النظر في هذا العلم قسمين
أحدهما: الأحكام المتعلقة بالكلم من حيث هي مفردات.
والثاني: الأحكام المتعلقة بها ن حيث هي مركبات.
وجرت عادة الناس بتقديم النظر في القسم الثاني؛ لما فيه من الفائدة (العائدة) على الناظر في هذا العلم حسب ما يذكر في مقدمة التصريف إن شاء الله، ولكن هذا القسم يفتقر إلى تقديم مقدمتين واجب ذكرهما قبل الشروع فيه؛ لأن الأحكام التركيبية مبنية عليهما.
إحداهما: مقدمة الإعراب والبناء، والثانية: مقدمة التعريف والتنكير.
فأما الأولى فهي التي شرع الآن فيها، وإنما كانت ضرورية ومفتقرا إليها؛ لأن المعاني الثلاثة اللاحقة بعد التركيب وهي الفاعلية والمفعولية والإضافة لا تتبين إلا بالإعراب، والإعراب والبناء وأنواعهما وعلامتهما وموضوعهما وهما المعرب والمبني.
وابتدأ بذكر المعرب والمبني وقدم الكلام على ما الإعراب أصل فيه من الكلام الثلاث وهو الاسم فقال:
والاسم منه معرب ومبني... لشبه من الحروف مدني
كالشبه الوضعي في اسمى جنتنا... والمعنوي في متى وفي هنا
وكنيابة عن الفعل بلا... تأثر وكافتقار أصلا
المعرب والمبني لفظان مشتقان من الإعراب والبناء، فبمعرفة الإعراب يعرف المعرب، وبمعرفة البناء يعرف المبني، فلابد من التعريف بهما على جهة التقريب فتقول: أما الإعراب فرسمه في "التسهيل" بأنه ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف.
فإذا قلت: ضرب زيد غلام عمرو فالضم في زيد جيء به بيانا لما اقتضاه فيه ضرب المفعولية: والجر في عمرو جيء به بيانا لما اقتضاه فيه العامل الذي هو غلام ن الإضافة، وكذلك الحرف نحو: ضرب أخوك حما أبيه، وأكرم أهلوك ضاربي الزيدين، وكذلك السكون في نحو: لتقم ولا تضرب من لم يكرمك، وكذلك الحذف نحو: لم يغزو ولم يخش ولم يرم، فالحاصل أن هذا الأشياء التي يطلق عليها إعراب علامات على معان تعتور المعرب والألفاظ الدالة على تلك المعاني هي العوامل.
وأما البناء: فهو ما جيء به لا لبيان مقتضى عامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف، وليس بحكاية ولا إتباع ولا نقيل ولا تخلص من سكونين بهذا عرف البناء على "التسهيل".
فإذا قلت: جلست حيث جلست، وجئت من حيث جئت، فضمه حيث لم يقتضها العامل، وكذلك الفتح في أين والكسر في أمس، وكذلك السكون في نحو: كم رجلا عندك؟ وعلى كم جذع ببيتك مبني؟ وكذلك الحرف إذا قلت: جاءني الذين قاموا، ورأيت الذين قاموا، ومررت بالذين قاموا، ومثله الواو
في يا زيدون، والألف في يا زيدان، والياء في لا رجلين في الدار، وكذلك الحذف في نحو: اغزُ واخش وارم، وضربا واضربوا، واضربا واضربوا، هذه كلها ليست بإزاء معان اقتضتها العوامل بدليل أن العوامل المختلفة المقتضية لمعان مختلفة تَعتَوِرُ على هذه الكلم فلا يتغير آخره، وقد توجد هذه الأشياء ولم يدخل على الكلمة عامل نحو: ضرب واضرب واغزُ وما أشبه ذلك، وأما ما تحرز منه من الحكاية نحو: من زيدا؟ والإتباع نحو: الحمد لله، والنقل نحو: من أبوك، والتخلص من سكونين نحو: من الرجل، فليست بإعراب، إذ لم يقتضها عامل وليست ببناء أيضا، إذ ليس فيما هي فيه شبه حرف ولا مبنى عنده إلا لشبه الحرف.
ولنرجع إلى بيان لفظه فقوله: (الاسم منه معرب ومبني) يعني أن الأسماء على قسمين: قسم يسمى معربا وهو ما ثبت لآخره حكم لم يقتضه العامل.
وقوله: (منه معرب ومبني) لا يريد أن منه هذين الشيئين على أنهما قسم واحد، لأن ذلك يقتضي قسما آخر في الاسم غير ذلك، وحينئذ يصح التقسيم وهو غير موجود بالنسبة غلى ما تعرض لبيانه، فإنما الكلام على تقدير: منه معرب، ومنه مبني فيحصل بهذا التقدير قسمان، لكن حذف لفظ "منه" في الثاني لبيان المعنى مع الحذف، ونظيره قول الله تعالى: ((ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها
قائم وحصيد)) المعنى - والله أعلم- منها قائم ومنها حصيد.
ومثله قوله تعالى: ((فمنهم شقي وسعيد)) وهو كثير.
والألف واللام في الاسم للتعريف الجنسي، أي: جنس الاسم منقسم إلى كذا وكذا.
ولما قسّم الاسم إلى هذين القسمين أخذ في بيان كل واحد منهما وابتدأ بالقسم الثاني وهو المبني لخروجه عن أصل الأسماء فهو آكد في البيان، وذلك أن أصل الأسماء الإعراب على ما سيذكر، وما كان منها مبنيا فعلى غير الأصل وما كان على غير الأصل فإنما يأتي كذلك لموجب، فأخذ الناظم يذكر موجب الخروج عن الأصل فقال: (لبه من الحروف مُدني) اللام متعلقة بمبنى ومن الحروف متعلق بمدن، ومدن صفه لشبه.
والتقدير: ومنه ما بني لشبه مدن من الحروف، معنى مدن مقرب، يريد أن سبب البناء في الأسماء شبهها بالحروف الشبه المقرّب منها، والشبه الذي يلحق الأسماء على ضربين:
أحدهما: شبه الفعل، وحكم هذا أن يمنع الاسم ما يمتنع منه الفعل من التنوين والخفض بالكسرة، ولا يقوي هذا الشبه عند الناظم أن يبني لأجله الاسم كما زعمه قوم من النحويين، فإنهم أدخلوا شبه الفعل في أسباب البناء وذلك من أوجه ثلاثة:
أحدهما: كثرة موانع الصرف فإنه كثرة شبه بالفعل، قال به المبرد في فعال المعدولة نحو: يسار وجعار ويا فجار.
والثاني: تضمن معنى الفعل، وعبّر عنه السيرافي بالوقوع موقع الفعل
المبني، وهو رأي السيرافي والجُزولي وابن عصفور وغيرهم في بناء أسماء الأفعال المراد بها الأمر أو الماضي.
والثالث: الاستغناء باختلاف الصيغ لاختلاف المعاني عن الإعراب، قال به ابن مالك في بناء المضمرات، ولم ير ذلك الناظم هنا، بل موجب بناء أسماء الأفعال وبناء المضمرات عنده شبه الحرف على وجه يتبين في ثالث هذا البيت الذي نحن بسبيل الكلام عليه.
وأما فعال المعدولة فموضع الكلام عليها باب مالا ينصرف، فهنالك يتبين -بحول الله- أن موجب بنائها شبه الحرف.
الضرب الثاني: شبه الحرف، وهذا هو الذي يؤثر في الاسم فيخرجه عن أصله من الإعراب إلى البناء، وهو الذي أخذ يتكلم فيه، وأتى له بأربعة أنواع:
أحدهما: الشبه الوضعي وهو كون الاسم وضِع وضْع الحرف، على حرف واحد أو حرفين على ما يتبين، فلما أشبهه من هذا الوجه حكم عليه بالبناء الذي هو أصل في الحرف، إعمالا للشبه المذكور، ومثله الناظم باسمى جئتنا وهما التاء ونا، فالتاء: موضوعة في الأصل على حرف واحد كاللام والباء والكاف والواو والهمزة وما أشبهها، ويدخل في ضمن هذا المثال كل ما وضع من الأسماء ذلك الوضع كالكاف في أكرمك، والياء في تضربين على مذهب سيبويه، والواو في ضربوا، والألف في ضربا.
والنون في ضربن، وما كان مثلها، و "نا" في قوله: (جئتنا) موضوعة على حرفين، ثانيهما حرف لين وضعا أولياء كـ "ما" و "لا" و "يا".
