شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 278-293

من غير الثلاثي.
كمفعل، ومتفعل، ومفتعل، ونحوه، فإن مثل هذا لا يجوز وهو قد قال: "كفاعل" ف (فاعل) قد يكون عبارة عن اسم الفاعل، لا عن نفس البناء.
وإنما نبه على جواز الصوغ هنا، لأنه على خلاف الأصل، ألا ترى أنه على حد الوجهين يصاغ من نفس اسم العدد لا من مصدره، وذلك إذا كان بمعنى بعض أصله، فليس فيه رائحة من معنى الاشتقاق الذي في نحو: ضارب من (ضرب) فلما كان كذلك احتاج إلى الإعلام بأن ذلك سائغ ومنقول من كلام العرب، وعليه ينبني الكلام في هذا الفصل.
والبناء الذي نبه عليه هنا على وجهين: أحدهما: أن يكون من اسم العدد نفسه، فتقول: ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس خمسة، فهذا لم يقع بناؤه من مصدر استعمالي أصلا، إذ لا يقال: ثلثت الثلاثة ثلثا، ولا ربعت الأربعة ربعا، ولا خمست الخمسة، ولا ما أشبه ذلك، فلم يكن له مصدر تشتق منه هذه الصيغة، فثالث مشتق من لفظ (الثلاثة) ورابع من (أربعة) وهكذا ما عداها.
وهو داخل في الاشتقاق السماعي، وهو الاشتقاق / من أسماء الأجناس، كتربت يداه من (الترب) واستحجر الطين، من (الحجر) واستتيست الشاة، من (التيس) على ما هو مبين في علم "الاشتقاق".
والوجه الثاني: أن يكون البناء من المصدر حقيقة، فتقول: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وخامس أربعة، ونحو ذلك، فهذا النوع لم يقع بناؤه من اسم العدد نفسه، لأنك تقول: ثلثت الاثنين، وربعت الثلاثة، وخمست الأربعة، ونحو ذلك.
هذا وإن كان المصدر مشتقا من اسم العدد، فإن

المصدر الاستعمالي هو الأصيل في الاشتقاق، بخلاف أسماء الأجناس، كما ذكر في "كتاب الاشتقاق" وكلا القسمين هو المذكور بعد هذا.
ولما كانت ألفاظ العدد مخالفة لسائر الأسماء في لحاق علامة التأنيث، فإنها تلحق إذا أريد بها المذكر، وتسقط إذا أريد بها المؤنث، على عكس الأمر في سائر الأسماء- خاف أن يتوهم أن حكم المخالفة منسحب على اسم الفاعل فيه، فنص على أن حكمه موافق لسائر الأسماء فقال: "واختمه في التأنيث بالتاء" إلى آخره.
يعني أنك تلحقه التاء إذا أردت به المؤنث، فتقول: ثالثة ثلاث ورابعة أربع، وخامسة خمس، وكذلك في المخالف نحو: رابعة ثلاث، وخامسة أربع، وما أشبه ذلك.
وتسقطها إذا أردت المذكر فتقول: ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وكذلك ثالث اثنين، ورابع ثلاثة ونحو ذلك.
و"بالتاء" متعلق ب"اختمه" و"في التأنيث" حال من ضمير "اختمه" البارز، أي اختمه بالتاء حال كونه في التأنيث، جعل التأنيث له ظرفا مجازا.
ثم بين مواضع القسمين المذكورين، وهما اسم الفاعل المشتق من اسم العدد، والمشتق من المصدر، والحكم فيهما، وتنزيل اللفظ على معناهما، فقال: وإن ترد بعض الذي منه بني... تضف إليه مثل بعض بين

