التذكرة" في النداء: إنه بمنزلة الخبر بدليل أن من قال لرجل: يا زان، وجب عليه الحد، والأصح مذهب الجمهور وهو الذي أشار إليه الناظم.
والثاني من الشرطين أن لا تكون الجملة متعلقة بما قبلها ولا مرتبة على كلام آخر نحو ما مثل به.
فإن كان لها تعلق بغيرها لم يوصل بها، كالجملة المصدرة بلكن أو بإذا أو بحتى، نص على "لكن" ابن السراج والفارسي، وعلى "إذا" و "حتى" ابن بابشاذ، والعلة في منع ذلك أن هذه الحروف متعلقة بما قبلها فجعلها صلات قطع لها عن ذلك وإخراج لها عن وضعها، وهذا ظاهر جدا وقلما ينبه المتأخرون على هذا الشرط (وهو ضروري).
وقد بقى شرط ثالث ليس في كلام الناظم ما يدل عليه وهو أن تكون الجملة معلومة عند السامع، وقد أشار إلى ذلك الجزولي في قوله: ولا تفيد المقصود إلا والصلة معلومة للسامع، فإذا لم تكن معلومة له لم يفد الموصول معناه، فكان كما لو يوصل وذلك نقض لغرض الوصل، فمثال النلظم لا يفيد هذا الشرط لاحتمال أن يكون قوله: (ابنه كفل) غير معلوم للسامع،

فكان معترضاً وكان هذا الشرط هو المقصود الأعظم لأن المقصود بالصلة بيان الموصول وإيضاح معناه، وذلك لا يحصل مع كون الصلة مجهولة، ولكون الصلة مبينة اشترطوا أن لا تكون إنشائية، لأن الإنشائية لا بيان فيها، وبذلك علل الفارسي في "التذكرة" امتناع الوصل بالتعجب ووافقه غيره فيه، وأجراه في سائر الجمل الإنشائية، ولم أجد الآن له عذرا في تركه التنبيه عليه إلا أن يقال: إن هذا الشرط مستفاد من اشتراط الإفادة في الكلام، فإن الفائدة لا تحصل إلا مع كون الصلة معلومة، ولو فرضناها مجهولة عند السامع لم يفده الكلام شيئا، كما أنه قد تكون معلومة أيضا ولا تحصل فائدة، كما إذا قلت: جاءني الرجل الذي أبوه إنسان ونحو ذلك، فكان هذا الشرط لما كان حاصلا من شرط الإفادة في الكلام على وجه لا يدخل عليه فيه اعتراض ترك ذكره إحالة على ما هنالك، وهذا حسن من التنبيه والله أعلم.
وأما الضرب الثاني من شبه الجملة فهو الصفة الصريحة وهي التي خصها بالألف واللام حين قال: (وصفة صريحة صلة أل) يعني أن الألف واللام اختصت من بين سائر الموصولات بأنها إنما توصل بالصفة الصريحة.
لا بجملة ولا ظرف ولا مجرور فتقول: جاءني القارئ والكاتب/ والمنطلق والحسن، وما أشبه ذلك ولا تقول: جاءني اليضرب ولا اليستكبر إلا في القليل، ولا جاءني الأبوه قائم إلا شاذًا

نحو ما أنشدوه من قوله.
من القوم الرسول الله منهم... لهم دانت رقاب بني معد ولا تقول: جاءني العندك، ولا الفي الدار إلا شاذا نحو ما أنشده المؤلف من قوله: من لا يزال شاكرا على المعه... فهو حر بعيشة ذات سعه وإنما كانت الصفة شبه الجملة، لأنها في معناها فـ "قائم" من قولك: زيد قائم في معنى قام أو يقوم، ولذلك عملت عمل الفعل وعطف الفعل عليها في نحو: ﴿إن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله﴾، وقال تعالى: ﴿أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ وأراد بالصريحة ما كان من اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة باسم الفاعل، وهي الصفة الخالصة الوصفية وتحرز بذلك مما ليس بخالصها، إنما لأن الوصفية له ليست بحق الأصل، وإما لأنه خرج عن أصله من الوصفية، ويجمع الضربان أربعة أنواع: أحدها: ما استعمل من الصفات الأسماء كأخ وصاحب وأبطح وأبرق وأجرع وما أشبه ذلك، فإن هذه الأشياء ليست الآن بصفات، وإنما صيرها الاستعمال إلى حيز الأسماء غير الصفات، فلا تصلح لذلك أن تدخل