فإن شيئا
من الأسماء على هذا الوضع غير موجود، نص عليه سيبويه والنحويون بخلاف ما هو على حرفين وليس ثانيهما حرف لين، فليس ذلك من وضع الحرف المختص به، إذ من الأسماء ما هو على الحرفين نحو: يدٍ ودمٍ وهنٍ، وهي مع ذلك معربة، فلو كان وضعها على حرفين مطلقا معتبرا لكان يدٌ ودمٌ مبنيين؛ لأنهما موضوعان على حرفين: كمن وعن وإن ولم، وبهذا بعينه اعترض ابن جني على من اعتل لبناء "كم" و "من" و "ما" ونحو ذلك بأنها موضوعة على حرفين فأشبهت "هل" و "بل" و "قد".
فإن قيل: إن يدًا ودمًا ونحوهما لاماتها مقدرة بدليل ظهورها في التصغير والتكسير فليست بثنائية في الأصل فلذلك أعربت.
فالجواب: أن هذا التقدير أمر حكمي اضطر إليه عند الاحتياج إلى الحرف الثالث لإقامة بنية التصغير أو التكسير.
ألا ترى أن "من" و "عن" ونحوهما على حرفيين حقيقة، فإذا سميت بواحد منهما تركته على حاله ولم تحتج إلى حرف ثالث كيدٍ ودمٍ، بخلاف ما إذا سميت "بما" أو "لا" أو في أو "لو" أو نحو ذلك مما ثانيه حرف لين فإنك لا تتركه على حاله بل تزيد عليه حرفا ثالثا حتى يدخل في بنات الثلاثة لفظا، ليخرج عن وضع الحرف الأصيل له إلى وضع الاسم الأصل، فعلى الجملة وضع الحرف المختص به إنما هو إذا كان ثاني الحرفين حرف لين على حد ما مثل به الناظم، فما أشار إليه هو التحقيق، ومن
أطلق القول في الوضع على حرفين وأثبت به شبه الحرف فليس إطلاقه بسديد، وعلى إطلاقه أخذه ابن النام، ويدخل في ضمن هذا المثال كل ما وضع من الأسماء على حرفين ثانيهما حرف لين نحو: "ذا" و "ذي" و "تا" و "تي" أسماء الإشارة و "ها" و "هو" و "هي" وما أشبهها، وكذلك يدخل له أسماء حروف التهجي نحو با تا ثا حا خا طا ظا: لأنها حالة الوقف على حرفين ثانيهما حرف لين، وهي أسماء حروف الكلم الملفوظ بها لا حروف كـ "لا" و "يا" فاقتضى كلامه أنها مبنية، وكذا يقول السيرافي وابن جني وغيرهما.
النوع الثاني: الشبه المعنوي، وهو كون الاسم وضع دالا على معنى ليس في الأصل إلا للحرف وذلك قوله: (والمعنوي) وهو مخفوض عطفا على (الوضعي) أراد وكالشبه المعنوي، فالأسماء التي وضعت لتؤدي معاني الحروف لما أدت معانيها صار لها بذلك شبه بالحروف فبنيت بناءها، ولما كانت معاني الحروف على قسمين: قسم وضعت العرب له "ما" و "لا" و "لن"، والشرط الموضوع له "إن" و "إذما" على ما ذهب إليه الناظم، وقسم لم تضع له لفظا وهو حقيق بذلك كالإشارة والتكثير، وكل إذا تضمنه الاسم بنى لشبه الحرف الحاصل فيه كونه دالا على معناه، أتى الناظم -رحمه الله- بمثالين يشير بهما إلى القسمين وهما "متى" و "هنا"، أما "متى" فإنها تضمنت معنى الهمزة في الاستفهام نحو قول الله
تعالى: "ويقولون متى هذا الوعد" -ومعنى "إن" في الشرط نحو قول الكندي: متى ما ترق العين فيه تسهل ويدخل تحت مقتضى هذا المثال جميع ما أدى معنى حرف الاستفهام "كمن" و "كم" وجميع ما أدى معنى الحرف الشرط نحو: "من" و "مهما" و "أيان" وما أشبهه وأما "هنا" فإنها قد تضمنت معنى الحرف، لكن العرب لم تضع لذلك المعنى لفظا وهو حقيق بذلك، كما وضع للتنبيه والاستفتاح وغيرهما من المعاني الزائدة على مدلولات الأسماء والأفعال، والمعنى الذي تضمنته "هنا" هو معنى الإشارة لكنهم استغنوا عن وضع حرفها بالاسم الذي تضمن معناها، فلم يضعوا لها حرفا يدل عليها، وإن كانت من المعاني التي تستحق أن يوضع لها حرف، ويدخل ضمن هذا المثال "كم" الخبرية، لتضمنها معنى الحرف وهو التكثير، ولم يضعوا للتكثير حرفا، وإن زعم ذلك ابن مالك في "رب" بل الأصح أنها للتقليل ويدخلها معنى الافتخار، وليس في تشبيه سيبويه لها بكم دليل على ما قال، ولم يتعرض في هذا النظم لتفسير معناها، فلذلك لم نتعرض لتحيق معناها، ولا لبيان حكمها، وهذه قاعدة في تضمن معنى الحرف صحيحة نبه عليها هنا وذكرها في "شرح التسهيل"، وأصلها -فيما أظن- للفارسي في
"التذكرة" نبه عليها في مسألة وضع (هذا) اسم الإشارة في أوائل الأبواب وخرج عن حكم البناء مع وجود هذا الشبه، أي: فأعربت مع أنها موضوعة على تضمن معنى الحرف وهو الهمزة في الاستفهام و "إن" في الشرطية، وكذلك خرجت عنه في الموصولة مع وجود الافتقار الأصيل المذكورة بعد هذا، وسيأتي بيان خروجها عن أصلها من البناء، وعلة ذلك إن شاء الله.
النوع الثالث: شبه النيابة عن الفعل بلا تأثر وهو كون الاسم نائبا عن الفعل في تأدية معناه والعمل عمله من غير أن يعمل في عامل ولا يقبل عمله فيه، وذلك قوله: (وكنيابة عن الفعل بلا تأثر) يعني أن الاسم يبني أيضا إذا أشبه الحرف هذا الشبه المذكور، والذي حاز هذا الشبه أسماء الأفعال فإنها مؤدية معنى الفعل على جهة اللزوم وعاملة عمله، وهو معنى النيابة عنه وهي لا تقبل أيضا عمل عامل فيها فتتأثر به ألفاظها وهو معنى قوله (بلا تأثر).
فإذا قلت: (صه) فهو مؤد لمعنى اسكت وعامل عمله، ولا يصلح أن يكون معمولا لعامل البتة، وكذلك (نزال) في النيابة عن انزل و "هيهات" في النيابة عن بعد و "أف" في النيابة عن اتضجر، ومع ذلك لا تصلح أن تكون معمولات لعام، ووجه الشبه فيها أنها اشبهت الحروف الناسخة للابتداء فإنها لازمة لتأدية معنى الفعل، لأن معانيها كمعاني الأفعال، وهي عاملة
عملها؛ لأنها تعمل الرفع والنصب، وأيضا لا تأثير للعوامل في ألفاظها لكونها لا تصلح أن تدخل عليها، هذا وجه الشبه بين هذه الأسماء وبين الحروف، وهو الذي أوجب البناء عنده على ما قرر في "شرح التسهيل"، والتأثر قبول التأثير فـ (تأثر) مطاوع أثر، ومعنى أثرت في كذا: جعلت فيه أثرا فتأثر؛ أي قبله وحصل فيه، وتحرز بقوله: (بلا تأثر) من المصادر النائبة عن أفعالها نحو (: ضربا زيدا، وزيد سيرا سيرا، فإنها وإن أدت معاني أفعالها النائبة هي عنها قابلة لأن تكون معمولة لعامل من جهة معانيها) فخرجت بذلك عن شبه إن، وما كلن من بابها فدخلها الإعراب، فالحاصل أن التأثر في هذا التفسير معنوي، وقد يقرر على نحو آخر يكون التأثر فيه أو عدمه بالنظر غلى الاستعمال فيال: إنا وجدنا أسماء الأفعال لم تستعمل قط معمول لعامل، (وإنما استعملت عاملة غير معمولة، فأشبهت "إن" بخلاف المصادر في نحو: ضربت زيدا ضربا، فلم يتقرر (فيها) بسبب ذلك شبه الحرف فأعربت وعلى هذا النحو قرر ابن الناظم هذا الشبه، وارتضاه بعض أصحابنا والنحو الأول عليه جرى بعض الشيوخ الأندلسيين، وكثير من الناس يفهم هذا الوضع على انه يتحرر بقوله: (بلا تأثر) من المصادر المنصوبة بالأفعال التي نابت عنها كما ذكر، لكن على معنى أن
هذه المصادر قد تأثرت ألفاظها بالعامل فأخرجها بقوله: (بلا تأثر).
قال بعض الشيوخ: وهذا تفسير لا محصول له، فإن تقديره من شرط بناء الاسم، أعني الاسم النائب عن الفعل أن لا يكون العامل مؤثرا في لفظه، وهذا هو نتيجة وجوب البناء لا شرطه ولا سببه، فحاصل المعنى على هذا من شرط بناء اسم الفعل ان لا يكون معربا، وهذا محال.
