شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 261-301

تحقيق أ. د. السيد تقي عبد السيد

التصغير

فَعَيلاً اجعلِ الثلاثي إذا صغرته نحو قُذَيّ في قَذَى فُعَيعِِلٌ معَ فُعَيعِيلٍ لا فاقَ كجَعْلِ درهمٍ دُرَيْهِمَا التصغير عند النحويين عبارة عن تغيير ما يلحق الاسم، بدل به على أحد ثلاثة معان: تحقير ذات ما يتوهم عظيماً، أو تقليل ما يتوهم كثيراً، أو تقريب ما يتوهم بعيداً، وهو فيه بمنزلة وصفه بمعنى من تلك المعاني، فإذا قلت رُجيل فهو بمنزلة قولك: رجلٌ صغيرٌ، وإذا قلت: دُريهمات، فهو بمنزلة قولك: دراهمُ قليلةٌ، وإذا قلت: دُوَينَ السماءِ، فهو بمنزلة قولك: بمكانٍ قريب من السماء، إلا أنه لما كان هذا التغيير أخصرَ عدلوا إليه.
وابتدأ الناظم - رحمه الله تعالى - بالإشارة إلى مسائلَ: إحداها: أن أبنية التصغير ثلاثة، لا مزيد عليها، وذلك ظاهر

من كلامه، وهي: فُعَيلٌ، وفُعَيعِلٌ، وفُعَيعِيلٌ، وإنما أراد بهذه الأبنية الصور والأشكال، كأنه يريد مقابلة المتحرك بالمتحرك، والساكن بالساكن، لا أنه مقابلة الزائد بالزائد، والأصلي بالأصلي كما فعلوا في التصريف، ألا ترى أن (أُحَيْمِرَ) في التصغير وزنه ومثاله (فُعَيعِلٌ) ومثاله في التصريف (أُفَيْعِلٌ)؛ لأنهم إنما يريدون في التصريف بيان الزائد من الأصلي، فتركوا الزائد في البناء - إذا لم يكن بالتضعيف - على لفظه، وعبَّروا عن الأصلي بالفاء والعين واللام، وأما ههنا فلم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا ما ذُكِر.
ومثل التصغير في هذا المعنى ما تقدَّم لنا فيما / لا ينصرف مما هو على زنة (مفاعِل) أو (مفاعيل)؛ إذ لم يُرِدْ هنالك هو ولا غيره إلا مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك خاصة.
الثانية: بيان كيفية التصغير، وذلك - على مقتضى ما مثل به - أن يضمَّ أول الاسم ويُفتح ثانيه، ويُزاد ياءٌ ساكنةٌ تقع ثالثة؛ ويُكسَرَ ما قبل الآخر إن كان المصغَّرُ فوق الثلاثي.
هذا الذي يُعطيه كلامُهُ إذ قال: فُعَيلاً اجعلِ الثلاثي...... ثم قال: فُعَيعِلٌ مع فُعَيعِيل لما فاقَ............... يعني لما فاق الثلاثة فكان رباعياً، أو خماسياً، أو أكثر، فما عدا

(فُعَيْلاً) يُكسر ما قبل آخره على هذا، فتقول في (رجل): رجيل، وفي (زيد): زُيَيد، وفي (قُفل): قُفَيل، وفي (جعفر): جُعَيفر، وفي (هِجْرَع): هُجيرع، وفي (سفرجل): سفيرج، وفي (قنديل): قنيديل، وفي (تمثال): تميثيل، وفي (بهلول): بهيليل.
ومثَّل الناظم الثلاثي بـ (قَذًى)، وأنك تقول فيه: (قُذَيٌّ) كما يقتضي الحكم؛ فإنك لما ضممتَ القاف، وفتحت الذال، وزدتَ ياء التصغير ثالثة زالت الألف، ورجعت إلى أصلها من الياء؛ لزوال ما أوجب قلبها ألفاً وهو تحرك ما قبلها، فالتقت مع ياء التصغير الساكنة، فوجب الإدغام، فقيل: قُذَيٌّ.
والقذى في العين وفي الشراب: ما يسقط فيه، يقال: قذِيت العين تَقذى: إذا سقط فيها ذلك، وقذت العين تَقذى: إذا رمت بالرَّمَصِ وما فيها من القذى.
ومثَّل ما فوق الثلاثي بـ (درهم)، تقول فيه: دُرَيهم.
وهذا كله حكم جُمْليٌّ حتى يتبين في تفصيل الأحكام، إذ ليس كل ما فوق الثلاثي يُكسَرُ ما بعد ياء التصغير فيه كحُبْلى، وصحراء، وسكران، وأطلال مسمًّى به، وما كان نحو ذلك مما سيبين الناظم.

الثالثة: أن مراده - هنا - بالثلاثي المجرد من الزوائد كما مثل به، لا أنه يريد الثلاثي الأصول وإن كانت فيه زيادة كأحمر وأرطًى؛ لأن مثل هذا رباعي، لا ثلاثيٌّ، وقد تقدم مثل هذا في التكسير، وأيضاً فإنما يريد - ههنا - ما كان ثلاثياً باعتبار اللفظ والأصل، وهو الذي يعطيه المثال.
وأما غير ذلك مما خرج عن أصله بالحذف فله حكم يستدركه بعد.
وكذلك القول في الرباعي هو مقصور على ما كان نحو مثاله، وما فوق الرباعي على ذلك السبيل إلا ما يستثنى فيه من الأحكام العارضة.
الرابعة: أن مثاله قد يعطي الاقتصار / بالتصغير (على ما كان) متمكناً مثله؛ فـ (قذًى) و (دِرهم) متمكنان، أصلهما الإعراب، فما كان كذلك في الذي يصح تصغيره، فلو كان الاسم غير متمكن فلا يصح تصغيره نحو: (حيث، وكيف، وأين، وأيان، ولَدُن) وما أشبه ذلك وإن كان ثلاثياً، ومن باب أولى خروج ما كان من غير المتمكن ثنائياً نحو: (مَن، وما، وكم) ونحو ذلك، فلا يجوز أن تقول:

حُيَيْث، ولا كُيَيْف، ولا نحو ذلك؛ لتوغلها في شبه الحرف، والتصغير نوع من التصرف، وهو قد قال في باب التصريف: حرفٌ وشبهُهُ من الصَّرفِ بَرِي فتحرز هنا بالمثال مما عسى أن يُعترض به على إطلاقه.
وما جاء من التصغير في أسماء الإشارة، و (الذي) و (التي) من الموصولات فعلى خلاف الأصل، وسيأتي وجه ذلك فيه إن شاء الله تعالى حيث يذكره الناظم.
الخامسة: أن التصغير إنما يكون فيما يقبل معناه، ودل على هذا قوله: فُعَيلاً اجعلِ الثلاثيَّ إذا صغَّرتَهُ............ ويريد إذا أردتَ تصغيره، وإرادة التصغير إنما تكون حيث يكون ذلك المعنى جائزاً فيه، وحيث يكون الاسم قابلاً لمعنى التصغير؛ لأنه المطلوب تصغيره، وما لا يقبل التصغير لا يمكن أن يراد تصغيره.
وما لا يقبل التصغير على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك من جهة معقولية معناه كالمضمن معنى الحرف من الأسماء مثل: (مَن، وكم، وما) ونحو ذلك؛ لأن

وضع هذه الأشياء لقصد الإبهام والعموم، والتصغير يناقض ذلك؛ لأنه تخصيص بوصف من الأوصاف التي يمكن أن تكون عليها، فمعنى التخصيص مناقض لوضعها من جهة المعنى، وكذلك هو مناقض من جهة اللفظ؛ لأنه وضعها وضع الحروف، والحروف لا تقبل التصغير.
ومثل هذا الظروف المضمنة معاني الحروف كمتى وأين، يمتنع تصغيرها من جهة مناقضة اللفظ والمعنى كما ذكر؛ لأنها تشبه الحروف، ووضعت على الإبهام.
ومثل ذلك (عند).
قال سيبويه: "لأنك إذا قلت: (عند) فقد قلَّلتَ ما بينهما، وليس يراد بالتحقير إلا مثل ذلك".
يعني أن التحقير في الظروف إنما يراد به التقريب، وإذا قلت: (زيد عندك) فقد قربته منه، فلا معنى للتصغير فيه.
وكذلك (بين) و (وسْط) مما يقتضي التقريب.
ومنه (غير) لا يقبل معناه التحقير؛ بخلاف (مثل) فإن المماثلة تقل وتكثر بخلاف / (غير)، فإنه ليس في كون شيء ما غير شيء آخر معنى يكون أنقص من معنى آخر، تقول: هذا أكثر مماثلة لهذا من

غيره وأقل، ولا تقول: هذا أكثر مغايرة لذا، قال السيرافي: "ويعني بالمغايرة كونه ليس به"، وأيضاً فإنه كـ (سوى) في المعنى، و (سوى) غير متمكن فلا يُحقَّرُ.
وكذلك (حسبُكَ) لا يُحقَّر؛ لأنه في معنى (كفاك)، و (كفاك) فِعلٌ لا يصح تحقيره، فكذا ما في معناه، ومن هذا النحو اسم الفاعل الذي بمعنى الحال أو الاستقبال النائب مناب الفعل، فإنه لا يُحّقَّرُ؛ لأنه بمنزلة الفعل، فلا يجوز: (ضُوَيْرِبٌ زيداً)، فإن كان بمعنى الماضي جاز؛ لأنه اسم من الأسماء ليس في معنى الفعل.
ومن ذلك الأسماء المختصة بالنفي كأحد وعَريب، وكَتيع ودُبيّ وطوريّ ونحوها؛ لأن معناها التعميم في النفي، والتصغير بناقض التعميم.
ومن ذلك أيضاً جموع الكثرة.
قال ابن عصفور: "لأنه لا فائدةَ في تصغيرها، ألا ترى أن دراهم تقع على ما فوق العشرة إلى ما لا يتناهى كثرة، فإن صغرتها فإنك تقصد تقليلها، وليس ذلك مما يعطي ذلك؛ لأن كل عدد يقل ويكثر بالإضافة إلى غيره، بخلاف

جموع القلة؛ لأنها تقع على العشرة فما دونها، فإذا قللت علم أن العدد أقل من العشرة، ولا يتصور ذلك في جموع الكثرة".
والثاني: أن يكون ذلك من جهة أمر خارج عن معقولية المعنى، وهو على ثلاثة أنواع: أحدها: ما امتنع تحقيره شرعاً كأسماء الله وأسماء الأنبياء وكتب الله تعالى، وغير ذلك مما هو معظم شرعاً، ولذلك لما أراد سيبويه تصغير (النبيء) قصد عند ذل ما يقبل التصغير فقال: "كان مسيلمة نُبَيِّئ سَوءٍ"، و ("كان مسيلمة نُبوَّتُهُ نُبَيِّئَةُ سَوءٍ") وذلك ظاهر.
والثاني: ما فُه منه استغناء العرب عن تصغيره بتصغير غيره كالأسماء الأعلام وما أشبهها في أسماء الأوقات، وذلك كالسبت والأحد والمحرم، وما أشبه ذلك، والمشبه للأعلام (أمس) و (أول من أمس) و (غد) و (بعد غد) و (البارحة) ونحو ذلك، استغنوا عن تصغيرها بتصغير الأيام والشهور.
قال ابن الضائع ظاهر كلام سيبويه فيما زعم أنه لا يحقر السماع؛ لأنه قال: "فعلاماتُ ما ذكرنا من الدهر لا يُحقر، إنما يُحقر الاسم غير العلم".

قال ابن الضائع: يعني / أنهم استغنوا عن تحقير العلم بتحقير الاسم الذي يقع عليه وعلى غيره وذلك يوم الجمعة، وشهر المحرم، قال: وكأن هذه الأسماء لما كانت أعمالاً لأيام تتكرر صارت شبيهة بالمضمرات وأسماء الإشارة؛ لأنها تقع على كل من هو بتلك الصفة، فقل تمكنها لذلك، فاستغنوا عن تصغيرها بتصغير الاسم النكرة المضاف إليها.
وأما (أمس) و (غد) فأقوى في ذلك؛ لأن تعريفها بالإشارة.
وهذا التعليل الذي علل به امتناع تصغيرها والانصراف إلى الاستغناء بتصغير غيرها من اليوم والشهر ونحوه يعطي أن المانع في هذا النوع هو المانع في النوع الأول من عدم قبول هذه الأسماء للتصغير، لكن لما كان ذلك فيها ليس في قوته في (مَنْ) و (متى) ونحو ذلك عدل سيبويه وغيره إلى الوقوف مع السماع، وادعاء الاستغناء، فهو قسم قائم برأسه.
والثالث: أن يكون الاسم المراد تصغيره لا يتأتى ذلك في لفظه كما كان متأتياً في أمثلة الناظم ونحوها كالمركب تركيب إسناد، واللازم للحكاية، فإنه ليست له صيغة ثلاثي ولا غيره، فلا يصح أن

