شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 418-457

كعدبَّس وقلمّس والهمرَّجِه والشفلَّح ونحو ذلك والمسألة مختلف فيها فمنهم من زعم أن النون هنا من هذا الباب فلم يشترط الفك ومنهم وهم الأكثر من ذهب إلى أنها ليست منه وإنما هي من زيادة التضعيف وعلى هذا كلام الناظم فيما أشار إليه بالمثال وارتضاه لأن باب التضعيف هو الأكثر والحمل على الأكثر متعين

والثالث أن تكون مخفاة لا مظهرة فإنها إن كانت مظهرة لم تجز زيادتها كما إذا وقع بعدها ما يلزم ظهورُها معه كحروف الحلق فلو بنيت من رَفَع مثل جحنْفل لم يجز لأنك كنت تقول: رفنْعع فتظهر النون والنون هنا لا تظهر البتة وكما لو بنيت من سبح فقلت سبنْحح أو سلخ فقلت سلنْخخ فهذا كله لا يجوز ولو جاء في الكلام مثل فعنْعل أو جلنْحر لم تكن النون في الدعوى إلا أصلية ولهذا منع الخليل ارفْنَعَ من رفع فيما حكى ابن جني عن الخليل بن أسد قال: قرأت على الأصمعي هذه الأرجوزة للعجاج:

يا صاح هل تعرف رسما مكرسا

فلما بلعت: [418]

تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا

قال الأصمعي قال لي الخليل - يعني ابن أحمد - أنشدنا رجل:

ترافع العزّ بنا فارفنععا

فقلت هذا لا يكون! فقال - يعني الرجل المنشد -: كيف جاز للعجاج أن يقول:

تقاعس العزّ بنا فاقعنسا

إلى هنا انتهت الحكاية وشاهدُها نفيُ الخليل ارفَنْعَعَ أن يكون من كلام العرب لأن ارفنعع رَفَنْعَعٌ شيء واحد والعلةُ واحدة

وهذا الشرط لا أعلم أحدا اشترطه قبل ابن جني إلا ما تشعر به هذه الحكاية لهذا لما ذكره وبين علة اشتراطه قال «ولم أر أحدا من أصحابنا ذكر امتناع بناء فعنلى مما لامه حرف حلقي لما يُعقِبُ ذلك من ظهور النون وزوال شبهها بحروف اللين والقياس يوجبه فليكن عليه»

والرابع أن تكون النون لم تضاعف مع العين فإن ضُوعفت خرجت عن انحتام الحكم بالزيادة إلى باب الاحتمال كما إذا جاء مثل عزَنْزَن وفدَنْدَن فإنه محتمل أن يكون من باب غضنفر على الإلحاق به بزيادة النون وتضعيف الزاي والدال مثل عقنقل ومحتمل أن يكون من باب صمَحْمَح ودمكمك [419]

وهذا الشرط لابن جني قال في المنصف «ولو جاء شيء مثل خَزَنْزَنَ وفَدَنْدَنٍ جاز فيه عندي أمران أحدهما أن تكون نونه الأولى زائدة وتجعل الزاءين والدالين عينين مكررين وتجعله مثل هَجَنْجَل، وعَقَنْقَل، وسَجَنْجَل فيكون فَعَنْعَلًا.
والآخر: أن يكون الحرفان الرابعُ والخامسُ مكرّرين بمنزلة تكرير صَمَحْمَح, ودَمَكْمَك، فتكون النون أصلا - يعني تضعيف أصل - لأنها بمنزلة حاء صَمَحْمَح وكاف دَمَكْمَك الأُولَيين، فتكون بمنزلة فعلعل.» قال: «والأمران فيه عندي معتدلان.» قال: «وإنما اعتدلا بإزاء كثرة باب صمحمح ودمكمك وزيادته على باب عقنقل وعَصَنْصَر أن النون ثالثةٌ ساكنةٌ، والكلمة خمسة أحرف، فقام أحد الشيئين بإزاء الآخر» قال: «وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لتغليب أحدهما على الآخر موجب، فإن جاء الاشتقاق بشيء عُمِل عليه وترك القياس».
هذا ما قال وهو حسن.
ونظيره مسألة الاشتغال في العطف على الجملة ذات الوجهين نحو زيدٌ ضربته وعمرو كلمته فإن اعتبرت صدر الجملة الأولى كان الأولى في [420]

عمرو الرفع وإن اعتبرت عجُزها كان الأولى فيه النصب فلما اجتمعا ترافعا في الأولوية فاستوى الأمران وقد رد ابن عصفور على ابن جني هذا المذهب وزعم أن الذي ينبغي أن يقضى على النون بالزيادة يعني زيادة «سألتمونيها» قال لأن زيادة النون ثالثة ساكنة لازمة فيما عُرف له اشتقاق فلا ينبغي أن يجعل بإزائه كونُ باب صمحمح أوسع من باب عقنقل لأن دليل اللزوم أولى من دليل الكثرة ورده ابن الضائع وقال: بل الأولى عندي القضاء بالتضعيف لأنه الأكثر هنا فلا ينبغي أن يجعل الاحتمال فيه بالسواء فالحاصل أنّ هذا الشرط معتمد عند ابن جني وابن الضائع غير مشترط عند ابن عصفور

والخامس أن تكون النون في كلمة خماسية لا أنقصَ ولا أزيَدَ فإن كانت في كلمة رباعية أو سداسية لم تُزد قياسا نحو عنبر ومَنْدَل وعندليب وجِحِنْبار وإنما تزاد مع الدليل إذ لم تكثر زيادتها إلا كذلك

والسادس أن تكون بين حرفين قبلها وحرفين بعدها فتتوسط الكلمة حقيقة فلو لم تكن كذلك لم يُقضَ بزيادتها كقولك هِندِباء وحَنْدَلسٍ وقَنْفَرش ومنه أيضا عندليب وجحنبار إذ فيه مخالفة الشرطين كونها لم تقع في خماسي ولا هي متوسطة.
[421]

فإذا اجتمعت هذه الشروط التي أشار إليها في مثاله فالنون زائدة بلا بد نحو جحنْفَل وعبنْقس وفلنقس وعرندس وجرنفش وعرنتُن وقرنفُل وقلنسُوة وغضنفَر وهو مثال الناظم وهو الأسد ويقال رجلٌ غضنفرٌ إذا كان غليظ الجثة

فإن قلت إن هذا المثال يعطي أيضا أوصافا أُخر وذلك كونه اسما لا فعلا وكونه رباعيَّ الأصول لم يُزد فيه غير النون وكون آخره صحيحا وما أشبه هذا من الأوصاف وهي غير معتبرة إذ كونه اسما لا فعلا غير معتبر باتفاق لأن الشروط المذكورة المعتبرة عندهم موجودة في الفعل فنحو اخرنطم واحرنجم واقعنسس واسحنكك النون فيه زائدة بلا بد على ما يتبين في تعليل ذلك وكونه رباعي الأصول لا معتبر به أيضا فقد حكموا بذلك على ما كان ثلاثي الأصول نحو عقنقل وعفنجج وعصنصر وهجنجل وسجنْجَل وكذلك الفعلُ إذا كان ثلاثيها أيضا نحو اسحنكك واقعنسس وكون آخره صحيحا غير معدود أيضا فقد حكموا بالقانون على ما كان نحو علندًى وقرنبى وحبنطى وسرندى وبلندى وكذلك الفعل [422]

نحو احبنطى وادلنظى واسرندى واحرنبى وما أشبه ذلك وكذلك مماثلة الحركات والسكون غير معتبرة أيضا فكيف يؤخذ له ما تقدم من الشروط بخصوصها دون هذه الأشياء؟ ! وإذا كان كذلك فمن حق الناظم أن لو عين مراده بالإتيان بما يُفهِم الشروط وحدها كعادته في الأمثلة وقد قال في التسهيل «وثالثة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين بعدها» وهذا وإن لم يستوف فيه الشروط فما اعتُرض به لا يدخل عليه

والجواب أن هذه الأوصاف لا اعتراض بها عليه:

أما الأول فإن الأسماء لا مزية لها في هذا المعنى على الأفعال بل الأفعال أحق بالزيادة منها لأنه لها أصل التصريف فإن سلمنا المزية فلا أقل من الاستواء وقد وُجدت الشروط في الأفعال كما وُجدت في الأسماء فلا مانع من دعوى الزيادة وأيضا العلة التي لأجلها حكم بالزيادة في الأسماء موجودة في الأفعال أيضا كما أذكره إثر هذا بحول الله تعالى فلا أثر في المثال لوصف الاسمية