وهذا التفسير الذي فسر به شبه اسم الفعل للحرف أولى من تفسير من فسره بأنه تضمن معنى لام الأمر في اسم فعل الأمر.
وأما غيره ن اسم الفعل الماضي كشتان، واسم الفعل المضارع كأوه، فمحمول على اسم فعل الأمر؛ ليجري الباب كله مجرى واحد، وهو رأي الفارسي وابن جني وغيرهما، فإن هذا المذهب فيه أمر مرجوح وهو جعل العلة خاصة ببعض المبني وسائره لا علة فيه إلا الحمل على ما فيه العلة بخلاف علة الناظم فإنها عامة في الجميع، وكون العلة عامة في معلولاتها أولى من كونها خاصة ببعضها ما وجد ذلك، لكن يرد على ما اختاره إشكال ما، وذلك أن النحويين استدلوا على هذا الصنف من الكلم من قبيل الأسماء بإسناد الفعل إلى بعضها في نحو قول زهير:
ولنعم حشو الدرع أنت إذا... دعيت نزال ولج في الذعر
وقد تقدم ذكر ذلك، فإذا كان (نزال) هنا قد صح كونه مسندا إليه وصح تأثر معناه للعامل بدليل عمل الفعل فيه، فإذن قبول التأثر حاصل في جميع الباب لوجوده في فرد من أفراده، فقد استوى إذن (نزال) وبابه مع
(ضرباً زيدا) وبابه، إذ كانا معا يؤديان معنى الفعل ويعملان عمله وهما قبلان (لتأثر) العامل فيهما، فيقع الإشكال هنا من وجهين:
أحدهما: في قول الناظم "هنا" بلا تأثر" حيث نفى التأثر مع صحته ووجوده.
والثاني: ما يلزم على ذلك من إعراب أسماء الأفعال، كما أعرب (ضربا زيدا)، أو بناء (ضربا زيدا)، كما بنيت أسماء الأفعال.
والجواب: أن مثل "دعيت نزال" ليس الإسناد فيه بمعتبر كما تقدم والذي يستدل به على اسمية اسماء الأفعال غير ذلك، وقد ذكر فنزال وبابه مما يسند أبدا ولا يسند إليه البتة؛ لعدم قبوله للتأثر للعوال كما قرره الناظم، وإذا كان كذلك ظهر الفرق بين القبيلين، وأيضا فإن دلالة نزال وبابه على معنى الفعل ونيابته عن الفعل بحق الأصل، وبالوضع الأول كما كان ذلك في "إن" وأخواتها، فتمحض الشبه بخلاف (ضربا زيدا)، فإن نيابته عن الفعل عارضة بعد التركيب، فلم يؤثر البناء لعدم أصلية الشبه وفقد تمحضه.
فإن قيل: يخرج عن هذا على رأيه "دونك" و "وراءك" و "أمامك" ونحوها، فإنه قد عدها في أسماء الأفعال مع أنها معربة باتفاق على ما نقل ابن خروف، وإن نصبها بالأفعال التي نابت عنها كضربا زيدا فهي خارجة بقوله: (بلا تأثر) لصحة تأثرها للعامل ووجود ذلك فيها،
فكيف يجتمع هذا مع دعوى أنها من أسماء الفعل؟.
فالجواب: أنها على رأيه أيضا مبنية لقوله في باب أسماء الأفعال والأصوات - بعد ذكر "دونك" وشبهه-: (والزم بنا النوعين فهو قد وجب) وما ظهر في أواخرها ليس بتأثير العامل ولا هي قابلة لأن تتأثر، وما نقل ابن خروف من الاتفاق لا يثبت، وكل ذلك سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع: (الشبه الافتقاري) وهو كون الاسم وضع مفتقرا إلى ما يفسر معناه ويبينه، وهو المراد بقوله: (وكافتقار أصلا) ويريد أن الاسم إذا وضع على الافتقار بني كالموصولات، فإنها وضعت على الافتقار في فهم معانيها إلى صلاتها، فهي لا تستقل بالمفهومية دون أن يؤتي بما يبينها، كما أن الحروف كذلك، وكذلك المضمرات وضعت على الافتقار إلى مفسر يعود عليه، فهي متوقفة في فهم معانيها على غيرها، كما أن الحروف كذلك، ولذلك قيل في الحروف: إنها تدل على معنى في غيرها، وقيد الافتقار بكونه قد أصل، أي جعل أصيلا.
وأصل، أي ثبتت له الأصالة استظهارا على كل ما وضع في الأصل غير مفتقر، وإنما عرض له الافتقار حالة التركيب كالأسماء اللازمة للإضافة فإنها مفتقرة، ولذلك لزم تفسيرها بالمضاف إليه، وكذلك أسماء العدد كعشرين وثلاثين هي مفتقرة إلى ما يفسر معناها لكن بعد التركيب، وأما وضعها الأولى فعلى أن تكون غير مفتقرة، فلذلك لم يعتبر فيها الافتقار، فلم تبن لعروض السبب الموجب وعدم أصالته، وبهذا المعنى نجيب عن إعرابِ
الظروف نحو: صمت يوما، وأقمت شهرا، وإن توهم كونها مستحقة للبناء للشبه المعنوي؛ لأن ذلك ليس بحق الأصل، وإنما هو لاحق بعد التركيب، فلم يكن لذلك الشبه تأثير، فجاء على أصلها من الإعراب، ومن هذا النوع ما حدثنا به الأستاذ أبو عبدالله بن الفخار شيخنا -رحمة الله عليه- أن الشلوبين حكي عنه أنه قال في بعض مجالس إقرائه في "كم" إنها بنيت شبهها بالحرف في افتقارها إلى مفسر، فتقده بعض طلبته فقال له: يلزم على هذا بناء جميع أسماء الأعداد لتساويها في هذه العلة، فلما رأى الشلوبين ورود هذا النقد على عدم تقييد الافتقار بالأصالة زاد زيادة أخرج بها أماء الأعداد فقال: بنيت لشبهها بالحرف في افتقارها إلى مفسر لا يعقل لها معنى إلا به، فخرج قولك: عشرون وثلاثون وبابه، فإن لها في أنفسها معنى معقولا وهو المقدار، وإنما بقي بيان جنس ذلك المقدار فجيء بالمفسر لأجله، هذا معنى الحكاية، وحاصلها ما تقدم من أن المؤثر من الشبه إنما هو ما كلن في الاسم بحق الأصل، فبحق ما قيد الناظم الافتقار بالأصالة وبالله التوفيق.
ويخرج له عن مقتضى هذا الشبه -وإن كان موجودا- "أي" الموصولة فإنها معربة مع وجود شبه الحرف وهو الافتقار الأصيل، لكن عارضة شبه بالمعرب آخر فأعربت، وبيان ذلك في باب الموصول، فقد نص (هنالك) على خروجها عن هذا الحكم، وكذلك يخرج له "الذي" و
"التي" حالة التثنية، كما خرج "ذا" و "تا" في حالة التثنية أيضا عن مقتضى الشبه المعنوي، لمعارضة موجب الإعراب كما سيأتي في بابه إن شاء الله.
وبقي في كلام الناظم سؤالان:
أحدهما: أن يقال: هل يشمل كلامه ما بني بناء عارضا، وعلى الجواز مع ما بني بناء لازما، وبحق الأصل كالبناء لقطع عن الإضافة، والبناء لتركيب الاسم مع "لا" أو مع (اسم) آخر كخمسة عشر وما أشبه ذلك، أم هو مقتصر به على المبني بناء لازما وبحق الأصل؟
والثاني: أن يقال: هذه الأنواع التي ذكر هل هي محيطة بجميع أنواع شبه الحرف أم لا؟ فإن لم تكن محيطة وإنما أتى بها تنبيها على الباقي فما الذب بقي له منها؟ وإن كانت محيطة فكيف يرجع إليها سائر الأنواع التي ذكرها الناس؟
والجواب عن الأول: أن الظاهر من كلامه أنه إنما أراد الكلام على البناء اللازم، وعلى المبني بحق الأصل لا الذي بناؤه عارض وعلى الجواز والدليل على ذلك أن جميع هذه الأنواع التي ذكر إنما تقتضي الأول لا الثاني، وأما الشبه الوضعي فظاهر، إذ ليس في المبنى على الجواز ما يوجد فيه هذا الشبه الوضعي فظاهر، إذ ليس في المبنى على الجواز ما يوجد فيه هذا الشبه في حال دون حال، ولا أيضا يوجد هذا الشبه مقتضيا لبناء جائز، وأما المعنوي فقد قيَّده بالمثال حيث قال: (والمعنوي في متى وفي هنا) أي: وكالشبه المعنوي الموجود في هذين المثالين، ولا شك أن الشبه في المثالين لازم وبحق الأصل، فـ "لا رجل" إذا عللنا بناءه بتضمنه معنى "
مِن" فليس التضمن فيه على حدِّ التضمن في مَتَى وهُنَا.