عليها الألف واللام الموصولة، وإنما تصلح لدخول التي للتعريف كالرجل والفرس.
والثاني: ما استعمل من الأسماء استعمال الصفات كالأسد والبحر ونحو ذلك إذا قلت: مررت بالرجل الأسد شدة والبحر جودا والبدر حسنا، فإن هذه ليست من الصفات الصريحة، بل هي مؤولة بالصفات، فالأسد في تأويل الشجاع، والبحر في تأويل الجواد، والبدر في تأويل الحسن، ومثل هذا الوصف بالمصدر كعدل ورضا وصوم، وباسم الإشارة نحو: هذا وهؤلاء وشبه ذلك، فلا تدخل على مثل هذا الألف واللام الموصولة، فإنها لم تدخل في الحقيقة إلا على اسم جامد لا على صفة، إذ الوصفية لمثل هذا بالعرض كما صارت الوصفية في النوع الأول متناساة غير مقصودة، إذا قلت: الصاحب والأخ والأبرق والأجرع، فالألف واللام هنا حرف تعريف.
والثالث: الجملة اسمية كانت أو فعلية، لأنها قد تكون صفة جارية على النكرة وتكون في موضع نصب على الحال من المعرفة نحو: مررت برجل قام أبوه أو برجل أبوه قائم، ومثال وقوعها حالا: مررت بزيد يقوم، ومررت بزيد وجهه حسن، ومع ذلك لا تكون صلة للألف واللام إذا شاذا كما تقدم، أو قليلا كما سيأتي.
والرابع: الظرف والمجرور فإنهما يقعان كالجملة صفتين للنكرة وحالين من المعرفة نحو: مررت برجل عندك أو في الدار، ومررت بزيد عندك أو في الدار، ولكن لا يقعان صلة للألف واللام إلا شذوذا وقد مر.
وهنا نوع خامس يشكل عليه كلام الناظم وهو ما كان من الأعلام منقولاً

من الصفة كحارث/ وعباس وحسن فإنه تدخله الألف واللام التي للمح الصفة، وهذه الألف واللام إما أن تكون هي الموصولة الداخلة على الصفة الصريحة أو غيرها فلا يجوز أن تكون غيرها، إذ لا يتلمح بها الأصل من الصفة، لأنها ليست الداخلة على الصفة، فيكف تشعر بما لا تدخل عليه؟ وإن كانت إياها- ولابد من ذلك- فقد وصلت الألف واللام بغير صفة صريحة قياسا، إلا أن المسالة على مذهب الخليل وسيبويه قريبة المأخذ لأن الألف واللام عندهما هي التي كانت تدخل على الصفة قبل العلمية، وإنما دخلت الآن على تقدير ألا علمية، وذلك قول الخليل: إن الذين قالوا: الحارث والحسن والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا الرجل هو الشيء بعينه، ولم يجعلوه سمى به، ولكنهم جعلوه كأنه وصف غلب عليه.
هذا ما قال ولا إشكال فيه؛ لأنه يقول: إنهم رجعوا به إلى أصله، وإذا كان كذلك وكان أصله الصفة، فالألف واللام فيه إذا موصولة وإن كان أمرا تقديريا، وعلى هذا يدل اصطلاحهم فيها أنها للمح الصفة، وأما على مذهب الناظم فإن السؤال فيها وارد عليه، لأن الألف واللام عنده في الحارث ونحوه للمح الصفة هي الأصلية لا غيرها، وإذا كانت إياها فقد وصلت بصفة غير صريحة فصار ذلك نقضا لقوله: (وصفة صريحة صلة أل) فإن قيل: إنما وصلت بصفة صريحة على اعتبار الأصل كما بينه الخليل.
فالجواب: أنا إذا سلمنا أن مذهبه فيها مذهب الخليل فحارث

