شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 342-381

فزعم ابن عصفور وغيره أن مذهب سيبويه أن إحدى الزيادتين إذا كانت لمعنى، والأخرى ليست لمعنى فإنك تحذف أيتهما شئت، فأطلق على سيبويه القول بالتخيير بين ما هو ليس بمعنى، وما ليس كذلك.
وخالف قوم سيبويه في التخيير فألزموا حذف الألف الأولى وإبقاء ألف التأنيث اعتباراً بمزية الدلالة على المعنى، منهم المبرد.
وقال ابن السراج: حذف الأولى أجود، واختاره ابن عصفور، وهو ظاهر على قاعدته، إلا أن من انتصر لسيبويه ردَّ على المبرد بأنه لو كان كما يقول: للزم أن يقول في (جُلَنْدَى): جُلَيْدَى، فيحذف النون، وفي (عِبِدَّى): عُبَيْدَى.
لكن العرب لم تقل إلا: عُبَيْد، وجُلَيْنِد، فحذفت الألف رأساً، فدل على أن كون الألف لمعنى التأنيث غير معتبر: إما لأن ذلك أمر لفظي، وإما لغير ذلك من التأويلات.
ولم يخالف المبرد إلا فيما ثالثه مدةٌ كحُبارى، فما ألزموه لازم له.

وجَنحت فرقة ثالثة إلى التأويل، فقال بعضهم: إنما حذفت الألف وإن كانت لمعنى؛ لأن التأنيث يفهم من البناء، وأيضاً فهي عند سيبويه بمنزلة ألف مبارك، يعني أن العرب تتلاعب بها في الحذف كما تتلاعب بألف مبارك التي هي زائدة لغير معنى.
وقال بعضهم: إنها - وإن كانت لمعنى - لما تطرَّفت وكان موضعها الآخر ضعفت رتبتها، فتجرَّءوا عليها بالحذف لأجل ذلك.
وقال السيرافي: إنما جاز حذف ألف التأنيث؛ لأنها بمنزلة ما هو من نفس الحرف فيما كان على خمسة أحرف.
وقال ابن الضائع: كون الألف للتأنيث أمرٌ لفظي؛ لأن التأنيث لا يحتاج إلى علامةٍ، بل جاء منه بغير علامة في أسماء الأجناس أكثر مما جاء بعلامة، والحذف إلى الأواخر أسرع، فلذلك تساوت هنا، لا سيما على التعويض من الألف تاء، وهو مذهب أبي عمرو، ثم ذكر على سيبويه، وقد تقدم ذلك.
فأنت ترى ما في (حبارى) من النزاع والإشكال، فأراد أن يبين أن هذه الألف / مما يخير في حذفها بناءً على دخولها تحت قاعدة التخيير بناء على أحد هذه التأويلات، وأيضاً ليهبين أن مذهبه مذهب سيبويه لا مذهب المبرد ومن وافقه؛ إذ لو سكت عن هذا لدخل في حكم لزوم الحذف المذكور قبل هذا، وهذه فائدة ثالثة.

والرابعة: بيان كونه غيرَ مرتضٍ لمذهب أبي عمرو في حذف الألف وتعويض التاء منها؛ وذلك لأنه خَيَّر في وجهين، وترك الثالث وهو أن تقول: حُبيِّرة، فتحذف ألف التأنيث (على شرط العوض قال سيبويه: "فأما أبو عمرو فكان يقول: حُبيِّرة، ويجعل الهاء بدلاً من الألف التي كانت للتأنيث) إذ لم تصل إلى أن تثبت).
ولم يرد عليه سيبويه، لكن الفارسي قال: (حُبَيرة ليست تصغير حُبارى، وإنما هي كلمة أخرى).
قال ابن خروف: هذه دعوى، ويلزم ذلك في نظائرها، يعني أن تكون التاء حيث عوضت من حرف كزنادقة أن تكون كلمة أخرى غير الأولى، وهذا غير صحيح.
والذي عليه الجمهور مذهب سيبويه في التخيير، فأراد الناظم أن يحقق مذهبه فيها.
وقول الناظم: (وعند تصغير حبارى) لا يريد هذا اللفظ فقط، بل هو مثال كليٌّ يعطي دخول ما كان نحوه من نحو:

أَرَاطَى وأُرَانَى وحَلاوى وخُزَامى ونُعامَى وما أشبه ذلك، فيتخير في تصغيره بين الوجهين.
وكذلك ألحقوا بالباب أيضاً ما إذا كان المد غير ألف نحو: عَشُورى، تقول: عُشَيرَى - إن شئت - وعُشيِّر - إن شئت - وإنما نقل خلاف المبرد وأبي عمرو فيما كان ثالثه مدَّةٌ، لا في غير ذلك.
وقوله: (فادْرِ) تنبيهٌ منه ليُعْلِمك بموقع المسألة عنده، وأنها مما لا ينبغي أن يترَكَ التنبيه عليها؛ لما فيها من الفوائد المحصنة لكلامه، والمكمِّلة لمقصده.
و(الحُبارى): طائرٌ معروف.
أنشد القاليُّ، ونسبه إلى أبي ذؤيب: تَرَقَّى بأطراف القِرَانِ وعَينُها كَعَيْنِ الحُبارى أخطأتْهَا الأجادِلُ


واردُدْ لأصلٍ ثانياً لَيْناً قُلِبْ فَقِيْمَةً صَيَّرْ قُوَيْمَةً تُصِبْ وشَذَّ في عِيْدٍ عُيَيْدٌ وحُتِمْ للجمعِ من ذا ما لِتَصغيرٍ عُلِمٍ هذا الفصل يذكر فيه الناظم بعض ما يعرض في الاسم المصغر من الإعلال بالقلب وغيره، وما حكم ذلك في التصغير، وما يردّ من المحذوف في المكبر، وما لا يردّ.
وجملة ما ذكر فيه من المسائل ثلاث: إحداها: حكم الحرف الثاني إذا كان حرف لين قد قلب في المكبر / لموجبٍ فزال في التصغير.
الثانية: حكم الألف إذا وقعت ثانية غير منقلبة: زائدة كانت، أو مجهولة.
الثالثة: حكم الاسم المنقوص إذا اضطر في التصغير إلى ردِّ ما حذف منه، أو لم يضطر.
هذه هي المسائل التي اعتنى بذكرها، واقتصر من سائر وجوه الإعلال على هذه الأوجه، فنذكرها على حسب ما قصد فيها بحول الله تعالى.
المسألة الأولى: قال فيها: واردُدْ لأصلٍ ثانياً لَيْناً قُلِبْ يعني أن الاسم المصغر إذا وقع ثانيه حرف لين، وكان قد قلب في المكبر، ويريد ما عدا الألف المذكورة بعد فإن الحكم في التصغير

أن ترد ذلك اللين إلى أصله الذي دل عليه الاشتقاق والتصريف في ذلك المكبر.
هذا معنى كلامه على الجملة.
وقوله: (قُلِبْ) شرطٌ في اللين، وهو في موضع الصفة، أي لينا قلب في المكبر عن أصله إلى نحو آخر.
وإنما قال: (ثانياً) ولم يقل: عيناً، وإن كان الحرف الثاني في مكان عين الكلمة على الجملة؛ لأنه قد يكون الأول زائداً، فيكون الثاني فاءً كميزان وميعاد، ولا من رده إلى أصله على ما يتبين إن شاء الله تعالى، فلأجل ذلك لم يقيده بعين دون غيره، بل عين رتبته في العدد؛ لأن ذلك هو المعتبر في بنية التصغير.
وأما التفصيل فحرف اللين الذي قلب وكان ثانياً في الكلمة على أنواع: أحدها: أن يكون اللين في الأصل واواً فيُقلب ياءً لكسرةٍ قبله، وعلى هذا جاء مثاله وهو (قِيمة)؛ إذ أصله الواو؛ لأنه من التقويم، فمادته [ق وم] بلا شك، فتقول: قُوَيْمَة؛ ولذلك قال: فَقِيْمَةً صَيَّرْ قُوَيْمَةً تُصِبْ أي رد الياء إلى أصلها - وأصلها الواو - تُصِبْ؛ لأن العلة التي