وأما الاستغنائي: فكذلك أيضًا, لأنَّ تقييده بقوله (بَلَا تأثُّر) منع أن يدخل فيه المبنى على لجواز (لأن المبنى على الجواز) صالحٌ للتأثر ألا ترى: أنَّا إذا سمينا بـ "نَزَالِ" فصلح للتَّأثر لم يبق بناؤه على اللزوم, بل صار فيه وجهان بلحظَين مُختلفين, فالبناءُ لأجل الشبَه بأصله, والإعرابُ اعتبارٌ بحاله من كونه قابلًا للتأثر للعامل, وليس اسمًا للفعل الآن, وأما الافتقاري فتقييده له بالأصالة يُخرج له بناء قبلُ وبعدُ وسائرَ ما يُبنى لقطعه عن الإضافة, وكذلك المُرَكَّبُ وسائرُ ما فيه بناء على الجواز مما يرجع بناؤه إلى علة الافتقار, وإذا تقرَّر هذا ظَهَرَ أنَّه لم يَتَعَرَّض لما البناء فيه عارضٌ وعلى الجواز.
فإن قلت: فمن أين يُؤخذ له وجه البناء فيه وهو لم يعرف به في واحدٍ من أفراد هذا الصِّنف؟
فالجواب: إن ذلك يرجعُ بالتأويل إلى ماذَكَرَ من أوجه شبه الحرف وعلى عدّ العارض من البناء كاللا الأصلي, وسترى ذلك في مواضعه من هذا الشرح إن شاء الله, لكن الناظم تَرَك ذكر الطريق إلى ذلك إحالة الناظر في نظمه على نَظَره, إذ ليس من ضرورياته.
والجواب عن الثاني: أن كلامه محتملٌ لأن يكون أراد أن أنواع شبه الحَرف غير منحصرة في هذه الأربعة إلا أنه ذَكَر ما ذكر منها
تنبيهًا على مالم يذكره, فكأنَّه قال: إن أنواع الشَّبَه متعددة منها هذه, ويحتمل أن يريد أن وجوه الشَّبه وإن تعددت معاقدها هذه الأربعة, فكل ما يذكر دونها فإليه يرجع من جهة المعنى.
والوجه الأول: أسعد بلفظة من جهة اتيانه فيها بالكاف التَّشبيهية؛ لأن المعهود في الكلام إذا قيل في التمثيل: مثل كذا, أو قولك: أو كذا أو نحو كذا, أن تريد التنبيه على أشياء لم تُذكر وإلا فقد كان الوجه الأول أن يقول: في كذا وكذا, ولا يقول في مثل كذا.
فقوله: (كالشَّبَهِ الوَضْعِيَّ... وَكنَيَابَةٍ عن الفعل.. وكافتقار أُصلًا) تنبيه على أشياء لم يذكرها, والكاف هنا نظيرة من جهة المعنى لقوله في باب الابتداء - صحين ذكر أوجهًا من الابتداء بالنكرة -: (ولْيُقَس ما لم يُقل) وأما الوجه الثاني: فهو -وإن كان مرجوحًا - محتمل في لفظه, وتكون الكاف داخلةً باعتبار تعدُّد المُثُل المذكورة, لا باعتبار مالم يذكره, وقد يفعلُ مثل هذا المتأخرون.
ألا ترى إلى قول ابن الحاجب في كتابه "الفقهي": الصّام الواجب مع إدخال الكاف, لأن صيام التمتع في الحج وصيام فدية الأذى وجزاء الصيد داخل ذلك كله في الكفارات فيمكن أن يكون الناظم فعل مثل هذا.
فإن أراد الوجه الأول فلِشَبَه الحرف أنواع أُخر.
منها: سقوط موجب
الإعراب قاله ابن أبي الربيع في بناء أسماء الأفعال, لأن الإعراب إنما يكون في اللفظ أمارةً على اعتقاب المعاني الثلاثة التي هي الفاعلية والمفعولية والإضافة, وهو الموجب للإعراب, كما أن الحُرُف كذلك لا تقبل معنى من تلك المعاني فبُنيت لهذا الشبه, ومثل ذلك أسماء العدد المُطلَقة لما كانت في حين العدِّ بها لا تقعُ فاعليةً ولا مفعولةً لم تكن على الحد الذي تستوجب معه الإعراب فصارت كالأصوات فبُنيت, وكذلك حُرُوفُ التَّهجِّي كألفاظ العدد سواد, وأسماء الأصوات داخلة أيضًا هنا, وأما ما يُحكى به منها كقَب وطِيخ فظاهر, وأما ما يكون زجرًا أو دعاء كَهلًا وتَشُؤْ فلأنها لا مدلول لها من الفعل كما لأسماء الأفعال مدلول من الفعل فكانت مثل قَب وطِيخ ونحو ذلك:
ومنها الوُقوع موقع الحرف علَّل به بعضهم بناء "غير" من قولهم: ليس غير, فإنها عنده موضوعة موضع "إلا" فرجعت إلى شَبَه الحرف؛ لأن للواقع شَبَهًا بالموقوع في موضعه, وأولى من هذا المثال في الموضع ما حُكِي في أسماء الأصوات الحكائية من قولهم: مِضِّ في حكاية صُويت, مُغْنٍ عن قولك "لا", فـ, "مِضِّ" واقعة "لا" فقد يقال إنها بُنيت لذلك.
ومنها الإبهام في الأشياء كلها فليس (شبهُ اسم الإشارة والضمير بالحروف) والدخول عليها علَّل به السِّيرافيُّ بناء اسم الإشارة والضمير
فإنهما مبهمان يقعان على كل شيء من الحيوان وغيره, فهما داخلان على (كل شيء) فأشبها الحروف, لأن الحروف أعراضٌ تعترض في الأشياء كلها.
فإن قيل: كذلك لفظ "شيء" يقع على الأشياء كلها, فليس شَبَه اسم الإشارة والضمير بالحروف بأولى من شَبَهِها بلفظ شيء, بل هذا الشبه أولى لأنه شبه يردُّ إلى الأصل بخلاف شبَبَه (الحروف).
فالجواب: أنهما ليسا كشيء في الوقوع على الأشياء كلها, لأن شيئًا لازم لمسمَّاه في جميع الأحوال بخلاف اسم الإشارة والكناية والحروف فإنها أعراض تدخل في الأشياء كلها, ومثل ذلك عند السيِّرافي أيضًا.
حيث بينت لإبهامها في الجهات السِّت وفي كل مكان, فتُبِّهت لإبهامها بإذ المُبهمة في الزمان الماضي كله, إلا أن بناءها عنده في حال دون حال كما بين في كتابه.
ومنها قلَّة التمكن واللزوم فموضع واحد, علَّل به السيِّرافي بناء الآن يريد عَدَمَ التصرف الذي فيها من جهة المعنى, إذ هي دالة على آخر الزمان الماضي وأول الزمان الآتي, وهذا شأن الحروف, لأنه لا يعدو موضعه الذي وضع له إلى غيره فهو لازم لموضع واحد, فبنى الآن ذلك, وكذلك "لدن" بنيت للزومها موضعًا واحدًا وهي تُعطى معنى عند, إلا أنهم أعربوا "عند" حيث تَوسَّعوا فيها فأوقعوها على ما بحضرتك, وعلى ما بَعُدَ عنك, وإن كان
أصلها الحاضر, تقول عندي مال, وإن كان بخُراسان وأنت ببغداد, وقد كان حقٌّ "عند" البناء لولا ما لحقها من التصرف, بخلاف "لّدُن" فإنها لا يُتجاوز بها حضرةَ الشيء, فلذلك بُنيت وعلّل بهذا بعضهم بناء "قط", وقد بمعنى "حَسْب"؛ لأنهما لم يتمكنا في الكلام تمكُّن الأسماء, ولم يُستعملا استعمالها فأشبها ما وُضع كذلك من الكلم وهو الحرف.
ومنها شَبَه ما أشبه الحرف كفَعَال المعدولة في غير الأمر, فإنها أشبهت فَعال في الأمر في الوزن والتأنيث والعدْل فبُنيت بناءها.
ومنها الوقوع موقع ما أشبَهَ الحرف كالمُنادى المفرد, لوقوعه موقع المضمر على قول من يُعلِّل بناءه بذلك, ووجه كون هذين النوعين من أنواع شبه الحرف أن يقال: أما الأول: فلأن "فَعَال" حين أشبهت ما أشبه الحرف صارت مشبهة للحرف بواسطةٍ, ومُشبِهُ مِشْبِهِ الشيء شبيه للشيء.