وعباس ونحوهما ليست بصفات صريحة لخروجها بالعلمية عن أصلها فصارت مثل أخ وصاحب وأبرق ونحوها، وتقدير أصلها من الصفة لا يدخلها في باب الصفة الصريحة وإلا لزم في صاحب ونحوه اعتبار الأصل فيقع صلة للألف واللام وذلك فاسد.
فإن قلت: إن باب صاحب ونحوه لم تعتبر العرب أصله واعتبرته في حارث ونحوه "قيل": بلى قد اعتبرته وهي مما تعتبر الأصل في البابين، ألا تراهم قد منعوا صرف أبرق وأجرع ونحوهما مطلقا اعتبارا بأصلها من الصفة، ومنعت صرف أحمر المنكر بعد التسمية، فالبابان سواء في هذا الحكم على الجملة.
والحاصل أن الأشكال لازم على كلام الناظم إلا أن يدعى أن الألف واللام التي للمح الصفة ليست هي الموصولة وهذا لا يثبت له، فلو لم يقيد الصفة بالصريحة هنا ولا بالمحضة في "التسهيل" لكان أسلم من الاعتراض كما فعل غيره، لأن الصفة إنما تطلع حقيقة على اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة، وما سوى ذلك من الجملة والظرف والمجرور والجامد الذي في معنى الصفة، والصفة المنقولة إلى الأسماء ليس بصفة (-في الحقيقة-) حسب ما هو مبين في موضعه، وكذلك أجرع وأبرق وحارث وعباس/ ليست بصفات أيضا، وإن لحظ فيها الأصل في أمر ما، فذلك أمر حكمي في بعض المواضع لا يطرد، ألا ترى أنها لا تجري صفات على موصوف، ولا تعمل عمل الصفات، ولا يضمر فيها، فلا اعتبار بذلك اللحظ إلا في

مثل ما اعتبرته العرب فيه، ولما أدخلت العرب الألف واللام في العلم الذي أصله الصفة على خلاف معتادها في الأعلام علمنا أنها قدرت الرجوع إلى الأصل فهي إذا ذاك صفات حقيقية بحسب القصد وقعت صلات للألف واللام وهذا التقرير واضح في نفسه مع ورود السؤال على ابن مالك هنا وفي "التسهيل" و "الفوائد المحوية"، ولما بقى مفهوم كلامه وصل الألف واللام بالصفات غير الصريحة استثنى من ذلك الجملة الفعلية المصدرة بالفعل المضارع.
فقال: (وكونها بمعرب الأفعال قل) الضمير في "كونها" يحتمل أن يعود على "أل" و "بمعرب" متعلق بمحذوف هو خبر "كان" المأخوذ من الكون وحذف لدلالة الكلام عليه وتقديره: وكون "أل" موصولة بمعرب الأفعال، أو تكون الباء ظرفية وهي متعلقة بالفعل العام أي: وكون "أل" مستقرة في (معرب الأفعال قل) ويلزم من كون "أل" في معرب الأفعال أن يكون ذلك الفعل قلتها ويحتمل أن تعود الهاء على الصلة والكون تام به تتعلق الباء كأنه قال: ووجود الصلة بمعرب الأفعال قل، وعلى كل تقدير فـ "كونها" مبتدأ خبره "قل" ومعرب الأفعال هو الفعل المضارع، ويعني أن الألف واللام قد توصل بالفعل المضارع لكن قليل، وإشارته إلى ما جاء في الشعر من ذلك نحو ما أنشده من قوله: ما أنت بالحكم الترضي حكومته... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

وقال ذو الخرق الطهوي: يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا... إلى ربه صوت الحمار اليجدع وأنشد المؤلف في الشرح: وليس اليرى للخل مثل الذي يرى... له الخل أهلا أن يعد خليلا وأنشد أيضا غير هذا مما لم أقيده وهذا عند غير الناظم من الشاذ المحفوظ كشذوذ: من القوم الرسول الله منهم وظاهر إطلاق الناظم يقتضى جواز وصلها بالمضارع اختيارا لكن على قلة لأنه قال: (وكونهما بمعرب الأفعال قل) ولم يقل شذ ولا ندر، ولا ما كان يعطى معنى عدم القياس كما قال: (وليتني ندرا) (وليسى قد نظم) (ولاضطرار كبنات الأوبر) وعادته قد استقر على أن يأتى بلفظ القلة حيث يكون ذلك القليل جائزا في الكلام وغيره أحسن منه

كقوله: وخففت إن فقل العمل تنبيها على قراءة: ﴿وإن كلام لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾، وكقوله في تخفيف "أن" المفتوحة (وقليل ذكر لو) ونبه بذلك على نحو قوله تعالى: ﴿فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب﴾ الآية.
وقال في فصل "لات": (وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل) وأشار إلى قراءة من قرأ: / ﴿ولات حين مناص﴾ بالرفع قال سيويه وهي قليلة يريد مع جوازها في الكلام، وفي باب المفعول له قوله: (وقل أن يصحبها المجرد) وقال في النعت: وما من المنعوت والنعت عقل... يجوز حذفه وفي النعت يقل وفي باب النداء في مسألة حذف حرف النداء: (وذاك في

