شائع في كلام العرب/ فاشٍ، يعنى تقديم المفعول.
وإنما ذكر هذا المعنى ليتبيَّن أنّ الضمير إذا تأخّر مفسِّرُه لا يمتنع بإطلاق، بل يجوز في موضع ويمتنع في آخر.
وهذا الموضع ممّا لا يمتنع فيه تأخيرُ المفسّر، بل هو كثير شائع، وإن كان تأخير الضمير من المفسّر أكثر، فيجوز أن تقول: خافَ ربَّه عُمَرُ، وإن كن ضمير رَبَّه يعود على عُمَر، وهو متأخر، لأن أصله التقديم، فكأن التقدير: خاف عمرُ رَبَّه.
وهذا صحيح لا إشكال فيه.
وعلى هذا تقول: ضَرَبَ غلامَه زيدٌ، وأكرم صاحب أبيه عَمْرٌو.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ في نَفْسِه خيفَةً مُوسَى]؛ لأن المجرور مفعولٌ به تقديرًا.
وهو كثير في كلام العرب، كما قال.
فإن كان الضميرُ متّصلًا بالفاعل لزم فيه التأخير، ولزم في المفعول التقديم، إلا في الشعر، وعلى ذلك نبّه بقوله: «وَشَذّ نَحو: زَانَ نَورُه الشَّجَرْ، يعنى ما كان نحو هذا مما اتّصل بالفاعل فيه ضمير يعودُ على المفعول، لم يجز تقديمُ الفاعل فيه، بل يلزمُ تأخيرُه، فتقول: زان الشجَرَ نورُهُ، وضرب زيدًا غلامه، وقتل عَمْرًا أخوه.
ومنه قول الله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلى إبراهيمَ ربُّه بِكَلِمَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيْمَانُها لم تكُنْ آمَنَتْ من قبلُ﴾.. الآية.
ووجهُ المنعِ أَنّ مُفَسِّر الضمير إنما يكونُ متقدّمًا عليه؛ إذ لا يضمر الاسم إلا بعد أَنْ يعرف ويتقدّم ذكره.
وإذا كان كذلك، وكان مفسّر الضمير متأخرًا، فإن كان التأخير له عرضًا جاز لأنه في الحقيقة متقدّم على الضمير، وذلك كالمسألة الأولى، وهى: خاف ربّه عُمَر.
وإن كان
التأخير له بحكم الأصل لم يصحّ وضعُه مفسّرا، لأنه خلاف الوضع، فلا بدّ أن يُرَتّب الكلام ترتيبا يكون فيه المفسّر متقدمًا في اللفظ ليكون الضمير محالًا به على مذكور، فلزم أن يتقدّم المفعولُ إذا كان هو المفسّر للضمير المتّصل بالفاعل فعلى الجملة إذا حصل للمفسّر التقديمُ إما في اللفظ وإمّا في المرتبة الأصلية، وإن كان متأخّرا في اللفظ، صحّ، وإن لم يحصل له التقديمُ لا في اللفظ ولا في المرتبة لم يصح الكلام إلّا في الشعر، كما قال:
وقوله: «وشذ نحُو» كذا، تنصيصٌ على أنه قد جاء في السماع ما يخالف هذا الأصل، وذلك على مثال... فلا يقاس عليه لاختصاصه بالشعر وعدم مساعدة القياس له.
ومما جاء من ذلك قولُ حسان بن ثابت يرثى مطعم بن عدىّ، جدّ نفع بن جُبَير بن مطعم، رحمهم الله:
وَلَو أَنَّ مَجْدًا أَخْلَدَ الدَّهْرَ وَاحِدًا
مِنَ النّاسِ، أَبْقَى مَجْدُهُ الدَّهْرَ مُطْعَما
وقال النابغة:
جَزَى رَبُّه عَنِّى عَدىَّ بن حَاتِمْ
جَزَاءَ الِكَلاب العَاوِيَاتِ، وقَدَ فَعَلْ
وقال الآخر:
لَمَّا رَأَى طَالِبُوهُ مُصْعَبًا ذُعِرُوا
وَكَانَ لَوْ سَاعَدَ المَقْدُورُ يَنْتَصرُ
وقال الآخر:
جَزَى بَنُوه أَبا الغَيْلانِ عَنْ كبَرٍ
وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزَى سِنِمَّارُ
وقال الآخر:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِى هَلْ يلومَنَّ قَوْمه
زُهَيرًا عَلَى ما جَرّ مِنْ كُلِّ جَانبِ
وقال الآخر:
كسا حِلْمُه ذا الحِلْمِ أثوابَ سُؤدَدٍ
وَرَقَى نَدَاهُ ذا النَّدىَ في ذُرىَ المَجْدِ
وهذا كلُّه عند الناظم لا يعتدّ به، ولا يبنى عليه قياسٌ، وهو رأىُ الجمهور من النحويّين.