لأجلها صارت الواو ياء، وهي الكسرة قبل الواو قد زالت في التصغير، فترجع إلى أصلها لزوال ما أوجب قبلها.
وكذلك تقول في (دِيمة): دُوَيمة، وفي (قِيل): قُوَيل، وفي (رِيح): رُوَيحة؛ لأنه من الواو؛ لقولهم: أَرْوَاح.
قال: قف بالديار التي لم يُعفِها القِدَم بَلى وغيَّرها الأرواحُ والدِّيَمُ ومثل هذا: مِيزان، وميعاد، وميثاق، هو من الوزن والوعد والوثوق، فتقول فيه: مُوَيزِين ومُوَيْعِيد ومُوَيْثِيق، وكذلك ما أشبهه.
الثاني: أن يكون اللين واواً، فبقلب ياءً لإدغامه في ياء بعده، فتقول في (طيَ): طُوَى، وفي (شيّ): شُوَيّ، وفي (لَيّ) /: لُوَيّ، ومثله طُوَيَّان في (طَيَّان) ورُوَيَّان في (ريَّان)، وما كان نحو ذلك، تردُّ ذلك كله إلى أصله، وأصله الواو؛ لأنه من طَوَيتُ وشَوَيتُ ولَوَيتُ؛ لأن الواو إنما قلبت لاجتماعها مع الياء، وسبقها بالسكون، فلمَّا صغَّرت وقعت ياء التصغير بينهما فوجب رجوع الواو إلى أصلها؛ لزوال موجب الإعلال.
الثالث: أن يكون اللين ياء في الأصل لكنه قلب واواً لسكونه مع الضمة قبله، فإذا صغَّرته فلا بد من الرجوع إلى الأصل، فتقول

إذا صغَّرتَ (موقِن): مُيَيْقِن، وفي (موسِر): مُيَيْسر، وفي (مودِع) من أيْدَع الحجَّ على نفسه: مُيَيْدع، وفي (مُوْنِعٍ) من أينَعَ: مُيَيْنِع، وكذلك ما كان نحوه.
قالوا: ولا يجوز غير ذلك؛ لأن الياء لم تقلب واواً إلا لضعفها بالسكون، والسكون بالتصغير قد زال، فيزول بلا بدٍّ القلب، فترجع إلى الأصل.
قال سيبويه: "وإنما أبدلوا الياء كراهية الياء الساكنة بعد الضمة، كما كرهوا الواو الساكنة بعد الكسرة، قال: فإذا تركت ذهب ما استثقلوا"، وقال: "وليس البدل هنا لازماً، كما لم يكن ذلك في (ميزان)، ألا ترى أنك تقول: مياسير".
الرابع: أن يكون اللين ياء أو واواً في الأصل لكنه قلب ألفاً لتحركه وانفتاح ما قبله، وذلك نحو: باب ودار ومال وحال، فتقول: بُوَيب، ودُوَيْرة، وكذلك: مُوَيْل وحُوَيْل، وشبه ذلك؛ لأنها من الواو؛ لقولهم: أبواب، وأدْوُر، وأموال، وأحوال.
وتقول في (ناب): نُيَيْب؛ لقولهم: أنياب، وفي (خال) الخئولة، و (خال) المخيلة: خُيَيْل؛ لأنه من قولهم: رجلٌ أخْيَلٌ، أي: كثير

الخيلان، ولقولهم: الخيلاء.
وإنما رددت ذلك كله إلى الأصل، لأن موجب القلب ألفاً هو تحركها وانفتاح ما قبلها، والتصغير يزيل الفتح الذي قبلها، فلا بد يزول معلوله وهو القلب، فترجع تلك الألفات إلى أصولها.
واعلم أن قول الناظم: واردُدْ لأصلٍ ثانياً لِيناً قُلِبْ يحتمل وجهين من التفسير: أحدهما: أن يكون قوله (ليناً) حالاً من الضمير في (قُلِبْ) كأنه قال: واردُدْ لأصلٍ حرفاً قُلِب حالة كونه ليناً، ويكون حالا مقدرة، كقوله تعالى: ﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾، والمعنى أن الحرف الثاني من الكلمة كائناً ما كان من لين أو غير ذلك إذا كان قد قلب ليناً، أي: صُيِّرَ حرفاً ليناً فإنك إذا صغرت الاسم ترده إلى أصله.
هذا وجه صحيح.
الثاني: أن يكون قوله (لِيناً) / بدلاً ثانياً، كأن المعنى: وارْدُدْ لأصلٍ حرف اللين الثاني إذا كان قد قلب إلى غيره، وصُيِّرَ حرفاً آخر، سواء كان ما صُيِّرَ إلينا لينا أو غير لين، وهذا أيضاً وجه صحيح.
وكلا الوجهين يشمل جميع ما تقدم من أنواع القلب، فإن

(قِيمة) حين كان أصله الواو ثانيه حرف قُلِبَ حرف لين وهو الياء، فالواجب كما قال أن تقول: قُوَيمة.
هذا على التفسير الأول.
وتقول أيضاً: (قِيْمة) أصله حرف لين وهو الواو دخله القلب، فوجب أن ترده إلى أصله أيضاً، وكذلك سائر الأنواع.
لكن يختلف الحكم فيهما في حال أخرى، وذلك حيث يكون الثاني غير لين، فيقلب إلى اللين، أو يكون ليناً فيقلب إلى غير اللين.
فعلى التفسير الأول يشمل كلامه نوعين زائداً على ما تقدم: أحدهما: ما كان أصل الحرف الثاني فيه مضاعفاً لكنه قلب حرف لين استثقالاً للتضعيف نحو: (دينار) و (قِيراط)، فإن أصلهما دِنَّارٌ وقِرَّاطٌ، لكنهم قلبوا النون الأولى والراء الأولى ياء لثقل التضعيف، والدليل على ذلك قولهم في الجمع: قراريط ودنانير، فهذا إذا صغر اقتضى كلامه أنك ترده إلى أصله فتقول: قُرَيْريط ودُنَيْنِير؛ لأن التضعيف الموجب للإبدال قد زال بفصل ياء التصغير بين المضاعفين، فزال الثقل، وكذلك تقول في (ديماس): دُمَيْمِيس على لغة من قال في الجمع: دَمَاميس، وفي (ديباج): دُبَيْبِيْج على لغة من قال: دَبَابيج، وأما من قال: دَيَاميس، ودَيَابيج فالياء عنده غير منقلبة عن غيرها، بل هي كياء جِرْيَال، وواو جِلْوَاخ.
كذلك قال