اسم الجنس والمشار له قل) وفي إبدال التاء هاء في الوقف (وقل ذا في جمع تصحيح).
وجميع هذه المواضع مما وقع في الكلام وجاز القياس فيه لكن على ضعف، فهذا الموضع يقتضى أن الوصل بالمضارع جاء في الكلام ويجوز القياس فيه قليلا في الكلام، وقد صرح بهذا المعنى في "شرح التسهيل"، فقال: وعندي أن أمثل هذا غير مخصوص لا بالضرورة لتمكن قائل الأول أن يقول: ما أنت بالحكم المرضى حكومته ولتمكن قائل الثاني من أن يقول: إلى ربنا صوت حمار يجدع ولتمكن الثالث من أن يقول: ما من يروح ويغدو.... ولتمكن الرابع أن يقول: وما من يرى.... وقال: وإذا لم يفعلوا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار.
وقال: وأيضا فمقتضى النظر وصل الألف واللام بما توصل به أخواتها من الجمل الاسمية والفعلية، إذا هي من الموصولات الاسمية

فمنعوها ذلك حملا على المعرفة، لأنها مثلها في اللفظ، وجعلوا صلتها ما هو جملة في المعنى ومفرد في اللفظ صالح لدخول المعرفة عليه، وهو اسم الفاعل وشبهه من الصفات، قال ثم كان في التزامهم ذلك إيهام أن الألف واللام معرفة لا اسم موصول فقصدوا التنصيص على مغايرة المعرفة، فأدخلوها على الفعل المشابه لاسم الفاعل وهو المضارع.
قال: فلما كان حاملهم على هذا وفيه إبداء ما يجب إبداؤه وكشف مالا يصلح إخفاؤه استحق أن يجعل مما يحكم فيه بالاختيار ولا يخص بالاضطرار ولذلك لم يقل في أشعارهم كما قل الوصل بجملة من مبتدأ وخبر وبظرف.
هذا ما احتج به ابن مالك في مسألته وقد بنى الاحتجاج فيها على ثلاثة أشياء: أحدها: أن الضرورة الشعرية إنما تعد ضرورة إذا لم يمكن تحويل العبارة إلى ما ليس بضرورة، فإن أمكن ذلك عدت من قبيل ما جاء في الكلام.
والثاني: القياس على سائر الموصولات.
والثالث: قصد التفرقة بين الألف واللام المعرفة والموصولة ورفع اللبس.
فأما الثاني والثالث- وإن كانا ضعيفين- فلا حاجة بنا إلى الكلام معه فيهما إذا ليس المقصود في هذا الشرح إلا توجيه ما ذهب إليه من غير اعتراض عليه؟ ما عدا الأشياء التي يخالف فيها جميع النحويين أو يكون خطؤه فيها واضحا جدا ولاسيما إن كانت عنده أصلا يطرد في أبواب كثيرة.
والوجه الأول من هذه الأوجه قد جمع فيه بين الأمرين، فخالف أولا جميع

النحاة، وأتى بأمر مبتدع لا سلف له فيه ولا دليل يعضده، بل مؤد إلى انخرام نظام الكلام، وقواعد العربية، مع أنه أجراها في أبواب.
فقال في وصل الألف واللام بالمضارع: ما سمعت، ولا أنشد في باب "كان" على حذف نونها قول الشاعر: لم يك الحق سوى أن هاجه وقوله: فإن لم تك المرأة أبدت وسامة وقول الآخر: / إذا لم تك الحاجات من همة الفتى قال: ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول: لم يكن حق سوى أن هاجه

وفي الثاني: فإن تكن المرآة أخفت وسامة وفي الثالث: إذا لم يكن من همة المرء ما نوى وقال في قوله: فيالغلامان اللذان فرا أنا لا أراه ضرورة لتمكن قائله من أن يقول: فيا غلامان اللذان فرا لأن النكرة المعينة بالنداء توصف بذي الألف واللام، وله من هذا النحو مواضع، وما ذهب إليه باطل من أوجه: أحدها: إجماع النحويين على عدم اعتبار هذا المنزع وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبرا لنبهوا عليه وأشاروا إليه ولم يفعلوا ذلك فدل على أن ما خالفه باطل (لا يقال: إن إجماع النحويين ليس بحجة كما قاله ابن جنى في مسألة: هذا جحر ضب ضرب، لأنا نقول: إن كان ابن جنى ادعى ذلك في خصوص مسألته فيقرب الأمر، إذ يجوز عند أكثر الأصوليين إحداث تأويل غير ما أجمعوا عليه ولا يعد خرقا للإجماع، وإن أراد