وإن ترد جعل الأقل مثل ما... فوق فحكم جاعل له احكما.
اعلم أن مدلول اسم الفاعل في باب العدد واحد من آحاده مطلقا، فثالث، أو رابع، مدلوله فرد من أفراد الثلاثة، أو من أفراد الأربعة، لأن (فاعلا) و (فاعلة) في سائر الأبواب معناه واحد وواحدة، فكذلك هنا، فإذن لا يستعمل في هذا الباب/ إلا كذلك لمقصد خاص في الإخبار بذلك الواحد، أو الإخبار عنه.
والقصد به في الاستعمال وجهان: أحدهما: أن تقصد به قصد البعض، بمعنى أنك تريد الإخبار عن واحد من آحاد العدد، من حيث هو بعضها خاصة، وهذا معنى قوله: "وإن ترد بعض الذي منه بني" أي إن ترد بعض العدد الذي بني اسم الفاعل من لفظه، فالحكم أن تحكم له بحكم البعض البين، أي الظاهر الموجود في نص الكلام، فتقول: ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، فتضيف (الثلاثة) إلى (ثالث) و (الأربعة) إلى (رابع) كما تضيف لفظ البعض لو قلت: بعض ثلاثة، وبعض أربعة، لأن معناه مثل معناه.
وقد اشتمل هذا الكلام على حكمين: أحدهما: لزوم الإضافة في هذا القصد، لان معنى اسم الفاعل هذا معنى البعض، فكما أن البعض يلزم الإضافة، فكذلك ما كان في معناه.
وسبب ذلك أنه مشتق من اسم العدد نفسه، فلا إشعار له بالاشتقاق الذي يؤدي معنى الفعل، وهو سبب العمل.
ومن هنا لم تنطق العرب بالفعل كما تقدم قبل، فلا يجوز إذن أن يقال: هذا ثالث ثلاثة، كما

لا يقال: هذا بعض ثلاثة، إذ لا ناصب له، وهذا مذهب الجمهور.
وقد أجاز الأخفش النصب والتنوين في هذا القسم، فتقول: هذا ثالث ثلاثة ورابع أربعة، ونحو ذلك، وكانه قاس ذلك على قول العرب: ثنيت الرجلين، إذا كنت الثاني منهما، فها هنا يصح أن يقال: هذا ثان اثنين، وهو بمعنى: أحد اثنين أو بعض اثنين، فكذلك ينبغي على هذا أن يقال: هذا ثالث ثلاثة، بمعنى واحد من ثلاثة، وكذلك رابع أربعة، وخامس خمسة، ونحو ذلك.
ورده المؤلف بأن موازن (فاعل) المشار إليه إذا أريد به معنى (بعض) لا فعل له، فإن العرب لا تقول: ثلثت الثلاثة، ولاربعت الأربعة، وجاز ذلك في (ثاني اثنين) لأن له فعلا يجري مجرى القسم الثاني الجاري مجرى اسم الفاعل.
والحكم الثاني: أن يكون الإضافة إلى المتفق لا إلى المختلف، فتقول: ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، لأن المعنى أحد ثلاثة، أو بعض ثلاثة.
ولا يصح أن تقول في هذا الفصل: ثالث/ اثنين، ولا رابع ثلاثة، ونحو ذلك، لأن قصد البعض هنا يفسد المعنى، إذ كان المعنى: بعض اثنين وهو ثالث، أو بعض ثلاثة وهو رابع، وهذا فاسد وهذا الحكم لم ينص عليه الناظم نصا، ولكن تركه لتضمن الاشتراط المعنوي إياه، وهو كونه بمعنى (بعض).
والقصد الثاني من القصدين في (فاعل) من أسماء العدد: أن تريد به معنى جعل الأقل من العدد مثل ما فوقه، فإذا كان (ثلاثة) أردت أن تجعله (أربعة) أو (خمسة) أردت أن تجعله (ستة) فاسم الفاعل هنا

