شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 302-341

(أُفيعال) هنا الفرق كما تقدم بين المفرد والجمع، وهذا معنى تعليل سيبويه وغيره.
وأما مد سكران فهو قوله: "أو مد سكران وما به التحق" يعني أنه يلزم أيضاً فتح الحرف التالي لياء التصغير إذا كان قد سبق ألف سكران وما لحق به في وصفه المعتبر، فتقول في سكران: سُكيران، وفي غضبان: غضيبان، وفي عطشان: عطيشان، وما أشبه ذلك، ومثل بسكران الذي هو من باب / "فَعلان فَعلى" تنبيهاً على أصل العلة في الباب، وذلك أنه لما وجب لفُعلاء ما تقدم من لزوم فتح ما قبل الألف فيه بناء على تحقير صدره وجب أيضاً ذلك لفعلان فَعْلى، الذي مثل الناظم بمثال منه لما تقدم في باب ما لا ينصرف من أن حكمهما واحد للشبه الحاصل بينهما حتى قيل: إن النون بدل من الهمزة، ففتحوا ما قبل الألف والنون بناء على تحقير الصدر كما فعلوا ذلك في فعلاء، قالوا: سُكيران، ولم يقولوا: سُكيرين، كما لم يقولوا في حمراء: حُميرى، ثم أرادوا أن يلحقوا بنحو سكران غيره

مما لم تُكسِّره العرب تكسيراً يخالف به فعلان فَعلى، فحكموا له بحكمه في التصغير؛ لأنه شبيه به، كما حكم له أيضاً بحكمه حيث امتنع دخول تاء التأنيث عليه، وذلك في حال العلمية والتكسير الذي يخالف به فعلان فعلى هو فعالين.
هذا هو الوصف المعتبر في فعلان فَعْلى الذي أشار إليه الناظم بقوله: (وما به التحق) [أي التحق به] في كونه لا يجمع على فَعَالين، فكل ما كان على (فَعْلان) فانظر: فإن جمعْتهُ العرب على فعالين فاذهب به مذهب القياس في كسر ما (بعد) ياء التصغير على ما أعطاه كلامه أولاً، فتقول في (حَومان): حُويمين، ولا تقول: حويمان؛ لأن العرب لم تلحق (فيه) الألف والنون بالألف والنون في سكران.

وإن لم تجمعه العرب على فعالين فاذهب به مذهب سكران فتقول: دُحيمان في (دَحمان) كما قلت: سُكيران في سَكران.
ولا يقتصر بهذا الإلحاق على (فَعلان) المفتوح الفاء، بل يكون في المكسور الفاء والمضمومها، وأيضاً يكون في كل ما كان ثلاثي الأصول آخره ألف ونون زائدتان فإن حكمه أيضاً حكم سكران إذا كان مثله، فتقول في (عثمان): عُثيمان؛ لأنهم لم يقولوا: عثامين، وتقول في سلطان: سُليطين؛ لأنهم قالوا: سلاطين، وتقول في (عِمران): عُميران؛ لأن العرب لم تجمعه على فعالين، وتقول في (سِرحان): سُريحين؛ لأنهم قالوا: سَراحين، وفي (ضَبُعان): ضُبيعين؛ لأنهم قالوا: ضباعين، وكذلك لو سميت بـ (نَزَوان) لقلت: نُزَيَّيان؛ لأنهم لم يكسِّروه على (فعالين)، فإن صغرتَ (وَرَشان) قلتَ: وُرِيشين؛ لأنهم قالوا: وَرَاشين.
قال سيبويه: "واعلم أن كل شيء كان / آخره كآخر "فَعْلان" الذي له "فَعْلَى" وكان عدة حروفه كعدة حروف "فعلان" الذي له

"فعلى": توالت في ثلاث حركات أو لم يتوالين، اختلفت حركاته، أو لم يختلفن، ولم تكسره للجمع حتى يصير على [مثالٍ] مفاعيل فإن تحقيره كتحقير فعلان الذي له فعلى".
ثم ذكر وجه الشبه بينه وبين ألفَي التأنيث، ثم ذكر نحو ذلك آخر الباب، ثم نص على أن أحد هذه الأشياء إذا سميت به فحكمه حكم ما سُمِّيَ به، لا تخرجه عن أصله إلى غيره (فإذا) سميتَ بسِرحان قلت: سُريحين، وكذلك أيضاً إذا سميتَ بسكران قلت: سُكيران، فالحكم واحد قبل التسمية وبعدها، وذلك كله هو معنى قول الناظم: (وما به التحق).
وقد ظهر منه أن (كل) ما [لم] يجمع على فَعالين سواء أكان علماً أو غير علم فحكمه هذا الحكم كما ظهر [من سيبويه] ومما نص عليه الفارسي في الإيضاح من أن (سَعدان ومُرجان) يصغران ببقاء الألف، فتقول: سُعَيدان ومُريجان، قال: سميت بذلك شيئاً،

أو لم تنقله من اسم الجنس إلى مسمى به، إلا أنك إذا سميت به شيئاً لم تصرفه.
وقال السيرافي بعد ما ذكر معنى كلام سيبويه: وإن جاء شيء فجهلت جمعه لم تقلب الألف في التصغير كـ (مُرَيَّان) و (رُغَيَّان) في مَروان ورَغوان، وعلى هذا جمهور النحويين.
والجامع الذي به التحق هذا كله بسكران هو شبه الألف والنون لألفَي التأنيث، والشاهد على ذلك الشبه كون العرب لم تجمعه على (فعالين) استدلالاً بالأثر على المؤثر.
وقد زعم الشلوبيين - على ما حكى عنه ابن الضائع - أن هذه الألف والنون لا تثبتان في التصغير إلا (في) فَعلان (فَعلى) أو ما يشبهها مما يمتنع صرفه وهو العلم، فاعتبر في الأثر الحاصل من الشبه منع الصرف، ولم يعتبر امتناع جمعه على فعالين، وهو الذي اعتبره سيبويه وغيره.
قال ابن الضائع: ونصصت على الأستاذ أبي علي ما تقدم - يعني ما ذكره سيبويه من اعتبار التكسير - فلم يقبله، ولَجَّ فيه، وزعم ما تقدم.
قال: وهو خلاف نص سيبويه وغيره، ألا ترى أنك تقول في تصغير (ظَرِبان): ظُريبان.
قال: فإن قال: قد تمحض الشَّبه في هذا