سيبويه والخليل ويونس.
والثاني: ما كان أصل الحرف الثاني فيه همزة، فقلبت ياء أو غير ياء تخفيفاً نحو: (ذئب) و (بئر) إذا خففت فقلت: ذِيب وبِير.
قال الأستاذ (رحمه الله تعالى): تقول فيه - فيمن خفَّف -: ذُؤَيب وبُؤَيرة، يعني بغير تخفيف، قال: لأن قلب الهمزة ياء إنما كان لسكونها بعد الكسرة.
قال: فلما زال ذلك بالتصغير رجعت إلى الأصل.
ومثل ذلك لو سميت رجلاً (ذوائب) لقلتَ: ذُؤَيئِب بالهمز، فترد الهخزة إلى أصلها؛ لأن أصل الواو الهمز، لكن قلبت واواً في الجمع استثقالاً لاجتماع همزتين بينهما ألف، وهي شبيهة بالهمزة، وكان هذا من شذوذ الجمع الذي لا يطرد، فإذا صغر رد إلى القياس، فجعل مكان الواو الهمزة على ما كانت في الأصل /. وعلى التفسير الثاني يشكل كلامه نوعاً من البدل فيما كان أصله اللين، ثم قلب إلى غير لين، وذلك نحو: مُتَّعِد، ومُتَّسِر، أصله مفتعل من الوعد واليسر: موتعد وموتسر، فأدغمت الواو من موتعد، والياء في موتسر، فأدغمت الواو من موتعد، والياء في موتسر _ إذا أصله مُيْتَسِر - في التاء الذي في بنية مفتعل بعد قلبهما تاء، فقيل: مُتَّعد ومُتَّسر، وهذا في لغة غير الحجازيين،

فسبب هذا القلب في الواو والياء طلب الإدغام للمجاورة، فإذا حالت ياء التصغير بينهما لم يبقَ لقلب الواو والياء تاءً موجِبٌ، فروجع الأصل، فتقول فيهما: مُوَيْعِد ومُيَيْسِر.
وإلى هذا ذهب الزجَّاج، وعليه عوَّل الفارسي في الإيضاح، ووجه ذلك ما ذكر من زوال موجب القلب تاء.
وذهب سيبويه إلى إبقاء الأمر في المصغر على ما كان عليه في المكبر من ترك التاء غير مردودة إلى أصلها، فتقول: متيعد ومتيسر، وكذلك (مُتَّلِج) و (مُتَّخِم) و (مُتَّهِم) ونحو ذلك.
واحتجَّ لسيبويه بأمرين: أحدهما: الفرق بين اللغتين؛ لأن لغة أهل الحجاز عدم القلب، إذ يقولون: مُوتَعِد، ومُوتَسِر، ولا شك أن التصغير على هذه اللغة مُوَيْعِد ومُيَيْسِر، فلو قالوا في اللغة الأخرى كذلك، وردت الواو والياء لالتبست اللغتان.
والثاني: وهو الأقوى عندهم في الاحتجاج أن الواو والياء ليستا من الحروف التي تدغم في التاء، فقلبهما هنا تاءين كالقلب

في (تُكَأَة) ونحوه؛ لأن هذه الواو لما كانت في هذا يجب لها تغيير كثير وهو الثابت في لغة أهل الحجاز، فتقول: ايتَعَد ياتَعِدُ ايتعَاداً، وهو مُوتَّعِد، واوتَعَد فلان، فصارت أحوالها تختلف فتكون ألفاً تارة، وواواً أخرى وياء أرادوا أن يقلبوها حرفاً يثبت في جميع الأحوال، وهي مما نقل إليه كثيراً، وذلك التاء، ورأوا ذلك أولى، قالوا: فليست التاء التي بعدها هي الموجبة للقلب فليزم أن ترجع إلى أصلها عند زوال تلك التاء، وإنما الموجب ما ذكر.
هذا ما احتجوا به لسيبويه ومن تبعه، وللزجاج ومن تبعه.
وقد ألزم ابن خروف سيبويه أن يقول في الجمع: مَتَاعد ومَتَاسِر ومَتَالِج، والإلزام [صحيح].
وعلى الجملة فإن كانت العرب قد قالت: مَوَاعد ومَوَازن لزم إبطال مُتَيْعد ومُتَيْزن، والرجوع إلى مُوَيْعد ومُوَيْزن، وإن كانت قد قالت: / مَتَاعِد ومَتَازِن أن يقال هنا: مُتَيْعِد ومُتَيْزِن، وبطل مذهبُ الزَّجَّاج.
وإن كانت لم تقل هذا، ولا هذا فهي في موضع الاجتهاد.
والظاهر أن التصغير فيها غير مسموع، فالنظران متقاربان.
والله أعلم.
ثم إن كلام الناظم يرشد إلى معنيين:

أحدهما: بيان أن ما كان من اللين منقلب عن شيء، ولا منقلب إليه شيء يبقى على ما كان عليه، وذلك أن ما تقدم من الأنواع إنما يأتي فيما كان ليناً قلب إلى غيره، أو قلب إليه غيره على التفسيرين، وبذلك قيد في قوله: (ليناً قلب) فيفهم أن ما لم يقلب حكمه ما تقدم من ظهور البقاء على أصله، فما كان ثانيه واواً أو ياء لم ينقلب إلى حرف آخر، ولم ينقلب إليها حرف آخر بقي على حاله، فتقول في (حَوْل): حُوَيْل، وفي (عُود): عُوَيد وفي (قَول): قُوَيل، وفي (سَوط): سويط، وفي (دَيْر): دُيَير، وفي (زَيد): زُيَيد، وفي (بيت): بُيَيْت، وفي (شَيْخ): شُيَيْخ.
هذا ما يقتضيه نظمُه، وهو صحيحٌ على مذهب البصريين، خلافاً لما ذهب إليه الكوفيون من تجويزهم أن تقلب الياء واواً؛ للضمة، فيقولون في (بَيْت): بُوَيْت، وفي (شَيخ): شُوَيخ، وفي (عين): عُوَينة، وفي (سَير): سُوَير، ونحو ذلك.
وإنما قالوا ذلك لأنهم سمعوا في (ناب) وأصله الياء: نُوَيْب، وقالوا: شُوَيخ وبُوَيت، وهي عند البصريين ألفاظٌ شاذةٌ وعلى غير القياس؛ لأن الثاني في بنية التصغير وهو الياء يجب لها التحرك بالفتح، والضمة لا تقوى على قلبها إلا إذا كانت ساكنة كمُوقن ونحوه،

بخلاف المتحركة فإنها قوية بالحركة، فلمتقْوَ الحركة عليها، بل قويت الياء على الضمة حتى قلبتها كسرة، لكن على الجواز، فقالوا: شِيَيْخ وبِيَيْت ونِيَيْب.
ولم يحك الناظم هنا هذا الكسر، وقال سيبويه: "ومن العرب من يقول في ناب: نُوَيْب، فيجيء بالواو؛ لأن هذه الألف [مبدلة] من الواوات أكثر" يعني أن الواو على العين أغلب، قال: "وهو غلظ منهم".
وقد حكى السيرافي أنها لغة بعض العرب.
قال ابن الضائع: وهاتان اللغتان نظيرتا (قِيل) و (بِيع)، و (قول) و (بُوع) فيما بني للمفعول، قال: وعلى هذا يجوز في (الناب) نُيَيْب بالضم والكسر، قال: ولو حفظ سيبويه هذه اللغة في (نُوَيْب) لحمل عليها هذا.
قال: ويقوِّي توجيه سيبويه ضمُّ الأول، ألا ترى أن الضم هو الموجب للواو في تصغير (بَيت) فقط؟ انتهى.
وعلى كل تقدير فهو نادر، والنادر لا يعتد به، فلذلك لم يبن عليه الناظم.
والمعنى الثاني في كلام الناظم أن هذا / الرد الذي يحكم به في