تحكم له بحكم "جاعل" اسم الفاعل من (جعل) وذلك قوله: "وإن ترد جعل الأقل مثل ما فوق" إلى آخره.
يريد أنك تحكم له بحكم اسم الفاعل من كل وجه، فتقول: هذا ثالث اثنين، بالإضافة، كما تقول: هذا جاعل الاثنين ثلاثة، وكذلك تقول: هذا ثالث اثنين، كما تقول: هذا جاعل الاثنين ثلاثة.
ويتضمن هذا الكلام أيضا حكمين: أحدهما: عدم لزوم الإضافة، بل تجوز الإضافة وحذف التنوين، والنصب مع التنوين، كما في اسم الفاعل، وأيضا فيشترط فيه ما يشترط فيه ما يشترط في اسم الفاعل، ويجري على ما يجري عليه من الأحكام، فإذا كان بمعنى الماضي لم يعمل، وإذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال جاز إعماله، ولا يعمل إلا بشروط تقدم ذكرها في "اسم الفاعل" كالاعتماد على حرف نفي، أو استفهام، أو نداء، أو وقوعه خبرا، أو حالا، أو صفة، أو نحو ذلك مما تقدم ذكره، لأن (ثانيا) و (ثالثا) هنا من: ثنيت، وثلثت، كما كان (جاعلا) من: جعلت.
والثاني: أنه لا يضاف إلى ما كان من العدد موافقا، فلا تقول بهذا المعنى هذا ثالث ثلاثة، وغنما تقول: هذا ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، لأن معنى (جاعل) لا يتصور إلا مع المخالف، ف (ثالث اثنين) يصح على معنى، جاعل الاثنين ثلاثة، بخلاف (ثالث ثلاثة) فإنه لا يصح فيه ذلك، وقد تقدم التنبيه على هذا المعنى، وكلامه يشعر بهذين الحكمين، لأنه قال: "وإن ترد جعل الأقل مثل ما فوق" فهذا مستلزم للمخالفة.
قال" فحكم جاعل له احكما" فهذا معنى إجازة النصب فيه والتنوين.
إلا أن هذا الفصل فيه نظر من وجهين:

أحدهما: أنه قال" وضغ من اثنين فما فوق" ثم بين أن الاستعمال/ على وجهين، بمعنى (بعض) وبمعنى (جاعل) فاقتضى هذا الكلام أن يجوز صوغ (فاعل) بمعنى (جاعل) من اثنين، ومن شرطه لا يضاف إلا إلى العدد المخالف، فيقال: هذا ثان واحدا، وهذا ثاني واحد، كما تقول: هذا ثالث اثنين، وهذا ثالث اثنين، لكن هذا لا يقال.
وقد ذكر المؤلف في "شرح التسهيل" أن العرب لم تستعمل (ثانيا) بمعنى (جاعل) وإنما جعلته بمعنى (بعض) والتزمت ذلك فيه.
وأصل النقل في منع ذلك لسيبويه.
وأيضا فمقتضى كلامه لزوم الإضافة في اسم الفاعل الذي بمعنى (بعض) مطلقا، وقد تقدم أنه يستعمل ذا وجهين في (ثان) كالذي بمعنى (جاعل) حكاه أيضا المؤلف كما تقدم.
فيجوز على ما نقل أن يقال: هذا ثاني اثنين بالإضافة، وثان اثنين، بالتنوين والنصب، لأنك تقول: ثنيت الاثنين، ولا يصح هنا أن يكون بمعنى (جاعل) إذ لا يمكن أن يقال: جعلت الاثنين اثنين.
فإطلاق الناظم الكلام في هذه المسألة يؤدي إلى معنى غير صحيح.
والوجه الثاني: أن قوله: "فحكم جاعل له احكما" يقتضي أن جواز الوجهين في هذا الباب يساوي الجواز في اسم الفاعل مطلقا، وقد قالوا في الإضافة في هذا الباب.