أكثر من منع الصرف بقولهم في الجمع: ظَرَابيّ، فقد حكم لها بحكم (صحارى) قيل: فقد قال / سيبويه: "إن جاء شيء كسِرحان ولم تعلم العربَ كسَّرتهُ فتحقيره كتحقير فعلان الذي له فعلى"، ثم حكى ما ذكر الفارسي في الإيضاح في (سَعدان) و (مُرْجان)، وأن سيبويه قد نص على أنك تقول في (زعفران): زُعَيفِران.
قال: فلو كان ثبوتها في (فَعْلان) حيث يترك صرفه فقط لما ثبتت في مثل (زعفران).
قال: وهذا ظاهر جداً.
واعلم أن كلام الناظم فيه احتمال في دخول العلم تحته، وذلك أن العلم يمتنع صرفه للحاق الألف والنون مع العلمية، وقد مر أن سبب ذلك شبه الألف والنون بألفي التأنيث، وإذا كان كذلك وكان (فَعْلان) إذا سُمي به يمتنع صرفه لشبه (فَعلان) بألفي فعلاء فينبغي ألا يعتبر بأصله في جمعه على (فعالين) أو عدم جمعه، بل يقال في (سِرحان) إذا سمي به: (سُريحان) كما يقال في (عثمان): عُثيمان.
وهذا رأيُ ابن الطراوة في المسألة، ولم يرتض مذهب سيبويه وغيره، فقد يفهم هذا من كلام الناظم؛ لقوله: (وما به التحق)، يعني ما كان من نحو (عثمان) وما سُمي به من فَعلان ونحوه، ووجه اللحاق اجتماعهما في شبه الألف والنون فيهما بألِفَي فَعلاء، ألا ترى

أن التاء لا تلحق في حال العلمية، وأيضاً امتناع صرف العلم دليل على تحقيق الشبه، بخلاف ما قبل التسمية فإن الشبه لا يتحقق إلا إذا امتنعت العرب عن جمعه على (فعالين)، فحينئذٍ يظهر للشبه وجه فيكون على (فُعيلان)، ونحن لم نجد العرب جمعت العلم على (فعالين)، فلم تقل في (عمران): عمارين، ولا في (سلمان): سلامين، ولا في (عثمان): عثامين.
قال ابن جني: "سألت الشجري يوماً فقلت له: كيف تجمع دكاناً؟ قال: دكاكين.
قلت: فسِرحانا؟ قلت: سراحين.
قلت: فقُرطاناً؟ قال: قراطين.
قلت: فعُثمانا؟ قال: عثمانون.
قلت: فهلا قلت أيضاً: عثامين، فقال: أيش عَثَامين؟ أرأيت إنساناً يتكلم بما ليس من لغته؟ والله لا أقولها أبداً".
فأنت تراهم لم يجمعوا العلم على فعالين، فندعي نحن ذلك في سرحان بعد التسمية، وأنه لا يجمع على سراحين، فكذلك لا يصغر على سُريحين ما لم يكن سماع عن العرب، وهو معدوم.
وكما أن سكران حين أشبه "فعلاء" لم يصغر على سُكيرين، فكذلك / أيضاً سرحان حين أشبه فعلاء بالتسمية لا يصغَّر على

سُريحين وإلا وجب أن ينصرف سِرحان مسمًّى به وهو باطل اتفاقاً.
ويبعد أن يريد الناظم بقوله: (وما به التحق) وما التحق به في كونه لا يجمع على فعالين من غير أن يعتبر منع الصرف أيضاً، وكلاهما ناشئ عن ثبوت الشبه بفعلاء، ولو كان المراد هذا لم يفهم له، بل السابق إلى الذهن في وجه ذلك ما تقدم من الشبه، وعنهما ينشأ عدم الجمع على فعالين، وامتناع الصرف.
وإذا ثبت هذا كان هذا النظم موافقاً للشلوبين في اقتصاره على امتناع الصرف فيما فيه الألف والنون، ومخالفاً لسيبويه ومن وافقه في الاقتصار على عدم الجمع على فعالين.
لكن هذه الطريقة قد اعترضها سيبويه وغيره: أما سيبويه فقال: "ولو قلتَ: سُريحان - يعني بعد ما سُمي به - لقلت: في رجل يُسمى علقى: عُليقى، وفي مِعزى: مُعيزى، وفي امرأة اسمها سِربال: سُريبال؛ لأنها لا تنصرف، قال: فالتحقير على أصله وإن لم ينصرف الاسم".
ورده الشلوبين بوجه آخر، وهو أنه لو كان كذلك للزمه إذا

نكر سِرحان اسمَ رجل أن يصغره بالقلب، قال: وليس في (الكلام اسم يفترق تصغيره ويختلف بحسب تعريفه وتنكيره.
وقد يعتذر ابن الطراوة عن هذين: أما عُلَيقى ومُعيزى فبينه وبين سِرحان فرقٌ هو أن باب عَلقًى ومِعزًى أصله قبل التسمية التحقير على (فُعِيعل) تقول: عُلَيق ومُعَيز، فإذا سَميت بهما حملتَهما على الأكثر في الباب، بخلاف سِرحان فإن الأكثر فيه قبل التسمية أن يحقر على (فُعيلان) إلا أن يكسِّره العرب، فتحقِّرَه على (فُعيلين) وأما مع عدم العلم بالتكسير فـ (فُعيلان) هو الأصل، فإذا سمى به أو بغيره فالأصل فيه فعيلان، ولا يعتبر فيه تكسيره قبل التسمية؛ لأن باب الأعلام منع التكسير.
قال سيبويه في باب جمع الرجال والنساء: "وأما عثمان ونحوه فلا يجوز فيه أن تكسره؛ لأنك توجب في تحقيره عثيمان، فلا تقول: عثامين [فيما يجب له عثيمان] ولكن عثمانون كما يجب له عُثيمان؛

لأن أصل هذا أن يكون الغالب عليه باب غضبان، إلا أن تكسِّر العرب منه شيئاً على مثال (فعاعيل) / فيجيء التحقير عليه".
فحاصل الأمر أن كل واحد من باب (عَلقًى) وباب (سِرحان) رُدَّ بعد التسمية إلى الأكثر والأصل فيه، مع أن الباب في نحو (عثمان) ألا يُكسَّر.
وأما إلزامه (سُريبال) فلا يلزم؛ إذ لم يعتبر مجرَّد منع الصرف، وإنما اعتبر الشبه المؤثر لمنع الصرف، وهو الشبه بألفَي التأنيث، فلا اعتراض به.
وأما ما قاله الشلوبين فلا يلزم؛ لأن تحقيره بعد (التسمية) والتنكير إنما يكون على اعتبار وجود التعريف، فاعتبر أصله من العلمية، وليس بوصف في الأصل فيعتبر أصله قبل التسمية، كما لا يعتبر الأصل إذا سميت بمصدر من المصادر، فيمتنع من الجمع فيه، بل يعتبر الانتقال إلى الاسمية وإن نُكِّر بعد التسمية.
هذا أقصى ما وجدته في الاحتجاج عن ظاهر مفهوم كلام الناظم.
والذي رآه في التسهيل موافقة الجماعة، فهو الذي يغلب على