وذهب أبو الفتح بن جِنّى إلى جواز القياس على ما جاء من ذلك، فيجوز عنده أن تقول: ضرب غلامُه زيدًا، ونصرَ أبوه عمرًا، وزان نورُه الشجر.
/ وتبعه المؤلِّف في التسهيل، وشرحه على القياس، واحتجّ لما
ذهب إليه بالسماع المذكور -ولا حجةَ فيه لقلّته واختصاصه بالشعر- قال: «ولأنّ جواز [نحو]: ضرب غلامُه زيدًا، أسهلُ من جواز: ضربوني وضربتُ الزيدين، ونحو: ضربتُه زيدًا، على إبدال زيدٍ من الهاء.
وقد أجاز الأوَّلَ البصريون، وأجِيز الثاني بإجماعٍ حكاه ابن كيسان.
وكلاهما فيه ما في ضربَ غلامُه زيدًا، من تقديم ضمير على مفسّرٍ مؤخّر الرتبة، لأنّ مفسِّر واو] ضَربُونِى معمولُ معطوفٍ على عاملها، والمعطوفُ ومعموله أمكنُ في استحقاق التأخير من المفعول بالنسبة إلى الفاعل، لأن تقدّم المفعول على الفاعل [يجوز في الاختيار كثيَرَا، وقد يجب، وتقدمُ المعطوف وما يتعلّق به على المعطوف] عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت [الزيدين] أن يحكم بأولوية جواز: ضرب غلامُه زيدًا، لما ذكرناه».
قال: «وكذلك يلزمُ مَن أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفَسِّر له غيرهُ؛ لأنّ البدل تابع، والتابع مؤخر بالرتبة ومؤخّر في الاستعمال على سبيل اللزوم.
والمفعولُ ليس كذلك؛ إذ لم يلزم تأخيره».
هذا تمامُ ما احتجّ به، وليس فيه على ما اختار هنا واضحُ دليلٍ:
أَمَّا أوّلًا فإن المتّبع السماعُ كيف كان، وقد علمنا شُذُوذَ ما جاء عنهم في مسألتنا وشياع ما جاء عنم في باب الإعمال والبدل، فنحن نقيس حيث بلغ
أن يقاس عليه، ونمنع القياس حيث لم يبلغ السماعُ أن يقاس عليه.
وبعد ذلك إن وجدنا علّةً لشذوذ الشائع فسّرناها بناءً على قول سيبويه: «قِفْ حيث وَقَفُوا ثم فَسِّرْ».
وهى قاعدة مسلمة عند الجميع.
وأما ثانيا فإنّ بابى الإعمال والبدل جاءا على خلاف الأصول؛ إذ الأصل والأكثر الشائع تقدُّم مُفَسّر ضمير الغائب، بإقراء ابن مالك وغيره، فمتى جَاءَ ما يخالفه فلا ينبغي فلا يُعَوّلَ عليه في قياس ما ليس من بابه عليه، بل ينظر إليه في نفسه، فإن كثر تبلغ القياسَ قيس عليه في بابه خاصّةً، كما فعلُوا في باب الإعمال، وباب نعم وبئس، وباب ضَمير الشأن، وباب البدل، وباب رُبَّ.
ولم يُتَعرّض لإبطالِ الأصل به؛ إذْ لو كان كذلك لم يَصحَّ أَنْ يكون الأصلُ تقديمَ مفسّر ضمير الغائب، ولكان التقديم والتأخير في المفسّر جائزًا بإطلاقٍ قياسًا على ما قال، لكن هذا باطل باتفاق، فيطل ما أدّى إليه.
وإنَّما نظيرُ بابِ الإعمال وما أشبه في كونها مستثنًى من القاعدة بيعُ العرايا بِخَرْصِها تمرًا إلى الجَدَادِ، وضربُ الدية على العاقلة وما أشبهها مما هو خارج عن القواعد... ولا يخرج عن بابه لأنه خرمٌ للقاعدة الثابتة.