وأما الوصف الآخر وهو كونه رباعيا فأن هذا أيضا غير معتبر من حيث إن الجميع ملحق بسفرجل أعني الرباعي وغيره لكن أحدهما ملحق بالنون فقط وهو الرباعي والآخر ملحق بالنون وزيادة أخرى إما من زيادة التضعيف وإما من زيادة «سألتمونيها» فالجميع داخل في حكم الخماسي الرباعي الأصول وعلى هذا لا يرد وصف صحة الآخر [423]

وأما مماثلة الحركات والسكون فعلة الاشتراط تبيين سقوطه وذلك أن موضع النون إنما أصله للحروف الثلاثة الزوائد وهي الألف والواو والياء نحو ألف عُذافر وجُرافس وقُراقر وسَلالم وزوارق.
واو فدوكس وسرومط وياء سميدع وعميثل والنون حرف من حروف الزيادة مضارع لحروف اللين لما فيه من الغنة وللقرب الذي بينه وبينها مما هو معلوم فألحقوا النون في ذلك بالحروف اللينية الزائدة وإذا كان كذلك فيجب أن تكون هذه النون إذا وقعت ثالثة في هذه المواضع قوية الشبه بحروف المد وإنما يقوَى شبهها إذا كانت ساكنة ذات غنة وعلى غيرهما من الأوصاف المذكورة فإذا كانت متحركة زال كونها غنة من الخيشوم فزال شبهها باللين وكذلك إذا أُدغمت قويت وأخرجها الإدغام عن أن تكون مخرجة من الأنف لأنها تصير إلى لفظ المتحركة وهي من الفم وأيضا لا تشبه اللين إلا إذا بقيت غنتها وإنما تبقى غنتها متى كانت من الأنف وذلك مع الحروف الفموية لا الحلقية كما في جحنفل وبابه فإذًا لو وقع بعدها حرف حلقيّ لزالت صفتها التي بها أشبهت حروف اللين فحملت عليها في الزيادة ولهذا أنكر [424]

الخليل ارفنعع في الحكاية المتقدمة حيث رأى نونه في موضع لا تستعملها العرب فيه إلا بغنة لا غير فأنكره وليس كذلك في جحنفل واقعنسس ونحوهما لأنها قبل السين والفاء وذلك موضع تكون فيه غنّاء مشابهة لحروف اللين

هذه هي العلة في اشتراط تلك الشروط

وأما وجه الشرط الرابع فقد تقدم وما قيل من العلة في الأسماء جارٍ في الأفعال من حيث كان الموضع أيضا فيها لحروف اللين نحو اشهابَبْتُ وادهامَمْت واغدودن واعشوشب واقطوطى واحلولى فزادوا النون في موضعها للشبه المذكور فقالوا احرنجم واسحنكك واحرنبى الديك واسلنقيت وما أشبه ذلك فلم يأتوا بها على غير بقاء الغنة فيها ولهذا المعنى تبيّن أن جميع الأوصاف المفروضة في غضنفر ما عدا ما تقدم ساقط الاعتبار

ومن الدليل على زيادة النون في هذا الموضع أنها وقعت موقع ما هو زائد فينبغي أن يكون مثله وأيضا فالخماسي من الأسماء قليل وما كان على خمسة أحرف وفيه النون الساكنة ثالثة كثير ككثرة ما جاء منه وحرف اللين ثالثة كما مُثِّل والأربعة التي مع النون أصول كشَرَنْبَثٍ وجرنفش وفلنقس فلو كان ما فيه النون ثالثة من بنات الخمسة الأصول لم يكثر هذه الكثرة لما [425]

عُلم من قلة الخماسي لكنه كثر كثرة كاد يسبق بها ما فيه حرف اللين فدل على أنها زائدة مثله وهذا الاستدلال بالأحكام حسن في معناه استدل به ابن جني على صحة المسألة

واعلم أن كلم الناظم بعد هذا معترض من وجهين:

أحدهما أنّ مما ترك ذكره ما يزاد قياسا وذلك مواضع أربعة:

أحدها ما كان على انفعال من المصادر وانفعل من الأفعال نحو انطلق انطلاقا وانصرف انصرافا وانبرى انبراءً وانسكب انسكابا وما أشبه ذلك وهو كثير جدا والمثال يحصره كما يحصر الاستفعال زيادة التاء في الاستدراك والاستكبار على ما ذكره الناظم على إثر هذا

والموضع الثاني نون المضارعة نحو نقوم ونقعد ونركب إذ هي تزاد أيضا قياسا وإنما عددتها اعتراضا عليه لأنه عدّ تاء المضارعة في مواضع زيادة التاء في قوله

وَالتَّاءُ فِي التَّأْنِيثِ وَالْمُضَارَعَةْ...

ولا يعترض عليه - على هذا - بتركه ذكر همزة المضارعة ويائها لأنهما داخلتان في قانون زيادة الهمزة والياء بخلاف هذين فإنهما ليسا بداخلين - أعني النون والتاء - فذكر التاء وترك ذكر النون فكان كلامه ناقصا [426]

والموضع الثالث قال المازني «كلما وُجدت النون في مثال لا يكون للأصول فاجعلها زائدة نحو كنهبُل لأنه ليس في الكلام مثل سفرجُل وكذلك قرنفُل النون فيه زائدة» قال «ومثل ذلك: جُنْدَب وعُنْصَر وقُنْبر لأنه ليس في الكلام مثل جُعْفُر» قال «فهذا بمنزلة ما اشتققت منه ما تذهب فيه النون» فقد عقده المازني كما ترى عقدا قياسيا لا ينكسر له وإن انكسرت بعض أمثلته فإن قرنفُل قد يدخل له تحت قانون زيادة النون ثالثة في الخماسي وأما عُنصَر وجُندَب ونحوهما فقد يلتزم الناظم أصالة النون فيها ما لم يدل دليل على الزيادة لأن فُعْلَلا عنده ثابت وقد عده في أبنية الرباعي المجرد لكن أصل القانون صحيح إذ يدخل فيه نحو كُنْتأل وهُندَلِع وإصفَعِند وعُرُند وما أشبه ذلك وسلّمه ابن جني له ولا شك في صحته أيضا عند الجميع وقد نبّه على هذا في التسهيل

والرابع أنهم يعدون من مواضع زيادة النون المثنى والمجموع على حده فإن زيادتها فيهما لمعناها مطرد لا ينكسر نحو الزيدان والزيدون وقد عدّها أيضا في التسهيل بل أدخل معها نون التوكيد على وجهها ونون الرفع فيما اتصل به من الأفعال ألف اثنين أو واو جماعة أو ياءُ واحدة [427]

مخاطبة ولم يعدّ ذلك هنا مع أنه قد عدّ ما يشبهها من تاء المضارعة وهاء السكت وما أشبه ذلك فكان من حقه حين ذكر بعضها أن يذكر الجميع أو يسكت عن الجميع

فهذه مواضع أربعة فاته ذكرها واقتضى مفهوم كلامه حين تركها الحكم على النون فيها بالأصالة حتى يأتي دليل بخلاف ذلك وهو مفهوم غير مستقيم

والاعتراض الثاني أنه يدخل عليه ما كان نحو دِهقان مما تقدم الألف فيه ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها والنون مع ذلك محتملة للأصالة والزيادة وذلك حيث تكون المادة دائرة بين الرباعية والثلاثية نحو دِهقان فإنه يحتمل أن يكون فِعْلانا من الدَّهق وهو المَلْءُ من قوله تعالى ﴿وكأسا دهاقا﴾ فلا يُصرف إذا سُمّي به لأنه فِعلانُ وأن يكون فِعْلالا من الدَّهْقَنَة وهي الرياسة والإصلاح ومنه قالوا تدهقن إذ لا يجوز تفعلن لأنه وزن معدوم فعلى هذا يصرف إذا سُمّي به ومنه العُربان في البيع يحتمل أن يكون على وزن فُعلان من قولك أعرب عن حجته أي أفصح عنها لأن العُربان إفصاح بصحة عقد البيع وأن يكون فُعلالا لقولهم عرْبَنْته إذا أعطيته العُربان وكذلك البرهان وما أشبه هذا وكله محتمل مع وجود ما شرطه فكان نقضا عليه [428]