الظن في مثل ابن مالك، وإن كان اللفظ أظهر فيما تقدم، والله أعلم.
وفي قوله: (أو مدَّ سكران) تنبيهٌ على كون النون بعد الألف لا بد من زيادتها: أما في (سكران) فظاهر.
وأما في غيره فكذلك أيضاً؛ لأنه الشبه إنما يحصل بين الألف والنون وألفي التأنيث إذا كانت [النون] زائدة، لا أصلية، فلو صغرت (حسَّان) أو (تبَّان) أو نحو ذلك على اعتقاد أصالة النون لقلت: حُسَيسِين، وتُبَيبِيْن لا غير؛ لأنه إذ ذاك بمنزلة سِربال وقِرطاس، فلا يمكن فيه بقاء الألف، وسبب ذلك فقد الشبه بين الألف والنون وألفَي التأنيث.
وقد بقي عليه مما يلزم فتحه بعد ياء التصغير أن يكون قبل الاسم الثاني من المركبين، فإن حكمه حكم تاء التأنيث في لزوم الفتح، فتقول: حُضَيرموت، وبُعَيلبك، ونحو ذلك فتفتح ولا يجوز غير ذلك، فَترْكُ الناظم له مشعر بأنه ليس كذلك، وذلك غير صحيح.
وقد ذكر الناس فيما لا يكسَّر بعد ياء التصغير على الجملة عشرةَ مواضع وهي: أن يكون حرف إعراب، أو يكون بعده الف تأنيث، أو همزته، أو تاؤه، أو علامة تثنية، أو واو جمع على حدِّها، أو ألف جمع

المؤنث السالم، أو ألف أفعال مطلقاً، أو ألف ونون إلا فيما كسر على (فعالين)، أو الثاني من المركبين.
هكذا ضبط الناس هذا، وهو أحسن مما / ذكره الناظم، وما عدا هذه العشرة المواضع فلا بد فيما بعد ياء التصغير فيه من الكسر.


وألفُ التأنيث حيث مُدَّا وتاؤه منفصلين عُدَّا كذا المزيد آخراً للنسبِ وعجزُ المضاف والمركبِ وهكذا زيادتا فَعلانَا من بعد أربعٍ كزعفرانا وقدِّرِ انفصال ما دلَّ على تثنيةٍ أو جمعِ تصحيحٍ جَلا لما قدَّم أول الباب أن (فُعيلاً) للثلاثي، وأن (فُعَيعِلا) و (فُعَيعيلا) لما فوق ذلك من رباعي أو خماسي أو غيرهما، وكانت ألف التأنيث الممدودة، وتاء التأنيث، وياء النسب، والألف والنون وسائر ما ذكره هنا مما يلحق بالكلمة فيعد من حروفها، أو يتوهم [أنه] معدود في حروفها، وكان من مقتضى ما قدَّم أن أبنية التصغير تقام من حروف الاسم، خاف أن يتوهم أن هذه الحروف المذكورة من جملة ما يدخل في بِنية التصغير، فأهذ في نفي ما يحتاج إلى نفيه من ذلك، وعد من ذلك ثمانية أشياء:

أحدها: ألف التأنيث الممدودة، وذلك قوله: وألفُ التأنيث حيث مُدَّا وقوله: (حيث مدا) إخراج لألف التأنيث المقصورة، فإنه يذكر حكمها، وأنها ليست مما يُعد منفصلاً عن الكلمة، ويعني أن هذه الألف الممدودة لا يُعتدُّ بها في التصغير، بل يقع التصغير فيما قبلها كأنها لم تكن ثمَّ بعد، كأنها لحقت بعد استقرار التصغير، وهذا معنى انفصالها، أي أنها لم تبن عليها الكلمة، وذلك قولك في حمراء: حُميراء، وفي صحراء: صُحيراء، وفي طَرْفاء: طُرَيفاء، وكذلك تقول في (خنفساء): خُنَيفساء، وفي (عُنْصلاء): عُنَيصلاء، وفي (قَرْملاء): قُرَيملاء، وما أشبه ذلك.
وإنما كان ذلك لأن ألف التأنيث الممدودة لما قويت بالحركة فصارت متحرِّكة بعد أن كانت ساكنة، وعضَدها الحرف الذي قبلها في ذلك كرهوا حذفها؛ إذ أشبهت بذلك التاء، والتاء لا تُحذف لما يذكر.
والفرق بينها وبين الألف المقصورة حرفٌ ميت لا حظ لها في الحركة، فلم يقْوَ أن يثبت إذا وقع بعد أربعة أحرف.
وسيأتي لذلك ذكر إذا تكلم على الألف المقصورة إن شاء الله تعالى.

فإن قيل: قد تقدم أن التصغير أصله أن يكون على قياس التكسير، وهم يحذفون هذه الألف في التكسير فيقولون في (خُنفساء): خُنافس.
فالجواب /: أن تاء التأنيث ليس حكمها أن يكسر ما قبلها ثم تلحق، فيحمل عليها الجمع في ذلك، بل متى صح كسر ما فيه تاء التأنيث حُذفت، فلم يكن وجهٌ لثبوت ألف التأنيث في التكسير؛ إذ حكم التاء كذلك بخلاف التصغير.
وقد ظهر من كلام الناظم ظُهوراً بيناً - حيث أطلق القول في عدِّهِ الألف الممدودة منفصلة على الإطلاق - أن مثل (جُلَولاء) و (بَرَاكاء) و (قَريثَاء) يُصغر منه الصدر، كأن الألف لم تكن، وأنت لو حقرتَ مثل: جَلُول، وبَرَاك، وقَريث فإنك تقول: جُلَيِّل وبُرَيِّك وقُرَيِّث، قم تلحق الألف، فيجيء منه: جُلَيِّلاء، وبُرَيِّكاء، وقُرَيِّثاء، وهذا هو مذهب المبرد، واحتج لما ذهب إليه بأن ألف التأنيث إما أن يعتد بها فيلزم على ذلك أن يقال: جُلَيْليّ، وبُرَيكيَ، وقُرَيثيّ، كما يقال في التكسير: جلاليّ وبراكي وقراثي.
وإما ألا يعتدَّ بها، فيصغر ما

قبلها، فيقال: جُلَيِّلاء وبُرَيِّكاء وقُرَيِّثاء، ثم صحح هذا الثاني؛ لأنه قد ثبت أن حكم هذه الألف أن يصغر ما قبلها، وحينئذٍ يلحق، وبهذا المعنى ردَّ على سيبويه مذهبه في أنه يقول: جُلَيلاء وبُرَيكاء وقُرَيثاء فيحذف المدة الثالثة.
وقد حكى ابن الضائع عن الشلوبين أنه ذهب في بعض الأوقات إلى أن قياس المبرد صحيح، وأنه لا يمكن أن يكون سيبويه خالف ذلك القياس الظاهر إلا بسماع من العرب.
قال ابن الضائع: ولو كان سيبويه سمع شيئاً من ذلك وهو مخالف القياس للسماع لنصَّ على السماع، وإنما أتى به سيبويه بصورة القياس، وقد رجح الناس مذهب سيبويه، وهو الذي ارتضى في التسهيل.
ووجهه عند السيرافي وغيره أن ألف التأنيث الممدودة لها شبهٌ بالتاء من جهة التأنيث، وقوتها بالحركة بعد ما كانت حرفاً ميتاً، ولذلك لا تثبت المقصورة في التصغير إذا زادت على مثال التصغير كما تقدم، ولها أيضاً شبه بما هو من نفس الحرف، بدليل قولهم:

صحاريَّ وعذاريَّ، فأجريت مجرى ما هو ملحق بالأصل كحِرباء وحَرَابِيَّ، فلما كانت هذه الألف ذات وجهين، وكثُرَت الزوائد استعمل في تحقيرها ضربٌ من تحقير الترخيم، فلما لم يجز حذف ألف التأنيث صارت المدة الأخرى كألف مبارك، فحذفوا هذه الزوائد كألِفِ / مبارك.
والذي ارتضى ابن الضائع في التوجيه أن باب التصغير محمول على باب التكسير، وهم قد قالوا: (بَرَاكِيُّ) فحذفوا الألف الثالثة في التكسير، فكذلك يكون الأمير في التصغير.
وإنما وقع الفرق في ألف التأنيث فإنها قلبت في التكسير لضرورة كسر ما بعد الفه، ولم تقلب في التصغير لما استقر فيه من الضرورة لذلك، ولشبه تاء التأنيث، فما قاله سيبويه جارٍ على القياس دون قول المبرد، وإليه أشار ابن خروف بقوله: "حُذفت في التصغير كما حُذفت في التكسير".
وهذا التوجيه مقتضب من كلام ابن الضائع لطوله، فإن أردتَه مستوفىً فعليك به في "شرح الجمل" ففيه شفاء.
الثاني: من الأمور التي عُدَّت في التصغير منفصلة تاء التأنيث، وذلك قوله:

وتاؤه منفصلين عُدَّا أي عُدت التاء مع ألف التأنيث الممدودة منفصلين من الكلمة تقديراً، وإن كانا موجودين حسا، ولذلك قال: (عُدَّا)، ولم يقل حُذِفا، ولا فُصِلا؛ ليدل على أن ذلك الانفصال إنما هو في التقدير، كأنهما لحقا بعد كمال بنية التصغير، كذلك ما بعدُ: من ياء النسب وعجز المضاف والمركب، وسائر ما ذكر.
وذكَّرهما، ولم يقل: مُدت، ولا منفصلتين، وذلك جائز.
فتقول في طلحة: طُليحة، وفي دجاجة: دُجيِّجة، وفي حلوبة: حُلَيِّبة، وفي سقيفة: سُقيِّفة، وفي قَمَحْدُوَة: قُمَيْحِدة، وفي سلحفاة: سُلَيحفة، فلا تحذف التاء كما تحذفها في التكسير حين قلت: سقائف، وقماحد، ودجائج، وإنما كان ذلك يخالف التصغير في لحاقها التكسير؛ لأن التكسير لم يجيزوا فيه زيادة على أمثلته؛ لأن لهم مندوحة عن ذلك، وذلك أنهم إذا أرادوا جمع ما فيه التاء كان لهم مثال آخر من الجمع تظهر فيه التاء إذا أرادوا ظهورها، وهو الجمع بالألف والتاء، فكان الاستغناء به إذا قصدوا ذلك أولى من التكسير وحذف التاء، فتفوت فائدتها، أو يكسروا الصدر ويزيدوا التاء،

وكذلك اختلف في أمثلة التكسير.
وضمتهم الضرورة في التصغير لذلك؛ إذ لم يريدوا حذف التاء وهي دالة على معنى، وليس للتصغير بناء آخر يستغنى به كما كان ذلك الجمع، فلما جاز في التصغير أن يصغر الصدر ويزاد بعده حرف المعنى، ولم يجز في التكسير فرقوا بينهما في تاء التأنيث، وكذلك في ألف الممدودة، وفي / ياءي النسب مع أن الياء كعجز المركب من صدره، قال سيبويه: "والهاء بمنزلة اسم ضمَّ إلى مثله فجعلا اسماً واحداً"، فالآخر لا يحذف أبداً؛ لأنه بمنزلة اسم مضاف إليه، والتاء لا خلاف في معاملتها معالة عجز المركب من صدره، لا يخالف في ذلك سيبويه ولا غيره، كما لا يخالفون في الثاني من المركبين، بل يقولون في حلوبة: حُلَيِّبة، وفي سقيفة: سُقَيِّفة، بخلاف ألف التأنيث فإن لها شبهاً بما هو من نفس الحرف كما تقدم.
الثالث: ياء النسب وذلك قوله: كذا المزيد آخراً للنسب يعني أن ما زيد في الكلمة من الأدوات لمعنى النسب فهو معدود

أيضاً فيما هو منفصل عن الكلمة، فيصَغَّرُ الصدر، وتلحق الياءان، فتقول: في جعفريّ: جُعَيفريّ، وفي فاطميّ: فُوَيطميَ، وفي زَيْدي: زُيَيديّ، وفي فرزدقي: فُرَيزِديّ، وما أشبه ذلك.
وعلة ذلك ما تقد في تاء التأنيث حرفاً بحرف من أن بناء التكسير لم يجيزوا فيه زيادة على أمثلته؛ لأن لهم مندوحة عن ذلك؛ إذ يمكنهم الانصراف عن التكسير إلى التصحيح كجعفريون وجعفريات بخلاف التصغير، وأيضاً ما تقدم من شبه ياءي النسب بتاء التأنيث.
وقوله: (آخراً) يظهر أنه لا فائدة فيه؛ لأن ياءَ النسب لا تزاد إلا آخراً، فما الذي احترز [منه] بهذا اللفظ؟ فلعله أراد التحرز من نحو (تَهامٍ ويَمان وشآمٍ)؛ لأن الذي يعد كالمنفصل حقيقة الياء المشددة اللاحقة آخراً، فأما إذا عوض من إحدى الياءين ألف فقدم إلى وسط الاسم فإنه لا يحكم له بحكم ما لحقه ياء النسب، بل يصير بمنزلة بناء على (فعالٍ) كصَحَارٍ ومَلاهٍ، فإنك تقول: صُحَير ومُلَيهٍ، فكذلك تقول هنا، لأنه إن كانت الألف تدل على النسب فقد صارت البنية كأنها هي الدالة على

النسب، لا الياء، فتقول على هذا في (يمان): يُمَينٍ، وفي (شآم): شُؤَيمٍ، وفي (تَهَامٍ): تُهَيم، فتحذف الألف وإن كانت عوضاً من إحدى الياءين، لما صارت في غير موضعها، وأيضاً ليست بياء النسب، (بل) هي شيء آخر عوض منها، والعوض لا يكون هو المعوض منه.
وانظر في هذا مع النقل فإني لم أجده منقولاً، ولا منصوصاً لأحد ممن رأيت كلامه من النحويين.
الرابع: عجز المضاف، وهو المضاف إليه، وذلك قوله: وعجز المضافِ والمركَّبِ يعني أن المضاف إليه حكمه مع المضاف / حكم تاء التأنيث وياء النسب وغير ذلك في أنه لا يصغر إلا الصدر، ويلحق المضاف إليه بعد تمام بنية التصغير في الصدر، فتقول في (غلامُ زيد): غُلَيِّم زيد، وفي (صاحب عمرو): صُوَيْحِبُ عمرو، وفي (فرس بكر): فُرَيْسُ بكر، وفي (عبدالله): عُبَيد الله، وما أشبه ذلك.
وسمي المضاف إليه عَجُزاً؛ لأنه آخر الاسم، وعجز ل شيء مؤخره، وفي مقابلة الصدر، وصدر كل شيء أوله، فغلام زيد، أو