فما قاله المؤلف رحمه الله لا ينهض دليلًا على القياس، فالصحيح ما ذهب إليه هنا من الوقوف مع الأصلِ ومنع
سواه؛ إذ لم يثبت سماعٌ يقاسُ عليه.
وإذا ثبت وَرَدَ على الناظم دركٌ في هذا الفصل من وجهين:
أحداهما: أنه أتى في تقديم المفعول على الفاعل أو على الفعل بثلاثة أقسام خاصة؛ لزوم تأخير المفعول، ولزوم تقديمه على/ الفاعل، وجواز تأخيره وتقديمه وتوسيطه.
والقسمة تقتضى سبعة أقسام: لزوم تأخيره عن الفاعل، ولزوم تقديمه على الفعل، ولزوم توسيطه بينهما، وامتناع تأخيره فقط مع جواز تقديمه وتوسيطه، وامتناع تقديمه فقط مع جواز توسيطه [وتأخيره]، وامتناع توسيطه فقط مع جواز تقديمه وتأخيره، وجواز الأوجها الثلاثة.
فالجميعُ سبعةُ أقسام، نقصَهُ منها أربعة: أحدها: لزومُ تقديمِ المفعولِ، وذلك إذا كان فيه معنى الشرط، نحو: من تُكْرِمْ أكرِمْ، وَأَيّهم تُكْرِمْ أكرِمْه.
أو معنى ذلك الاستفهام، نحو: أَىّ رجل أكرمت؟ ومَن ضربت.
وما صنع زيد؟ أو كان كم الخبرية، نحو: كم رجلٍ أكرمتُ، وكم بَطَلٍ جَدَلَ زيدٌ، أو مضافًا إلى واحد منهما، نحو: غُلام أَيِّهم تُكْرِمْ أكرِمْه.
وغلام مِنْ أكرمت؟ وغُلام كم رجلٍ أطعمتُ
والثاني: امتناع التقديم، وذلك مع أدوات الشرط سوى إِنْ، نحو: متى يضربْ زيدٌ عمرًا أكرِمْه.
ومتى يَضْرِبْ عمرًا زيدٌ أكرِمْه.
فيجوز تأخيرُ المفعول وتوسيطه، ولا يجوز تقديمه.
ومع أدوات الاستفهام سوى الهمزة، فيجوز: هل ضرب زيدٌ عمرًا؟ وهل ضرب عمرًا زيدٌ؟ ولا يجوز هل عمرًا ضرب زيد؟
والثالث: امتناع التوسيط، وذلك إذا كان الفاعلُ [ضميرًا متصّلا، نحو: ضربتُ زيدًا، وزيدًا ضربت.
ولا يجوز توسيطه] بين الفعل والضمير، فلا تقول: ضرب زيدًا، من غير حصر، ولا ما يوجد انفصالَ الضمير.
والرابع: لزوم توسيطه، وذلك إذا كان الفاعل مقرونا بإلّا، أو في معناه، أو كان ضمير متصّلا والفاعل ظاهر، نحو: ما ضرب زيدًا إلّا عمرو، وإنّما ضرب زيدًا عمرو، وضَربَك عمرو.
فإن قلت: قد ذكر هذا القسم بقوله: «وَمَا بِإِلَّا أَوْ بِإِنَّما انحصَرْ.. آخِّرْ».
قيل: بل لم يذكره، وإنما فيه لزومُ تأخير الفاعل خاصة، يبقى المفعول محتمِلًا لأَنْ يكون لازم التوسيط أو التقديم، أو لم يتعرض له، فقد يتوهم جواز مثل: ما زيدًا ضرب إلا عمرو وهو غير جائز.
والثاني: أن المواضع التى ذكر للزوم التأخير في الفاعل أو المفعول قاصرة عن المقصود؛ إذ لم يستوفها كما استوفاها غيره، فكان حقّه أن يستوفيها.
فإن قيل: إِنَّ هذا المختصر لم يُبْن على الاستيفاء وإنما بُنى على الاختصار وذكر مشاهير الأصول والمسأل، وأيضا فما ذكر تنبيه على ما لم يذكر.
قيل: هذا ليس بعُذْرٍ، وقد قَرَّر أولًا جواز التقديم والتأخير والتوسيط، وأنه الأصل المرجوع إليه إذا فقدت العوارض، ولما ذكر من العوارض ما ذكر أوهم أَنْ
ليس ثَمَّ عارضٌ يَصُدُّ عن مراجعة الأصل، فاقتضى أنّ سِوَى ما ذكر يجوز فيه الأوجه الثلاثة، وذلك إخلاف.