والذي يقال في الجواب عن الأول أن ما اعترض به من الانفعال وارد عليه إذ ليس له من كلامه ما يشمله بخلاف الافعنلال والافعنلاء فإنه داخل له تحت قاعدته في عضنفر ولا يقال إن النون فيه ليست بمتوسطة لأن قبلها ثلاثة أحرف وبعدها حرفان فألف الوصل ثالثة فصارت النون فيه مثلها في جحنبار ونحوه وقد أخرجتموه عن الحكم بالزيادة لعدم حقيقة التوسط بين حرفين وحرفين فكذلك يقال في هذا لأنا نقول هذه المصادر جارية في الزيادة على أفعالها وقد علمت أن النون فيها واقعة بين حرفين قبلها وحرفين بعدها وإنما زيدت الألف قبل الآخر في المصدر وهو في الزيادة ثان عن الفعل ولم يبق إلا زيادة الهمزة الوصلية وهمزة الوصل ليست عندهم بمعدودة في نفس البنية لأنها إنما سبقت لأمر عارض في الكلمة وهو سكون أولها فإذا اتصل بها متحرك أو ساكن آخر حذفت نحو ضرب ابنُك وقالوا افعل كذا فليست من البنية في شيء إلا باعتبار ما ولذلك لمّا عد الناظم مواضع زيادة الهمزة لم يتعرض للإشارة إلى همزة الوصل وإنما أتى بها بعد تمام الكلام على حروف الزيادة فصلا على حديه ليُعرَف بذلك أنها ليست مما يعد في هذه الحروف الزوائد إذ لا يعتبر هنا إلا ما كان مبنيا عليه الكلمة حقيقة ولذلك كان أيضا عدهم هاء ارْمِهْ ولم تَرَههْ في حروف الزيادة مشكلا مُعترَضا كما تقدم فإذا تقرر هذا صارت نون الافعنلال وافعنلَل وافعنلى واقعة بين حرفين وحرفين فدخلت تحت مضمون كلامه أما الانفعال وانفعل فليست النون فيه بمتوسطة فكان ورودها عليه متوجها وكذلك ما اعتُرض به من نون المضارعة أيضا ونون التثنية [429]

والجمع والتوكيد والإعراب وارد عليه لأنها مزيدة في الكلمة وليس له من كلامه ما يتضمنُها

وأما ضابط المازني فصحيح في نفسه إلا أنه لا يردُ على الناظم وذلك لأن النون في ذلك القسم من قبيل المحتمل ألا ترى أن تلك الأمثلة غي موجودة في أبنية الأصول ولا في أبنية الزوائد فكَنَهبُلٌ مثلا يحتمل أن يكون وزنُه فَنَعْلُلا والنون زائدة لكنه بناء غير موجود ويحتمل أن يكون فَعَلُّلا والنون أصلية لكنه بناء غير موجود إذ ليس في الكلام مثل سفرجُل فعدم الأول يحكم بالأصالة وعدم الثاني بحكم بالزيادة فتعارض الدليلان فانتظمه قسم المحتملات.
نعم ما ذكره هو المخرجُ لكن بعد ثبوت الاحتمال وقد قال الناظم بعد هذا

وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلَا قَيْدٍ ثَبَتْ... إِنْ لَمْ تَبَيَّنْ حُجَّةٌ كَحَظِلَتْ

فشمل كلامه هذا وأشباهه فلم يكن عليه اعتراض ولم يزت بهذا المعنى في التسهيل مختصا بالنون دون غيرها بل أتى بها قاعدة تشمل النون وما كان مثلها فقال «والزيادة أولى إن عُدم النظير بتقديرها وتقدير الأصالة» ولما قال المازني في قاعدته المذكورة «فاجعلها زائدة» فسره ابن جني بأنه يقول «احكم بهذا من جهة القياس لا من قبل السماع» يعني حمله عند التعارض على أوسع البابين وهو من باب الحمل على أحسن الأقبحين وقد بوب عليه ابن جني في الخصائص [430]

وأما الاعتراض بدهقان فلعمري إنه لظاهر لكن لعل الناظم لم ير إلا الأصالة فيها وعدم الاحتمال لغير ذلك وما أورد الفارسي أو غيره فيها من الاحتمال فضعيف والقاطع فيها ثبوت النون في الفعل فهو لدالّ على أصالتها وعلى أنّ مِثل دهقان في الكلام مما تحتمل نونه على هذا الحد قليل فلم يعتبره والله أعلم

واعلم أن قوله «أَصَالَةً كُفِيْ» يُشعِر بأن الأصالة في هذه النون لا تكون ولا توجد في السماع لقوله كُفِيْ أي صُرفت عنه ولا يقال فيما سمعت فيه الأصالةُ في بعض المواضع ولو على قلة إنه كُفي الأصالة وكذلك هو عند النحويين إذ لم يأت ما ينقض قاعدتهم هنا وكذلك جعل ابنُ عصفور زيادة «سألتمونيها» في نحو فَدَنْدَنٍ أقوى ورد على ابن جني حيث جعلها مقاومة لزيادة التضعيف وحكم بذلك فيها لا على الاحتمال وما ذاك إلا لعدم السماع الدال على أصالتها في بعض المواضع حيث يمنع لزوم الاطراد وإلا فلو كان ثَم سماع ينقض القاعدة وإن كان قليلا لكانت دلالتها من باب دلالة الكثرة والحمل على باب صَمَحْمح من باب دلالة الكثرة أيضا فيتعادلان وإلى هذا المعنى أشار ابن عصفور والله أعلم بقوله «لأن دليل اللزوم أقوى من دليل الكثرة» فجعل النون هنا لازمة الزيادة وقد يُعترض على هذا بقولهم زَوَنْزَكٌ للقصير فإن الفارسي زعم أن الواو فيه زائدة للإلحاق بكَوَأْلل وأن النون لا تكون زائدة قال لأنه [431]

يلزم أن تكون الفاء والعين من موضع واحد وهذا لا يُحكم به ما وُجد عنه مندوحة قال ويلزم منه أيضا توالي زائدتين مختلفتين وهذا لا يكاد يوجد مثل عَفَرْنَى فهذا مما ينقض اللزوم هنا لكن قد أجاب الفارسي عن هذا في أثناء كلامه على المسألة فقال وأما زَوَنَّك فالواو إحدى النون زائدتان فهو من الثلاثة ككَوَأْلل قال فإن قلت إن الواو من زَوَنْزَكٍ والنون زائدة كما أنها من زَوَنَّك كذلك والأولى من النونين من زَوَنَّك هي الزائدة دون الثانية لأنها مثل الذي في جَحَنْفَلٍ وعَفَنْججٍ فكما التقت الواو والنون من زونّك زائدتين كذلك في زَوَنْزكٍ قال فهو وجه قال ويقّوي ذلك أن النون كحروف اللين فيشبه واو عطود وياء هَبَيَّخٍ هذا ما أجاب به وهو استدلال بالنظير ذكر ذلك كله في التذكرة

وَالتَّاءُ فِي التَّأْنِيثِ وَالْمُضَارَعَةْ... وَنَحْوِ الِاسْتِفْعَالِ وَالْمُطَاوَعَةْ

التاءُ هنا مرفوع على الابتداء خبره محذوف لدلالة الكلام المتقدم وتقديره والتاءُ في كذا وكذا زائدةٌ أو هكذا التاءُ في كذا وقوله فِي التَّأْنِيثِ وكذا على حذف مضاف تقديره في ذي التأنيث وهو الاسم [432]

المؤنث وفي ذي المضارعة وهو الفعل المضارع ويعني أن التاءَ تُزاد قياسا في أربعة مواضع:

أحدها أن تلحق علامة للتأنيث أي يُفصل بها بين المذكر والمؤنث فإذا أدخلت عُلم أنّ ما لحقته لأجله مؤنث ووقوعها للتأنيث في موضعين

أحدهما آخرُ الاسم كان جامدا نحو شجرة وامرأة وغرفة وروضة أو مشتقا نحو قائمة وقاعدة ومنطلقة ومستكبرة وكذلك في جمع المؤنث نحو هندات وزينبات وطلحات وثمرات ومتداعيات وما أشبه ذلك

والثاني آخرُ الفعل الماضي نحو قامت وقعدت وركبت واستكبرت

والموضع الثاني أن تلحق في أول الفعل المضارع وذلك قوله «وَالْمُضَارَعَةْ» أي في صاحب المضارعة وهو الفعل المضارع نحو أنت تقوم وهندٌ تقوم وأنتِ تقومين والهندان تقومان وما أشبه ذلك