التصغير إنما هو حيث يزول موجب الخروج عن الأصل، وهذا مأخوذ من تمثيله؛ لأن (قِيمة) أصله: قِوْمَة، والواو الساكنة لا تثبت بعد الكسرة، فقلبوها ياء، فلما زالت الكسرة حين ضمت القاف للتصغير لم يبق لبقاء الياء موجب، فرجعت إلى أصلها، فقيل: قُوَيْمة، فكذلك جميع ما يرد في التصغير إلى أصله، وقد تقدم تمثيله.
قال السيرافي: ما كان من بدل الحروف لحركة أوجبت قلب ما بعده، أو لحرف على حال يوجب قلب حرف بعده، ثم صغرت ذلك الاسم أو جمعته، فزالت العلة الموجبة للقلب في التصغير أو في الجمع رددته إلى أصله، ثم مثل ذلك بما تقدم.
فأما إذا كان موجب القلب باقياً في التصغير فإن المصغر لا يرد إلى أصله، بل يبقى على حاله، وهو مقتضى ما يعطيه حاصل المثال من المفهوم؛ لأنه في قوة أن لو قال: واردد لأصل كذا إن زالت علة القلب في التصغير، فلا شك أن مفهومه أن العلة إذا لم تَزُل فالحال يبقى كما كان قبل التصغير.
ومثال ذلك مسألة سيبويه إذْ سأل الخليل عن (فُعْلٍ) مبني من (وَأَيْتُ) فقال: وُؤْيّ، قال فسألته عنها فيمن خفف فقال: أُوْيٌ،

ولا بد من الهمزة؛ لاجتماع الواوين.
فعلى هذا إذا صغرت هذا بناء على التخفيف فلا بد أن تقول: اُوَيٌّ، قتبقى الواو الأولى على إبدالها همزة، وتبقى الهمزة بعدها على تسهيلها كما كانت، ولم يفعل التصغير شيئاً؛ لأن ما لأجله وقع الإعلال بالقلب باقٍ بعد التصغير، وذلك أن الهمزة الساكنة لما أبدلت واواً اجتمع واوان في أول الكلمة، فلزم همزُ الأولى على مقتضى القاعدة التصريفية.
وكذلك إذا سميت بـ (فُعُلٍ) من الوَأْدِ جمع (وَءُود) كصَبُور، ثم خفَّفت فإنك تقول: أُوُد، فإذا صغرت قلتَ: (أُوَيد) ولا بدَّ.
وكذلك إذا سميت بـ (أَوَادِم) جمع آدم على أنه (أَفْعَلُ) من الأدمة فإنك تقول في تصغيره: أُوَيْدِم، لبقاء موجب قلب الهمزة الثانية واواً، وهو اجتماعها مع الهمزة الأولى.
وكذلك إذا بنيتَ (أفعل) من الأمن فقلت: (آمَن) ثم جمعته على (أفاعل) فقلت: (أَوَامِن) ثم سميت به فإنك تقول في تصغيره: أُوَيمن.
ومن هذا كثيرٌ.
ومثله لو بنيتَ من الأمنِ، أو من الأُدْمَة مثل (شامِل) لقلت: آمِن، وآدِم، ثم تجمع / على (أَوَامن) و (أَوَادِم)، ثم تصغر كما تقدم.
وهذا كله ظاهر.

وكذلك تعتبر كل ما كان ثانيه ليناً مبدلاً، أو مبدلاً منه، ولم تَزُلْ علة الإبدال في التصغير فتبقي الأمر كما كان عليه.
ومعنى ثالث: مستفادٌ أيضاً من المثال وهو ألا يبقى بعد تصغيره علَّةٌ أخرى تخلُفُ الأولى في الإخراج عن الأصل، وذلك أنه إذا زالت العلة التي أخرجت الحرف في المكبر عن أصله، ثم خلفتها علَّةٌ أخرى من جنسها، أو من غير جنسها فالحرف لا يرجع إلى أصله؛ لمعارضته هذه العلة الحادثة فلا بد أن تعطى حكمها، وذلك أنك تقول: إيمان وإيلاف وإيتاء، وسائر ما كان على (إفْعال) مما فاؤه همزةٌ، فلا بد من إبدال تلك الهمزة (للهمزة) المتقدمة، وتكون ياءً للكسرة، فقد خرجت عن أصلها إلى الياء، فإذا صغَّرْتَ ذلك قلت: أُوَيمين وأُوَيلِيف وأُوَيْتِيء، فيزول كون الهمزة ياء؛ لزوال الكسرة، ولا يزول إبدالها لثبوت الهمزة الأولى، وإنما تصير واواً للضمة الحادثة في التصغير، فقد اختلف البدلان ولم ترجع إلى أصلها؛ إذ لا سبيل إلى ذلك مع وجود علة الإبدال.
وفي هذا المثال نوعٌ مما قبله.
ثم ذكر ما شذَّ من هذا فقال: وشذَّ في عِيدٍ عُيَيْد

يعني أن هذا الاسم الذي هو (عِيد) قالوا فيه: عُيَيْدٌ على لفظه لا على أصل أصله؛ لأن أصله الواو من العَودة؛ لأنه يعود في كل سنة فكأنهم التزموا فيه البدل، ألا تراهم قالوا: أعياد، فإذا كانوا التزموا الياء فلا بدَّ من التزامه في التصغير كما كان في التكسير.
قال سيبويه: "وأما عيد فإن تحقيره عييد؛ لأنهم ألزموا البدل، قالوا: أعياد، ولم يقولوا: أَعْوَاد، كما قالوا: أقوال، قال: فصار بمنزلة همزة قائل".
يعني في أنها تثبت في التصغير حين تقول: قُوَيئِل.
ونحو من هذا الذي ذكر الناظم ما أجاز ابن جني في الخصائص من تصغير (مِيثاق) على مُيَيْثِيق على قول من قال: مَياثيق، وأنشد أبو زيد: حِمًى لا يحلُّ الدَّهْرَ إلا بإذْنِنَا ولا نسألُ الأقوامَ عَقْدَ المياثِقِ ووجَّهَ ترك الرد إلى الأصل بكثرة استعمالهم لميثاق حتى كأنهم تناسوا أصله، وأنه الواون فتوهموا أنه في الأصل على ظاهر لفظه غير

مسبب عن علة، كبنائك (مِفعالاً) من اليُسْر، ثم تكسيرك إيَّاه على على (مفاعيل) فتقول: مِيْسَار ومياسير، فانِسُوا بميثاق أنسَهُم بمثل / مِيْسَارن فقالوا: مَيَاثِيق، قال ابن جني: "وكذلك عندي قياسُ تحقيره على هذه اللغة أن تقول: مُيَيْثِيق".
وما قاله ابن جني ليس بمصادم لما ادعى ابن مالك هنا من الشذوذ؛ لأن المياثيق نادرةٌ في اللغات أن تثبت لغة، وما قاله ابن جني من القياس بناءٌ عليها، وابن مالك إنما تكلم على اللغة المشهورة، ولا شك أن عُيَيْداً شاذٌّ فيها وعند أهلها، لا أنها اختصَّ بها قومٌ دون قوم، فمن هذا الوجه شذّت.
ثم قال: ............ وحُتِمْ للجمع من ذا ما لتصغيرٍ عُلِمٍ [حُتم] معناه: أُوجِب وأُلزِم، و (ذا) إشارة إلى الحكم المقرر للتصغير، وهو رد الثاني الذي هو لين إلى أصله، فيريد أن ثبت من هذا للتصغير فإنه ثابت للجمع، ويريد به الجمع المكسَّر، فإذا كانت علَّةُ القلب في المفرد قد زالت في الجمع فلا بدَّ من ردِّ الثاني

اللين إلى أصله، فتقول في (رِيح): أَرْوَاح.
قال: قِفْ بالدِّيارِ التي لم يَعْفُها القِدَمُ بِلًى وغيَّرَها الأرْوَاحُ والدِّيمُ وفي (ريَّا) و (ريَّان): رِوَاء، وفي (ميزان): موازين، وفي (ميعاد): مواعيد، وفي (ميقات): مواقيت، وكذلك تقول في (مُوسِر) و (مُوقِن) لو كسَّرته: مَيَاسِر، ومياقِن، وتقول في (مال): أموال، وفي (حال): أحوال، وفي (باب): أبواب، وفي (ناب): أنياب، وما أشبه ذلك؛ لأن موجب الإعلال في هذه الأشياء قد زال حالة الجمع، فيراجع الأصل بلا بدٍّ.
وكذلك تقول في (قِيراط): قَرَاريط، وفي (دينار) دنانير، وفي (دِيباج): دَبَابيج، وفي (ديماس): دَمَاميس في أحد الوجهين، وهذا على التفسير الأول.
وعلى التفسير الثاني تقول: مَوَاعد ومَيَاسر في (مُتَّعِد) و (مُتَّسِر)، ومَوَالِج في (مُتَّلِج)، ونحو ذلك، وقد تقدم بسط هذا قُبَيل.
وأما إذا كانت على الإعلال باقيةً فلا بد من بقاء الثاني على ما كان عليه قبل ذلك، فتقول في (قِيمة): قِيَم، وفي (ديمة): دِيَم، وفي (حِيلة): حِيَل؛ لأن موجب قلب الواو ياء وهو الكسرة قبلها باقٍ في الجمع (فيبقى موجبُهُ.