وأما الثاني: فلأن الوقوع موقع الشيء يُوجب للواقع شَبَهًا بالموقوع موقعه, فإذا كان الموقوع موقعه الحرف فالواقع يُشبه الحرف؛ لأن مشبه المشبه مشبهه, وردَّ هذا ابن عصفور بأن قول القائل بُنيت لشبه مَشبه الحرف إقرار بأن البناء يكون لغير مشبه الحرف, وهو مشبه ما أشبه الحرف.
والجواب: أنه راجع في الحقيقة إلى نوع من أنواع الشبه, وأيضًا فالشبه يكون قريبا ما لذي تقدم, ويكون بعيدًا وهذا كم ذلك البعيد, ويُعْدُهُ لا يمنع وجوب الحكم له, فهذه أنواع من شَبَهِ الحرف وَقَعَ التنبيه من الناظم عليها بالكاف, على فرض أنه أراد الوجه الأول, وإن أراد الوجه الثاني فيُمكن ردُّ هذه الأنواع إلى ما ذكره.
أما الأول فراجع
بالحقيقة أو بالتَّأويل إلى النوع الثالث مما ذكره الناظم.
أما أسماء الأفعال فقد تقدم ذلك فيها, وأما أسماء الأصوات فراجعة إليها بالشبه, فما هو منها للدعاء أو للزجر ظاهر الشبه باسم الفعل, وماعدا ذلك محمول عليه, لأن الجميع تصويت أو نقول: إنها اجتمعت في كونها غير متأثرة للعامل, إذ لا تُستعمل فاعلة ولا مفعولة ولا مضافة, فحُكِم لها بالبناء كهذا الشبه, وهذا أولى من مطلق الحمل, لأن العلة هنا عامة وفي الأول خاصة, وعلى هذا يجري الحكم في أسماء العدد المطلقة, وفي حروف الهجاء, فإذا سقوط موجب الإعراب هو معنى عدم التأثر للعامل, غير أن العرب أهملت ها هنا جزء العلة ولم تُعمله في أسماء الأفعال على رأي الناظم, إلا مع النيابة عن الفعل على ما قرَّره ولو قيل بإسقاط الاعتبار في الحقيقة لأن "غير" في قولهم: ليس غير إنما لنى لقطعه عن الإضافة كقبلُ وبعدُ, وليس الكلام هنا في البناء العارض وإن سلمنا ذلك فهو في الحقيقة تضمين لغير معنى "إلا" فرجع إلى النوع الثاني.
وأما الثالث: فغير محتاج إليه, لأن المضمرات والمبهمات قد تقدم دخولها في النوع الأول والثاني وكذلك في الرابع, وأيضًا فمن الأسماء ما هو كذلك وليس بمبنيٍّ, وذلك "كل" و "بعض" ونحوهما.
ألا ترى أن مدلولها عرض يُعترض به في الأشياء كلها, ويتحقق ذلك في "بعض" حيث وافقت "من" التبعيضية في معناها, حتى قال لنا بعض شيوخنا: لا فرق بين قولنا أكلتُ الرغيف, وقولنا أكلت بعض الرغيف من جهة المعنى, وإنما فرق بينهما الأحكام اللفظية, فأنت ترى أن هذا السبب غير مطّرد, فبحق ماترك ذكره الناظم.
وأما الرابع: فإن قلة التمكن وإن كانت أصلًا في الحروف قد وجدت في الأسماء, ولم يكن ذلك موجبًا للبناء نحو قولك: جئت من عل, وأشياء من هذا النمط, ويكثُرُ في الظروف, فقلَّة التمكن إن سلمنا أنها تقتضي البناء ففي بعض دون بعض, ألا أن نحو: صاد وقاف كم حروف الهجاء إذا جُعل اسمًا للسورة جاز فيه الإعراب والبناء, وعلل البناء بقلة التمكن, وإذا كان كذلك فما كان كذلك فما كان من العلل مُطَّرِدًا في معلوماته أولى مما كان غير مُطَّرِد, وقد وجدنا لبناء "الآن" علة مُطَّرِدة غير ما ذكره السيِّرافي, وهي تضَمُّن معنى الحرف فعند الفارسي وابن جِنِّي أنها َضُمنت معنى ألف ولامٍ سوى التي ظهرت عليها, وبها حصل تعريفها لا بالظاهرة, فإنها زائدة حسب ما نصَّ عليه الناظم في باب المُعرَّف بالأداة, وعند الزَّجاج أنها بُنِيت لما فيها من معنى الإشارة, فإذًا لا يتعين ما قاله السيِّرافي في مذهب الناظم, لإمكان قوله بما سواه, وكذلك "قطُّ" لا يتعيَّن تعليل بنائها بقلَّة التمكن, فإنها عند السيِّرافي اسم فعل نائب عن فعل الأمر في أول أحواله, فمعنى: قطْك درهمان, بمعنى لِيَكْفِك درهمان, أو اكتفِ بدرهمين, وكذلك "قد" بمعناها إذا قلت: قَدْك درهمان.
وأما الخامس والسادس: فقد ظَهَر رجوعها إلى ذكره, ففَعال المعدولة في غير الأمر راجعة في بنائها إلى بناء المعدولة في الأمر.
والمنادى المفرد راجع إلى بناء المُضمر.
وإن قلت: إن المنادى بني
لتَضَمُّنه معنى حرف الخطاب زال هذا الشغب.
فإن قيل: إنما الكلام هنا في المبني اللازم البناء بأصل الموضع والمنادى ليس كذلك.
فالعذر في ذلك ما قاله بعضهم من أن المنادى وإن كان أصل وضعه على التمكن لما وجب له البناء من غير تخيير كان كغير المتمكن, غير أنه شبيه بالتمكن, ولذلك بُني على حركة, وقد جَنَحَ بنا الكلام في هذا الفصل, لكن فما لابد لشرح كلام الناظم فلنثن عنانه.
ولما تكلَّم على أحد قسمَيْ الاسم وهو المبنى وذكر أنواع موجب البناء فيها أخذ في تعريف القسم الثاني الذي هو قسم المُعرب فقال: ومُعْرَبُ الأسماء ما قد سَلِمَا... مِن شَبَهِ الحرف كأرضٍ وسما تعرض في هذين المزدوجين لمسألتين: إحداهما: الإشارة إلى أن الاسم المُعرب بحق الأصل, ليس أصله غير ذلك لخلوه من العلل الموجبة للبناء, ولاشك أن السلامة من العلل هي الأصل فالإعراب هو الأصل من غير تخيير في ذلك, وهو مذهب الجمهور وهو صحيح فإنا وجدنا باب المُعربات من الأسماء أوسع بابًا من المبنيات بكثير
وقد ثبت أن الكثرة لها الأصالة, فالإعراب إذًا هو الأصل, وأيضًا فحقيقة الاسمية إنما تظهر غالبًا في الأسماء المعربة, وأما الأسماء المبنية فليست بأسماء حقيقة, إلا القليل منها, بل هي أشبه بالحروف منها بالأسماء, وإنما قيل فيها أسماء لوجود بعض أحكام الأسماء فيها.
وأما ابن خَروف فقرر أن الإعراب فرعٌ في الأسماء, بمعنى أنه أمرُ طارئ على الكلمة, لأن الكلم كلها قبل التركيب أصلها الوقف, وهذا صحيح وهو الأصل الأول, وليس الكلام فيه, وإنما الكلام في الأمر الطارئ بعد التركيب, من الإعراب أو البناء, أيهما الأصل في الأسماء؟ فقال يمكن الأمران في الأسماء أن يكون أصلها البناء, ثم دخلها الإعراب للمعاني الطارئة عليها, وما بُني منها بَقيَ على أصله, أو يكون أصلها الإعراب, لأنها لم تُجعل علامات للأشخاص والأجناس إلا للإخبار عنها وتصرفها في الإسناد للمعاني المحتوية عليها, والمانع من إعرابها تضمنُها معاني الحُروف أو شبهها بها أو خروجها عن أصلها ونظائرها, ثم جعل الأظهر القول بأن أصلها الإعراب, وهذا في الحقيقة راجع إلى الوِفَاقِ, حيث رجَّح ما ذهب إليه غيره إلا أن في كلامه نظرًا فتأمله, فليس موضع ذِكِرِه هذا الموضع.
المسألة الثانية: حَصرُهُ البناء العارض للأسماء فيها أشبه الحرف لأنه ذكر أولا أن بناء ما بُني لأجل شبه الحرف, ثم ذكر هنا أن
المُعرب ما سَلِمَ عن شبه الحرف, فاقتضى أن شيئًا من الأشياء غير شبه الحرف لا يُبنى له الاسم, وهذا مذهب سيبويه.