والثالث الاستفعال ونحو وذلك كل ما كان من المصادر على هذا الوزن نحو الاستكبار والاستعظام والاستطعام والاستقصاء فالتاء في هذه الأشياء زائدة يدل على ذلك الاشتقاق إذ هي من الكِبْرِ والعظمة والطَّعْم القَصَا وكذلك أفعالها نحو استكبَرَ يستكبِرُ واستكبِرْ واستعظَمَ يستعظِمُ واستعظِمْ وما أشبهه فهذا الذي يريد بما كان نحو الاستفعال [433]

والرابع المطاوعة يعني أن التاء تلحق أيضا زائدة ذا المطاوعة وهو ما كان من الأفعال فيه تاءٌ طُووِعَ بها فعلٌ آخر نحو كسرته فتكسّر وقطعته فتقطع وأفعال المطوعة التي فيها التاء خمسة

أحدها تَفَعَّل وهو يُطاوع فَعَّل نحو علّمته فتعلّم وأدّبته فتأدّب وهذّبته فتهذّب وخلّصته فتخلّص وكسّرته فتكسّر وفرّقته فتفرّق وهو كثير

والثاني تفاعل وهو يطاوع فاعَلَ نحو باعدته فتباعَدَ وضاعفتُ الحساب فتضاعف وناولته فتناول

والثالث افْتَعَلَ وهو مطاوعٌ لأَفْعَلَ نحو أنصفتُه فانتصَفَ وأشعلت النار فاشتعلت وأنجزته فانتجز وأضرمت النار فاضطرمَتْ وأوقدتها فاتَّقَدَتْ

والرابع اسْتَفْعَل وهو مطاوع لأَفْعَلَ أيضا نحو أَشْليته فاسْتَشْلَى وأحكمته فاستحكم وأرحته فاستراح وأكنَّه فاستكنَّ وأبهمته فاستبهم وأَبَنْتُهُ فاستبان وأمرَرْته فاستمَرَّ

والخامس تَفَعْلَلَ وما أُلحق به وهو مطاوعٌ لفَعْلَلَ وما ألحق به كل واحدٍ لنظيره فأمّا تَفَعْلَلَ الملحق به غيره فمطاوعٌ لفَعْلَلَ الملحق به غيره أيضا نحو دحرجته فتدحرج وسَرْهفْتُه فتَسرْهَفَ وسربلته فتسربل ومثال نظائرها قولك سلقيته فتَسلْقَى وقَلْنَسْتُه فتَقَلْنَسَ وجلببته فتجلبب وجوربته فتجورب وكذلك سائرها [434]

هذا جملة ما أراده إلا أن عليه فيه دَرْكًا من ستة أوجه

أحدها أنه جعل من أقسام زيادة التاء زيادتها للتأنيث وهو إما أن يريد التي تلحق للتأنيث مطلقا في الاسم والفعل أو التي تلحق الاسم خاصة وعلى كل تقدير فعدُّها مشكل أما في الاسم فإنها زائدة على الكلمة جارية مجرى الثاني من المركبين عند سيبويه وغيره والدليل على أنها كالمنفصلة أنهم لا يعدون ذا التاء من الأبنية مغايرا لما هو على وزنه مما لا تاء فيه نحو فَعَلٍ وفَعَلَةٍ مثلا كطَلَلٍ وشجرة بل الجميع فَعَل وإنما يعدون البناء ذا التاء على شكله إذا لم يأت له مثال دون تاء الرَّحْرَحَة والشمللة ونحو ذلك وذلك بحكم الاتفاق لا لأنه بالتاء بناء على حدة وهذا المعنى أظهر في الصفات نحو قائم وقائمة وأما في الفعل فالتاءُ أبعدُ من الاعتداد بها فيه فكان عده تاء التأنيث في المزيد في الأبنية مشكلا وإنما يعتد بتاء التأنيث لو كان المؤلف قائلا به في تاء كلتا على مذهب الجرمي حيث زعم أن التاء للتأنيث وأن وزنه فَعْتَل فمثل هذه التاء هي التي [435]

تبنى عليها الكلمة لكن الناس رموه في هذا المذهب عن قوس واحد بالرد لمذهبه فيه فهذا فيه ما ترى

والثاني على تسليم ما قرر لم يعم بهذا الحكم أقسام التاء إذ لها أقسام نحوٌ من أح عشر قسما هذا أحدها كما قالو إنها تقع فارقة بين الواحد والجنس كثمرة وثمر وتقع عوضا من محذوف كجحجحة مع جحاجيح وكذلك التاء في عدة وزنة هي عندهم عوض من حرف الفاء وتقع فارقة بين الجمع والواحد نحو دُرّة ودُرّ وسفينة وسَفِين وتقع دالة على النسب نحو المهالبة والمناذرة وتقع لغير ذلك حسب ما هو مبسوط في مواضعه ومن جملة أقسامها وقوعها فارقة بين المذكر والمؤنث

والثالث على تسليم أن التاء إنما تكون للتأنيث فقط ليست زيادتها لذلك بقياس إلا في الصفة خاصة على ما قرر هو في باب التأنيث وأما التفرقة بها في الأسماء الجوامد فموقوف على السماع وهو لم يخص تأنيثا من تأنيث فاقتضى القياسَ في قسمي الجامد والصفة وذلك غير صحيح وأيضا فوقوعها لغير التفرقة غير مقيس أيضا وقد تقدم ذلك كله فكان إطلاق القول بزيادتها مشكلا

والرابع أن التاء اللاحقة للمضارع ليست مما يعدّه النحوي في هذا الفصل لكون زيادتها من قبيل المسموع وإنما يتكلم النحوي هنا فيما لم يكن فيه دليل من اشتقاق أو تصريف أو غيرهما والتاء هنا لازمةُ السقوط في الماضي فهو الدال على زيادتها وقد جعل ابن الضائع التاء مما لا يزاد إلا [436]

بالسماع في جميع مواضعه ثم نكّت على ابن عصفور في هذا المعنى فقال ومن قسّم التاء فقال إنّ لها قسما يُقضى عليه بالزيادة أبدا ومثل بحرف المضارعة فليس ذلك كقولنا في الهمزة أولا وفي النون ثالثة كجحنفل فإن حرف المضارعة أبدا ساقط في الماضي ونحن نريد بذلك إذا لم يكن دليل من اشتقاق أو تصريف قال فهذا تقسيم لا يحتاج قال وفيه إيهام أنّ التقسيم في الموضعين واحد وليس كذلك فليس للتاء موضع يحكم عليه فيه بالزيادة وإن لم يقم دليل على ذلك من اشتقاق أو تصريف فالناظم قد أثبت عين ما نفاه ابن الضائع واعترض على من عده من المقيس وهو اعتراض عام على جميع ما أتى به هنا إذ القسم الذي أثبته ابن عصفور ذكر فيه تاء المطاوعة والمضارعة والاستفعال والتأنيث حتى كأنّ الناظم إنما نظم محصول كلامه في القسم الذي جعله مقيسا فالنقدُ لا شك واردٌ عليه في جميع الأقسام على هذا

والخامس أنّ تمثيله بالاستفعال هنا لا يُعطي محصولا ولا مقصودا وبيان ذلك أنه مثالٌ من الأمثلة الموزون بها والموزونُ إذا أريد وزنُه لا بدّ في عمل ذلك من مقابلة الأصلي منه بالأصلي من الفعل أعني من الفاء والعين واللام وترك الزائد على لفظه وهذا لا يكون إلا بعد معرفة الأصلي من [437]

الزائد في الموزون فتعلمَ أنّ التاء في الاستكبار زائدة وكذلك السين وحينئذ نضع له وزن الاستفعال وقد فرضنا أن الناظم إنما جعل لمعرفة الزائد مثال الاستفعال فصار هذا دورا لا يتحصل وهذا كما لو قال في زيادة الهمزة أكل ما كان على وزن أَفْعَل فالهمزة فيه زائدة فهو لا يُحصِّل من معرفة زيادة الهمز شيئا لأنه دور تقدم وأذكر أن شيخنا القاضي أبا القاسم الشريف رحمه الله أورَدَ هذا المعنى عليه في التسهيل وهو وارد عليه صعبُ الجواب