إنها أولى، بخلاف باب "اسم الفاعل"، فإن الإضافة فيه ليست بأولى من النصب، وفرق بينهما بعض شيوخنا بأن اسم الفاعل مشتق من أصل، وهو المصدر، واسم الفاعل هنا مشتق من فرع، لأنه مشتق من مصدر اشتق من اسم العدد، فحيث ضعف الاشتقاق قويت الإضافة، وحيث قوي الاشتقاق ضعفت الإضافة.
وإذا ثبت هذا ظهر أن إطلاق الناظم القول بأن حكم اسم الفاعل هنا حكم (جاعل) مطلقا فيه ما ترى.
والجواب عن الأول لا يحضرني الآن.
وأما الثاني فإن سلم الفرق بينهما في ذلك الحكم فلا خلل في ذلك، لجواز الوجهين على الجملة.
وقد مضى له من هذا أشياء يترك فيه الترجيح، إذ لا محذور يلقى في ذلك الإطلاق.
وقوله: "مثل بعض بين" "بعض" هنا المراد به هذا اللفظ، ولكن نكره كما ينكر العلم إذا قلت: مررت بزيد وزيد آخر، لأن/ الألفاظ أعلام على أنفسها، لأنك تقول: هذا زيد ثلاثيا، ولا تجرى عليه النكرة صفة، فكان حقه أن يقول: مثل بعض البين، أي المذكور في اللفظ، لكن ذهب مذهب تنكيره فصح وقد مر نحو من هذا في "باب المعرف بالأداة".
وقوله: "فحكم جاعل له احكما" "حكم" منصوب على المصدر المشبه به، أي احكم حكما مثل حكم (جاعل) ولا يكون اسما، لأن التعدي إلى الاسم بالباء، فإنما يقال: احكم بحكم كذا، ولا يحمل على حذف الباء، لأن باب: تمروت الديار ولم تعوجوا

شاذ والكاف في قوله: "كفاعل من فعلا" اسم تعدى إليه "صغ" أي صغ مثل فاعل، فجعل الكاف اسما، كما قال الأعشى: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل.
فالكاف في "كالطعن" في موضع رفع على الفاعلية، وقال امرؤ القيس: فإنك لم يفخر عليك كفاخر... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب.
وإن أردت مثل ثاني اثنين... مركبا فجئ بتركيبين.
أو فاعلا بحالتيه أضف... إلى مركب بما تنوي يفي.
وشاع الاستغنا بحادي عشرا... ونحوه وقبل عشرين اذكرا.
وبابه الفاعل من لفظ العدد... بحالتيه قبل واو يعتمد

هذا هو الموضع الثاني من مواضع اسم الفاعل المشتق من اسم العدد] وهو العدد [من أحد عشر إلى تسعة عشر.
واعلم أن الاشتقاق هنا إنما يكون بمعنى (بعض) لا بمعنى (بعض) لا بمعنى (جاعل) فلذلك قال: "وإن أردت مثل ثاني اثنين مركبا" فبين بقوله: "ثاني اثنين" أن المستعمل هنا إنما هو اسم الفاعل الذي بمعنى (جاعل) اسم فاعل حقيقة, واسم الفاعل إنما يبنى من الثلاثي المفرد كما تقدم.
والمبنى منه هنا مركب لا مفرد, فهو أكثر حروفا من الثلاثي, وأيضا فلا يبنى من المركب اسم في صريح كلام العرب, وما جاء من نحو قولهم: عبقسي وعبشمي لا يبنى عليه، ومن هنا منعه أبو الحسن الأخفش, فإذن لا يتصور هنا هذا الاستعمال.
فإن قلت: احذف الجزء الثاني من الأول فأقول: هذا ثالث اثني عشر, ورابع ثلاثة عشر ونحو ذلك.
فالجواب: أن ذلك لا ينبغي أيضا/ أن يجوز، لأنه فرع ذلك الممتنع ومحذوف منه، فيمتنع بامتناعه، اللهم إلا أن يثبت من كلامهم: ربعت الثلاثة عشر، أو نحوه، فإنه يصح على هذا أن يقال: هذا رابع ثلاثة عشر.
وفي "التذكرة" عن أصحاب سيبويه جواز ذلك، لأن (عشر) في حذف، فهو بمنزلة ما ليس في الكلام، فإنما بني (فاعل) من (ثلاثة) و (أربعة) التي في الكلام.