ألا تراه قال: وأما الفتح والضم والكسر والوقف فللأسماء غير المتمكنة المضارعة عندهم ما ليس باسم ولا فعل مما جاء لمعنى ليس غيرُ نحو: "سوف" و "قد", فموجب البناء عنده شيء واحد, وقد اختلفت عبارات الناس في عدِّ موجبات البناء, فالمحققون على أن ذلك واحد كما ذكر الناظم, وإياه عضَّد الشَّلوين حتى حمَل قول سيبويه ليس غير, على أنه يرجع إلى الأيماء غير المتمكنة, والمعني عنده أن علة البناء في الأسماء إنما هو عدم تمكنها, أي مضارعتها للعديم التمكن من الكلم الثلاث وهو الحرف ليس غير, ثم تأول ما كان غيره خارجًا عن شبه الحرف.
ومنهم من عدَّ وجهين وهما شبه الحرف وتضمن معناه كالفارسي وابن جِنِّي وهو بمعنى الأول, لأن تضمن معنى الحرف من أنواع شبه الحرف, إذ ليس شبه الحرف أتيا على وجه واحد كما تقدم, فهذا غير مخالف لمذهب سيبويه.
ومنهم من ذكر ثلاثة أوجه فزاد خروج الاسم عن أصله ونظائره, ذكر ذلك ابن خروف ونبَّه به على بناء "أي" عند سيبويه إذا سيبويه إذا حذف المبتدأ من صِلَتِها نحو: أكْرِم أيهم أفضل.
ومنهم من عدَّ أربعة أوجه كالسِّيرافي حيث قال: البناء في الأسماء إما لمشابهة الحروف, أو للتعلق بها, أو لوقوع المبنى موقع فعل مبني, أو لخروجه عمَّا عليه نظائره.
ولعله يردي بالتعلق بالحروف تضمُّنها لمعانيها أو الإبهام في الأشياء وقد تقدَّم ذلك.
ومنهم من عدَّ خمسة أوجه كالجُزُوليِّ, وهي شبه الحرف وتضمُّن معناه والوقوع موقع المبني, ومضارعة ما وقع موقع المبني, والإضافة إلى المبني وقد عُدّت أكثر من ذلك حتى إن بعد تلاميذ شيخنا الأستاذ أبي عبدالله الفخَّار -رحمة الله عليه- رفعها إلى اثنين وعشرين وجهًا, لكنها إذا ضُبطت ترجع إلى أقل من ذلك.
وحاصل ما زادوه على ما ارتضاه الناظم ثمانية أوجه: الوقوع موقع الفعل المبني ومضارعته وكثرة موانع الصرف والإضافة إلى مبني, والتركيب, والقطع عن الإضافة, والخروج عن النظائر (وكثرة الاستعمال).
فأما الأول: فعَنَوا به أسماء الأفعال, وقد تقدَّم أن الوقوع موقع الشيء يُوجب للواقع شَبَهًا بالموقوع موقعه, وإذا كان كذلك فشَبَهُ الفعل لا يوجب أكثر من مَنْع الصرف, أما أن يوجب البناء فلا, وإنما الذي
يوجب البناء مضارعة ما لا يكون إلا مبنيا، وهو الحرف بخلاف الفعل فإنه قد يكون معربا، ومما يدل على ان مضارعة الاسم للفعل بوقوعه موقعه لا يوجب بناء أن مضارعته له قد تكون بتضمنه معناه، وهو معنى وقوعه موقعه وشبهه به في اللفظ، فإن كان وقوعه موقع الفعل المبني يوجب البناء فليكن شبهه به في اللفظ موجبا للبناء أيضا، كما إذا سميت رجلا بالفعل الماضي نحو: انفعل وافتعل وفَعل وفُعل وما أشبه ذلك، إذ لا فرق بين الشبه بالمبنى والوقوع موقعه في إيجاب البناء، كما لم يكن بينهما فرق بالنسبة إلى الحرف، لكن العرب إنما يوجب شبه الفعل عندها منع الصرف فقط، ولا يوجب بناء البتة فكذلك وقوعه موقعه لا يوجب بناء، وأيضا قد وجدنا الأسماء تقع موقع الفعل المبني، ولا يوجب ذلك بناء، وذلك اسم الفاعل إذا كان صلة للألف واللام فإنه غنما عمل هنالك وإن كان بمعنى الماضي لوقوعه موقعه كذلك ينبغي أن يبنى، لكن العرب لم تفعل ذلك، فدل على أن الوقوع موقع الفعل المبني لا يوجب بناء البتة، بهذا المعنى استدل الشلوبين على عدم صحة ما ذهب إليه السيرافي وغيره.
وأما المضارعة لما وقع موقع المبني فذلك في: جعار وسَفَار، حيث أشه نزال، وهذا الشبه يقول به الناظم على طريقته في نزال، لأن مشبه المشبه مشبه كما تقدم وأما كثرة موانع الصرف فهو مذهب المبرد في جعار ونحوها قال: بنيت لأنها معرفة مؤنثة لا تنصرف فزادها العدل ثقلا.
وليس بعد منع الصرف غلا البناء ورد عليه السيرافي
بأن صحراء إذا سمّينا بها مؤنثا لم تبن اتفاقا وكذلك مساجد مسمى به مؤنث، ولا يزاد فيها على منع الصرف، لأن كثرة موانع الصرف إنما هي كثرة وجود شبه الفعل، وشبه الفعل لا يوجب البناء فعلى هذا كل ما استدل به بطلان الوجه الأول، به يستدل على بطلان هذا الثالث.
وأما الإضافة إلى المبنى فخارجة عما نحن بسبيله، لأنها لا توجب بناء لطروئها بعد التركيب، وكلامنا في المبنى بحق الأصل، وإنما الإضافة إلى البنى -إن ثبت علة تجوز البناء لا توجبه، وأيضا فالبناء معها لشبه الحرف على ما سيذكر في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ومثاله قول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وكذلك التركيب نحو: لا رجل، وخمسة عشر، والقطع عن الإضافة نحو "لله الأمر من قبل ومن بعد".
وأما الخروج عن النظائر، وذلك في "أي" فهو الحقيقة رجوع إلى الأصل من البناء؛ لأن أصل أي أن تكون مبنية كسائر ما تكون بمعناه من الموصولات أو
أسماء الشرط وأسماء الاستفهام، إلا أنها أعربت لتمكنها بالإضافة، فلما حذف المبتدأ من صلتها إذا كانت موصولة وصار المضاف إليه أي كالعوض منه توهموا زوال الإضافة منها، فصيروها إلى أصلها من البناء وخروجها عن نظائرها، إنما معناه أنها انفردت بحسن حذف المبتدأ من صلتها إذا كان هو الضمير العائد عليها دون سائر المواصلات حيث قبح ذلك فيها، وإن دخل تحت هذا الوجه بناء "حيث" لانفرادها دون سائر ظروف المكان بالإضافة إلى الجملة لزوما، فشبه الحرف أولى أن يعلل به بناؤها، كما ستأتي في هذا الباب إن شاء الله وأيضا فهذا الوجه مما يكون البناء معه في حال دون حال.
أما في "أي" فعلى رأي سيبويه وغيره، وأما في "حيث" فعلى رأي السيرافي، فانظر فيه في باب المجاري من "شرح الكتاب" وأما كثرة الاستعمال وذلك في "لهى أبوك" على ما قاله بعضهم، فلم يعتبرها المؤلف علة بناء، إذ لم يثبت لكثرة الاستعمال إلا التغيير بالزيادة والنقصان كلم يك، ولم أبل، وأيش، ويابن أم، أو بتغيير الحركات نحو: يا زيد بن عمرو وما أشبه ذلك، ولم نر شيئاً من ذلك بني لكثرة الاستعمال، فكذلك "لهى أبوك"، فهم وإن غيروه -وكان أصله: لله أبوك- لم يبنوه لما ذكره بل لأمر آخر وأولى من
ذلك ما قاله المؤلف من أنه ضمن معنى التعجب الذي كان حقه أن يوضع له حرف، فإذا تقرر هذا لم يستقر من هذه الأوجه المتقدمة سببا للبناء في الأسماء إلا الحرف، وهو ما أراد الناظم -رحمه الله- تقريره.