يُصغر، وكذلك الاسم المصغر لا يصح تصغيره ثانية، وإن قلت: إنه يُصغر بعدما تُزال بنية التصغير الأول، فهو تصغير ما ليس بمصغر تقديراً، فقد حصل هذا القيد الذي أعطاه تمثيل الناظم من كون الاسم قابلاً للتصغير فوائد كثيرة جداً.
وقوله: فُعيلاً اجعلِ الثلاثي...... (اجعل) ههنا يتعدى إلى اثنين بمعنى التصيير: أولهما (الثلاثي)، والثاني هو (فُعيل) المقدم، أي: صير الاسم الثلاثي فُعيلاً.
وقوله: (... إذا صغرته.. ) أي إذا أردت تصغيره، كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾، وقوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾.
وقوله: (فُعيعِل مع فُعَيعِيلٍ... ) أي هاتان الصيغتان ثابتتان لما فاق، يريد لما فاق الثلاثي، فحذف المفعول وهو الضمير العائد على الثلاثي.
وقوله: ... كجَعْلِ درهمٍ دُرَيهماً

الجعل أيضاً هنا بمعنى التصيير، وهو مصدر مقدر بأن والفعل أضيف إلى أحد مفعوليه وهو الأول، و (دريهماً) هو الثاني.
ثم على الناظم هنا سؤالان: أحدهما: أن أبنية التصغير بحسب الاستقراء غير منحصرة في هذه الأبنية الثلاثة وما كان على شاكلتها، بل هي أكثر من هذا بحيث لا يتأتَّى فيها دعوى / الرد إلى هذه الثلاثة؛ وذلك أنك تصغر على (فُعَيْلَى) نحو: حُبَيْلَى، وعلى (فُعيلاء) نحو: حميراء، وعلى (فُعيلان) (وفُعَيلين) نحو: سكيران وسُريحين، وعلى (أُفيعال) نحو: أُجَيمال، وعلى (فُعَيعِلان) نحو: زعيفران، وعلى (فُعَيعِلاء) نحو: خُنَيفساء، وعلى (فُعَيلون) و (فُعيلان) و (فُعيعلات) نحو: زُيَيدون وجُعَيفرون وهنيدات وزُيَيْنِبات، وكثير من ذلك جداً، فكيف يتأتى ههنا الرد إلى أحد الثلاثة؟ وإن سلِّم في الجمع لم يسلَّم في (أُفَعيال)، ولذلك قال السيرافي: "لو ضَمَّ سيبويه إلى ثلاثة أمثلة التصغير رابعاً وهو (أُفَيعال) لعمَّ التصغير".
يعني أنه قد كان يمكن الاعتذار فيما عداه، وأما فيه فبعيد الاعتذار عنه.
والثاني: أنه أطلق القول في جعله البناءين الأخيرين لما فاق

الثلاثي، فيقتضي أنهما معاً يصحان لكل رباعي، ولكل خماسي، ولكل ما فرض مما عدا الثلاثي، فيصح مثلاً في جعفر جُعَيفر وجُعَيفير ليحصل فُعَيعِل وفُعَيعِيل، وكذلك في (بهلول) يصح أن يقال: بُهَيلل على فُعَيعل، وبُهَيلِيل على فعيعيل، وذلك كله غير مستقيم، فكلامه فيه إجمال كما ترى.
والجواب عن الأول: أن هذه الأبنية الثلاثة هي أصول التصغير كما ذكر، وما خرج عن ذلك في اللفظ فإنما خرج لسبب طارئ أوجب خروجه، مع أن الأصل فيه أحد هذه الثلاثة، فمن ذلك أن ما فيه تاء التأنيث المصغر ما قبلها، وذلك لأنها عندهم ليست زيادة في الاسم قد بُني عليها، والدليل على ذلك أنها تجيء ثامنة نحو: اشْهِيبابة، واحْرِنْجَامة، وليس في الكلام اسم على أكثر من سبعة أحرف، وأيضاً فإنه لا يحذف في التصغير لإقامة بنائه حرف أصلي وفي الكلمة حرف زائد، وهم يقولون: (سُفَيرِجَة) فيحذفون اللام والتاء باقية؛ لأنها عندهم ليست من الكلمة، فـ (تُمَيرَةُ) ونحوه لا يخرج عن فُعَيل؛ لأن مثال التصغير ما قبل التاء، وكذلك ألفُ التأنيث الممدودة حكموا لها بهذا الحكم فصغروا ما قبلها، فقالوا:

(خُنَيْفِساء) فهذا راجع إلى فُعَيعِل فُعَيعِلَة بالتاء، وكذلك ما أجري مجرى هذه الألف مما في آخره الألف والنون الزائدتان نحو: سكران وعثمان على ما يتبين في موضعه حيث يتعرض / له الناظم.
وأما (فُعَيْلَى) فراجع أيضاً إلى (فُعَيعِل)، لكن لم يكسِروا ما بعد ياء التصغير لعلةٍ تذكر بعد إن شاء الله تعالى.
(وكذلك (أُفَيعال) هو راجع إلى (فُعَيعِيل) لكنه لم يُكسر لعلةٍ تذكر بعد إن شاء الله) فليس قول السيرافي فيها بموافق لمذاهب النحويين.
وأما ما لحقته علامتا الجمع المذكر أو المؤنث فمن ذلك القبيل أيضاً؛ إذ الكلمة لم تبنَ عليهما وإنما المصغر هو الصدر، والصدر لا يكون إلا على [أحد] الثلاثة على ما يذكره الناظم في ذلك كله، وهذا كله ظاهر.
والجواب عن الثاني: أن البيت الذي يلي هذا فيه يتبين أن موضع (فُعَيعِل) ليس هو موضع (فُعَيعِيل)، وإنما ذكر هنا حكماً جملياً لا يتبين منه حمٌ مستوفًى، لأنه كالمقدمة لما يأتي تفصيله في الباب، فلا اعتراض عليه.