أن مخالفتهم جائزة على الإطلاق فباطل باتفاق أهل العلم، وقد كان بعض شيوخنا يقول: إن ابن جنى لما عزم على مخالفة الإجماع من مسألته لم يوفق للصواب فيها، بل ذهب إلى ما لا يقبله عاقل.
فإن قيل: أين الإجماع؟ وقال سيبويه في قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى... على ذنبا كله لم أصنع فهذا ضعيف وهو بمنزلته في الكلام، لأن النصب لا يكسر الشعر ولا يخل به ترك إظهار الهاء.
وقال ابن جني: إنهم قد يستعملون الضرورة حيث لا يحتاج إليها كقوله: فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها وكان يمكنه: ابقلت أبقالها، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها وكذلك قوله:

طباخ ساعات الكرى زاد الكسل فجر: زاد وأدى ذل إلى الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وكان يمكنه أن ينصب ويزول القبح، وبنى على ذلك القاعدة في "الخصائص" وحكى ابن جنى عن أبي العباس قال: حدثني أبو عثمان قال: جلست في حلقة الفراء فسمعته يقول لأصحابه: لا يجوز حذف لام الأمر إلا في شعر وأنشد: من كان لا يزعم أني شاعر... فيدن منى تنهه المزاجر قال فقلت له: لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام؟ فقال: إن الشعر يضطر فيه الشاعر فيحذف.
قال فقلت: فما الذي اضطره هنا وهو يمكنه أن يقول: فليدن مني؟ قال: فسأل عني فقيل له المازني: فأوسع لي.
فهذا وما أشبهه يدل على اعتباره عندهم، وهم أئمة النحو فيكف تقول: الإجماع منعقد على عدم اعتباره؟ فالجواب: أن هذه المسألة بمعزل عن مسألتنا، فإن هذه المسألة في جواز الاستعمال للضرورة حيث لا يضطر إليها مع اتفاقهم على ما أختص بالشعر لا يستعمل في الكلام ولا يعد كالمستعمل فيه إذا أمكن الخروج عن الضرورة بتبديل أو تحريف وهو المتفق عليه وهو الذي خالف فيه الناظم.
والثاني: أن الضرورة عند النحويين ليس معناها أنه لا يمكن في

الموضع غير ما ذكر، إذ ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره من الألفاظ الصحيحة الجارية/ على القياس المستمر، ولا ينكر هذا إلا جاحد لضرورة العقل هذه الراء في كلام العرب وتأليف حروفهم من الشياع في الاستعمال بمكان لا يجهل ولا تكاد تنطق بجملتين تعريان عنها، وقد هجرها واصل بن عطاء لمكان لثغته فيها حتى كان يناظر الخصوم ويجادلهم، ويخطب على المنبر فلا يسمع في نطقه راء فكان إحدى الأعاجيب حتى صار مثلا وقال فيه الشاعر: ويجعل البر قمحا في تصرفه... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر وورى به الشاعر فقال- وأحسن كل الإحسان-: ولما رأيت الشيب راء بعارضي... تيقنت أن الوصل لي منك واصل ولا مرية في أن اجتناب الضرورة الشعرية أسهل من هذا بكثير، وإذا وصل الأمر إلى هذا الحد أدى إلى أن لا ضرورة في شعر عربي، وذلك خلاف الإجماع والبديهة، وإنما معنى الضرورة وهو الثالث: أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظه ما تضمنه النطق به في ذلك