وقوله: (من شبه الحرف) أراد به الشبه في أي نوع كان من تلك الأنواع التي ذكرها، وهذا إن قلنا: إنه قصد حصر الشبه في تلك الأربعة أو الشبه العام فيما ذكر، وفيما لم يذكر مما تقدم لنا ذكره في شرح كلامه، أو لم يتقدم فيه ذكر، وهذا إن قلنا أنه قصد بإتيانه بالأنواع الأربعة قصد التمثيل لا الحصر، ومثل ما سلم من شبه الحرف بمثالين، وهما أرض ومعناه بيّن، وسما وأصله سماء -بالمد- من السمو وهو الارتفاع، لكن قصره للشعر، ووقع في نسخ مضبوطا بضم السين على وزن هُدى وتُقى، وعليه شرح ابن الناظم وهي لغة في الاسم، إذ فيه خمس لغات: اِسم واُسم -بكسر الهمزة وضميها- وسِم وشُم -بكسر السين وضم مع النقص- وهذه هي اللغات المشهورة في النقل، واللغة الخامسة هي التي في كلام الناظم نقلت عن ابن الأعرابي، وذكرها ابن السيد، وهي غريبة، واستشهد عليها بما أنشده الفارسي عن أبي زيد:
فدع عنك ذكر اللهو واقصد بمدحه... لخير معد كلها حيث انتمى
لأعظمها قدرا وأكرمها أبا... وأحسنها وجها وأعلنها سُما
بوما أنشده الزجاج وغيره من قول الآخر:
الله أسماك سما مباركا... آثرك الله به إيثاركا
ولا دليل في هذين الشاهدين على إثبات هذه اللغة، لأن سُما في الموضعين منصوب، فيم كن أن تكون الألف ألف التنوين كيد ودم، إذا قلت رأيت يدا ودما، وإنما أتى الفارسي بالشاهد الأول على أن سُما منقوص، وكذلك الزجاج والجوهري في الشاهد الثاني، وفسر القالي سُما على غير هذا المعنى فقال: سُما الرجل: بعد ذهاب اسمه، فلم يجعله مرادفا للاسم وأراد ببعد ذهاب الاسم انتشار ذكره في الأقطار وطيرانه كل مطار.
وأتى بمثالين ولم يقتصر على مثال واحد ليعلم أن الاسم المعرب منه ما يظهر في آخره الإعراب كأرض، ومنه ما يقدر في آخره كسُما، فإن جميع ما آخره ألف ليس بمعرب لعدم ظهور الإعراب فيه، وهذا المعنى يشير إلى صحة ما ثبت في النسخ من ضم السين سُما، إذ لو أتى بسَما الممدود لم يحصل ذلك المعنى بالمثالين لاستبعاد أن يكون المثال الثاني لغير معنى زائد لأنه قلما يفعل ذلك، ويمكن أن يكون الضبط -بفتح السين- على ما يقع في بعض
النسخ، ويكون المثالان لمعنى واحد أو يكون كالضم في القصد، لأن سماء الممدود لما قصر للشعر صار من قبيل المقصورات كفتى ورحى.
ألا ترى أنك تكتبه بالياء إن كان من ذوات الياء نحو: قضى مقصور قضاء، فهو إذا كسما المضموم السين في إعطاء المعنى المقصود.
ثم قال:
وفعل أمر ومضى بنيا... وأعربوا مضارعا إن عَرِيا من نون توكيد مباشر ومن... نون إناث كيرعن من فتن لما فرغ من بيان قسمة الاسم إلى المعرب والمبني أخذ في بيان ما للفعل من ذلك، ثم ما للحرف فقسّم الفعل أيضا غلى المعرب والمبني، فأما المبني منه فصيغة الأمر وصيغة الماضي، وذلك قوله: (وفعل أمر ومضى بنيا) وألف بنيا ألف تثنية، وهو ضمير عائد على الفعلين: فعل الأمر وفعل الماضي وتقديره: وفعل أمر وفعل مضى بنيا، وفعل المُضي هو الفعل الماضي وأضافه إلى المضي لأنه من صفته، فمثال (فعل) الأمر: قم واضرب وكل واشرب ومثال الفعل الماضي: قام وضرب واقتدر واستكبر وما أشبه ذلكن فهذان مبنيان حتما كما ذكر، لا إعراب يدخلهما البتة؛ وإنما بُنيا لفقد العلة الموجبة للإعراب فيهما، وذلك التفرقة بين المعاني الحادثة بعد التركيب وهي التي إذا اختلفت على الكلمة لم يتبين بعضها من بعض إلا بالإعراب كالفاعلية والمفعولية والإضافة في الأسماء، فلما كانا كذلك لم يكن لدخول الإعراب فيهما معنى فبنيا لذلك، وما ذهب إليه في الأمر هو مذهب
البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنه معرب مجزوم.
وأصل ارم واخش واغزُ عندهم لترم ولتغز، فليس أصل بناء، وإنما هو محذوف من المضارع، والمضارع معرب.
وأدل دليل عندهم على ذلك حذف آخره وجريانه في ذلك على المضار، والظاهر مذهب البصريين من كونه مبنيا.
وأصل بنائه لوجهين:
أحدهما: أن ما زعموا من الحذف دعوى.
والآخر: أن طريق الحذف أن يكون للتخفيف، وإذا كان كذلك، فلو أرادوا التخفيف لحذفوا اللام ويبقى حرف المضارعة، فحذفهم له وإتيانه بالهمزة بعيد عن مقصد التخفيف، وأيضا حذف الجازم وإبقاء عمله محذور كما كان ذلك في الجار الذي هو نظيره.
وأما حذف الآخر: فإن هذا البناء كما اطرد في الأمر وأشبه المجزوم لموافقته له في السكون، وحركات الفعل وسكونه حكم له بحكمه فحذف آخره المعتل، كما حكم للمبني في النداء وفي باب "لا" بحكم المعرب على ما سيأتي عن شاء الله تعالى.
وأما المعرب منها فهو الفعل المضارع، وذلك قوله: (وأعربوا مضارعا) أي: فعلا مضارعا، يريد أنهم لم يعاملوه معاملة أخويه
فبينوه بل أعربوه كما أعربوا الاسم، وضمير أعربوا عائد على العرب، وهو من قبيل ما يفسره السياق، إذ لم يتقدم للعرب ذكر، لكن لما كان هذا العلم تقريرا لكلامهم صار ذلك قرينة تدل على أنهم المقصودون بالضمير، فصار كقوله تعالى: ((حتى تورات بالحجاب))، والمضارع مشتق من المضارعة وهي المشابهة، وإنما سمي مضارعا لمضارعته الاسم، أي مشابهتهن وهذه المضارعة هي التي أوجبت الإعراب فيه عند البصريين، إذ ليس فيه عندهم موجب له كما كان في الاسم موجب، بل هو في ذلك كأخويه الأمر والماضي، إلا أن العرب من شأنهم مراعاة الشبه، فيعاملون المشبه معاملة ما شبه به بعض الأحكام ولما كان المضارع شبيها باسم الفاعل من جهة اللفظ، لجريانه عليه في الحركات والسكنات وعدد الحروف مطلقا، وفيما زاد على الثلاثة شابهه أيضا لجريانه معه في تعيين الحروف الأصول والزوائد، وتعيين محالها ماعدا الزيادة، ومن جهة المعنى؛ لن كل واحدة منهما يأتي بمعنى الحال وبمعنى الاستقبال أعرب بالحمل عليه، كما عمل اسم الفاعل بالحمل على المضارع، وهذا الوجه أحسن ما سمعت في تعليل إعراب المضارع من شيوخنا وما رأيته مما ذكره النحويون، وإياه كان يعتمد شيخنا القاضي أبو القاسم الحسنى -رحمه الله-.
وللبصريين في تقرير في تقرير هذا الشبه أوجه لا حاجة بنا إلى إيرادها.