وما به لمنتَهَى الجمعِ وُصِلْ بِهِ إلى أمثلة التَّصغير صِلْ هذه قاعدة شاملة مختصرة تتها تفصيل كثير لم يبينه لذكره له في باب التكسير.
وبناؤه حكم التصغير على حكم التكسير موافق لما فعل سيبويه؛ إذ كانت عادته أن يبني أحكامه على أحكام التكسير فيقول: يُصغر هذا على كذا؛ لأنه كُسِّرَ على كذا، ولا يعكس الحكم فيجعلُ التصغير أصلاً للتكسير، وكأن الناظم لما رأى هذا قدَّم باب التكسير أولاً ثم عطف عليه باب التصغير، وأحال في أحكامه على باب التكسير تنبيهاً على أن التكسير هو الأصل.
وقد قال ابن جني: سألتُ مرةً أبا عليٍّ (رحمه الله تعالى) عن رد سيبويه كثيراً من أحكام التحقير إلى أحكام التكسير وحملِه إياها عليها، ألا تراه قال: تقول: سُرَيحي؛ لقولك: سراحين، ولا تقول: عُثَيمين؛ لأنك لا تقول: عَثامين، ونحو ذلك قال.
فقال: إنما حمل التحقير في هذا على التكسير من حيث كان التكسير بعيداً عن رتبة الآحاد، فاعتدَّ بما يعرض فيه لاعتداده بمعناه، والمحقَّر هو المكبر، والتحقير فيه جارٍ مَجرى الصفة، فكأنه لم يحدُث

بالتحقير أمر يحمل عليه غيره، كما حدث بالتكسير حكم ٌ يُحمل عليه الأفراد.
هذا ما نقله، وإنما يشير إلى أن ما عرض في الجمع أصلٌ فيه، والجمع مستقلٌ بنفسه؛ لتكسير بناء الأفراد، فكل حكم لحقه من حيث هو جمع معتدٌّ به ومستند إليه، والمفرد كأنه متناسًى فيه، بخلاف / التحقير، فإن العرب حافظت فيه على أحكام المفرد؛ ألا تراهم يحقرون ما حذف منه حرف على حاله إذا قامت بما بقي منه بنيَّة التصغير، ويقولون في قائم: قُويئم بالهمز اعتداداً بحكم المفرد، فكأن التحقير لم يكن، وأنت لو كسَّرت لردَدْتَ ما حذفتَ ولا بد، ولرددتَ همزة (قائم) إلى أصلها فقلتَ: قُوَّمٌ وقُوَّام اعتداداً ببنية التكسير، فلما كان الأمر على هذا جعلوا التكسير أصلاً، وجعلوا التحقير فرعاً.
وهذا التفات حسن.
ومعنى كلام الناظم: أنَّ ما يتوصل به إلى إقامة بنية الجمع المتناهي من حذفِ أصلي وزائدٍ واحد، أو اثنين، أو أكثر من ذلك، فإنك

بذلك تصل إلى إقامة أبنية التصغير باتفاق أو باختلاف؛ فإن الكلام في الموضعين واحد؛ ولذلك ذكرتُ في الباب قبل هذا من مسائل التصغير أشياءَ لكون أحدهما على حكم الآخر، لا يختلف عنه، فكل ما مر هنالك فانقله إلى هنا حسبما ينبه عليه.
وإنما قال: (لمنتهى الجمع) ليخص بذلك الجمع المتناهي، وصيغة (فعالِلَ) وشبهه تسمى صيغة منتهى الجموع، وهو معنى كلامه، فكأنه يقول: ما يوصل به إلى الجمع على (فعالِلَ) وشبهه فبمثل ذلك يتوصل إلى بنية التصغير؛ وذلك لأن بنية التصغير على (فُعَيعِل) أو (فُعيعيل) رباعية، فلا بد أن يُردَّ ما زاد على الأربعة إلى الأربعة، فتقول في الخماسي الأصول: (سُفَيرج) في سفرجل، و (قُذَيْعم) في قُذَعْمِل.
وما ذكر في التكسير من حذف ما قبل الآخر إذا كان مضاهياً للزائد في حقيقة أو صيغة فهو ههنا كذلك، فتقولُ - إن شئت -: قُذَيعِل، وفُرَيزِق.

وخلاف الكوفيين في جواز إبقاء الحرف الخامس جارٍ هنا، وكذلك خلاف من خالف فإجاز حذفَ ما كان ثالثاً، وغير ذلك مما تقدم الخلاف فيه.
وكذلك تقول فيما فيه من الخماسي زوائد: إن كانت زيادة واحدة حذفتها نحو: (عُذَيْفر) في عذافر، و (فُدَيكس) في فَدَوْكَس، وإن كانت زيادتان نظرت إلى الترجيح، فتقول في عَقَنْقَل: (عُقَيْقِل)، وفي عَفَنْجَج: (عُفَيجِج)، وعلى هذه السبيل في السداسي والسباعي.
وعلى هذا إذا احتيج إلى حذف أحد الزائدين نظرتَ في أوجه

الترجيح المتقدمة في التكسير؟ فرجَّحْتَ، ثم حذفت المرجوح وأثبت الراجح: / فترجح بالتقدم، فتقول في (ألَنْدَد) و (يَلَنْدَد): أُلَيْد ويُلَيْد؛ لأنك تقول: ألاد ويَلاد.
وبالدلالة على المعنى فتقول: مُطَيلق في (منطَلِق)؛ لأنك تقول: مَطالِق.
وبكون الإثبات يؤدي إلى مثال غير موجود، أو إلى كسر بنيَّة التصغير كـ (مُدَيعٍ) في (مستدع)، وامتناع (سُدَيع) و (مُسَيدِع)؛ لأنك تقول: مَدَاعٍ، ولا تقول: مَدَاعٍ، ولا تقول: سَداعٍ، ولا مَسَاتِدْع.
وبكونه لا يغني حذفه عن حذف غيره، فتقول في (حيزبون): حزيبين، كما تقول: حزابين.
وهذه الأربعة هي التي ذكر الناظم هنالك من المرجحات، وهو الذي أشار إليه، وفيه أيضاً الإحالة على القيد المعتبر في هذا الحذف، وهو ألا يكون الزائد حرف لين زائداً قبل الآخر، فإن كان كذلك لم تحذفه، بل تثبته؛ لأنه يوصل به إلى أبنية التصغير كما يوصل به إلى