والسادس على تسليم صحة القانون في الاستفعال هو داخل تحت عموم المطاوعة إذ قد تقدّم أن استفعل يطاوع أفعل نحو أبهمته فاستبهم وأبَنْتُه فاستبان وما أشبه ذلك وإذا كان داخلا في أحد الأقسام كان التقسيم غير صحيح لتداخل بعض الأقسام في بعض لا يقال إنّ الاستفعال يأتي على أقسام من جهة المعنى منها المطاوعة كما تقدم ومنها الطلب كاستعان واستوهب واستغفر واستطعم واستسقى وللتحول كاستنْسَر البُغاثُ واستنوق الجملُ واسْتَتْيَسَتِ العَنْزُ واستحجر الطينُ وللاتِّخاذِ كاستعبد عبدا واستأجر أجيرا واستفحل فحلا واستعدّ عُدَّة ولإلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه كاستعظمته إذا وجدته عظيما واستصغرته واستكثرته واستقللته واستحسنته واستقبحته ولمعان أُخر غير هذه [438]

فلو اقتصر على ذكر المطاوعة فقط لم يدخل له الحكم بزيادة التاء في هذه الأقسام كلها فكان تجريد المثال وذكره بخصوصه ضروريا لأنا نقول كذلك سائر أقسام المطاوعة ليست بمقتصر بها على هذا المعنى فقط بل تأتي لمعان أخر فأم تَفَعَّل فتأتي لمعنى التكلّف كتحلّم وتشجّع وتسخّى وتصبّر إذا تكلف الحلم والشجاعة والسخاء والصبر وللتجنب كتأثّم وتحرّج وتهجّد إذا تجنب ذلك وللصيرورة كتأيّمت المرأة إذا صارت أيِّما وتكبّد اللبن إذا صار كالكبد وتجبّن صار جُبنا وتحجّر الطين وللتَّلَبُّس بمُسمَّى ما اشتقّ منه كتقمّص وتأزَّر وتدَرَّعَ وتعمّم وللعمل في مهلة كتبصّر وتفهّم وتعرّف وتسمّع وتجرّع ولغير ذلك من المعاني وأما تفاعل فتأتي لمعنى الاشتراك في الفاعلية لفظا وفيها وفي المفعولية معنى كتضارب زيد وعمرو فإنهما شريكان في الفاعلية في اللفظ فلذلك رفعا وهم في الحقيقة مشتركان معها في المفعولية إذ كل واحد منهما فعل بصاحبه مثل ما فعل به الآخر.
ولتخييل فاعل الفعل كونه فاعلا نحو تغافل وتجاهل وتمارض وتباله إذا ظهر بصورة ذلك وليس به ولغير ذلك وأما افتعل فتأتي للاتخاذ نحو اذَّبَحَ واطّبخ واشتوى وللتسبب في الشيء والحركة فيه كاعْتَمَل واكتسب وللتخيير نحو اقتنى وانتخب واصطفى ولعمل العامل بنفسه نحو اضطرب وارتعد وارتعش واختتن واستاك وادّهن ويأتي لغير ذلك وأما تَفَعْلَل وما لَحِق به فهو الذي لا يأتي [439]

على ما زعم في التسهيل إلا لمطاوعة فَعْلَلَ تحقيقا أو تقديرا فهو الذي لا يحتاج إلى تخصيصه بذكر بخلاف سائرها فكما ذكر الاستفعال بخصوصه لأجل ما يلحقه من التاء الزائدة في الدلالة على تلك المعاني فكذلك كان يجب أن يذكر البواقي فلو قال مثلا

والتاء في التأنيث والمضارَعَةْ... ونحو الافتِعالِ والمُطاوعَةْ كذاك في التَّفْعِيلِ والتَّفْعالِ... كذا مَعَ السِّين في الاستفعال ومثلها تَفاعُلٌ تَفَعُّلُ... واختُصَّ بالمطاوِع التَّفعْلُلُ

لم يبق له شيء مما يحتاج إليه

فإن قيل لم يُرِد أن يذكر هذه الأشياء كلها وإنما أراد ذِكر المطاوعة فقط وقد دخلت له تحت لفظ المطاوعة

فالجواب أن الاستفعال أيضا كذلك فلم جرّده بالذكر؟

فإن قيل إنما خصّ الاستفعال بالذكر لما فيه من خصوصية زيادة السين وهذا هو الظاهر منه

فالجواب أنه لا يُفهم له ذلك البتّة من محصول كلامه لأنه إنما تعرّض للتاء وأنها تُزاد في هذا المثال وبقيت السين فيه مسكوتا عنها فإذا جاء طالبٌ يطلب زيادة السين في هذا الفصل لم يجدها أصلا ولم يجد لزيادتها موضعا معيّنا وقد مرّ التنبيه على هذا أول الفصل فإنما الذي كان [440]

يطّرد على طريقته في عقد هذه المسألة ما كان نحو هذه الأبيات التي ذكرتُها آنفا مع أنّ ذكر المطاوعة فيها فضلٌ والاستغناء بالأمثلة كان أولى لكني اتبعتُ لفظه في نظمها فزدتُ آخرا أن التَّفَعْلُلَ هو المختصّ بمعنى المطاوعة بخلاف غيره فإنه لا يختص بها بل يأتي لها ولغيرها كما تقدم وانظر في التسهيل وشرحه وقد اقتصر في التسهيل في هذه المسألة على مجرّد الأمثلة ولم يذكر المطاوعة وهو أضبط لما قصد ضبطه فالحاصلُ أن هذا المسألة لم يُوردها على ما ينبغي

والجواب عن الأول من وجهين

أحدهما أن الناس قد عدّوا تاء التأنيث اللاحقة للاسم والفعل في أنواع التاء المزيدة وأولهم في ذلك سيبويه إذ قال «وأما التاء فتؤنث بها الجماعة نحو منطلقات وتؤنّث بها الواحدةُ نحو هذه طلحةٌ ورحمةٌ وبنتٌ وأختٌ» فعدّها كما ترى في باب حروف الزوائد وتبعه على هذا الناس

والثاني أن تاء التأنيث وإن عدّت كالمنفصلة من وجه فقد عدّت من وجه آخر كالمتصلة المبني عليها ألا تراهم جعلوها في آخر الاسم محلا للإعراب ولا يقع الأعراب إلا على ما هو جزء لا ما هو منفصل ولذلك لم يعدوها من حروف المعاني وأخرجها وما أشبهها في التسهيل عن كونها كلمة بقوله لفظ مستقل... إلى آخره على ما هو مبسوط في شرحه فهذا الذي اعتبر الناظمُ في عدها هنا [441]

والجواب عن الثاني أن جميع الأقسام داخل له تحت إطلاق لفظ التأنيث لأن التاء في جميع أقسامها دالة على التأنيث وإن اختُصّت مع ذلك بالدلالة على شيء آخر قال الفارسي في التذكرة «هذه التاءُ وإن اختلفتْ معانيها وكان منها ما يدلّ على الواحد من الجنس نحو جراد وجرادة ومنها ما يدل على العجمة نحو الموازجة والسبابجة ومنها ما يدل على النسبة نحو المهالبة ومنها ما يكون بدلا من حرف كان يلحق الكلمة نحو زنادقة فكلها تجتمع في أنها علامةُ تأنيث ألا ترى أنك إذا سمّيت بشيء من هذه الضروب التي تلحقها الهاء مع اختلافها اتّفقت في أنها لا تصرف في المعرفة فهذا يدل على أنه كالشيء الواحد والقبيل المفرد ومن ثَمَّ لم يجُزْ أن تدخل في أوصاف القديم سبحانه نحو علّامة لأنّ لحاقها للتكثير لم يخرجها عن أن تكون للتأنيث» هذا ما قال وهو حسن فدخل إذًا قسمُ التاء الفارقة بين الجنس ومفرده وغيره من الأقسام في تاء التأنيث

والجواب عن الثالث أنّ النظر في القياس أو عدمه ليس بالنسبة إلى المزيد نفسه بل بالنسبة إلى تعَرُّف قانون الزيادة فالتاء إذا أُنِّثّ بها في أي موضع كانت مزيدة بلا بُدّ ولا يُوجد تاء التأنيث غيرُ مزيدةٍ البتّة كما تقول إذا وقعتِ الهمزةُ أولا بعدها ثلاثة أحرف أصول فاقض عليها بالزيادة ولا يلزم من هذا كونُ الهمزة تلحقُ الكلمة قياسا بل لا نظر هنا في ذلك أصلا [442]

فكذلك تقول هنا كل تاء للتأنيث وقعت في كلام العرب فاقض عليها بالزيادة كان وقوعها في الكلام قياسا أو سماعا فالقضاء بالزيادة هو المستتبّ ولحاقها يختلف الحال فيه كسائر ما يُزاد وقد نصّوا على أن زيادة النون في الخماسي ثالثة ليس بقياس وإنما يتلقى من أفواه العرب مع أن الحكم بزيادتها قياس مطرد فالحاصل أن الاعتراض من قبيل المغالطة!

