وما أشبه ذلك وقد حكى السيرافي قرعبلانة وهزنبران وزاد غيره اصطفلينة
وقوله «فما سبعا عدا» سبعا مفعول بعدا أي فما عدا سبعا ومعنى عدا تجاوز يقال عدا عليه عدوا وعدوا أي تجاوز الحد في ظلمه فكأنه يقول فما تجاوز بزيادته سبعة أحرف فعلى هذا ما جاء من زيادة هاء التأنيث نحو اشهيبابة وقرعبلانة أو زيادتي تثنية أو جمع تصحيح نحو اشهيبابتان وقرعبلانتان واشهيبابات وقرعبلانات أو زيادتي النسب نحو اشهيبابي وقرعبلاني وما أشبه ذلك فغير معدود في مجاوزة السبعة بل الاسم باق على سبعة أحرف لأن هذه الزيادات ليست من نفس البناء وإنما تعد كالشيء المنفصل المقدر الزوال ولذلك إذا كان اسم على خمسة أحرف خامسه هاء التأنيث أو على ستة الخامس والسادس منها علامتا التثنية أو الجمع المصحح لم يحذف منه شيء في التصغير وليس كذلك غيرها كما تقدم ذكره وأيضا فكل ما هو على ستة أحرف أو سبعة لا يحذف منه الأصلي ويبقى الزائد وهم قد قالوا في سفرجلة سفيرجة وفي فرزقان فريزدان وفي سفجلات سفيرجات فيحذفون الأصلي وليس ذلك من أجل أنها علامات للمعاني فإن ألف التأنيث علامة أيضا وهم قد قالوا في قرقرى قريقر فحذفوا مع أنه كزلزلة فلهذا وغيره زعم النحويون [258]
ومنهم الناظم أنه لا يكون على ثمانية أحرف ولا أكثر من ذلك ولم يعتدوا بهذه الأحرف لأنها عندهم كالمنفصلة
ثم أخذ في بيان أبنية الأسماء ثلاثيها ورباعيها وخماسيها أعني المجردة من الزوائد وابتدأ بالثلاثية فقال
وَغَيْرَ آخِرِ الثُّلَاثِي افْتَحْ وَضُمّْ... وَاكْسِرْ، وَزِدْ تَسْكِينَ ثَانِيَهِ تَعُمّْ وَفِعُلٌ أُهْمِلَ، وَالْعَكْسُ يَقِلّْ... لِقَصْدِهِمْ تَخْصِيصَ فِعْلٍ بِفُعِلْ
غير مفعول يطلبه ثلاثة الأفعال التي هي افتح وضم واكسر والعامل فيه اكسر وهو الأخير فهو على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل غير الأخير لقال افتحْ وضُمَّه واكسره هذا إن قلنا إنه من باب الإعمال وإلا فيمكن أن يكون مفعولا لافتح وغيره حذف معموله اختصارا والأصل وضمه واكسره
والذي ينطلق عليه غير هو أول الثلاثي وثانيه ويعني أنك إذا أردت حصر أبنية الثلاثي فاعمل هذا العمل وهو أن تحرك الأول وهو فاء الكلمة بالحركات الثلاث الضمة والفتحة والكسرة وكذلك الثاني وهو عين الكلمة تحركه بالحركات الثلاث وتزيد تسكين الثاني على التحريك بها فتكون للعين أربعة أوجه وكل واحد منها مع حركات الفاء الثلاث وثلاثة في أربعة باثني عشر وهي جميع ما يتصور من الأبنية في الثلاثي من مستعمل ومهمل وهو معنى قوله «تعم» أي تعم جميع الأبنية الممكنة في الثلاثي لأنك إذا حركت الأول فلا يمكن فيه إلا أحدى ثلاث الحركات ومنتفي السكون إذ لا [259]
يبتدأ بساكن وكل حركة منها يتأتى معها في العين الحركات الثلاث والسكون وأما الحرف الثالث وهو اللام فلا كلام فيه لأن الإعراب استحقه فلا يضبط إلا للعامل لا للبنية ولذلك أخرجه بقوله «وغير آخر الثلاثي»
فإذا حركت الفاء بالضم فيتصور معها في العين أربعة أحوال قائمة بأربعة أبنية
أحدهما فتحها ومثاله فعل وهو يكون للاسم والصفة معا فالاسم نحو صرد ونغر وربع وخزز والصفة نحو لبد وختع وسكع وحطم
والثاني ضمها ومثاله فعل وهو للاسم والصفة فالاسم نحو طنب وأذن وعنق وجمد والصفة نحو جنب أجد ونضد ونكر والثالث كسرها ومثاله فعل وسيأتي الكلام عليه إثر هذا بحول الله تعالى [260]
والرابع إسكانها ومثاله فعل ويكون الاسم والصفة فالاسم نحو قفل وبرد وقرط وحرض والصفة نحو مر وحلو وجد وعبر
وإذا حركت بالفتح فيتصور معها في العين أربعة أحوال أيضا