بِنية التكسير، فكما تقول: (فعاليل) كذلك تقول: (فُعَيعِيل) وهذا هو الموضع الذي يتعين فيه (فُعَيعِيل) بالياء، وما عدا ذلك فلفُعَيعل، فإذاً قد زال الإجمال في قوله أولاً: فُعَيعلٌ مع فُعَيعيل لما فاقَ............ فإن قلتَ: إن هذا الحكم لا يؤخذ من هنا؛ (لأنه) إنما قال: وما به لمنتهى الجمعِ وُصِلْ............... الخ يعني أن البنية إن كانت لا تقوم بالمراد تصغيره لكثرة حروفه فاحذف منه، وهذا الذي قلتُ ليس من أحكام الحذف، بل من أحكام الإثبات، فلم يدخل تحت مراده.
فالجواب: أن مراده أعمُّ من هذا؛ لأنه قد بين في الباب قبل هذا ما يحذف منه ومالا؛ إذ بين أن زائد ما عدا الرباعي يحذف، لكن إذا لم يكن لينا بعده الحرف الآخر (فإنك لا تحذفه، بل) تتركه بحاله، لكن تكسر ما قبله فينقلب ياء، فإنه على هذا الوصف يُتوصل إلى إقامة بنية التكسير، فكذلك تقول هنا، وعليه أحال "أنَّ" زائدَ ما

عدا الرباعي يحذف إن لم يكن ليناً بعده الحرف الآخر فإنه يترك على حد ما تُرك في التكسير"، وقد بين في هذا الباب أن (فُعَيعِل) يُكسَرُ فيه ما بعد ياء التصغير، فلا بد أن ينقلب حرف اللين ياءً إن لم يكن كذلك.
وفيه أيضاً أن حرف اللين قبل الآخر يعتبر فيه من الأوصاف ما اعتبر في التكسير من كونه زائداً، لا أصلاً، ولا منقلباً عنه، وكونه حرف لين، لا حرف مد، فتقول: / في (كَنَهْوَر) و (قِلَّوْب) و (عُلَّيْق): كُنَيْهِير، وقُلَيليب، وعُلَيليق، وأنه لا يعتبر اللين المدغم إدغاماً أصلياً، بل يثبته، فتقول: (عُطَيِّيد) و (هُبَيِّيخ) على مذهبه وهو رأي المبرد كما تقدم.
هذا كله محالٌ عليه بهذا القول من الناظم: إلا أن في عبارته

بعضَ إشكال من جهة قوله: به إلى أمثلةِ التصغير صِلْ فجمَعَ الأمثلة، فيظهر أنه أراد جميع الأمثلة: فُعَيلاً وفُعَيعلاً وفُعَيعِيلاً، فإذا كان كذلك فُهم منه أن الحذف قد يجوز ليوصل به إلى بناء (فُعَيل)، وهذا غير صحيح؛ لأن كل ما يتأتى فيه فُعَيعِل أو فُعَيعِيل لا يجوز أن يحذف منه شيءٌ حتى يصير إلى مثال فُعَيل؛ لأنه حذف من غير فائدة، كما أنهم لم يحذفوا من نو (قِنْدِيلٍ) الياءَ ليتوصلوا به إلى فُعَيعِل، بل تركوها، وأتَوا بها على فُعَيعِيل، فهذا الجمع للأمثلة من الناظم غير سديد.
والجواب: أن هذا كله إحالةٌ على ما تقدم، وهو قد قال هنالك: وزائدَ العادي الرباعي احذِفْه... فاقتضى أن زائد الرباعي لا يحذف أصلاً، وذلك ثابتٌ هنا، ورجوع الرباعي إلى فعيل لا يكون إلا يحذف زائده حتى يصير ثلاثياً، فقد حصل أن (فُعيلاً) لا حظَّ له فيما عدا الرباعي فما فوقه، وإنما يبقى في كلامه أنه أطلق لفظ الأمثلة - وهو جمع - على اثنين منها وهما ما عدا (فُعَيلاً)، وقد جاء منه في القرآن: ﴿فإنْ كانَ له إخوة﴾، المراد عند العلماء أخَوَان، فسامح الناظم نفسه في مثل هذا؛ لأن المراد حاصلٌ.

و (به) في الشطر الأول، و (لمنتهى) متعلقان بـ (وُصِلْ).
و(به) في الثاني، و (إلى) متعلقان بـ (صِلْ) أي: صِلْ إلى أمثلة التصغير بما وُصِلَ به إلى منتهى الجمع، و (ما) بمعنى (الذي) واقعةٌ على الحذف المقيَّد في باب التكسير.


ثم أخذ يذكر حكم التعويض مما حُذف فقال: وجائزٌ تعويضُ يا قبلَ الطرفْ إنْ كان بعض الاسم فيهما انحَذَفْ هذه تتمة لحكم ما ذكر في التصغير والتكسير، فالضمير في (فيهما) عائدٌ إلى التصغير والتكسير المذكورين في قوله: وما به لمنتهى الجمعِ وصلْ إلى آخره.
و (يا) مقصورٌ من ياء، وهو حذف في الحقيقة نادر في الكلام، وإنما حُكي منه: (شربت ما يا هذا)، وعادة الناظم ارتكاب هذا الشذوذ بعينه في مواضع كثيرة: منها ما تقدم، ومنها ما يأتي.
ويعني أن الاسم المصغّر أو المكسر إن كان قد حذف منه شيء حرف واحد فأكثر، زائداً كان المحذوف / أو أصلياً - وهو مقتضى إطلاقه - فإنه يجوز أن تعوِّض من ذلك المحذوف ياءً قبل الطرف،

أي: قبل آخر الاسم، ويجوز ألا تعوَّض، فأنت مخير في ذلك، ولذلك قال: (وجائز... ولم يقل: ولازمٌ؛ لأن العرب أتت به على الجواز لا على اللزوم، فتقول في (فرزدق): فُرَيزد و (فُريزيد)، وفي (جَحَنْفَل): جُحَيفِل وجُحَيفِيل، وفي (سَرَنْدَى): سُرَينِد وسُرينيد، وفي (خَفَيْدَد): خُفيدِد وخُفَيدِيد، وفي (عَضْرَفُوطَ): عُضَيرف وعُضَيريف، وما أشبه ذلك، ومن قول يزيد الغواني: وما زال تاجُ الملك فينا وتاجُهُم قلاسِيُّ فوقَ الهام من سَعَفِ النخل وإنما أتى بالياء جَبْراً لما حذف، كأنه عوض منه لكن على وجه لا يخل ببنية واحدٍ من التصغير والتكسير، بل بحيث يمكن بقاء البنية مع وجود العوض، ولا يمكن مع بقاء المعوض منه، وليس ذلك إلا