قال أبو علي: يقوي ذلك أن (حادي) ونحوه معرب، فدل الإعراب على أن ذلك المحذوف ليس معنيا به، وصار مثل الأسماء التي تجري على الفعل.
هذا ما قال.
وقد حكى بعضهم أنه يقال: ربعت الثلاثة عشر.
وقالوا: معي عشرة فأحدهن لي، فهذا بمنزلة رابع ثلاثة عشر، فتقول: هذا حادي عشرة، وحاد عشرة، فصح من هذا أن المركب من العدد يمتنع أن يبنى منه بمعنى (جاعل) إذا كان البدء من مركب، ولا يمتنع إذا كان من غير مركب.
فإن قلت: فإذا كان حكى هذا جاز إذن في المركب استعمال الذي بمعنى (جاعل) مطلقا، والناظم قد قيد ذلك بمثل (ثاني اثنيين) فكان ينبغي أن يطلق القانون إطلاقا، إذ قد أجازوا ذلك، نص عليه الشلوبين وغيره، وهو موافق لما حكى، ولا يلزم من امتناع البناء امتناع البناء من غيره.
فالجواب: أن السماع بذلك، أعني بقولهم: ربعت الثلاثة عشر، ونحوه نادر، فلم يعتبره، وعلى اطراحه بني في "التسهيل"، فلا اعتراض عليه فيما ذهب إليه، ومع أن شيخنا الأستاذ- رحمه الله- عمم الجواز مطلقا قياسا على ذلك المسموع، وذلك ظاهر من جهة أن التركيب لازم إما لفظا وإما تقديرا، وهو مانع من البناء على الإطلاق.
وأما اسم الفاعل بمعنى (بعض) فيسوع استعماله في المركب وغيره، إذ يسوغ لك أن تبنيه من اسم العدد،

وتركبه مع غيره فتقول: ثالث عشر ثلاثة عشر، ونحو ذلك.
وذكر الناظم- رحمه الله- من الاستعمال في لمركب ثلاثة أوجه أحدها: أن تأتي بتركيبين اثنين، وذلك قوله: "فجئ بتركيبين" نحو قولك: حادي عشر أحد عشر، وثاني عشر، وكذلك إلى تاسع عشر تسعة عشر هذا في المذكر.
وتقول في المؤنث: هذه حادية عشر إحدى عشرة، وثانية/ عشر ثنتي عشرة، وكذلك ما بعده إلى تاسعة عشر تسع عشرة.
وتشبيه بثاني اثنين يعطي أن التركيب الأول مضاف إلى الثاني، وذلك صحيح، ولذلك تأتي بالياء في اثنى عشر، إذا قلت: ثاني عشر اثني عشر.
وقوله: "فجئ بتركيبين" دليل على أن (الحادي) ونحوه هنا مركب كأحد عشر، وذلك صحيح، لأنه اسم غير مشتق كأحد، فيكون إذن بناؤه على الفتح، وهذا يعطي أن يكون ما آخره ياء قبلها كسرة، كحادي وثاني مفتوحا كغيره، إلا أنهم أجازوا في الوجهين: الفتح لأن هذه الياء تتحرك في المؤنث، نحو: حادية عشرة، والإسكان جريا على ما اطرد في الأسمين المركبين نحو: معد يكرب قاله الشلوبين.
والوجه الثاني: أن تحذف العجز من التركيب الأول، ويبقى التركيب الثاني على حاله، وهو الذي أراد بقوله: "أو فاعلا بحالتيه أضف إلى مركب" البيت.
يعني أنه يجوز لك أن تأتي ب (فاعل) وحده مضافا إلى المركب الثاني، فتقول: هذا حادي أحد عشر، وثاني اثنى عشر، وثالث ثلاثة