والجواب عن الرابع أن الناس قد عدّوا التاء في المضارع من قبيل أقسام زيادتها وكونُ هذا القَسمِ مما لازمه السماع لا يخرجه عن دعوى الاطراد فيه ولا عن جعله من قبيل المقيس إذ قولُ القائل إنّ كلّ تاء في المضارع زائدة صحيح وهو الذي أراد بيانه وكذلك سائرُ الأقسام وما ذكر من الإبهام قريب لا محذور فيه

والجواب عن الخامس من وجهين

أحدهما أنه اتّبع سيبويه وغيره في ذلك إذ عادتهم التجوّز في تعريف القانون بالمثال قال سيبويه «وأما السين فتزاد في استَفْعَلَ» ولم يزد على هذا لكن قد يُسمح لسيبويه ولمن كان مثله في مثل هذا إذ مقصوده حاصل على الجملة وأما الناظم فلم يَبْنِ في عبارته على سذاجة أولئك وإنما بنى على التحذّق في العبارات وضمّ أطراف الألفاظ وإيرادها من تحت النظر والامتحان فهو جدير بألا يُسامح في هذا وأشباهه! [443]

والثاني ما اعتذر به شيخنا القاضي رحمه الله من أنه قصد بالتمثيل عادته من إرادة الهيئة والوضع فكأنه يقولُ التاءُ تزادُ أيضا إذا وقعت ثالثةً لألف الوصل وبينهما السين كما في هذا المثال فيدخلُ له كلُّ ما كان نحوه مما فيه التاء ثالثة لألف الوصل كالاستكبار والاستعلام وكذلك الماضي منها وأما المضارع فيجري على حكم المصدر لأنه فرع عن المصدر ثم قال رحمه الله لكن هذا على مسامحة في العبارة وقد كنتُ فيما أحسب قلتُ له وقتَ قراءتنا عليه هذا الموضع من التسهيل وقد أُورِدَ عليه السؤال لعلّه لم يُرِدْ نفس المثال المعيَّن وإنما أراد معناه كأنه يُريدُ بالاستفعال معناه بالوضع وهو طلبُ الفعل مثلا فالاستعلام طلبُ العلم والاستخبار طلبُ الخبر وكذلك سائر معانيها وكأنه يقول حيث وُجد فيما كان على هذا المثال هذا المعنى فالتاءُ فيه زائدة وهكذا سائر ما مُثّل به من الانْفِعال والافْعنْلال والافْتِعال والتَّفْعيل وما ضارع ذلك فكأنّ القاضي رحمه الله استحسن هذا المنزع واستملحه في الوقت ولكن لا أرتهنُ الآن في صحّته بعد الامتحان والذي قيدتُ عنه ذلك الوقت ما اعتَذَر هو به فهذا جارٍ على كلامه في هذا النظم والمسألة واحدة

وأما الاعتراضُ السادسُ فهو متمكّن.

وَالْهَاءُ وَقْفًا كَلِمَهْ؟ وَلَمْ تَرَهْ... وَاللَّامُ فِي الْإِشَارَةِ الْمُشْتَهِرَةْ [444]

يعني أن الهاء تزاد قياسا في الوقف وأعطى ذلك أنها لا تزاد في غير الوقف إلا بالسماع والأمر كذلك ثم مثّل ذلك بقوله كَلِمَهْ ولَمْ تَرَهْ فلِمَهْ من قولك لِمَ تفعلُ كذا؟ ومثل ذلك عَمَّه؟ وفِيمَهْ؟ وبِمَهْ؟ ومِمَّهْ؟ وعلامَهْ؟ وإلامه؟ وحتّامه؟ وما أشبه ذلك ولم تَرَه هو وقفُك على لم تَرَ زيدًا وكذلك لم يَغْزُهْ ولم يرْمِهْ ولم يخشَهْ وذلك كلُّه مذكور في بابه فلا يُطوَّلُ بذكره وقد تقدّم مذهبُ أبي العباس في هذا وأنّ الناظم اتبع في إثبات زيادة الهاء مذهب سيبويه والجمهور ومرّ الاحتجاج للفريقين وبالله التوفيق

ثم قال «وَاللَّامُ فِي الْإِشَارَةِ الْمُشْتَهِرَةْ» يعني أنّ اللام أيضا تزاد في أسماء الإشارة فهو على حذف المضاف فتقول في ذاك: ذلك وفي تاك: تالِك وفي هناك: هنالك وفي أولاك أولالِك قال الشاعر أنشده ابن السكيت

أولالك قومي لم يكونوا أُشابةٍ... وهل يعظُ الضِّلِّيل إلا أُولالكا

وإنما جعلوا اللام هنا زائدة لسقوطها في بعض تصاريفها [445]

فإن قيل ولعلها لغات ثابتة ليست إحدى اللغتين من الأخرى ويدلّ على ذلك أنها مبنيات شبيهة بالحروف في أصل الوضع فالأصل أن لا تصرُّف لها إلا بالسماع فمتى احتمل أن تكون على غير جهة التصرّف الثابت للأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة فهو الأولى لأن الأصل فيها عدمُ التصرف وإلا فلْتدَّعوا أن الهمزة في أولاء وأولائك زائدة لقولهم أولى وأولاك

والجواب أن الأئمة عدّوا اللام من الزوائد هنا ووجهُ ذلك أن أسماء الإشارة قد ثبت لها من التصرّف ما لا ينكر معه دعوى الزيادة فيها كالتثنية والتصغير ووقوعها صفات وموصوفات وغير ذلك من الأحكام الخاصة بالمتصرف فلذلك صحت دعوى الزيادة فيها والله أعلم

وقوله الْمُشْتَهِرَةْ يحتمل أن يكون مرفوعا نعتا للام كأنه قال واللامُ المشتهرةُ في الإشارة وأن يكون من نعتِ الإشارة فيكون مجرورا وهو أظهرُ وهذا اللفظ إنما هو زيادة بيان لو أُسقِط لم يُحتَج إليه

وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلَا قَيْدٍ ثَبَتْ... إِنْ لَمْ تَبَيَّنْ حُجَّةٌ كَحَظِلَتْ

هذان الشطران يذكر فيهما حُكًا كُليا في جميع ما تقدم في فصل الزوائد فقوله «وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلَا قَيْدٍ ثَبَتْ» يعني به أن الكلمة التي يدخلها التصريفُ إما أن تتوفر فيها القيود المذكورة بالنسبة إلى الحرف [446]

الذي اشتملت عليه وإما ألّا تتوفر بل تخلُو عنها أو عن بعضها فإن خَلَتْ من جميع القيود المذكورة في الحرف أو من بعضها فلا بُدَّ من منع الحكم بالزيادة

وقوله «بِلَا قَيْدٍ» متعلق باسم فاعلٍ هو صفة لزيادة، و «ثَبَتْ» في موضع الصفة لقيد أي امنع زيادةً كائنة بغير قيد ثابت فيما تقدم

وقوله «إِنْ لَمْ تَبَيَّنْ حُجَّةٌ» شرطٌ في منع الزيادة في الحرف الخالي من القيد يريد أن الحرف الخالي من القيد أو من القيود على قسمين

أحدهما ألّا تقوم على زيادته حجة من خارج فهذا ممنوع من دعوى الزيادة فيه لأنّ قيود الزيادة وشروطها لم تتوفر فيه ولا جاءت حجة من خارج أدخلته في باب الزيادة فلم يكن لدعوى الزيادة فيه وجه فلا بد من رده إلى باب الأصالة

والثاني أن تُبيِّن حجةٌ كون الحرف زائدا وإن خلا من القيود المذكورة أو من بعضها فمفهوم الشرط يقتضي أن يُعملَ على مقتضى لتك الحجة من ادعاء الزيادة إذ لا بد من اتباع الدليل ومثل ذلك بقوله «كَحَظِلَتْ» وذلك أنّ هذا الفعلَ من قولهم حَظِلتِ الإبلُ: إذ أكثرَتْ من أكل الحنْظل فهي حَظِلَةٌ وحظالى أيضا فهو دليل على زيادة نون الحنظل لأن هذه الكلمة قد وقعت فيها النونُ وأصلُ القاعدةِ في زيادة النون يمنع زيادتها هنا لأن لفظ الحنظل رباعيّ لا خماسيّ والنون غيرُ متوسطة بين حرفين قبلها وحرفين [447]