في المدة قبل الآخر، ولذلك أبقَوا الحرف الزائد إذا كان في ذلك الموضع، إذا كان حرف لين ولم يحذفوه وإن كان خامساً، ولا تقوم بنية تصغير أو تكسير بخمسة أحرف، لأن (فعالِلَ) و (فُعَيعِل) وشبههما لا يخل بها بقاء ذلك الحرف.
وفي قوله: (فيهما) فائدة حسنة، وذلك أنه متعلق بـ (انحذَفْ)، أي: إن كان حذف بعض الاسم بسبب التصغير أو التكسير بعد استقرار الحذف، فإن العرب لا تعوِّض في هذا الموضع، وذلك أنك لو سميت بسفرَج المحذوف من (سَفَرْجَل) لقلتَ في التكسير: سفارِجُ، وفي التصغير: سُفَيرج لا غير، ولا يجوز أن تقول: سَفَاريج، ولا سُفَيريج إلا على من قال ضرورة: نَفْيَ الدَّراهيم تنقاد الصياريفِ

وعلى هذا تقول في تحقير (سنين) لا غير، ولا تقول: (سُنَيِّين) إلا على قولَ من يرد المحذوف في التصغير، لا أن الياء عوض مما حذف.
وقد زعم ابنُ خروف أنه يجوز أن تقول: (سُنَيِّين) بالياء على أنها عوضٌ، لا على رد المحذوف كما يقال: سُفَيريج.
قال ابن الضائع: وهذا عندي خطأ؛ لأن هذه الياء إنما تعوَّضُ من المحذوف بسبب التصغير، أما إذا كان الاسم محذوفاً قبل التصغير فلا ينبغي أن تكون عوضاً مما حذف في غير التصغير، قال: ثم إن / هذه الزيادة للعوض إنما ينبغي أن تقاس حيث تثبت، وما قال هذا القائل وهو أن يعوض في التصغير مما حذف قبل التصغير لم يثبت، فلا ينبغي أن يقال به أصلاً.
وعلى هذا يجري القول في تكسير (سِنين) هذا.
فما تحرز به الناظم من قوله: (فيهما انحذَفْ) حسنٌ من التحرز جداً، إلا أن فيه نظراً من جهة أخرى، وذلك أنه أطلق القول بجواز

إلحاق الياء عوضاً قبل الآخر، وليس على إطلاقه؛ لأن ما حذف منه لأجل إقامة بنية التصغير على وجهين: أحدهما: ما يصح فيه ذلك وهو جميع ما تقدم من الأمثلة.
والثاني: ما لا يصح ذلك فيه كالذي آخره ألف التأنيث مثل (حُبَارى) إذا حذفت ألفه فإنك تقول: حُبَيرَى كما ذكره بعد، ولا سبيل إلى تعويض الياء قبل الألف؛ لأن الألف تَطلُبُ أن يُفتَحَ ما قبلها، والياء ساكنة أبداً، فلا يصح أن تقع قبلها، فالتزموا ترك التعويض لعدم تأتِّيه.
وكذلك ما كان نحو: (جَلُولاء) على مذهب سيبويه حيث [لا] تحذف الألف، فتقول: جليلاء، فلا يصح أن تعوض الياء قبل همزة التأنيث؛ لأن همزة التأنيث كألف التأنيث.
ومن الحذف الذي لا تعوض منه حذف الزوائد في تصغير الترخيم؛ لأن الغرض بتصغير الترخيم الاقتصار على الأصول وحذف الزوائد كلها، والتعويض ينافي ذلك.
فهذه أشياء تقتضي قاعدته فيها خلاف حكمها.
والجواب: أن التعويض لما كان فيما آخره ألف التأنيث أو همزته

لا يتأتى نطقاً اتَّكل على ذلك فيه فلم يحتج إلى النص عليه؛ لأن ألف التأنيث في عدم قبلها حكماً تحتص به سيأتي ذكره، وهمزة التأنيث معدودة في المنفصل، وأيضاً فليس مذهبه في (جَلُولاء) ونحوه إلا مذهب المبرد على ما يظهر من كلامه بعد، فلا اعتراض به.
وأما تصغيرُ الترخيم فليس الحذف فيه لأجل إقامة بنية التصغير فيعوض منه، وإنما هذا الحكم فيما حذف لإقامتها، لا فيما حذف مطلقاً، ألا ترى أن (عطاءً) و (سماءً) على مذهب سيبويه لم يعوَّض فيها من المحذوف حين قلتَ: عُطَيٌّ وسُمَيَّة؛ إذ لم يكن الحذف فيه إلا من أجل اجتماع الياءات.
فكلامه صحيح.
ومفهوم كلام الناظم أنه إذا لم يحذف من الاسم شيء في البابين فلا يلحق حرف اللين، وهذا ظاهر؛ لأنه / إنما يؤتى [به] جبراً وعوضاً، وليس ثم ما يجبر ولا ما يعوض منه.
وهذا الذي قرر هنا هو مذهب أهل البصرة.
وقد ذكر في التسهيل في التكسير منه أنه يجوز أن يماثل مفاعيلَ

وشبهه لمفاعل وشبهه مطلقاً فتحذف الياء مما يستحق أن تثبت فيه، وأن يماثل مفاعل لمفاعيل فتزاد فيه الياء لغير عوض إلا في فواعِلَ، فإنه لا يجوز فيه فواعيلُ إلا أن يشذَّ ذلك، فيجوز عنده أن تقول في قنديلٍ: قنادِلُ، وفي بُهلول: بهالِلُ، وفي انطلاقٍ: نَطالِقُ ونحو ذلك، وسواءٌ كان على فواعل أو غير ذلك.
ويجوز أيضاً أن تقول في جعفر: جعافير، وفي درهم: دراهيم إلا في فواعل فإنك لا تقول في هالكة: هواليك، ولا في سابغة: سوابيغ إلا أن يشذَّ.
نحو ما أنشده الفراء: عليها أسودٌ ضاريات لبُوسُهم سوابيغُ بيضٌ لا تُخرِّقها النبلُ وقال الأخطل: .................. وإن تركبوا إحدى الدواهي تركب

وأما ما كان من نحو ما أنشده سيبويه: وكحَّل العينين بالعواور بحذف الياء، وواحده (عُوَّار)، وكذلك ما أنشده من قوله: والبَكَرَاتِ الفُسَّجَ العَطامسا يريد (العطاميس)، ومنه أيضاً: وغيرُ سُفْع مُثَّلٍ يَحَامِمِ جمع (يحموم)، وقول أبي طالب: ترى الودْعَ فيها والرُّخام وزينةً بأعناقها معقودة كالعثاكل