واعلم أن قول الناظم: (وأعربوا مضارعا) ليس فيه ما يدل على أصالة الإعراب في المضارع ولا على فرعيته فيه، بل قال: (وأعربوا) كما قال في الأمر والماضي "بنيا" أي بنتهما
العرب، فترك التنبيه على ذاك لنها مسألة في محل النظر بعد، ولأنها غير ضرورية ولا ينبني ليها في اللسان العربي فائدة، وقد اختلف أهل البصرتين فيها، فأهل البصرة ذهبوا غلى أن الإعراب في المضارع فرع دخله بالشبه المنبه عليه وأهل الكوفة ذهبوا غلى أنه أصل فيه، والسبب في دخوله فيها كالسبب في دخوله في الاسم من التفرقة بين المعاني الحادثة بعد التركيب، فكما أن الإعراب في الاسم للتفرقة بين الفاعلية والمفعولية والإضافة في قولك: ما أحسن زيدٌ إذا نفيت، وما أحسن زيدا! إذا تعجبت، وما أحسن زيدٍ؟ إذا استفهمت، كذلك هو في الفعل إذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
للتفرقة بين النهي عن الفعلين مطلقا وبين النهي عن الجمع، وبين الاستئناف والتخيير في الفعل الثاني والنهي عن الأول، ثم حمل في البابين ما لا يفتقر إلى التفرقة على ما يفتقر غليها، ومن هذا المذهب الأخير استنبط المؤلف مذهبا ثالثا هو أضعف المذاهب، فلم نطوّل بذكره، ثم شرط في إعراب المضارع شرطا فقال: (إن عريا من نون التوكيد.. إلى آخره) يقال: عري الرجل من ثيابه يعري عرية وعرْوة، إذا تجرد منها فهو عار وعريان، والمرأة عريانة، هذا أصله، ثم يستعمل في غير ذلك مجازًا
كهذا الموضع، ويعني أن إعراب الفعل المضارع مشروط بسلامته من لحاق نونين، إحداهما: نون التوكيد المباشرة، ونون التوكيد على وجهين: خفيفة وثقيلة وكلتاهما مرادة، ولذلك أطلق زلم يقيد بواحدة دون أخرى، فالخفيفة نحو قول الله تعالى: ((لنسفعا بالناصية))، ((وليكونا من الصاغرين))، والثقيلة: نحو قوله: ((فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))، والمباشر: وصف للنون على اعتبار التذكير، ولو اعتبر التأنيث فيه لقال مباشرة، والحروف كلها تذكر وتؤنث باعتبار أنه لفظ وأنه كلمة وأنشد سيبويه على التذكير: كافا وميمين وسينا طاسما وأنشد على التأنيث: كما بينت كاف تلوح وميمها وإنما قيد النون بالمباشرة وهي الملامسة والملاصقة من غير حائل لأن نون التوكيد تارة تكون مباشرة للفعل من غير فاصل يفصل بينهما كالمثل المتقدمة، تارة تكون غير مباشرة؛ إما حقيقة كالشديدة مع ألف الاثنين إذا
لحقت الفعل نحو: هل تضربان يا زيدان؟، وإما حكما كما إذا لحق الفعل واو جماعة أو ياء واحدة مخاطبة نحو: عل تضربُنَّ يا زيدون؟ وهل تضربِنَّ يا هندٌ؟ فإن النون وإن باشرت الفعل لفظا، هي غير مباشرة حكما إذ أصله هل تضربون وهل تضربين؟ لكن حذف حرف العلة لالتقاء الساكنين وبقيت الضمة دالة على الواو المحذوفة، والكسرة دالة على الياء، كذلك فالفاصل هنا في حكم الموجود.
فأما المباشرة: فهي التي تحرز منها، وإن المضارع إنما يعرب إذا سلم منها، وأما غير المباشرة: فلم يتحرز منها، لأن لحاقها عنده وعدم لحاقها سواء، فالمضارع إذا لحقته معرب كما لو لم تلحقه.
فإذا قلت: هل تضربان؟ وهل تضربون، وهل تضربين؟ إلا أن علامة الإعراب وهي النون حذفت لاجتماع الأمثال، وهذا المذهب الذي ذهب إليه هو أحد المذاهب الثلاثة في المسألة لأنهم اختلفوا في الفعل المضارع إذا لحقته نون التوكيد، هل يرجع إلى أصله من البناء أم يبقى على حالة من الإعراب؟ على ثلاثة أقول:
أحدها: أنه باق على حالة من الإعراب مطلقا، ولا تأثير للنون التوكيدية فيه، لكن يصير الإعراب فيه مقدرا، ونظيره في الأسماء المضاف إلى ياء المتكلم، ومن الناس من يطلق على الفعل هنا أنه لا معرب ولا مبني كالمفرد المضاف إلى ياء المتكلم، فله حال بين حالين.
والثاني: النون، تؤثر فيه المنع من الإعراب فيصير إلى أصله من البناء مطلقا وعلى هذا المذهب أكثر النحويين.
والثالث: مذهب الناظم، وهو التفرقة بين ما لحقه ألف اثنين أو واو جماعة أو ياء واحدة مخاطبة وبين غيره، فالأول باق على أصله الثاني وهو الإعراب، والثاني منتقل عنه إلى أصله الأول وهو البناء، وإليه ذهب الخِدَبُّ على ما حكاه عند تلميذه ابن خروف، وأن نون الرفع إنما حذفت لاجتماع النونات، قال: وهو الأظهر من قول سيبويه؛ لأنه لو حذف للبناء لم يحتج إلى علة اجتماع النونات، يعني أن سيبويه علل حذف النون باجتماع النونات.
ألا تراه يقول: وإذا كان فعل الاثنين مرفوعا فأدخلت النون الثقيلة حذفت نون الاثنين لاجتماع النونات.
وقال: نحو ذلك في فعل الجميع ولم يعلل بغير الاستثقال باجتماع النونات، ثم نظر ذلك بقراءة من قرأ: ((أتحاجوني)) و ((فيم تبشرون)) ول كان الحذف للبناء لعلل به، فهو كان الأحق في الموضع، فدل على أن مذهبه فيه عدم البناء بخلاف ما لم تلحقه ألف ولا واو
ولا ياء، فإنه قد نص في باب المجاري على أنه مبني فثبت أن مذهب الناظم هو مذهب الكتاب، وقد رجح ما ذهب إليه بأن المؤكد بالنون إنما بنى لتركيبه معها، وتنزله منها منزلة صدر المركب من عجزه وذلك منتف من يفعلان وأخويه هذا مذهب المحققين، ويدل على صحته أن البناء المشار إليه إما للتركيب وإما لكون النون من خصائص الفعل، فيضعف بلحاقها سبه الاسم.
والثاني: باطل لأنه مرتب على كون النون من خصائص الفعل، ولو كان ذلك مؤثرا لبنى المجزوم، والمقرون بحرف التنفيس والمسند إلى ياء المخاطبة لأنها مساوية للمؤكد بالنون في الاتصال بما يخص الفعل، بل تأثير هذه الثلاثة أشد من تأثير النون، لأن النون وإن لم يلق لفظها بالاسم معناها به لائق بخلاف هذه الثلاث، فإنها لا تليق بالاسم لفظا ولا معنى، لن الفعل معها لم يبن، فدل على أن بناء المؤكد بالنون إنما هو للتركيب، إذ لا قائل بثالث، وإذا كان للتركيب، إذا لا قائل بثالث وإذا كان للتركيب لم يكن فيه ليفعلان وأخويه نصيب، لأن الفاعل البارز خارج، وثلاثة أشياء لا تركب وأيضا فإن الوقف على نحو: هل تفعلن؟ بحف نون التوكيد وثبوت نون الرفع، فلو كان قبل الوقف مبنيا لبقي بناؤه؛ لأن الوقف عارض فلا اعتداد بزوال ما زال لأجله، كما أنه لا اعتداد بزوال ما زال لأجله، كما أنه لا اعتداد بزوال ما زال لالتقاء الساكنين نحو: هل تذكر الله؟ الأصل: تذكرنْ، فحذفت النون الخفيفة لالتقاء الساكنين وبقيت فتحة الراء بين العوضين، فلو كان ليفعلن ونحوه قبل الوقف بناء لاستصحب عند عروض الوقف، كما استصحب بناء هل تذكرن؟ عند عروض التقاء الساكنين، هذا ما قال المؤلف في الاستدلال على مذهبه في إعراب ما
لحقه ألف واو أو ياء، ثم لحقته نون التوكيد واستدل غيره على بناء ما لم يلحقه ذلك مع النون بأنها إذا وقعت على الفعل المعتل الآخر، وقد حذف منه الآخر للجزم رد معها ما قد كان حذف فنقول في نحو: لتغز ولترم ولتخش، لتغزون ولترمين ولتخشين، وكذلك الموقوف الشبيه بالمجزوم نحو: اغز وارم واخش، فلو كان الإعراب باقيا مع لحاق النون لكانت علامة الجزم باقية، ولا يصح أن يقال: إن الإعراب مقدر مع لحاق النون؛ لأن ذلك وإن تأتي في المعرب بالحركة والسكون غير متأت في المعرب بالحرف أو بحذف الحرف، فثبت إذا ما ارتضاه الناظم مذهبا، ويكفي من الاستدلال هذا المقدار وبالله التوفيق.
وقد اقتضى هذا الشرط الذي شرطه الناظم في إعراب المضارع في قوله: إن عرى من كذا مفهوما، وهو أنه إن لم يعرَ من نون التوكيد المباشر فلا يعربونه، وضد الإعراب البناء فالذي لحقه نون التوكيد المباشر إذا مبني نحو: هل تقومن؟ وهل تخرجن؟ وقد تقدمت الدلالة على كونه مبنيا، وإنما بني لأحد أمور أربعة:
أحدها: أن الفعل لحقه ما لا يلحقه ما لا يلحق إلا الأفعال، فقوى فيه جانب الفعلية، فرجع إلى أصله من البناء، وكان ذلك أقرب من خروجه عن أصله إلى الإعراب لأجل الشبه بالاسم والرجوع إلى الأصل يكون بأدنى سبب.
الثاني: أنه ركب مع النون وصير معها كصدر المركب مع العجز والتركيب سبب من أسباب البناء كما في خمسة عشر وحضر موت.
الثالث: أن الفعل لما لحقته النون فخصصته من آخره بالمستقبل بعد عن شبه الاسم، إذا المضارع إنما أعرب لشبهه بالاسم في الإبهام والتخصيص