عشر، ونحو ذلك، فإنه موف بالغرض الذي أردت، إذ كان المحذوف في حكم المنطوق به، وهو العجز من المركب الأول.
وقوله: "بحالتيه" يريد حالتي التذكير والتأنيث، فمثال التذكير ما ذكر، ومثال التأنيث: حادية إحدى عشرة، وثالثة ثلاث عشرة، ونحوه، وقوله: "أضف" يريد أن حكم الإضافة باق، لكن يبقى حكم اسم الفاعل إذا حذف ما بعده، هل يبقى على تركيبه أو يرجع إلى الإعراب.
ولم يتكلم الناظم عليه، والحكم فيه الرجوع إلى الأصل من الإعراب، إذ لا يمكن أن يبنى مع التركيب الثاني، لأن ثلاثة أشياء لا تصير شيئا واحدا.
ولا يقال: يبقى على بنائه الأول، لأن المحذوف مقدر- لأنا نقول: البناء للتركيب اللفظي وقد زال، وأيضا فالرجوع إلى الأصل يكون بأدنى سبب، ولا يخرج عن أصله إلا بسبب قوي.
وإذا ثبت هذا كان حكمه حكم الأسماء المعربة التي آخرها ياء في استتار الضمة والكسرة وظهور الفتحة فتقول: هذا حادي أحد عشر، ورأيت حادي أحد عشر، ونحوه.
وقوله: (بما تنوي يفي"/ المجرور متعلق ب (يفي) الفعل مجزوم على جواب قوله: (أضف) و"فاعلا" مفعول ب "أضف" والتقدير: أضف وفاعلا بحالتيه إلى مركب يف ما تنوي، أي يعط من المعنى ما يعطيه الأصل من غير إخلال إذا هو حذف لدليل.
والوجه الثالث: أن تحذف العجز من التركيب الأول، والصدر من التركيب الثاني، استغناء بما ثبت عما حذف من الأول لما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني لما أثبت نظيره في الأول، وهو قوله: (وشاع الاستغنا بحادي عشرا) يعني أن هذه الكيفية من الاستعمال شائعة

مستعملة كثيًرا عندهم في (حادي عشر) وما أشبهه من الألفاظ المركبة إلى (تاسع عشر) وذلك لأنها أقرب إلى غرضهم من الاختصار واجتناب الإكثار.
ومثله في الكلام العربي شائع، ومنه قوله تعالى: } ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن} الآية، المعنى حتى يطهرن ويتطهرن، فإذا طهرن، يريد: من الدم، وتطهرن: يعني بالماء، فأتوهن من حيث أمركن الله.
وقال تعالى: } قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون}.
التقدير: فعلي إجرامي، وأنتم براء منه، وعليكم إجرامكم وأنا برئ منه.
وحكم التذكير والتأنيث في هذا الوجه كما تقدم، فتقول: ثالث عشر، وثالثة عشرة، إلا أن الحكم من البناء أو الأعراب في الأول لم يذكره.
أما الثاني فبناؤه ظاهر لبقاء سببه، وهو تضمن معنى الحرف كما تقدم.
والأول يجوز فيه الوجهان: بقاء الإعراب والإضافة، فتقول: هذا حادي عشر، ورأيت حادي عشر، بفتح الياء على حد سائر المعربات، وكأنه على نية حذف الجزء الثالث الذي هو صدر التركيب الثاني.
وبعضهم ينسب هذا الوجه إلى البصريين.
وبناء الجزءين أحدهما مع الآخر، فيقول: هذا ثالث عشر، ورابع عشر، ويجوز في (حادي) و (ثاني) مع (عشر) الوجهان المذكوران، وهما الفتح والإسكان، وينسب إلى الكوفيين.
وعلى هذا الوجه يصير قولك: هذا ثالث عشر بعد التركيب الذي ذهبوا إليه على صورة: ثالث عشر، الذي هو على حد: هذا ثالث، فيقع اللبس بين