امرؤ القيس قد تركب الاسم فيه من كلمتين: أُولى وأخرى، فسميت الأولى صدراً، والثانية عجزاً؛ لحصول معنى التسمية فيهما.
وإنما صُغِّر الصدر؛ لأنه المقصود بالتصغير، وهو الاسم المراد تصغيره، وأمَّا المضاف إليه فإنما هو معرِّف أو مخصِّص، فقولك: غلام زيد (غلام) هو المقصود بالمعنى، و (زَيد) مزيدٌ لتعريف الغلام، وكذلك (عبدالله) و (امرؤ القيس).
وإن كان علماً فإن الأصل فيه ما ذكر، وأيضاً فإن أبنية التصغير مفردات، والعرب لا تبني المفردات من الجمل إلا شذوذاً، نحو ما جاء في النسب من قولهم: عَبْشَميّ، وعَبْقَسيّ، ونحو ذلك فهو من القلة بحيث لا يُلتفت إليه، ولا يُبنَى عليه.
هذا الذي ذهب إليه هو مذهب البصريين.
وقد ذهب الفراء - على ما نقله ابن الأنباري عنه - أنه أجاز أن يقال في (بعلبك) على لغة من أضاف: بَعْلٌ بُكَيْكَةَ إن لم يصرف (بَكّ)، فإن صرفه قال: بَعْلُ بُكَيْكٍ، وقال في (حضرموت) على لغة الإضافة: أحبُّ إليَّ أن تقول: حَضْرَ مُوَيتَةَ، قال: لأن العرب إذا أضافت مؤنثاً إلى مذكَّر ليس بالمعلوم جعلوا الآخر كأنه هو الاسم، ألا ترى الشاعر قال:

وإلى ابنِ أمِّ أناسَ تعمِدُ ناقتي عمرٍو لتُنْجِحَ حاجتي أو تتلفُ قال: فلم يُجرِ (أناسَ) والاسم هو الأول، ثم ذكر نحواً مما تقدم في (بعلبك)، فأجاز كما ترى تصغير العجز دون الصدر، والعربُ لا تقول هكذا، وإن قالته فعلى غايةٍ من الشذوذ لا يُعتمد عليه.
الخامس: عجز المركب وهو الاسم الثاني من المركبين، وذلك قوله: وعجزُ المضافِ والمركَّبِ أي: وعجزُ المركب، يعني أن الثاني من المركبين حكمه في التصغير الانفصال، فيصغَّرُ الصدر، ثم يلحق العجز، فتقول في (حضرموت): حُضَيرموتٍ، و (بعلبك): بُعَيلبك، وفي (رَامَهُرْمُزَ): رُوَيْمَهُرْمُز، وفي (بلال أباد): بُلَيِّلُ أباد، وما أشبه ذلك، وكذلك / تقول في (خمسة عشر): خُميسة عشر، وكذلك أخواته.
ووجَّه الخليل ذلك بأن الصدر عندهم بمنزلة المضاف، والآخر بمنزلة المضاف إليه؛ إذا كانا شيئين، ثم قال: كأنك حقَّرْتَ

(عبد عمرو) و (طلحة زيد).
وأيضاً فما تقدم في المضاف من أن العرب لا تبني اسماً من اسمين حتى تصيره بِنية مستقلة، إلا ما شذ.
وما ذهب إليه هو المذهب المختار، والرأي الموافق لكلام العرب.
ومن الكوفيين من يجيز حذف العجز رأساً، فيقول: (هذه بُعَيلة) وهو مذهب الفراء، قال: وبعضهم يقول في التصغير: (بُكَيْكَة) يحذف (بعلاً) يعني مع اعتقاد التركيب، وأجازوا أيضاً أن تقول: (هذه بُعَيْلِب) فيبنى من الاسمين، وكذلك قالوا في تصغير (حضرموت): حُضَيرم، وحُضَيرَة، ومُوَيْتَة، فأجازوا ثلاثة أوجه: تركيب البنية من الاسمين، وتصغير الصدر مع حذف العجز، وتصغير العجز مع حذف الصدر ولحاق تاء التأنيث أيضاً كما وقع تمثيله.
وهذا كله لا تقوله العرب، ولذلك أعرض عنه الناظم هنا وفي التسهيل، فلم يحك خلافهم فيه خلافاً.
وعلى كلامه اعتراض، وهو أن المركَّب على وجهين: مركَّبٌ

تركيب مزجٍ وخلطٍ كبعلبك، ومركَّبٌ تركيب إسناد نحو: (تأبط شراً) و (برق نحره) فكلاهما مركَّبٌ، إلا أن أحدهما هو الذي يجري فيه ما قال، وهو المركب تركيب مزج، وقد تقدم مثاله.
وأما الآخر وهو المركب تركيب إسناد فلا يجري ذلك فيه أصلاً، بل يمتنع تصغيره مطلقاً، فلا يصغر في صدر ولا عجز، وأولى ألا يبنى من الجميع مثال تصغير.
وكلام الناظم يُوهم تصغير الصدر مثل هذا، وليس كذلك؛ لأنه حكاية، والمحكي باق على أصله، و (تأبط) هنا فعل، وكذلك [(برَقَ) مِن] (برق نحره)، و (ذَرَّى) من (ذَرَّى حَبّاً) وما أشبه ذلك، والأفعال لا تصغر.
وأيضاً فالاسم الأول ليس بالذي تريد أن تصغَّره؛ لأن الجميع هو الدال على المراد تصغيره فلا يصح تصغير بعض ذلك دون بعض على كل تقدير.
والجواب: أن المركب عنده إنما أراد به المركب تركيب مزجٍ وخلطٍ؛ لأن ذلك ليس في الاصطلاح إلا محكياً، لا مركباً، وإنما

يسمَّى مركباً ما كان مثل: بعلبك، ورامهرمز ونحوه/ هكذا قال النحويون.
فإن قيل: ما الذي يدل / على ذلك من كلام الناظم؟ ولعل ذلك ليس باصطلاح له.
فالجواب أن في نظمه ما يدل على ذاك مما تقدم له، ألا ترى إلى قوله في باب العلم حين تكلم على أقسام الأعلام: ومنه منقولٌ كفضلٍ وأسَدْ وذو ارتجالٍ كسُعادَ وأُدَدْ ثم قال: وجملةٌ وما بمزجٍ رُكباً فلم يطلق على المحكي لفظ التركيب، وأبين من هذا قوله في باب الترخيم: والعجزَ احذِفْ من مركبٍ وقلْ ترخيم جملة وذا عمرٌو نَقَلْ وقد تقدم التنبيه على هذا هناك.
وإذا كان كذلك فإطلاقه التركيب غير مخل بمقصود؛ لأنه مختص بما أراده، فيخرج المحكي إذن من كلامه.
فإن قيل: يبقى عليه أنه لم يذكره، ولا تعرّض لحكمه هنا، والواجب ذكره.
فالجواب: أنه قد تقدمت الإشارة إلى إخراجه عن حكم التصغير؛ لكونه غير قابل لصيغته.