يريد (العثاكيل)، وقول عبيد الله بن الحر: وبُدَّلتُ بعد الزعفران وطِيبِهِ صَدا الدرع من مُسْتَحكِمَات المسامرِ يريد (المسامير) فجائز عنده في الكلام، وكذلك ما أنشده سيبويه من قول الفرزدق: تنفِي يداها الحصى في كل هاجرة نفيَ الدنانير تنقادُ الصِّياريفِ فمد الصياريف جمع صيرف، ويروى أيضاً: (نفي الدراهيم) كذلك بزيادة الياء.
وقال أبو النجم: منها المطافيل وغير المطْفِلِ وهذا كله غير مذهب البصريين في التكسير.
ولم ينص ابن مالك في التسهيل على هذا الحكم في التصغير، فلا أدري هل هو قال بالجواز فيه أم لا؟ وإن ذهب النظر فيه إلى السماع فلا شك أن أكثر ما سمع فيه هذا التكسير.
وقد قالوا - مما هو عنده في التسهيل شاذ -: طابق وطوابيق،

وخاتم وخواتيم، ودانق ودوانق.
وأما التصغير فقلما سمع ذلك فيه، وحكى سيبويه: خُوَيتيم وخواتيم، لكن حكى عن أبي الخطاب: خاتام، فيكون (خُوَيتيم) مصغراً عليه، وقالوا: درهم / ودريهيم، وصغير وصُغَيِّير، وفي عكسه قال الراجز: قد شربتْ إلا دُهَيدِهِينا قُلَيِّصَاتٍ وأُبَيكِرِيْنا وهو تصغير (دَهْدَاه) فقياسه (دُهَيْدِيه).
والمعتمد من هذا كله ما ذهب إليه هنا من أن ذلك كله

مسموعٌ لا يقاس عليه، وهو مذهب سيبويه ومن انتمى إليه، لضعفه من جهة القياس، وقلته من جهة السماع.
وإلى هذا المعنى أشار الناظم بقوله: وحائدٌ عن القياس كل ما خالف في البابين حكماً وُسِمَا يعني أن كل ما جاء عن العرب مخالفاً لما ذكر في البابين معاً: باب التكسير وباب التصغير من الحكم فهو حائد عن القياس، موقوف على محله، والحائد عن الشيء هو الذي مال عنه، وعدل عنه، يقال: حاد عنه يحيد حَيْده وحُيوداً وحَيْدُودة.
وإنما قصد بهذا الكلام التنبيه على ما خالف ما تقدم من الحذف لإقامة بنية التصغير، والتعويض عن المحذوف خاصة، وهو الفصل الذي ختم به باب التكسير، والفصل الذي افتتح به باب التصغير، لا أنه يعني كل ما خالف جميع ما ذكر في البابين من أولهما إلى آخرهما؛ لأنه لو عنى ذلك لكان فاسداً؛ لأنا نعلم قطعاً أنه إنما ذكر من أحكام التكسير وقياساته ما هو الأشهر والمحتاج إليه، وكذلك في باب التصغير لم يورد فيه من الأحكام إلا جملاً ضرورية على مقدار ما نصب إليه نفسه في هذا المختصر؛ إذ لم يقصد فيه استيفاء أحكام النحو فكان يكون هذا الكلام منه يردّ جميع ما ترك ذكره من

أحكامها إلى السماع ونفى القياس، وذلك باطل قطعاً بحسب الأمر في نفسه، وبحسب قصده هو، والله أعلم.
ويمكن أن يكون قصده بهذا الكلام التنبيه على ما جاء من التصغير والتكسير على غير بناء واحده، فيحفظ ولا يقاس عليه.
فمن ذلك في التصغير قولهم في المغرب: مُغَيربان، وفي العشية: عُشَيشية، وفي إنسان: أُنيسيان، وفي ليلة: لُيَيلية، وفي رجل: روجيل، وفي صبية: أُصيبية، وقد بوب على ذلك سيبويه وغيره.
ومن ذلك في التكسير قولهم: رهط وأراهط، وكُراع وأكارع، وحديث أحاديث، وعَروض وأعاريض، ومكان وأمكُن، وناقة وأينُق ونُوق / وموانيق، وبهذا المعنى فسَّر كلام الناظم ابنُهُ، وهو صحيح إذا انضم إلى المعنى المذكور أولاً.
فعلى هذا يدخل تحت هذا النوع من السَّماع وقوع (مفاعل) موقع (مفاعيل) وبالعكس كما ذكره، ويدخل أيضاً تحته مثل ذلك في التصغير كما تقدم ذكره.
ويدخل تحته ما نقل من تكميل ما يحتاج إلى الحذف في البابين

معا.
نحو قولهم: عناكبيت في عنكبوت.
ومن هذا يفهم أنه لم يرتض مذهب الكوفيين في التصغير والتكسير حيث أجازوا التكميل في نحو: سفرجل وكُمَّثرى وباقلَّى وجَرْجرايا، وأشياء ذكرت عنهم لا يقول بها أصلاً، إذ أجازوا في (سفرجلة): سُفَيرجَلَة وسفيرجْلَة وسفيرلة، وفي (كمثرى): كُمَيثرية، كُمَيثرى، وفي (باقلَّى): بُوَيقلة وبويقيلية، وفي (جرجرايا): جُرَيجرْيا وجُرَايجرَايا، وهذا كله كما ترى.


لتلوِ يا التصغير من قبل عَلَمْ تأنيثٍ أو مدتهِ الفتحُ انحَتَمْ كذاكَ ما مدَّةَ أفعالٍ سَبَقْ أو مدَّ سكرانَ وما به التحق لما كان الناظم (رحمه الله تعالى) قد قدم أول الباب أن الرباعي وما فوقه له فُعَيعِيل وفُعَيعِل، وأن ما بعد ياء التصغير يُكسر كما أعطاه مثاله، وكان ذلك حكماً جًملياً لا بد من تفصيله، أراد أن يبين أن ذلك ليس في كل ما زاد على الثلاثي، بل قد يكون ثمَّ أمر آخر وهو عدم الكسر، وإن كان الكسر هو الأصل مثلاً، وكذلك ما كان من الثلاثي قد لحقته تاء التأنيث فصار بسببها على أربعة على الجملة.
و(التلو) هو التالي أي: التابع، و (علم التأنيث) هو علامته.
و (انحتم) معناه وجب، وهو مطاوع حتمته فانحتم.
ومعنى كلامه أن الفتح يجب للحرف الذي يلي ياء التصغير، وهو العين الثانية في (فُعَيعيل) واللام في (فُعَيل) في مثال التصغير إذا وقع ذلك الحرف قبل أحد خمسة أشياء وهي: تاء التأنيث، وألف التأنيث، والمدة المزيدة قبل ألف التأنيث التي صارت بسببها همزة، وألف أفعال الذي هو جمع، وألف فَعلان.
فأما تاء التأنيث فداخل تحت قوله قبلُ: (علم التأنيث) فإن علم التأنيث في كلامه جنسٌ يدخل تحته جميع علاماته ومنها التاء، ومثال