ومن شرطه في هذا النظم أن يأتى بالقواعد موفّاةً وبالمسأل محرَّرَةً، وليس من شرطه أن يذكر جميع مسائل النحو بإطلاق؛ إذ لم يقدر على ذلك في التسهيل الذى بناه على الاستيفاء، فما ظنك بهذا المختصر؟ ! فأمّا لزوم تأخير المفعول فنقصه منه مواضع:
أحدها: أن يكون ضميرًا متّصلا بالفاعل، نحو ضربته وأكرمته.
والثاني: / أن يكون العامل في المفعول مصدرًا مضافًا إلى فاعله، نحو: عجبتُ من ضَرْبِ (زيدٍ عمرًا.
ومثلُ ذلك: ضرب القومُ بعضُهم بعضا)، فلا يجوزُ هنا توسيط بعض ولا تقديمه، قال بعضهم: لما يلزمُ من الفصل بين البدل والمُبدَلِ منه.
وبالجملة فالسماعُ على التزام تقديم الفاعل وبدلهِ على المفعول.
وكذلك أيضًا لا يجوزُ عندهم أن يقال: ضرب بعضَ القوم بعضٌ.
وأما لزوم تأخير الفاعل فنقص منه مواضعُ أيضا:
أحدها: أن يكون المفعولُ ضميرًا مُتّصلا والفاعل ظاهرٌ، نحو: أكرمك زيدٌ.
والثاني: أن يكون المصدرُ هو العاملَ، وهو مضاف إلى المفعول بحضرة الفاعل، نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ أَخُوكَ.
والثالث: أن يكون العامل صفةً جَرَت على غير من هى له، نحو: مررتُ بامرأةٍ ضارِبِها أنت، أو: ضاربها زيدٌ.
والرابع: أن يُضْطَرّ إلى ذلك في الشعر، نحو قول الشاعر:
إذا خَضْخَضَتْ ماءَ السماءِ القنابلُ
ولو تتبْعت المسائل لكانت أكثر من هذا.
فالحاصل أن في هذا الفصلِ تقصيرًا كثيرًا هنا وفي التسهيل، والتقسيم السباعىّ المتقدم أقربُ ما يقرّر في هذا الموضع، وهو الذى ما زلنا نسمعه من شيخنا الأستاذ -رحمةُ الله عليه- وكان يُعَيِّن لكل قسمٍ مواضعَ معلومة، قرّرها في تقييده على الجمل، أكثرها -أو جميعها- مذكورٌ هنا بالانجرار، ولكن الاستيفاء في مثل هذه الأشياء كالمتعذِّر، وإنما هو أمرٌ تقريبىٌّ، ولذلك لما عدّها -رحمه الله- قال في آخرها: «وقسم يتقدّم ويتأخر ويتوسط، وهو ما عدا ما ذُكِر، نحو: ضرب زيد عمرًا، وما لم يعرض له عارض فيعمل على مقتضى ذلك العارضِ».
فتحرَّزَ كما ترى ولم يجزم الحكم استظهارًا على ما سَيرِدُ من هذا النوهع.
فلو صنع الناظم هكذا لم يَرِدْ عليه اعتراضٌ.
ولقد كان يمكن أن يُتَكلّف له الجواب عن بعض هذه الأمور، ولكن التكلف في الأشياء غير محمود، فلنقتصر على إيراد السؤال، ومن قدر على الجواب أجاب.
والله الموفق للصواب.
[ختام الأصل]
كمل باب الفاعل، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدن محمد وآله وصحبه وسلم
ويتلوه «النائب» إن شاء الله تعالى
وذكر مقابل النسخة في هامشها
««بحمد لله طالعت هذا السفر من أوله إلى هذا الموضع، متأملًا فهم مسائله، فلله الحمد والمنة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتب عبد الله -تعالى- محمد بن محمد بن علي الفوجيلى -وفقه الله بمنِّه- أواخر شهر ربيع الثاني عام 1047.
فهرس موضوعات الجزء الثاني الموضوع... الصفحة تتمّة باب المبتدأ والخبر................................................. 3 كان وأخواتها......................................................... 136 ما ولا وإنْ المشبَّهات بليس............................................. 215 أفعال المقاربة.......................................................... 261 إنّ وأخواتها........................................................... 305 لا التي لنفي الجنس.................................................... 412 ظنّ وأخواتها........................................................... 452 أعْلَم وأرى............................................................ 510 الفاعل............................................................... 530
بسم الله الرحمن الرحيم