السادس: الألف والنون الزائدتان في آخر الاسم إذا كان قبلهما أربعة أحرف، وذلك قوله: وهكذا زيادتا فَعْلانا من بعدِ أربعٍ......... يعني: أن الألف والنون الزائدتين في (فَعْلان) حكمهما حكم ما تقدم من تقدير الانفصال، فيصَغَّر الصدر، ثم تلحقان بعد ذلك تقديراً، لكن إذا كانتا بعد أربعةِ أحرف كزعفران الممثَّل به، فتقول على هذا: زُعيفران، كأنك صغَّرت (زُعيفر) كجُعيفر، ثم لحقت الألف والنون، وإلا فلو لم تعدا منفصلتين لحذفتا لإقامة بنية التصغير، كما يحذفان في التكسير، فكنت تقول: زُعَيفر، كما تقول: زعافر، لكنهم تركوهما، وعدوهما منفصلتين.
ومثل ذلك (عُقْرُبان) تقول في تصغيره: عُقَيربان، وفي (عُنْظُوان): عُنَيظِيَان، وفي (أُقْحُوان): أُقَيحِيان، وما أشبه ذلك.
واشتراطه أن تكون الزيادة بعد أربعٍ؛ لأنها إن كانت بعد ثلاث

فقد تقدم حكمها قبل هذا، وإن كانت بعد خمس فلا بد من حذفها، لو وجد نحو: (سَفَرْجَلان)، فإنك كنت تقول: سُفَيرج، فتحذف الحرف الآخر، وتحذف بحذفه ما بعده لا بد، كما كنت تقول لو كانت ألف تأنيث ممدودة، ألا ترى أنك تحذف الحرف الخامس وما بعده في مثل: (عَرْطَبيل)، فتقول: عُرَيطِب، و (عَضْرَفوط) فتقول: عُضَيرف، فكذلك هذا، مع أن هذا الفرض غير موجود في الكلام، فتحرز عن هذا كله.
ولا يريد بالمثال أن تكون الأربع أصولاً، بل يدخل تحته ما تقدم من نحو: (عُنْظُوان) / وكذلك فِعْلِيان كـ (عِنْظِيان)، وفَيْعَلان كـ (قَيْقَبَان)، وما كان من ذلك النحو، ووجه عدِّ الألف والنون هنا منفصلتين تشبيه الألف والنون بالألف الممدودة.
قال سيبويه: "وإنما وافق (عَقْرَبان) خُنْفُساء كما وافق تحقير (عثمان) تحقير حمراء، جعلوا ما فيه الألف والنون من بنات الأربعة بمنزلة ما فيه ألف التأنيث من بنات الأربعة، كما جعلوا ما هو مثله من بنات الثلاثة مثل ما فيه

ألف التأنيث من بنات الثلاثة،؛ لأن النون من بنات الأربعة لما تحركت أشبهت الهمزة في (خنفساء) وأخواتها، ولم تسكن فتشبه بسكونها الألف التي في (قَرْقَرى) و (قَهْقَرى) و [قَبَعْثَرى] وتكون حرفاً [واحداً] بمنزلة قهقرى".
يعني: أن النون لم تشبه ألف قرقرى في السكون والضعف المؤدي إلى الضعف الذي يطرق إليها الحذف، بل أشبهت الهمزة القوية بالحركة المؤدي إلى إثباتها كما ثبتت الهمزة.
وقوله: (من بعد أربع) فأنث الأربع والمراد الحروف؛ لأنها تذكر تارة؛ لأن الحرف مذكر، وتؤنث تارة؛ لأن اللفظة مؤنثة، فبهذين الاعتبارين حصل التذكير والتأنيث.
السابع: الألف والنون أو الياء والنون الدالان على التثنية، وذلك قوله: وقدِّر انفصال ما دلَّ على تثنية...............

أي قدر هاتين العلامتين كأنهما منفصلتان من الكلمة، فتحقر الكلمة كأنهما لو يكونا فيها، ثم تلحقهما، فتقول في (زيدان): زُيَيدان، وفي (جعفران): جُعَيفران، وفي (قنديلان): قُنَيديلان، وفي (حَبَنْطَيان): حُبَيطَيَان، أو حُبَينِطان، وفي (سَفَرْجَلَتان): سُفَيرِجَتَان، وبالجملة تفعل ما كنت فاعله قبل التثنية، ثم تلحق العلامتين بلا إشكال.
وكذلك إن كان مما يردّ إليه في التصغير شيء، فإنك ترده كذلك، فتقول في: (ابنان): بُنَيَّان، وفي (بنتان)، وفي (أختان): أُخيَّتان، وفي (دَمَان): دُمَيَّان، وكذلك مع الياء والنون في النصب والجر.
هذا كله يدل عليه قوله: وقدِّر انفصال ما دلَّ على تثنية............... واشتراطه الدلالة على التثنية، ولم يقل: وقدِّر انفصال علامتي التثنية يقتضي أنك إذا صغَّرتَ المثنى قبل أن تسمي به فإن حكمه ما قال، يُعَدُّ كأن العلامتين إنما لحقتا بعد تصغيره، فلذلك تقول في تصغير (جِدَارَين): جُدَيِّران بتشديد الياء، فلا تحذف شيئاً؛ لأنك لو صغَّرتَ (جِداراً) لقلت: جُدَيِّرٌ، فعلى هذا دل كلامه /؛ لأن الدلالة على التثنية باقية.

فإن سميت بالمثنى حكمتَ له بحكم آخر على مقتضى المفهوم؛ لأن الألف والنون إذ ذاك [لا] تدل على التثنية، فلم تعتبر إلا على حدِّ اعتبار الألف والنون في (زعفران) فتقول في تصغيره: جُدَيْران بتخفيف الياء؛ لأن الألف والنون كالألف الممدودة، فصار كتصغير (بَرَاكاء) على مذهب سيبويه، فلا تقول إلا بُرَيكاء.
قال سيبويه: "ولو سميت رجلاً (جِدَارين) ثم حقرته لقلتَ: جُدَيْران، ولم تثقل؛ لأنك لست تريد معنى التثنية، وإنما هو اسم وحد".
وعلى هذا الحد لو سميت بحصيرين أو قَبُولَين لقلت: حُصَيْران، وقُبَيْلان، إلا في التثنية ما فيه التاء، فإن سيبويه والمبرد يتفقان على التشديد، فيقولان في (دَجَاجتان): دُجَيِّجَتَان، سميتَ أو لم تُسَمِّ، كأن الاسم إذ ذاك مما آخره التاء، وقد تقدم أن التاء لا يعتد بها كياءي النسب، فهذا داخل في ذلك الموضع، لا ههنا.
فإن كان الناظم أراد هذا المعنى لم يتفق مع ما ظهر من كلامه فيما تقدم؛ إذ ظاهر كلامه التزام مذهب المبرد في قوله:

وألف التأنيث حيث مُدَّا وتاؤه منفصلين عُدَّا وقد نقل أن المبرد يخالف سيبويه في هذه المسائل كلها، فإنما يصغر هنا - وإن سمي به - على حدِّه قبل التسمية به؛ لاعتقاده الانفصال في الجميع؛ لأنه يخالف في الألف الممدودة وفي الألف والنون الشبيهتين بها، وقد نص على ذلك في المقتضب.
فتثبت بهذا التفسير التعارض بين المنطوق هنالك، والمفهوم (هنا)؛ إذ المفهود هنا ليس إلا على مذهب سيبويه، فلا بدَّ من التأويل لأحد الموضعين، وذلك بأن يقال: إن الموضع الأول لم يقصد فيه إلى بيان حكم جَلُولاء ونحوه، بل ذَكَر كون الهمزة الممدودة تُعَدُّ كالمنفصلة ذِكراً مجملاً.
ولا شك أن نحو: جَلُولاء، وبَرَاكاء، وقَرِيثاء أقَلِّيٌّ بالنسبة إلى ما فيه همزةُ التأنيث، فأهمل اعتباره رأساً.
وأيضاً فالألف الممدودة في جَلُولاء لا يصدقُ عليها على مذهب سيبويه أنها في تقدير الانفصال، فإنها ذات وجهين كما تقدم تقديره من كلام السيرافي.

فإذا كان كذلك، وأمكن أن يكون مقصوده هنالك الحكم الإجمالي [صح] هنا احترازه، إلا أن احترازه هنا لا يعطي دلالة مفهوم/ بل يعطي أن ما آخره علامتا تثنية دالتان على معناهما حكمهما حكم ما لو كانتا معدومتين، فإن كانتا غير دالتين على معناهما فليس الحكم معهما كذلك، ويبقى ذلك مسكوتاً عنه؛ لأنه (ليس) من الأحكام المهمة بحسب قصده.
هذا أقصى ما وجدتُهُ في الحال في الجمع بين كلاميه، والله أعلم بمراده.
وقد يمكن أيضاً التأويل في هذا الموضع على بقاء الموضع الأول على ما فسر به، وهو أن يكون قوله: (ما دلَّ على تثنية) لا يريد به الدلالة في الحال، بل يريد ما شأنه الدلالة على التثنية، فيصير الكلام مرادفاً لقولك: (علامتا التثنية)، فيدخل إذن تحت لفظه المثنَّى المسمى به وغيره بناءً على ظاهر كلامه هنالك من ارتكابه مذهب المبرد، ولعل هذا يكون أقربَ متناولاً من التأويل (الأول)، والله أعلم.
الثامن: الواو والنون أو الياء والنون الدالان على الجمع، وذلك قوله: (أو جمع تصحيح) أي: وقدِّر انفصال ما دل على جمع

التصحيح، فلا تحذف الزيادتين، بل يُصغر ما قبلهما على أنه دونهما، ثم تلحقهما، فتقول في: زيدون: زُيَيْدون، وفي عامرون: عُوَيمرون، وفي مسلمون: مُسَيْلمون، وفي جعفرون: جُعَيْفِرون، وفي فرزْدَقُون: فُرَيْزِدُون، وفي حَبَنْطًى: حُبَينِطون أو حُبَيطُون، وذلك تقول في: ظَريفون: ظُرَيِّفون، وما أشبه ذلك، ويجري هنا ما جرى في التثنية فيما إذا سميت بجمع المذكر السالم، هل تحمله محمَلَ (قَرَيْثَاء وجَلُولاء) على مذهب سيبويه، فتقول: ظُرَيْفُون بالتخفيف، أو ظُرَيِّفُون بالتشديد على مذهب المبرد على ما تقدم من النظر؟ ولا فرق بين الموضعين في هذا المعنى، ويدخل تحت كلامه على التأويل الثاني ما إذا صغرتَ (ثلاثين) وإن لم تسمِّ به فإنك لا تقول: ثُلَيثون على مذهب سيبويه، كما قيل في جَلُولا؛ لأن (ثلاثين) وإن كان ليس جمعاً لثلاث وإنما [هو] اسم واحد جرى مجرى الجمع في الإعراب، وإنما تقول: ثُلَيِّثون كما يقوله المبرد جرياً على مفهوم كلام الناظم، إلا أنه مخالف لكلام العرب؛ إذ زعم الفارسي أن (ثُلَيْثِين) في ثلاثين - بالحذف - قولُ جميع العرب.
فيبقى في دخول هذا تحت كلام الناظم نظر.
والتاسع: الألف والتاء الدالتان على الجمع، وهو داخل تحت /

قوله: (أو جمع تصحيحٍ)، فتقدير الانفصال فيهما كما تقدَّم في جمع التصحيح بالواو والنون، فتقول في طلحة: طُلَيْحات، وفي فاطمة: فُوَيطمات، وفي اشْهيبابات: شُهَيْبِيْبَات، وفي دجاجة: دُجَيِّجَات بالتشديد إن لم تُسمِّ به، فإن سميت به جرى على ما تقدم في الواو والنون، لا فرق بينهما.
قال سيبويه: "وإذا حقَّرت ظريفين غير اسم رجل، أو ظريفات أو دجاجات غير اسم رجل قلتَ: ظُرَيِّفون، وظُرَيِّفَات، ودُجَيِّجَات".
ثم علل بأن تلك الزوائد لم تبن الكلمة عليها، ولا صُغرت عليها، كما صُغرت علىى ألِفَي جَلُولاء، ولكن هذه الزوائد إنما تلحق إذا أريد الجمع بعد كمل تحقير الاسم وتغييره عن شكله، وتزيلها إذا لم ترد الجمع كياءَي الإضافة، حيث تلحقهما إذا أردت النسب، وتخرجهما إذا لم ترد ذلك، فلما كانت الزوائد للجمع كذلك، شبهوها بتاء التأنيث.
هذا معنى كلامه.
ثم إنك إذا سميت بها تخفف كما ذَكَر.

وقول الناظم: (جلا) جملة في موضع الصفة لـ (جمع)، أي لجمع تصحيحٍ جلي بمعنى ظاهر.
فإن قيل: فما فائدة هذا الوصف؟ فالجواب: أن له فائدة حسنة؛ وذلك أن جمع التصحيح علي قسمين: جمع تصحيح قياسي على أصل بابه، كزيدون وعَمْرون، وهذا هو جمع التصحيح الجليُّ الظاهر، وهو الذي قصد ذكره.
وجمع تصحيح هو في الحقيقة جمع تكسير جارٍ مجرى جمع التصحيح، وهو كل ما حُذف منه حرفٌ فعُوض منه الواو والنون كسِنين وعِضين وعِزين ومِئين، ونحو ذلك فإنه جارٍ مجرى جمع التصحيح، وليس كذلك في الحقيقة، والحكمُ فيه أن الواو والنون لا تُعدان كالمنفصلة من الكلمة، فتكون ثابتة بعد تصغير الصدر؛ لأنهما عِوضٌ من المحذوف، فإذا صُغِّر الاسم فلا بد من رد المحذوف، فإذا رُدَّ زال العوض وهو الواو والنون؛ إذ لا يجتمع العوض والمعوض منه، ترجع من جمعه إلى ما كان القياس فيه، وهو الجمع بالألف والتاء، فتقول في: سنين: سُنَيَّات، وفي عِضين: عُضَيَّات، وفي مِئين: مُؤَيَّات.