بعدها فقد تخلّف فيها بعض ما تقدم من الشروط فكان ذلك يقضي بمنع الزيادة وأن تقول بأصالتها فتكون الكلمةُ رباعيةَ الأصول على وزن فَعْللٍ كجعفر لا على وزن فَنْعَلٍ لكن جاء من كلام العرب ما يدل على أن النون عندهم زائدة وهو أنهم قالوا من الحنظل: حَظِلَتْ فأسقطوا النون من بعض مُتصَرِّفات الكلمة فدلّ على زيادتها وأن وزن الكلمة فَنْعل لا فَعْلَل إذ لو كانت أصلية لقالوا حَنْظَلت الإبل فلم يسقطوها لأنهم يحافظون على الأصلي ألّا يسقط في التصريف وهذا دليل تصريفي لا اشتقاقي إذ هو استدلال بالفرع على الأصل لأن الحنظل هو أصل حظلت فالفعل راجع إليه في الاشتقاق وهذا ظاهر

وقد أشعر هذا الكلام بقاعدةٍ وهي أنّ ما ادُّعِي فيه الزيادةُ بتلك القيود المتقدمة ليس مما ثبت بالسماع أو دليلٍ من الأدلة بل هو مما لم يثبُتْ فيه دليل فيُحمل بالاستقراء على ما دلّ عليه الدليل من اشتقاق أو تصريف فقولهم مثلا إن النون إذا وقعت آخرا بعد الألف وقبل الألف ثلاثة أصول فأكثر حُكم بزيادتها معناه فيما لم يثبت فيه شيء فنحن نحملُه على ما صحّ عندنا بالاستقراء وذلك أنّ ما كان من النونات على تلك الحال فإنما هي زائدة فيما عُرِف له اشتقاق أو تصريف فنحكم على ما لم يكن له اشتقاق ولا تصريف بذلك الحكم حملا لما جُهل على ما عُلم ولا نخرج به عن هذا الحكم [448]

لأنه خروج إلى غير أمر معلوم وكذلك سائر ما ذُكر في حروف الزيادة من القوانين والذي دلّ على هذا المعنى من كلامه أنه قال «وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلَا قَيْدٍ ثَبَتْ... إِنْ لَمْ تَبَيَّنْ حُجَّةٌ» فشَرَطَ في الحكم بالزيادة عدم بيان الحجة ولو كانت القيود المذكورة فيما عُرف اشتقاقه أو عُرف له تصريف يبيّنه لم يصح هذا الكلام إذ لا يتعارض هنا دليلان اشتقاقيّان أو تصريفيّان على الكلمة الواحدة وإن اتُّفق أن يتعارضا فلا يُقال بالركون إلى أحدهما دون الآخر إذا ثبتا معا وإنما يصحّ هذا إذا كانت القوانينُ المتقدمة إنما تنتظم ما لم يقُم فيه دليل سوى الحمل على ما عُرف اشتقاقه أو تصريفه ومن هنا أيضا يكون ما سوى الاشتقاق والتصريف من الأدلة معتبرا هنا ولو كان ما تقدم ثابتا بهما لم يراع غيرهما في حكم ولا ترجيح

وإذا تقرر هذا بقي مما يتعلق بكلام الناظم النظر في طرفين:

أحدهما ي أصناف الحُجج المعتبرة المحتاج إليها في الخروج عن القاعدتين وهما الحكمُ بالزيادة فيما توفرت فيه القيود المذكورة ومنعُ الحكم بهما فيما لم تتوفر فيه

والثاني في جملةٍ مما خرج عنهما في الحروف المتقدمة وبهما يتمُّ تفسير كلامه وبيان مراده بحول الله تعالى

فأما النظر الأول فاعلم أنّ الأدلة التي يَستدِلُّ بها التصريفيون على الأصالة والزيادة تسعة وإن شئتَ فقل عشرة: [449]

أحدها الاشتقاق وهو على قسمين أصغر وأكبر فالأصغر ردُّ الكلمة في دلالتها على معناها إلى مادتها ليُتَحقَّق بها لفظًا ومعنى وذلك أنّ الكلمة لها دلالتان دلالةُ مادةٍ ودلالةُ صيغةٍ إلا أنّ دلالة الصيغة مبنية على دلالة المادة فهي الأصل لدلالة الصيغة فالاشتقاق يردّ الكلمة إلى أصلها وهي المادةُ الدالة التي هي الفاء والعين واللام وقوله «ليُتَحقَّق بها لفظًا ومعنى» بيان للعلة التَّمامِية في الاشتقاق وهي أن تصير الكلمةُ عن الناظر فيها محقَّقة اللفظ من جهة الأصالة والزيادة والصحة والإعلال وشبه ذلك ومحقَّقة المعنى من جهة معرفة دلالة المادة من دلالة الصيغة وكيف ارتبطت الدلالتان حتى حصل تمامُ معنى الكلمة فيصير عالما بها من كل الجهات هذا هو الحد الذي ارتضيتُه في كتابي المسمى بعنوان الاتفاق في علم الاشتقاق

وأما الأكبر فهو الحد بنفسه إلا أنك تُعوِّض من قولك «مادتها» قولّك «حروفها الأول» وإنما كان ذلك لأن المادة أخص من الحروف الأول فإذا قلت مثلا إن الأَوْلَقَ مشتق من وَلَقَ إذا أسرعَ والأَوْلَقُ الجنون وهو موصوف بالسرعة فقد رددت الأولق إلى مادته التي بُني منها وهي د ل ق ويصح لك أن تقول إنك رددته إلى حروفه الأول وإذا قلت إنّ اقلولى مشتق من وَلَق لأنّ الاقليلاء الخفّةُ والطيش من الكِبْر وهي سرعةٌ ظاهرة فقد [450]

رددته إلى حروفه الأُوَل وهي الواو والقاف واللام مطلقا من غير مراعاةِ ترتيبها وهذا في الإطلاق صحيح بخلاف ما إذا قلتَ إنك رددتها إلى مادته لأن المادة إنما تُطلق اصطلاحا على الحروف مرتَّبا بعضُها على بعض فمادةُ الاقليلاء: ق ل ووليست في الترتيب كمادة ولق التي هي: ول ق فليست ول ق للاقليلاء وإنما هي حروفها مطلقا وبهذا المعنى بيّن ابن جني كل واحد من الاشتقاقين فقال في حد الأصغر: هو أن تأخذ أصلا من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صِيَغُهُ ومبانيه وقال في الأكبر: هو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا تجمع فيه التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه وإن تباعد شيء من ذلك عنه رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل إليه وقد حُدَّا بحدود أُخَر لا حاجة إلى ذكرها والمستعمل في التصريف الجاري على ألسنة أهله هو الأصغر وحده وهو الذي يُعتمد عليه باتفاق منهم

والثاني من الأدلة التصريف وهو على قسمين تصريف عربي وتصريف صناعي

فالتصريف العربي هو إبراز المادة في صُوَرٍ مختلفة لتدل دلالة إضافية تفصيلية على ما دلت عليه المادة دلالة مطلقة إجمالية وذلك أنّ المادة الأولى إنما تدل على معناها الذي وُضعت له دلالة مجملة لا مُفصَّلة ومطلقة لا مُقيَّدة بشيء ولا مضافة إلى شيء ولا إلى اعتبارٍ ما دون اعتبار بل هي مطلقة بحسب الأزمان والأمكنة والفاعلين والمفعول بهم والأحوال والأنواع وغير ذلك من الاعتبارات فالتصريف يُبرز تلك المادة في أبنية مختلفة دالة على أمور [451]

تضاف إليها دلالة تلك المادة وتُقيَّد بها وتُنوَّع بحسب وضع تلك البنية للمعنى الذي دلت عليه فتصير تلك الأبنية تدل على معنى المادة على التفصيل فمادة ع ل م مثلا دالة على معنى العلم مطلقا فإذا أبرزته في نبية «عالم» دلت على علم اتصف به ذات من الذوات أو في بنية «معلوم» دلت على علم مُتعلق بماهيّة من الماهيات أو قلت «عَلِم» دلت على عِلم مُقيَّد بفاعل في الزمان الماضي وكذلك إلى آخر ما يقال في ذلك

وأما التصريف الصناعي فهو الذي حده ابن جني وغيره بأنه بناؤك من حروف الكلمة على وزان ما شئت من الأبنية على الحد الذي يقتضيه قياس كلام العرب كبنائك من ضرب مثل جعفر أو قمطر أو سفرجل أو دحرجَ أو ما أشبه ذلك

وهذا الثاني ليس من الأدلة وإنما المعتبر في الأدلة هو الأول كما تقول إنّ «أَيْصر» وزنُه فَيْعَلٌ لا أَفْعلٌ بدليل جمعه على إصَارٍ [452]