أحدها فتحها ومثاله فعل ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو جبل وجمل وحمل وطلل والصفة نحو بطل وحدث وعزب وحسن
والثاني ضمها ومثاله فعل ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو عضد ورجل وسبع وضبع والصفة نحو حذر وندس وحدث وخلط
والثالث كسرها ومثاله فعل ويكون أيضا في الاسم والصفة فالاسم نحو كتف وكبد وفخذ وعقب والصفة نحو حذر ووجع وحصر وأشر
والرابع إسكانها ومثاله فعل ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو صقر وفهد وكلب ومهد والصفة نحو ضخم وصعب وسهل وخدل [261]
وإذا حركت الفاء بالكسر فيتصور معها في العين أربعة أحوال أيضا
أحدها فتحها ومثاله فِعَل ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو ضلع وقمع ونطع وعنب والصفة نحو عدى قال سيبويه «ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف من المعتل يوصف به الجماع - يعني الجمع - وذلك قولهم قوم عدى قال ولم يكسر على عدى واحد ولكنه بمنزلة السفر والركب» يعني اسم جمع لا جمع تكسير واسم الجمع بمنزلة الواحد واستدرك عليه قيم في قوله تعالى ﴿دينا قيما﴾ على قراءة من عدا الحرميين وأبي عمرو وزِيَم أي متفرق ومنه قول زهير
قد عوليت فهي مرفوع جواشنها... على قوائم عوج لحمها زيم
وقال النابغة الذبياني
باتت ثلاث ليال ثم واحدة... بذي المجاز تراعي منزلا زيما وسِوى في نحو قوله تعالى ﴿مكانا سوى﴾ في ذلك أنشد صاحب الحماسة [262]
وجدنا أبانا كان حل ببلدة... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
وذكر الفارسي ثِنًى وأنشد لعدي بن زيد
أعاذل إن اللوم في غير وقته... على ثنى من غيك المتردد
وطِوًى في قراءة من قرأ ﴿بالواد المقدس طوى﴾ قال فطوى من طويت وثنى من ثنيت لأن الطي ثني شيء على شيء كأن المعنى قدس مرة بعد مرة وزيد أيضا ماء رِوًى وماء صِرًى وطِيبة في نحو قولهم سَبْيٌ طِيَبة وفي الحديث «وإنه طِيَبة لمن أخذه» فجميع ما استدرك عليه ثمانية ألفاظ أكثرها لا يثبت ليس هذا موضع ذكر ذلك
والثاني ضم العين ومثاله فِعُل وسيأتي الكلام عليه إثر هذا إن شاء الله تعالى
والثالث كسرها ومثاله في الأسماء فِعِل نحو إبل ولم يحك سيبويه غيره قال «ولا نعلم في الأسماء والصفات غيره» وزاد أبو الحسن في الأسماء حبرَة وهي الصفرة على الأسنان قالوا والأشهر فيه حَبْرة قال الفرزدق [263]
ولست بسعدي على فيه حَبْرة... ولستُ بعبديٍّ حقيبته التمر
وزاد السيرافي والمبرد إطِل للأيطَل وروي قول امرئ القيس
له إطِلا ظبي وساقا نعامة... وإرخاء سرحان وتقريب تنفل
وزيد أيضا الحِبِك وهي قراءة مروية عن الحسن ﴿والسماء ذات الحبك﴾ وهي الطرائق الغيمية فجميع ما استدرك على سيبويه في الاسم ثلاثة ألفاظ يضاف إليها ما ذكره ابن السيد من قولهم لا أحسن اللعب إلا جِلِخ جِلِبْ فهي خمسة منها ما يثبت ومنها ما لا يثبت وذكر الأخفش في الصفات امرأة بِلِز وحكى ابن خروف عن ابن قتيبة أتان إبِد فهذان لفظان مستدركان في الصفة والرابع إسكانها ومقاله فِعْل ويكون في الأسماء والصفات فالاسم نحو جذع وعذل وجمل ورجل والصفة نحو نقض ونضو وصنع [264]
وقد انتهى تمثيل هذه الأمثلة التي أشار إليها الناظم وإنما ذكرها في هذين الشطرين غير ملتزم لكونها مستعملة أو غير مستعملة وإنما بين ذلك في قوله بعد «وَفِعُلٌ أُهْمِلَ وَالْعَكْسُ يَقِلّْ» فاستثنى من الجملة بناءين هما عنده غير ثابتين في محصول الاستعمال فدل على أن ما عداهما عنده مستعملة ثابتة من كلام العرب