الموضع إلى زيادة أو نقص أو غير ذلك بحيث قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيء يزيل تلك الضرورة وعلى هذا يقال في قوله: ..... كله لم أصنع إنه ضرورة، لأن الشاعر أراد رفع كله فلم يمكنه إلا على حذف الضمير وكذلك في سائر ما ذكر معه، وقد يقال فيه غير ذلك مما سطره الناس، وإذا كان كذلك فمن أين يلزم أن يكون المضطر ذاكرا للوجه المخرج عن الضرورة في الوقت أو بعده بحيث يقدر على استدراكه؟ هذا ما لا يمكن وإن فرضنا إمكانه في بعض الأحوال فلا يمكن في جميع الأحوال بل في بعضها، وذلك حين ينصرفون إلى التنقيح والتلوم على رياضته وهذا عند العرب قليل كزهير في حولياته، أما في حال الضيق كمواطن الخطابة والتهاجي وإجابة الخصوم والمواقف التي يفجأ فيها الارتجال من غير توسعة كحسان بن ثابت رضي الله عنه وغيره من الشعراء الذين جنوا في مواطن الارتجال جنونا، فمثل هذه الأحوال لا يمكن فيها ذلك.
والرابع: أنه قد تكون للمعنى عبارتان أو أكثر منها واحدة يلزم فيها ضرورة، إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال، ومفصحة عنه على أوفى ما يكون، والتي صح قياسها ليست بأبلغ في ذلك من الأخرى ولا مرية في أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة، إذ كان اعتناؤهم بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ، وقد بوب ابن جنى على هذا، وإذا ظهر لنا نحن في موضع أن مالا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أين يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال، أو

أنه أبلغ فيما قصد من المبالغة في البيان والإفصاح؟ لا سبيل إلى معرفة ذلك في أكثر المواضع، والحاضر أبصر من الغائب، فلا تجويز لما لا تعلم حقيقته، وأيضا قد يظن بالعبارتين أنهما مترادفتان وليستا في الحقيقة كذلك، إما لوجود فرق لفظي وإما لوجود أمر معنوي، إما ضروري أو تكميلي، ويتبين مثل هذا للناظر في فصاحة القرآن، ومثله يتفق في الشعر بحيث لا ينبغي أن يؤتى إلا بعبارة الاضطرار دون الجارية على القياس، وقد تساهل ابن مالك عفا الله عنه في هذا الموضع حتى أهمل ما يعتبره أهل البيان، بل زاد في ذلك إلى أن أخرج البيت/ بتقديره عن معناه إلى معنى آخر، فقد تقدم قوله في: فإن لم تك المرآة أبدت وسامة وأنه يمكن أن يقول: فإن تكن المرآة أخفت وسامة وفي قوله: إذا لم تك الحاجات من همة الفتى أنه يمكنه أن يقول: إذا لم يكن من همة المرء ما نوى وهذا ما لا مزيد عليه في التعسف وتحريف المعنى وقلب المقصود والخامس: أن العرب قد تأتي الكلام القياسي لعارض زحاف

فتستطيب المزاحف دون غيره أو بالعكس فتركب الضرورة لذلك، والعرب في ذلك على فرقتين: فرقة وهم الجفاة الفصحاء فلا يبالون كسر البيت قصدهم في استقامة المعنى وإن أدى إلى زحاف مستثقل، إذا لم يخرج عن الوزن الطبيعي.
قال المازني: أما الجفاة الفصحاء فلا يبالون كسر البيت- يعني الزحاف- لاستنكارهم زيغ الإعراب.
قال ابن جنى: وهذا المذهب أقوى عندي لأن احتمال الزحاف أسهل من احتمال زيغ الإعراب، ومثال هذا قول امرئ القيس: أعنى على برق أراه وميض... يضئ حبيا ف شماريخ بيض فقد كان يمكن أن يحذف الياء من "شماريخ" وهو قبض "فعولن" قبل الضرب المحذوف في الطويل وهو الواجب عند الخليل والسلامة فيه ضعيفة، وحذف ياء "فعاليل" في الشعر جائز، إلا أنه حافظ على استقامة الإعراب ولم يبال بضعف الوزن، ومثل هذا كثير.
وفرقة حافظت على الوزن حتى ارتكبت من أجله زيغ الإعراب وارتكاب

الضرورة كقوله: أبيت على معاري واضحات وقد أمكنه أن يقول: معار واضحات، وكذلك: ولا ترضاها ولا تملق ممكن أن لو قال: "ولا ترضها" وكذلك قوله:

ألم يأتيك والأنباء تنمى" وعلى هذا المعنى حمل ابن جنى قول الراجز: فيدن منى تنهه المزاجر وهذا الباب واسع، فإذا كان هذا شأنهم فكيف تتحكم على العرب في كلامها ونلزمها ما لا يلزمها؟ وبالجملة فهذا المذهب من المذاهب الواهية التي يجب ألا يلتفت إليها وقد بينت هذه المسألة بما هو أوسع من هذا وأشفى للصدر في باب الضرائر من "أصول العربية" ولم أر أحدا من شيوخنا الحذاق ممن سمعت كلامه في المسألة يرتضى ما ارتضاه ابن مالك ولا يسلمه.