وكذلك إذا بَنيت من الهمزة مثل (سَفَرْجَل) فقلت: أَوَأْيَا، ثم جمعته فإنك تقول: أَوَاءٍ) فتبقى الواو على حالها بسبب بقاء موجب إبدالها على حاله، وهو اجتماع الهمزتين، وكذلك إن خلفت في الجمع علة أخرى فإنك لا تردُّ حرفَ اللين إلى أصله لما عرض في الجمع من المانع، ومثاله: (إيمان) و (إيلاف) / تقول في جمعه: أَوَامين وأَوَاليف، وكذلك كل (أفعال) مما الفاء فيه همزة، فالأصل: إِأْلاف وإِأْمَان، أُبدلت ياءً لأجل الهمزة، فلما جمعوها لم تُردَّ إلى أصلها؛ لبقاء موجب الإبدال وهو اجتماع الهمزتين.
وبالجملة فكل ما تقدم في التصغير جارٍ مثله في التكسير، فلذلك قال: ............... وحُتِمْ للجمع من ذا ما لتصغيرٍ عُلِم أي هذا الحكم لازم في الجمع، لا انفكاك له عنه.
ويشمل كلام الناظم ما كان من ذلك مقيساً، وما كان سماعاً، ألا ترى أنهم قالوا: أعياد في جمع (عِيد)، وأصله الواو، وكذلك قالوا: مياثيق في جمع (ميثاق)، وأصل هذا أن التصغير جارٍ على التكسير، ولا سيما فيما كان على مثال (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل)؛ إذ هو مساوقٌ في بنائه لبناء التصغير، ولذلك حَمَلَ سيبويه (عُيَيْد) على

أعياد، وحمل ابن جني (مُيَيْثِيق) على مياثيق.
إلا أن في ظاهر كلام الناظم شيئاً يُشاحُّ فيه، وهو أنه أحال في إعطاء حكم التكسير على التصغير؛ إذ ذكر أن كل ما ثبت من هذا الحكم للتصغير فهو ثابت للتكسير، والذي بنى عليه النحويون العكس من حمل التصغير على التكسير، كما تقدم عن سيبويه وابن جني وابن خروف، وثبت ذلك عن غيرهما، وقد تقدم أيضاً سؤال ابن جني للفارسي في هذا، فصارت عبارة الناظم مخالفةً لهذه القاعدة، وإن كان المعنى والمحصول صحيحاً.
فالجواب: أن مراد الناظم ليس الحمل القياسي وهو الذي ذكره النحويون، بل التعريف بالحكم مجرداً، فكأنه يقول: الحكم في التكسير في هذه المسألة كالحكمِ في التصغير، ولا يلزم من هذا الحملِ القياسي، فلا مشاحَّةَ عليه في عبارته.
وقوله: (من ذا) يريد من هذا الحكم المذكور قريباً، فحرر عبارته وقيَّدها؛ لئلا يتوهم أن جميع الأحكام الثابتة للتصغير ثابتة كلها للتكسير، وهذا فاسد.
وقوله: (ما لتصغير عُلِم) يعني عُلِمَ من كلامه فيها وتقريره.


والمسألة الثانية من المسائل الثلاث التي ذكر الناظم في هذا الفصل في حكم الألف إذا كانت زائدة أو مجهولة الأصل، وذلك قوله: والألفُ الثاني المزيدُ يُجعَلُ واواً كذا ما الأصلُ فيه يُجهَلُ يعني أن الحرف [الثاني] إذا كان ألفاً مزيدة غير منقلبة عن أصل فإنك تقلبها عند التصغير واواً فتقول في (ضارب): ضُوَيرب، وفي / دابَّة: دُوَيَّبة، وفي (آدم) على أنه فاعل: أُوَيْدم، وكذلك ما كان نحوه.
ووجه ذلك أن أول الكلمة لا بد من ضمَّة، فلا بد من القلب فيها، وقلبها إما إلى الواو، أو إلى الياء، والقلب إلى الواو أولى لمناسبتها للضمة، ولذلك إذا سُهِّلَت الهمزة المفتوحة بعد الضمة صُيِّرَت واواً، وأما الياء فهي أبعد من الواو في هذا الموضع، ولذلك إذا حقَّروا مثل (شيخ) فرُّوا في أحد الوجهين إلى كسر الأول، فقالوا في (شيخ): شِيَيْخ، وقال بعض العرب في (ناب): نُوَيْب، فلم يعتبروا الأصل، وهو واجبُ الاعتبار، بل اعتبروا الضمة فأَتَوا لها بالواو، وهو مذهب الكوفيين.
فلما كان الأمر على هذا ذهبوا مذهب الاستخفاف، فقلبوا الألف واواً، فقالوا: ضُوَيرب، وقُوَيئم، ونُوَيمس في ناموس.

وإنما قيد الألف بكونه مزيداً؛ ليخرج الألف الأصلي عن هذا الحكم، أي المنقلب عن أصل كألف (مال) و (ناب)، فإن هذا الألف قد دخل في حكم الثاني اللين في المسألة الأولى.
وأما الألف الثالث فهو الذي نبَّه عليه بقوله: كذا ما الأصل فيه يُجهلُ (ما) واقعة على الألف الثاني؛ لأنه جعل الألف إذا كانت ثانية على وجهين: زائدةً، ومنقلبة عن أصل مجهول، وأما المنقلبة عن أصل معلومٍ فقد تقدَّم ذكرها، فيريد أن الألف الثانية إذا جُهل أصلها، فلم يُدْرَ أأصلها الواو أم الياء، فحكمها أن تُقلبَ واواً.
وقد يشعر قوله: (ما الأصل فيه يجهل) بأن المسألة عنده مفروضة فيما كان له أصل ثابت، لكن لم يدل دليل على كونه واواً أو ياء، فيخرج عنه ما ليس له من الألف أصل انقلبت عنه، بل هي أصول بأنفسها، كما إذا سميت بـ (ما) و (لا) و (ها) على مذهبه في التسهيل، وقد تقدم التنبيه عليه.
وعلى هذا المحمل يشمل كلامه ضربين: أحدهما: ما كان من الأسماء المعربة المتصرف فيها مجهول الأصل نحو: (صاب) و (عاج)، وأظن أن ابن سِيده جعل من هذا (البان) الشجر المعلوم؛ إذ لم يدل عنه دليل على أصل الألف فيه.