المعنيين، لكن يعتبر المعنى بالقرائن وما يقتضيه/ المساق، ولما لم يذكر الناظم وجه هذا الاستعمال الثالث دل على أن كلا القولين فيه ممكن عنده.
وعلى إجازة الوجهين، من الإضافة والتركيب مطلقا، اعتمد الشلوبين، ولم ينسبهما، بل أخذ بهما معا، وكأنهما عنده ثابتان نقلا عن العرب، فلا غشكال إذن في الجواز، وما نسب إلى الكوفيين والبصريين ينبغي أن يستظهر عليه وانظر نقل السيرافي.
قوله: "وشاع كذا" يعني أن هذا الوجه هو الشائع الكثير، وكذلك في "شرح التسهيل" جعله غالبا، فهو أكثر استعمالا من الوجهين الأولين، ويليه في كثرة الاستعمال الثاني، وهو ما حذف منه عجز الأول، ويليه الوجه الأول، فهو أقل الاستعمالات.
قال سيبويه: وبعضهم يقول: ثالث عشر ثلاثة عشر، فعزاه إلى بعض العرب لا إلى جميعهم.
ومثل هنا بحادي عشر، لأنه أول أعداد هذا العقد، وأيضا فقال ابنه: لم يمثل بثاني عشر، ليتضمن التمثيل فائدة التنبيه على ما التزموه حين صاغوا (أحدا) و (إحدى) على (فاعل) و (فاعلة) من القلب، وجعل الفاء بعد اللام، فقالوا: حادي عشر، وحادية عشر، والأصل: واحد وواحدة.
ثم ذكر الموضع الثالث من مواضع اسم الفاعل المشتق من اسم العدد، فقال: (وقبل عشرين اذكرا وبابه الفاعل) إلى آخره.

يعني أن فوق العشرين حكمه أن يؤتى فيه باسم الفاعل مشتقا من (النيف) معطوفا عليه العشرون بالواو العاطفة.
وقد تضمن قوله: (من لفظ العدد) البناء من (واحد) وما بعده، فتقول: الحادي والعشرون، والحادي والثلاثون، إلى آخره، ولا يستعمل (الحادي) إلا مع (عشرة) و (عشرة) وأخواتهما، تقول: الثاني والعشرون، والثالث والعشرون، إلى التاسع والعشرين.
وقوله: (وبابه) يعني به الثلاثين، والأربعين، والخمسين إلى التسعين فتقول: الحادي والثلاثون، والثاني والأربعون، ونحو ذلك.
وقوله: "بحالتيه" يعني حالتي التذكير والتأنيث، فالتذكير كما مثل، والتأنيث نحو: الحادية والثلاثون، والثانية والعشرون، والخامسة والخمسون، / ونحو ذلك، واسم الفاعل هنا بمعنى (بعض) لا بمعنى (جاعل) لأنك إذا قلت: الحادي والثلاثون، استوى مع قولك: الواحد والثلاثون.
وأيضا فلا فعل له يشتق من مصدره، فلا يكون بمعنى (جاعل) ولم ينبه الناظم على هذا اتكالا على إدراك القارئ له.
وقوله: (قبل واو يعتمد) يعني أنه لا بد من العطف، إذ لا يقال: حادي عشرين، كمما يقال: خامس خمسة.
فإن قلت: ما مراده بقوله: "يعتمد" فالظاهر أنه فضل غير محتاج إليه، إذ كان قوله: "قبل واو" يجزى عنه، وليست عادته؟ فالجواب: أنه محتاج إليه، والذي قصد به أن الواو هي المعتمد في هذا الموضع من حروف العطف، كما كانت هي المعتمدة في: واحد

وعشرين، وثلاثة وثلاثين، فكما لا يجوز أن يقال: أحد ثم عشرون، ولا أحد فعشرون، إذ بل يصح الترتيب فيه عقلا، لأن الجميع اسم لهذه العده، فكذلك لا تقول: الحادي ثم العشرون، لنفس ذلك المعنى.
وأيضا فلفائدة أخرى، وذلك أنه قدم في المركب أنك تقول: ثالث ثلاثة عشر، و (ثلاثة عشر) هنا نظير ما بعد العاطف في الثالث والعشرين، وتقول ثالث عشر ثلاثة عشر، فتأتي بعجز المركب الأول، ونظيره في القياس في العشرين أن تقول: هذا ثالث عشرين ثلاثة وعشرين، فيحصل الإتيان بعشرين غير معطوف أصلا، وكما هو الحكم في خامس خمسة، وثالث ثلاثة، فلما كان ذلك احتاج إلى التنبيه على تأكيد الواو في الموضع، وأنها لا بد منها، وعلى ذلك كلام العرب، وما يعطيه القياس مطرح فيه والله أعلم.

}

جارٍ التحميل