ثم أخذ في ذكر ما بقى له من الموصولات فقال: أي كما، وأعربت ما لم تضف... وصدر وصلها ضمير أنحذف وإنما فصلها مما قبلها لما تعلق بها من الأحكام التي انفردت بها عن سائر أخواتها من الإعراب في حال، والبناء في حال، والإضافة، وأن لها بحسب البناء تعلقا بمسألة حذف الضمير من الصلة فوصلها بها لأجل ذلك، وابتدأ ببيان كونها من الموصولات فقال: (أي كما) يعني أن أيا في هذا الباب مثل "ما" في جميع ما تقدم من الأحكام وهي الأربعة الأول كونها اسما، وكونها موصولة وكونها تقع على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ

واحد، فتقول: أكرم أيهم خرج، أردت بأي واحدا كان أو اثنين أو أكثر، وكونها تقع/ على المذكر والمؤنث بلفظ واحد أيضا كقولك: اضرب أيهن فعلت كذا من غير أن تؤنث أي، وهذا على ما نقل في "التسهيل" هو الأكثر لقوله: وقد تؤنث بالهاء موافقة للتي، وما نقله صحيح.
قال سيبويه: وسألت الخليل- رحمه الله- عن أيهن فلانة وأيتهن فلانة فقال إذا قلت: أي فهو بمنزلة كل؛ لأن كلا مذكر يقع للمذكر والمؤنث وبمنزلة بعض، قال وإذا قلت: أيتهن فإنك أردت أن تؤنث الاسم، كما أن بعض العرب فيما زعم الخليل- رحمه الله- يقول: كلتهن، فظاهر هذا الكلام أن ترك التاء هو الشائع وأن عدم تركها قليل، وبهذا فسره السيرافي وقال: ربما أدخلوا علامة التأنيث عند إرادة المؤنث تأكيدا كما ذكر، ومنه: هند خير النساء وشرها، وربما قالوا: خيرة النساء وشرتها والباب التذكير وأنشد لحسان: لعن الله شرة الدور كوثى... ورماها بالذل والإمعار لست أعنى كوثى العراق ولكن... شرة الدور دار عبد الدار وأنشد ابن خروف:

تأبري يا خيرة الفسيل ولا يقال: إن كلام الناظم في الموصولة وكلام سيبويه في الاستفهامية وأين إحداهما من الأخرى لأنا نقول: "أي" في جميع مواقعها تجرى على أصل واحد، فالشاهد على أحد مواقعها شاهد على سائرها.
وإذا ثبت هذا فالناظم لم يعتبر تأنيث "أي" لقلته واعتمد ما هو الغالب فيها من جريانها مجرى "ما" كما قال: ومن أحكام "ما" التي أحال عليها الوصل بجملة أو شبهها من ظرف أو مجرور فتقول: اضرب أيهم أبوه منطلق وواضرب أيهم ضرب أخاك، واضرب أيهم عندك أو في الدار، كما تقول: اضرب من أبوه منطلق، ومن ضرب أخاك، ومن عندك، ومن في الدار، وكما يكون ذلك في "ما" أيضا.
ولما ختم الكلام على تقرير الموصولات ولم يزد دل على أنه لم ير رأي أهل الكوفة في زعمهم أن الأسماء الجواد بالألف واللام تكون موصولات فتقول: جاء الرجل قام أبوه، على تقدير الذي قام أبوه، واستدلوا على ذلك بنحو قوله: لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل فقوله: لأنت: مبتدأ، خبره: البيت، وهو من موصول صلته أكرم أهله