ويجري مجراه على مذهب الجماعة ما إذا سميتَ بـ (ما) أو (لا) أو (ها) التنبيه، فأنت تقول: هذا ماءٌ ولاءٌ وهاءٌ، فتحكم على الألف بالانقلاب، لكن تكون مجهولة الاصل يمكن انقلابها عن الواو أو عن الياء، فمثل هذا تقول في تصغيره: بُوَين / ومُوَيّ ولُوَيّ وهُوَيّ، وكذلك إذا سميت بـ (غاق) أو غيره من أسماء الأفعال والأصوات.
والثاني: أسماء الحروف الموقوفة الجارية مَجرى الأصوات نحوه: كافْ، لامْ، زايْ، صادْ، ضادْ، قافْ، ونحو ذلك، فهذه الألفات من المجهول الأصل إذا جعلتها أسماءً للحروف فقلتَ: كافٌ ولامٌ وزايٌ ونحو ذلك كانت مجهولة الأصل فتقول فيها عند التصغير: كُوَيفٌ، ولُوَيْمٌ، وزُوَيٌّ، وصُوَيْدٌ، وضُوَيْدٌ، وقُوَيْفٌ، وإن شئت أنتث بالهاء اعتباراً بتأنيث الحروف.
وإنما كان القلب فيها إلى الواو دون الياء لوجهين: أحدهما: أن الواو أقرب تناسباً للضمة المتقدمة من الياء وأخفُّ نطقاً، فكان القلب إليها أولى كما تقدم فوق هذا.
والثاني: أن القاعدة المعتمدة عن المحققين أن الواو أغلبُ على العين من الياء.
ذكر ذلك سيبويه واعتمده غيره.

قال ابن جني: لأنك إذا استقرأتَ اللغة وجدتها في أكثر الأمر كذا، ألا ترى إلى بابٍ ودارٍ وساقٍ وغارٍ وتاجٍ وصاعٍ فهذا كله من الواو، والياء في هذا الموضع قليلة.
وإذا ثبت هذا فالألف المجهولة الواقعة ثانية هي في موضع العين، فهي داخلة تحت حكم ذلك الغالب، وهو كونها واواً في الأصل، فترجع إلى أصلها.
وعلى هذا التقرير يردُ على الناظم هنا سؤالان: أحدهما: أن نصه على ما الأصل فيه مجهولٌ حشوٌ لا فائدة فيه، وذلك أن النحويين حكموا على ما كان هكذا لم يعرف له أصل بأنه من الواو، لا من الياء، فإذن أصله عندهم معلومٌ، وإن لم يكن معلوماً باشتقاق ولا تصريف فهو معلوم بالكثرة، أو بالحمل على النظير، أو بغير ذلك من الأدلة المذكورة في علم التصريف الدالة على الأصالة والزيادة، وغير ذلك من الأمور التي هذا منها، وإذا كان كذلك فقد دخل له تحت قوله أولاً: واردُدْ لأصلٍ ثانياً ليناً قُلِب فإنه لم يُحل الناظن على الأصل إلا وهو معلوم بطريق من الطرق

المعرِّفَةِ بذلك، وهذا النمط معلومُ الأصل أيضاً بطريقٍ من تلك الطرق فشمله الكلام ولا بدَّ، فصار هذا النوع غير مفيد.
والثاني: على تسليم عدم دخوله تحت ما قدَّمَ فليس الحكم فيه مطلقاً كما يقتضيه نظمُهُ، بل الألف المجهولة تنقسم قسمين: مُمالةً، وغيرَ مُمالةٍ.
فغير الممالة هي التي يستتبُّ فيها ما ذكر من الحكم.
وأما الممالة فليس الحكم / فيها ما قال، بل تُعد كأن أصلها الياء، فتقلب ياءً كما قال ابن جني في (ما) إذا سمَّيتَ به، فإنك تقضي على الألف بأنها ياء، قال: لأجل الإمالة فيه، فجعل الألف كالمنقلبة عن الياء كما ترى، فتقول إذن في تحقيره: مُيَيّ، كما تقول في ناب: نُيَيْبٌ، وكذلك كل ما كان من الألفات الثواني مُمالاً، والإمالة سبب في قلب الألف ياءً والحكم عليها بذلك، ولذلك تقول في تثنية (متى) مسمًّى به: مَتَيَان لأجل الإمالة، وقد تقدم ذكرُ ذلك في باب التثنية.
وقد أمالوا الباء والتاء والثاء ونحوه بعدما أعربوها، وعاملوها

معاملة ما ثانيه ياء بحق الأصل لما كانوا قد أمالوها قبل الإعراب حين قالوا: با، تا، ثا، ثم بنوا ذلك على أن قالوا: يَيَّيْتُ باءً حسنةً، وتَيَّيْتُ، وحَيَّيْتُ، ونحو ذلك؛ لأجل ما تقدم لهم فيها من الإمالة ولم يحكموا للألف بحكم ما أصله الواو، فيقولون: بَوَّيْتُ، وتَوَّيْتُ، وحَوَّيْتُ، وإذا كان كذلك كان الواجب على مقتضى القاعدة أن يقولوا في التصغير: بُيَيّ، وتُيَيّ، وحُيَيّ ولا يقولوا: بُوَيّ، وتُوَيّ، وحُوَيّ.
وظهر أن إطلاق كلام الناظم مشكلٌ ومعترضٌ.
والجواب عن السؤال الأول أن الألف المجهولة عند أهل العربية هي ما لم يقم دليلٌ عليه من اشتقاق أو تصريف؛ لأن الاشتقاق والتصريف هما أصلا جميعِ الأدلة، وإليهما يُرجَعُ، على ما بينتُهُ في كتاب الاشتقاق.
فإذن كل ما لم يقم دليل على تعيين أصله من الألفات يسمى مجهول الأصل اصطلاحاً منهم، ثم بعد ثبوت هذا الأصل نظروا إلى الأكثر في تلك الصفات، فعاملوا المجهولة تلك المعاملة، فقضوا عليها بأنها [من الواو مع أنها] لم تخرج عن حقيقة كونها مجهولة؛ إذ

دليل الكثرة شبهيٌّ، وعلى هذا السبيل جرى الناظم فسماها مجهولة الأصل اعتباراً بفقد أحد الدليلين الأصليين، وحكم بمقتضى ما أصَّلُوهُ فيها، فبنى على حكم الواو فيها، فقلبها في التصغير واواً؛ لأن هذا حكم ما أصله الواو من الألفات الثواني، فلم يخرج عن طريقهم.
والجواب عن السؤال الثاني أن اعتبار الإمالة غير متفق عليه في الحكم بكون الألف ياء، بل أطلقوا القول في القاعدة، ولم يستثن سيبويه منها ممالاً من غيره، وكذلك فعل الفارسي، فلذلك لما ذكر ابن جني / فيما تقدم قال: قياس قول أبي علي أن يكون من الواو، يعني لأجل أن الواو على العين أغلب؛ لأن باب (طَوَيْتُ) كثيرٌ جداً، وباب (عَيِيتُ) قليلٌ، والحمل على الأكثر واجب، لكن لما كانوا قد أمالوا هذه الحروف تصرفوا فيها على ذلك الحكم فقالوا: بيَّيْتُ وحّيَّيْتُ، فلما كانت الإمالة ليست إلا للإعلام بأن تلك الألفات كانت قبل النقل ممالة، لا لأن أصلها الياء لم يبق فيها دلالة على الياء، كما لم يكن فيها دلالة عليها في (بَلى) و (لا) في قولهم: (إمَّا لا) ونحو ذلك، فتصح إذن دعوى الانقلاب عن الواو بهذا النظر.
على هذا المعنى اعتمد ابن جني في ترجيح قياس أبي علي، وهو

مبسوطٌ في سر الصناعة، فقضى الناظم بذلك أيضاً، وترك اعتبار ذلك التصرف، وهو جواب مقدوح فيه؛ لمصادمته السماعَ وكلام النحويين في اعتبار الإمالة في التثنية ونحوها.
وعلى الجملة فالسؤال هنا قوي الإيراد، والله أعلم.