وكذلك أَيْطَلٌ بدليل إطْلٍ وكذلك أحمرُ همزته زائدة بدليل جمعه على حُمْرٍ ومن هذا كثير وهو والاشتقاق منعكسان في الدلاة فالاشتقاق يُستدل به بالأصل على الفرع والتصريف يُستدل به الفرع على الأصل

والثالث الكثرة وهو أن يكون الحرفُ في موضع ما قد كثرت زيادته فيما عُرف له اشتقاق أو تصريف ويقل وجوده أصليا فيه فيجعل ذلك الحرف في ذلك الموضع زائدا إذا لم يُعرف له اشتقاق ولا تصريف حملا على الأكثر وذلك كالهمزة الواقعة أولا بعدها ثلاثة أحرف أصولٍ فإنها كثرت زيادتُها فيما عُرف له اشتقاق أو تصريف نحو أحمرَ وأصفرَ إلا ألفاظا يسيرةً فإن الهمزة فيها أصلية كأرطى دل على ذلك التصريف من قولهم أديم مأروط فإذا جاءت الهمزة فيما لا اشتقاق له ولا تصريف نحو أفْكلٍ وجب حملُها على الزيادة وأن لا يلتفت إلى أرطى وأخواته لقّلتها وكثرة باب أحمر

والرابع اللزوم ومعناه أن يكون الحرف في موضع ما قد لزم الزيادة في جميع ما عُرف له اشتقاق أو تصريف فإذا جاء ذلك الحرف في ذلك الموضع فيما لا يُعرف له اشتقاق ولا تصريف حُكم له بالزيادة حملا على ما ثبتت زيادته فيه بالتصريف أو الاشتقاق كالنون الواقعة ثالثة ساكنة بين [453]

حرفين قبلها وحرفين بعدها لما تقدم ذكره فإنها أبدا زائدة فيما عُرف اشتقاقه أو تصريفه كجحَنْفل من الجَحْفَلة وحَبَنْطًى من حَبِك بطنُه وكذلك سائرها فإذا جاءت النون في مثل عَبَنْقسٍ مما لا يُعرَفُ له اشتقاق ولا تصريف حُمل على ما عُرف ذلك فيه فجعلت نونُه زائدة

والفرق بين دليل الكثرة ودليل اللزوم أن اللزوم من حقيقته أنه لم يأت له معارض في اطّراد الزيادة بخلاف الكثرة فإنه قد أتي فيه المعارض كأرطًى في باب الهمزة كلنه قليل فلم يُحمل عليه غيرُه

والخامس لزوم حرف الزيادة البناءَ وذلك أن يأتي بناءٌ على هيئة ما فيلزمه في كل ما جاءت من الكلم على وزنه حرفٌ من حروف الزيادة في موضع ما بحيث لا تنفك كلمة على ذلك الوزن من ذلك الحرف بعينه فإنه يُقضى عليه بالزيادة إذ لو كان أصليا لوقع في موضع حرف من الحروف غير المحتملة للزيادة أو المحتمل لها وذلك حِنْظَأْوٌ وكِنْتَأوٌ وكنْثأْو وسِنْدأْوٌ فلزوم النون ثانية لما كان على هذا المثال دليل على زيادتها ولمّا لم تلزم الهمزةُ رابعة بل قالوا عِنْزَهْو فأوقعوا في [454]

موضعها حرفاً آخر ادّعوا أصالتها وإنما قالوا هذا لأنه مُستقرًى مما عُلم اشتقاقُه أو تصريفه نحو استفعل في الأبنية إذا قلت استقدر واستعلم واستخرج واستكبر واستدعى وما أشبه ذلك من الأمثلة التي على هذا الحكم حين رأوا تلك الحروف لازمة وإن اختلفت المواد مع القطع بزيادتها بالاشتقاق والتصريف حكموا بذلك فيما لم يعرفوا له اشتقاقا ولا تصريفا وأصَّلوها قاعدة فقالوا لزومُ الحرف الصيغة مع اختلاف المواد يدل على الزيادة كما أنّ لزوم الحرف المادة مع اختلاف الصيغة يدل على الأصالة

والسادس كونُ الزيادة لمعنًى يُفقد بفقدها ويوجد بوجودها وذلك كحروف المضارعة وواو مفعول وميمه وألف التكسير على مفاعِل ومفاعيل وعلامات التثنية والجمع ونحو ذلك فمثل هذا يدل على معنًى إذا وُجد ولم يأت حرف أصلي قط على هذه الصفة قال ابن عصفور «على أن هذا الدليل قد يمكن أن يُستغنى عنه بالاشتقاق والتصريف إذ ما مِن كلمة فيها حرفُ معنًى إلا ولها اشتقاقٌ أو تصريف يُعلَم به أصولُها من زوائدها لكن مع ذلك قد يُعلم كون الحرف زائدا بكونه لمعنى من غير نظر إلى اشتقاقه أو تصريفه» قال «فلذلك أوردناه في الأدلة المُوصِلة إلى معرفة الزيادة من غيرهما» [455]

والسابع: النظير ومعناه أن يكون في لفظ ما حرفٌ لا يمكن حملُه إلا على الزيادة بدليل دلّ على ذلك ثم يسمع في ذلك اللفظ لغةٌ أخرى يحتمل ذلك الحرفُ فيها أن يُحمل على الأصالة وعلى الزيادة فيقضى عليه بالزيادة لثبوت زيادته البتة في اللغة الأخرى النظيرة لهذه نحو تَتْفُل فإن فيه لغتين فتحُ التاء الأولى وضمُّها فمن فتح التاء لم يمكن أن تكون التاءُ عنده إلا زائدةً لأنها لو كانت أصلية لكان وزن الكلمة فَعْلُلا وليس في الكلام مثل جَعْفُرٍ وفيه على الجملة تَفْعُل وأما من ضمّ التاء فيمكن في لغته أصالة التاء لأن وزنه حينئذ فُعْلُلٌ وهو موجود كفُلفُل وبُرثُن إلا أنه لا يُقضى عليها بذلك لثبوت زيادتها في لغة من فتحها وإن لم يوجد في الكلام مثل تُفْعُلٍ

والثامن الخروجُ عن النظير وهو أن يكون الحرفُ إن قُدِّر زائدا كان له نظير وإن قُدِّر أصليا خرج عن النظير أو يكون الأمر فيه بالعكس إن قُدِّر أصليا كان له نظير وإن قُدّر زائدا لم يكن له نظير فالحكم له هنا بما لا يخرج به عن النظير فالأول كغِزْويت فإن حملنا التاء على [456]

الأصالة كان وزن الكلمة فِعْويل وليس بموجود في الكلام وإن جعلناها على الزيادة كان وزنها فعليت ولن نظير وهو عفريت فحكمنا بزيادة التاء لأجل هذا

والثاني كالنون في دَهْقَن إذا جعلناه مشتقا من الدهقنة والنون أصلية ووزنه فَعْلَل وهو بناء موجود وإن جعلناه مشتقا من الدّهق كانت النون زائدة ووزنه فَعْلن وهو بناء غير موجود فوجب العدول عن الخروج عن النظير إلى الدخول في بابه

والفرق بين هذا والذي قبله - فإنهما قد اجتمعا في اعتبار النظير - أن الأول مختص بما فيه لغتان يجب حمل إحداهما على الأخرى وإن أدى إلى الخروج عن نظير آخر فلا يتعارض فيه عدم النظير حتى يُطلَب الترجيح بوجهٍ آخر بخلاف هذا فإنه غير مختص بما فيه لغتان ولا بد من مراعاة عدم النظير حتى إذا تعارض عدم النظير في الاحتمالين رُجع إلى دليل آخر وإذا تأملت التمثيل في الدليلين تبيّن لك صحة ما ذكرتُه والتاسع الدخول في أوسع البابين عند لزوم الخروج عن النظير وذلك أن يكون في الكلمة حرف يمكن أن تدّعى فيه الزيادة إلا أنه يلزم من دعوى زيادته الخروج عن النظير ومن دعوى أصالته الخروج عن النظير أيا فينبغي أن يحمل الحرف على الزيادة لا على الأصالة لأن أبنية الزيادة كثيرة جدا وبابها واسع بخلاف الأبنية المجردة من الزوائد فإنها قليلة فكان إدخال الكملة فيما كثر أولى من جعلها من القليل مثل كَنَهْبُل فإنك إن [457]

جارٍ التحميل