وهو كثير، ومثله قول امرئ القيس: ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا... على جدد الصحراء من شد ملهب وهذا عند البصريين غير ثابت، لأن الاسم الظاهر يدل على معنى مخصوص بنفسه وليس كالذي، لأنه لا يدل على معنى مخصوص إلا بصلة توضحه لإبهامه، وإذا لم يكن في معناه لم يجز أن يقوم مقامه، ولا حجة لهم فيما أنشدوا، لاحتمال أن يكون: "أكرم أهله" خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون "أكرم" في موضع الصفة للبيت، فيكون البيت مبهما، وإذا كان كذلك جاز وصفة بالنكرة، فالعرب تقول: ما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل، لأن المعنى معنى النكرة.
وأجاز/ أيضا ابن الأنباري أن يكون: أكرم أهله صلة لموصول محذوف لا للبيت كأنه قال: لأنت البيت الذي أكرم أهله، لكن الموصول حذف ضرورة، وهذا الوجه جار على مذهب الكوفيين، إذا يجيزون حذف الموصول دون صلته في غير ضرورة، ذكر ذلك عنهم ابن الأنباري في مسألة: (وقوع اسم الإشارة موصولا) من كتاب الإنصاف.
وأما بيت امرئ القيس فيتخرج على أن يكون المجرور

في موضع الحال، أي: لسرعته وخروجه تراه في حين واحد على هاتين الحالتين فتكون الحال مركبة من الحالتين أو يكون في "مستنقع" حالا، و "لاحبا" مفعولا ثانيا لـ "ترى" على أنها علمية أو يكون في مستنقع حالا لترى، و "لاحبا" حالا يعمل فيها "مستنقع" ومجاز جميع ذلك لقرب ما بين الحالين.
ثم قال: الناظم: (وأعربت) الضمير عائد على أي، ونبه هنا على كونها خارجة عن أصلها الذي كان يجب لها من البناء كأخواتها، وذلك أنها وضعت وضع الحرف في دلالتها في أصل الوضع على معناه إن كانت شرطية أو استفهامية، أو في افتقارها الأصيل إذا كانت من هذا الباب، فلو لم ينبه على إعرابها لأوهم أنها مبنية كأخواتها، فقال: (وأعربت) والوجه المشهور في إعرابها الحمل على نظيرتها (بعض) ونقيضتها (كل) حكي لنا شيخنا الأستاذ أبو عبد الله ابن الفخار- رحمه الله- أن الشلوبين سأل في ذلك شيخه ابن ملكون- وكان مقدما على سؤاله على أحكام سائر طلبته عن ذلك، إذ كان فيهم ذا هيبة- فسأله لم أعربت "أي" من بين سائر أخواتها؟ ففكر فيها ثم قال له: حملا على النظير والنقيض، ولم يجبه بأكثر من هذا.
ومعنى ذلك أنها حملت على بعض التي هي بمعناها، وعلى مقابلتها "كل" لأنها نقيضتها في المعنى، وقد يحمل الشيء على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
ألا تراهم عاملوا "نسي" معاملة "علم" فعلقوها عن منصوبها لما كانت نقيضة ما التعليق خاص به، ومن ذلك كثير.
وقد علل إعراب "أي" بغير هذا، فقيل

إنها أعربت للزومها خاصة من خواص الأسماء وهي الإضافة، فعارضت شبه الحرف فرجوع بها الأصل من الإعراب، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره.
وقوله: (...... وأعربت ما لم تضف... وصدر وصلها ضمير أنحذف) "ما" مصدرية ظرفية، والواو في (وصدر وصلها) واو الحال، والجملة في موضع نصب على الحال من ضمير (تضف) وهو ضمير أي كأنه قال: إذا عدمت الإضافة المقترنة بكون صلتها مصدرة بضمير محذوف فهنا تكون معربة، فإذا قد اشتملت حالة إعرابها على صور تنتظمها صورتان: إحداهما: إذا لم تضف أي البتة كان صدر وصلها ضميرا محذوفا أولا، فإذا قلت: اضرب أيا أكرمته، أو اضرب أيا في الدار، أو اضرب أيا عندك، أو اضرب أيا هو قائم، أو اضرب أيا قائم، فلابد من الإعراب في هذه المسائل، ووجه ذلك أن سبب الإعراب فيا إما للإضافة فإذا حذف المضاف إليه ظهر بذلك تمكنها في الإضافة حتى استغنت بمعناها على لفظها فهي في هذه الحال أقعد في الإضافة.
وإما الحمل على كل وبعض فكذلك أيضا، حيث لحقها التنوين عوضا، عن الإضافة ككل وبعض، فبذلك تمكن الشبه بهما.
والثانية: إذا لم يكن صدر صلتها ضميرا أنحذف كانت مضافا أو غير مضافة.
فإذا قلت: اضرب أيهم في الدار أو اضرب أيهم عندك أو

جارٍ التحميل