المسألة الثالثة: في حكم الاسم المنقوص في التصغير، وما يردُّ لأجله من المحذوف وما لا يردُّ، وذلك قوله: وكمِّلِ المنقوصَ في التصغير ما لمْ يُحْوِ غير التاء ثالثاً كَمَا إنما تكلم المنقوص وترك غير المنقوص؛ لأنه لا إشكال فيه.
قوله: (في التصغير) متعلقٌ بـ (كَمِّلِ) أي: كمِّل في التصغير المنقوص إلى آخره، ويعني بهذا الكلام أن الاسم المصغر على ضربين: أحدهما: ما كان منقوصاً منه حرف، ولم يحر حرفاً ثالثاً، أي هو بعد النقص على حرفين فقط، لم يبق بعد النقص على أكثر من حرفين.
والثاني: أن يحوي ثالثاً، وإن كان منقوصاً.
فأما الضرب الأول وهو الباقي على حرفين فلا بد من تكميله وتصييره على ثلاثة أحرف كما كان قبل النقص؛ لأن بنية التصغير لا تقوم بأقل من ذلك؛ إذ كانت ياؤه لا تقع إلا ثالثة، وبعدها حرف

يقع عليه الإعراب، ولا يمكن ذلك في أقل من ثلاثة أحرف دونها؛ إذ لو وقع الإعراب في الياء لاعتلَّت واختلَّت دلالتها، فلا بد من الرد لذلك.
وأما الضرب الثاني وهو الذي بقي بعد النقص على أكثر من حرفين فلا يرد إليه شيءٌ؛ لأن الرد إنما هو للضرورة المتقدمة، ولا ضرورة مع وجود حرف ثالث يقع عليه الإعراب، وتسلم به ياء التصغير، فلذلك قال الناظم: (ما لم يحوِ ثالثاً) أي: فإن حوى ثالثاً فلا تُكمِلْهُ.
هذا ما أراده على الجملة، وإذا رجعنا / إلى تفصيل ما أراد بهذا الكلام فنقول: النقص المراد عنده يحتمل في بادي الرأي أحد وجهين: أحدهما: أن يريد النقصَ العرفي المشهور عند النحاة، وهو حذف الحرف الآخر خاصَّةً كيَدٍ ودَمٍ وهَنٍ، ونحو ذلك، وقد يُرشد إلى هذا تمثيله بما في آخر الشطر الثاني، وعلى هذا الوجه لا إشكال في صحة ما قال، فتقول على هذا في الثنائي الذي لا بدَّ من الرد فيه: في (يدٍ): يُدَيَّة، وفي (دمٍ): دُمَيٌّ، وفي (سنة): سُنَيَّةٌ على من قال: سَانَيْتُ، وسُنَيْهَةٌ على من قال: سَانَهْتُ، وكذلك عُضَيَّة، أو عُضَيْهَة، وكذلك ما أشبهه.

والثاني: أن يريد ما هو أعمُّ من ذلك وهو النقص اللغوي مطلقاً: كان النقص [من] الآخر أو من غيره.
وكلامه أيضاً على هذا المنزع صحيحٌ؛ لأن الحكم واحد في المحذوف الفاء أو العين أو اللام؛ لأن الضرورة داعيةٌ إلى الرد كما تقدم.
ولا يقدح في هذا الوجه تمثيله بـ"ما"؛ لأنها مثال من أحد أقسامه، لكن حملُ كلامه على هذا الثاني أولى؛ لاشتماله على ما هو ضروري الذكر، بخلاف الأول فإنه قاصر عن ذلك، إلا أنه على غير إطلاق العرفي، وهذا قريبٌ.
وعلى هذا الإطلاق الثاني جرى في التسهيل؛ إذ قال: "ويُتوصَّلُ إلى مثال (فُعَيل) في الثنائي بردِّ ما حذف منه إن كان منقوصاً"، ثم قال: "وإن تَأَتَّى (فُعَيلٌ) بما بقي من منقوص لم يُردُّ إلى أصله"، وأشار إلى نحو (ناسٍ) و (هارٍ) إذ أصله: (أناسٌ) و (هائرٌ) فحذف منه غير الأخير.
وأما ما نقص من أوله حرفٌ فنحو: (عِدَةً) و (زِنَةٍ) و (رَقَةٍ) وبابه تقول فيه: وُعَيْدَةٌ، ووُيْنَةٌ، ووُرَيْقَةٌ، وفي (شِيَةٍ): وُشَيَّةٌ،

وفي (خُذْ) و (كُلْ) مسمًّى بهما: أُخَيْذٌ، وأُكَيْلٌ، وما أشبه ذلك.
وأما ما نقص من أوسطه حرفٌ فنحو (سَهٍ) تقول فيها: سُتَيْهَةٌ، وفي (مذ) مسمًّى به: مُنَيذٌ؛ لأنه عند سيبويه محذوفٌ من (منذ)، وكذلك إن سمَّيتَ بـ (سَلْ) ثم صغَّرته قلتَ: سُؤَيْلٌ، على أن (سل) أصله من الهمز، لا من الواو.
وهذا التكميل الذي ذكره الناظم يحتمل وجهين أيضاً: أحدهما: ما فسَّرتُهُ به من تكميله بالحرف المحذوف الذي من أصل الكلمة، وهو صحيح جار على كلامه في التسهيل وكلام غيره.
الثاني: أن يريدَ به أنه يُؤتَى بحرفٍ مكمل على الجملة من غير اعتبار بكونه من أصل الكلمة أو لا، وإنما القصد أن تصير به الكلمة ثلاثية، فإن كانت الكلمة محذوفاً منها فذاك، وإلا أتيَ بحرف مكمِّلٍ لا ينسب / إليها كالأسماء المبنية والحروف التي على حرفين، ولا شكَّ أن مثل هذا مرادٌ له، ولذلك مثل بـ (ما) في قوله: ............ ما لم يحْوِ غير التاء ثالثاً كما حسبما يأتي التمثيل فيه إن شاء الله تعالى.
وإذا كان كذلك ففي إطلاقه التكميل نظر؛ فإنه لم يقيد ذلك، فيقتضي أنك تكمِّلُ الاسم بمكمِّل، أيِّ مكمل كان، لا يعتبر فيه كونه من أصل الكلمة أو من غيرها، فيجيء من ذلك نحو ما حكى

الأخفش عن حماد بن الزبرقان النحوي أنه قال في النسب إلى (شِيَة): شِيَوِيٌّ، فقياسه في التصغير شُوَيَّةٌ، فيؤتى إذن بحرف أجنبي من الكلمة تكمَّلُ به، ويطَّرِدُ هذا في جميع ما تقدم، وهو غير صحيح، فإن ما حكى في النسب لا يقاس عليه.
قال ابن الضائع: لاختصاص النسب بتغييرٍ كثير لا يجوز في غيره، فالوجه أن يقال: وُشَيَّةٌ، وكذلك تقول في النسب: وِشَوِيٌّ، أو وِشْيِيٌّ، وقد أشار إلى هذا الرأي سيبويه في النسب، واحتجَّ على فساده بأشياءَ منها التحقير.
فهذا المذهب واردٌ على عبارة الناظم أن يؤخذ منها؛ إذ يقال: لو قصد ما عليه الناس لقيد الحرف المكمِّلَ بكونه هو المحذوفَ في الأصل، ولم يفعل ذلك، فكان فيه إشكالٌ.
والعذر عن هذا أنه قصد إدخال الضربين معاً، وهما المكمَّلُ بما هو من أصل الكمة، والمكمَّلُ بحرف خارجي إذا لم يكن لها أصل سوى ما ظهر، فلم يقيد ذلك ليدخلا معاً، وكأنه أحال في التكميل من أصل الكلمة على ما هو المعروف المتداول عند النحاة، أو ترك ذلك اتكالاً على بحث الباحث وإفادة المعلِّم.