فإن لم تُبقِ الواو والنون، بل حذفتهما بسبب التصغير، فصار حكمهما كحكم ما ليس كالمنفصل من الكلمة ففارقت / حكم الواو والنون في جمع التصحيح الجلي، فلأجل هذا احترز بقوله: (جلا) أن يدخل عليه (سنون) وبابه، لكم لم يبين الحكم فيه؛ لأنه ليس من المهمات الأكيدة في باب التصغير بالنسبة إلى هذا المختصر، ولأنه إذا تحرز من مثل ذلك فهو قد نبَّه عليه، فكأنه يقول للناظر في نظمه: انظر أنت ما حكمه فقد نبهتُكَ على خروجه مما ذكرته، فلم يخلُ من التنبيه عليه، وهذا من المقاصد الحسان اللائقة بابن مالك رحمه الله تعالى، ولم يذكر هذه المسألة في التسهيل فيما أظن، وذكرها ههنا.


وألفُ التأنيث ذو القصر متى زادَ على أربعةٍ لن يَثبُتا وعند تصغير حُبارى خَيِّرِ بين الحُبَيرى فادْرِ والحُبَيِّرِ لما ذكر أولاً أن ألف التأنيث إذا وقعت بعد ثلاثة أحرف فإنها تثبت كما ثبتت تاء التأنيث، وألفه الممدودة، والألف والنون، ثم ذكر بعد ذلك أن الألف الممدودة والألف والنون أيضاً تثبت بعد

أربعة أحرف كما تقدم، خاف أن يتوهم أن الألف أيضاً تثبت كذلك تلافى الحكم فيها، وأنها مخالفة للألف الممدودة والألف والنون فقال: وألفُ التأنيث ذو القصر... إلى آخره، يعني أن هذه الألف المقصورة إذا وقعت زيادة على أربعة أحرف فكانت خامسة أو سادسة فالحكم ألا تثبت أصلاً، بل تُحذف، فتقول في قَرْقَرى: قُرَيْقِر، وفي جَحْجَبَى: جُحَيْجِب، وفي عَرْقَلى: عُرَيقِل، وفي قَهْمَزَى: قُهَيْمِز، وفي عِبِدَّى: عُبَيْدّ.
وقوله: (متى زاد على أربعة) على إطلاقه فيما كانت فيه خامسة أو سادسة، فتقول في حَبَرْكًى: حُبَيْكِر، وفي شَفْتَرى: شُفْيتر، وفي مِرْعِزَّى: مُرَيْعِز، وفي شُقَّارى: شُقَّيْقِر، ولفي لُغَّيْزَى: لُغَيْغِز، وما

أشبه ذلك.
وإنما حذفت الألف هنا؛ لأن بناء التصغير قد انتهى قبلها، وفارقت هذه الألف تاء التأنيث والألف الممدودة لمزيتهما عليها بالحركة، فجعلا كاسم ضُم إلى اسم آخر، وأما المقصورة فحرفٌ ميت، فحذفت؛ لأنها لم تشبه الاسم الذي يضم إلى الاسم.
هذا تعليل السيرافي، وهو راجع إلى تعليل سيبويه حيث قال: "وإنما صارت هذه الألف إذا كانت خامسة عندهم بمنزلة ألف مبارك وجوالق؛ لأنها ميتة مثلها"، قال: "ولأنها لو كسَّرت الأسماء للجمع لم تثبت"، قال: "فلما اجتمع فيها / ذلك صارت عند العرب بتلك المنزلة".
وقول الناظم: (ذو القصر) و (زاد) و (لن يثبتا) على اعتبار تذكير الألف، ثم قال: وعند تصغير حبارى خَيِّرِ إلى آخره.
يعني أنك إذا صغَّرتَ هذا اللفظ فأنت مخيَّرٌ بين أمرين: أحدهما: أن تحذف الألف أولى لتقيم بنية التصغير، وتبقى ألف التأنيث، فتقول: حُبيرى.

والثاني: أن تترك الألف الأولى على حالها، فتصير ألف التأنيث بعد أربعة أحرف، فتحذف على ما تقرر آنفاً، فتقول: حُبَيِّر، كما قلتَ في (قرقرى): قُرَيْقِر.
فإن قلت: لأي شيء وقع التخيير هنا بخلافه فيما تقدم، فإنه أطلق القول في حذف الألف حتماً؟ فالجواب: أن ذلك لأجل أنه لا بد هنا من حذف إحدى الزائدين لإقامة بنية التصغير: إما الألف الأولى، وإما الثانية، فهما زائدان قد تكافآ: هذا بالتقدم، وهذا بالتحرك، وذلك يقتضي التخيير، فلأجل ذلك اختلف الحكم فيها مع ما تقدم.
فإن قلتَ: فإن [هذا] الكلام منه إذن فضلٌ لا فائدة فيه؛ إذ كان قدم هذه القاعدة في أخريات التكسير، وبينها بياناً شافياً، وشرح وجوه الترخيم، ووجوه التخيير، وهذا داخل تحتها، ثم ذكر في هذا الباب أن ما وصل به إلى (فعالِلَ) وشبهه من الحذف فإن تصل به إلى أبنية التصغير، فشمل هذه المسألة أيضاً، فحصل من ذلك أن هذه المسألة قد تقدم حكمها، فكانت إعادتها على نقيص ما قصده من الاختصار المناقض للتكرار، وهذا كما ترى.

فالجواب: أنَّ ابن مالك قد عُلِمَت عادته في هذا النحو أنه لا يأتي بما يوهم تكراراً أو حشواً إلا لمزيد فائدة.
والذي حصل بهذا الكلام أربع فوائد: إحداها: أنه لما قدم آنفاً في ألف التأنيث حكماً لازماً وهو الحذف خاف أن يتوهم أن هذه المسألة مستثناة مما تقدم من التخيير، فأخذ يبين أن لزوم الحذف في ألف التأنيث إنما هو حيث لا يعارضه حكم التخيير، بل يبقى المخير فيه على بابه، واللازم الحذف على بابه.
فلو لم ينبه على هذا المعنى لعد هذا الحكم المذكور ناسخاً لما تقدم من التخيير.
والثانية: أن ألف التأنيث هنا وإن كان حكم التخيير قد ثبت لها، فقد تقدم له ما يعطي الحكم بإثباتها لزوماً، وذلك أن ألف التأنيث / حرف معنى، وقد تقدمت إشارته إلى أن حرف المعنى مرجح على ما ليس بحرف معنى على ما شرحته هنالك، وثبت أيضاً لألف حبارى التخيير على ما نص عليه سيبويه وغيره، فصارت القاعدة الثانية في ترجيح حرف المعنى منخرمة في حبارى، إذ أجمعوا على إثبات ميم مستفعل؛ لأنه حرف معنى، ونحوه مما هو مثله، وهنا خيروا حتى افترق الناس في حبارى ثلاث فرق:

جارٍ التحميل