الفتح لأجلها قولك في طلحة: طُليحة، وفي ضربة: ضريبة، وفي علبة: عليبة، وفي سدرة: سديرة.
/ ووجه لزوم الفتح ظاهر؛ لأن التاء ليست من أصل الكلمة، ولا بنيت الكلمة عليها، فهي إنما دخلت لمعناها من التأنيث، والمصغر هو صدر الاسم، لا التاء، وهي لا بد من فتح ما قبلها؛ إذ لا يكون ما قبل تاء التأنيث ساكناً ما عدا الألف، ولذلك جعلوا تاء (أخت وبنت) للإلحاق بقُفْل وعِدْل، لا للتأنيث على ما ذكر سيبويه وغيره، فعاملوا التاء معاملة الثاني من المركبين فصغروا الصدر وألحقوها.
وأما ألف التأنيث فداخلة أيضاً تحت قوله: (علم التأنيث) والفتح لأجلها أيضاً لازم، فتقول في حُبلَى: حُبَيلى، وفي بُشرى: بُشَيرى، وفي ذكرى: ذُكيرى، وفي دِفلى: دفيلى، وفي سلمى: سُليمى، وفي عَلقى: عُلَيقى، وفي غرثى: غُرَيثى، وما أشبه ذلك.
وإنما فتح ما قبلها، وكان الأصل أن تقلب ياءً كما هو قياس التكسير حملاً

لألف التأنيث على تائه؛ إذ كانت الألف علامة له كتاء فعاملوها معاملتها، وأيضاً فليفرقوا بين ألف الإلحاق وألف التأنيث؛ إذ كانوا يقولون في أرطًى: أُريط، وفي ذفرى - منونا-: ذُفير، وفي علقى - منونا-: عُليق، وما أشبه ذلك، فلو قلبوها إذا كانت للتأنيث لالتبست بهذه الألف فتركوا ما قبلها مفتوحاً.
وعلى هذه القاعدة يجري الحكم في (حُبارى) على مذهب سيبويه إذا حذفنا الألف الأولى فإنه يصير من قبيل: ذِكرى وبُشرى، فتقع الألف التي للتأنيث تلي الحرف التالي لياء التصغير، فنقول: حبيرى فليزم فتح الراء.
وأما مدة التأنيث فيعني أن الناظم بها الألف الزائدة قبل همزة التأنيث، وذلك أن الأصل في ألف التأنيث القصر والسكون، فزيد قبلها هذه المدة المذكورة، فوجب لها المد والهمز على ما تقرر في التصريف، وصار الحرفان كالحرف الواحد، وهذه المدة تطلب فتح ما قبلها، وهو ما بعد ياء التصغير؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، فيقول في (حمراء): حُميراء، وفي (صفراء): صفيراء، وفي

(سوداء): سويداء، وفي (صحراء): صحيراء، وفي (عذراء): عذيراء.
وكان الأصل أن تنقلب هذه المدة ياء مع الهمزة كما فعلوا في التكسير، فقالوا: صحارٍ، لكنهم لم يفعلوا ذلك لأن همزة التأنيث شبيهة التاء من جهة التأنيث / وكون الكلمة غير مبنية عليها، وأيضاً فأرادوا أن يفرقوا بين الألف الممدودة المنقلبة عن ألف التأنيث وبين الألف الممدودة المنقلبة عن غير ألف التأنيث، كما فرقوا بين الألف المقصورة التي للتأنيث والتي ليست للتأنيث؛ لأنك تقول في (علباء): عُليبى، وفي (قوباء): قُوَيبى، وفي (حرباء): حُريبى، فلو قلت: حُميرى لالتبس الأمر في الألفين، فرأوا الفرق أولى.
وأما مدَّة أفعال فهو قوله: كذاك ما مدَّةَ أفعالٍ سَبَقْ............... (مدة) مفعول بسبق، و (سبق) صلة ما، و (أفعال) هنا هو الجمع كأجمال وأعدال وأطمار يعني أن الحرف الذي قبل ألف (أفعال)

وهو عين الكلمة حكمه أيضاً لزوم فتحه، فتقول في (أجمال): أُجيمال، وفي (أُعيدال): أُعيدل، وكذلك إذا سميت به تقول: أُفيعال أيضاً، لا أُفيعيل، وإن كنت تقول في تكسيره: أفاعيل، فتقلب الألف ياء.
ولأجل أن (أفعالاً) جمعاً ومفرداً لمسمًّى به حكمهما واحد أطلق الناظم القول فيه، فلم يقيده بكونه جمعاً، فقد نصوا على أن الحكم كذلك: كان جمعاً على أصله، أو مسمى به.
وإنما لم يكسروا ويقلبوا الألف ياء ليفرقوا بينه وبين (إفعال) المفرد المكسور الهمزة؛ إذ كنت إنما تقول في (إسكاف): أُسَيكيف، على قياس أساكيف، بخلاف الجمع؛ إذ كانت صيغة (أفعال) لا تكون إلا جمعاً، ولا تغير بعد التسمية به عن حاله قبل أن يكون اسماً علماً، كما لا يغير (سِرحان) عن تحقيره إذا سميت به.
فإن قلت: إنهم قد قالوا: (أفاعيل) في (أفعال) فليزم على قياسه أن يقال: (أُفيعيل) كما قيل في (سِرحان): سُريحين؛ لأنهم قالوا: سَراحين.
فالجواب أن هذا لو كان كما قلت لقلت في (جمَّال): جُميمال؛ لأنهم لم يقولو: جماميل، وفي (حمَّال): حُميمال، وفي (نجَّار): نُجيجار، ونحو ذلك؛ لأنهم لم يجمعوها على (فعاعيل).
فإنما وجه

جارٍ التحميل