وأما الثلاثي المنقوص منه حرف كـ (ناسٍ) و (هارٍ) أصله: أُنَاس، وهائِرٌ، فقد أعطى كلامه بمفهومه حكمه؛ إذ قال: (ما لم يحو غير التاء ثالثاً) مفهومه أنه إن حوى ثالثاً فلا تكمله بما حذف منه، وعلى هذا تقول في (ناسٍ): نُوَيس، وقد رواه الفراء هكذا عن الكسائي، لكنهم استدلوا به على أنه ليس بمحذوف من (أناس)، خلاف ما ذهب إليه سيبويه منه محذوف منه.
وتقول في (هارٍ): هُوَير، وفي (مَيْت): مُيَيْتٌ، وفي (هَيْنٍ): هُوَيْن، وفي (يَضَع) (ويَعِدُ) مسمى بهما: يُضَيْعٌ ويُعَيْدٌ، وفي (خيرٍ منك) و (شرٍّ منك): خُيَيْرٌ منك، وشُرَيْرٌ منك، وكذلك في (كَيْنُونة) و (قَيْدُودة): كُيَيْنِينَة، وقُيَيْدِيْدَة، ولا ترد المحذوف فتقول: كُوَيْنِيْنَة، وقُوَيْدِيْدَة، وكذلك كل ما / كان منقوصاً وبقي منه ثلاثةٌ فأكثر.
وما ذهب إليه هو مذهب سيبويه والجماعة، وذهب أبو عمرو بن العلاء إلى أنه لا بدَّ من الرد، فتقول في (ناس):

أُنَيِّسٌ، وفي (هار): هُوَيْئِرٌ، وكذلك تقول في (يرى) - مسمى به -: يُرَيْءٌ ٍ، وله من الحجة أمران: أحدهما: أن من شأن التصغير أن يرد الأشياء إلى أصولها كما تقرر باتفاق في الثنائي كـ (يدْ) و (دمٍ)، فكذلك ينبغي فيما كان منقوصاً مثله.
ورُدَّ هذا الاحتجاج بأن رد الشيء إلى أصله في التصغير ليس لأجل التصغير من حيث هو كذلك، بل لأجل الضرورة الداعية إلى الرد، وذلك في الثنائي لكمال بنية التصغير كما تقدم، وأيضاً فإن العرب لم تردَّ حين قالت: نُوَيْسٌ في ناس حسبما حكاه الفراء عن الكسائي.
والثاني: ما حكاه سيبويه عن يونس عن العرب أنهم يقولون في (هارٍ): هُوَيْئِرٌ على مثال (هُوَيْعِرٍ).
وهذا نص في موضع الخلاف، فيقاس عليه ما عداه.
ورُدَّ هذا الاحتجاج بثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا السماع غير متفق عليه عند العرب، وإنما هو شيء منقول عن ناس منهم، قال سيبويه: وزعم يونس أن ناساً

يقولون هُوَيئر على مثال (هُوَيعر).
فلم ينقله إلا عن بعض العرب، وذلك لا يكون حجة على جميع العرب.
والثاني: أن ما سُمِع من ذلك نادر شاذ لا يبلغ مبلغ القياس عليه، فلا يبنى عليه قاعدة، وأيضاً فهو مؤوَّل.
قال سيبويه - بعد الحكاية -: "فهؤلاء لم يحقروا هاراً، وإنما حقروا هائراً، كما قالوا: رويجل كأنهم حقروا راجلاًن وكما قالوا: أُبَيْنون وأُنَيْسان، قال: إلا أن تسمع شيئاً من العرب فتؤديه، وتجيء بنظائره مما ليس على القياس".
وأبينون وأنيسان تصغير لابن وإنسان على غير قياس، لكن على تقدير واحد غي مستعمل، كأنهم صغروا (أبنَى) و (إِنْسِيَان)، فكذلك القول في (هُوَيئر).
وإذا احتمل هذا التأويل لم يكن فيه دليل.
والثالث: المعارضة بقول العرب في (ناس): نُوَيس، فهو إما أن يقول فيه: أُنَيِّسٌ، فيخالف العرب، وإما أن يقول: نُوَيْسٌ، فيخالف قاعدته، ومن هنا رد عليه سيبويه حين حكى عنه هذا المذهب قال: فهو ينبغي له أن يقول: مُيَيْتٌ يعني في (ميت) مخففاً، وينبغي له أن يقول في (ناس): أُنَيِّسٌ؛ لأنهم إنما حذفوا ألف (أُنَاس).
فقد ظهر وجهُ ما ذهب إليه الناظم /.

ثم استثنى من القسم الثاني الذي لا يرد فيه المحذوف إلا أن يكون الحرف الثالث الذي يكمل به الاسم المصغر تاء، وذلك قوله: (ما لم يحو غير التاء ثالثاً) وهو استثناء من ثالث مقدم عليه، فكأنه يقول: إن حَوَى ثالثاً فلا تكمِّلْهُ، إلا أن يكون الحرف الثالث تاء، ويعني تاء التأنيث فإنه لا بد من التكميل بردِّ المحذوف.
والتاء المستثناة تاءان: إحداهما: التي تسمى الهاء نحو: ضاربة، وقائمة، فهذه التاء لا يعتد بها، فتقول في (شية) و (عدَة): وُشيَّةٌ، ووُعَيْدَةٌ، فترد المحذوف؛ لأنها في تقدير المنفصل عن الكلمة، ولذلك تشبه بالاسم الثاني من المركبين، وتعامَل بتلك المعاملة، وقد قرر الناظم هذا المعنى أول الباب إذ قال: وألف التأنيث حيث مُدَّا وتاؤه منفصلين عُدَّا والثانية: التاء اللاحقة لأخت وبنت وهُنْت فإنها وإن كانت قد بنيت الكلمة عليها، وصارت ملحقة لبنات الاثنين ببنات الثلاثة أصلها أن تكون للتأنيث، ولذلك يطلق عليها سيبويه في بعض المواضع أنها للتأنيث، وإن كان ذلك تجوَزاً منه اعتباراً بأصلها، وقد

بين حقيقتها في غير موضعٍ من كتابه، وأنها كتاء (سَنْبَتَة) وتاء (عفريت).
لكن الناظم اعتبر أصلها، وأنها كانت قبل الحذف للتأنيث، وإطلاقُ لفظ الإمام عليها أنها للتأنيث فشملها لفظه هنا، وكذلك في قوله: وتاؤه منفصلين عُدَّا فتقول هنا في التصغير: أُخَيَّة، وبُنَيَّة، وهُنَيَّة، فتردُّ المحذوف، ولا تجتزَئ بها اعتباراً ببناء الكلمة عليها؛ لأن ذلك غير معتبر عندهم، وكذلك سكون ما قبلها غير معتبر في هذا المعنى، نظراً إلى أصلها، وإلى أنها لا تثبت في نسبٍ ولا جمعٍ بالتاء، فلها عندهم حالان مختلفان، واعتبر الناظم أحدهما وهو الحال القَبْليَ.
ولو قال كما قال في التسهيل: "ولا اعتداد بما فيه من هاء تأنيث أو تائه" ففصل إحداهما من الأخرى لكان أبين.
لكن حين جعل التاء للتأنيث في التسهيل اجتزأ بهذا الاشتراك كما تقدم.
وعليه في إيراد هذا الحكم سؤال وهو أنه يقتضي أن ما كان من

جارٍ التحميل