فأما أحد المستثنَيين وهو فِعُل بكسر الفاء وضم العين فذكر أن العرب أهملته لأن فاعل «أهمل» الذي لم يذكره هم العرب قال سيبويه « وليس في الكلام فِعُل» قالوا وإنما لم يستعمل لكراهيتهم الخروج من كسر إلى ضم في بناء لازم ولذلك قالوا اُقتُل فضموا الهمزة ولم يكسروها وأصلها الكسر كراهية للضم بعد الكسر وإن وُجد حاجز بينهما فأولى أن يمتنعوا من ذلك مع عدم الحاجز وكذلك امتنعوا من النقل في الوقف على قولك هذا عِدْلٌ فقالوا هذا عِدِل ولم يقولوا هذا عِدُلْ غير أنهم قد قالوا ذلك مع الهمزة وارتكبوا فيه الثقل لكن لثقل هو أشد من هذا فاستسهلوا هذا في جنبه وقد تقدم بيانه وقوله «أُهْمِلَ» ولم يُعرج على شيء دليل على أن ما حكي عنهم من فِعُل ليس بأصل بناء وذلك لفظان أحدهما الحِبُك رُوي عن الحسن أنه قرأ ﴿والسماء ذات الحبك﴾ على وزن فِعُل ورُوي ذلك أيضا عن أبي [265]
مالك الغفاري وذكره عنه ابن الفرس في استدراكه على الزُّبَيدي والذي حكى ابن جني عن أبي مالك إسكان الباء مع كسر الحاء وهذا مثالٌ لم يثبته النحويون قال ابن جني «أحسبه سهوا وذلك أنه ليس في كلامهم فِعُل أصلا بكسر الفاء وضم العين وهو المثال الثاني عشر من تركيب الثلاثي فإنه ليس في اسم ولا فعل أصلا البتة» قال «ولعل الذي قرأ به تداخلت عليه القراءتان بالكسر والضم فكأنه كسر الحاء يريد الحِبِك وأدرك ضم الباء على تصوره الحُبُك» قال وقد يعرض هذا التداخل في اللفظة الواحدة قال بلال بن جرير
إذا جئتَهم أو سآيلتهم... وجدت بهم علة حاضرةْ
أراد سألتهم أو ساءلتهم ولغة من قال سايلتهم فأُبدل فتداخلت الثلاث عليه فخلط فقال سآيلتهم فوزنُه فَعاعلتهم لأن الياء في سآيلتهم بدل من الهمزة في ساءلتهم فجمع بين اللغتين على تلفته إلى [266]
اللغتين كذلك أيضا نظر في الحِبِك والحُبُك فجمع بين أول اللفظة على هذه القراءة وبين آخرها على القراءة الأخرى
واللفظ الثاني الرِّبُو قرأ أبو السّمّال ﴿اتقوا الله وذروا ما بقي من الرِّبُو﴾ مضمومة الباء ساكنة الواو وهكذا ذكرها ابن مجاهد وإنما ذكرها الداني في كتابه في القراءات التي شذت عن السبع بفتح الراء وضم الباء فإذا ثبت ما ذكره ابن مجاهد وهو الذي نقل ابن جني وتكلم عليه فقد قال «إنّ فيه ضربين من الشذوذ أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما والآخر وقوع الواو بعد الضمة في الاسم وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل نحو يغزو ويدعو ويخلو» ثم ذكر أن الذي ينبغي أن يُتعلل به في الربو بالواو هو أنه فخّم الألف فانتحى بها نحو الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم الصلوة والزكوة وكمشكوة وكأنه بيّن التفخيم فقوّى الصوت فتوهم السامع أنه واو فنُقل على ذلك وهو بعيد أن يتطرق (إلى ظن الراوي) - وهو أبو زيد مع علمه وفهمه - أنه جرى عليه الوهم فيما سمعه قال فإن قيل فلعله شبّه ذوات العلة بذوات الهمز فوقف على الواو كما قالوا هو الرِّدُؤ والبُطُؤ قيل هذه الواو [267]
إنما تكون مع الهمزة في نحو «الكَلَوْ» في موضع الرفع و «الرِّبُو» في موضع الحر وأيضا فإن «الكلو» مفتوح ما قبل الواو والباء من «الربو» مضمومة وعلى كل تقدير فهو شاذ
هذا ما ذكر ابن جني في توجيهه هذه القراءة وحاصله أن الرِّبُو - على حقيقة نقله - غير ثابت وإنما هو تفخيم والتفخيم يُنْحى به نحو الواو لا أنه ضمٌّ حقيقة فإذا صار هذان اللفظان كالرِّدْو في الوقف لا معتبر بهما في إثبات بناء لازم وقد أشار بعض الناس إلى إثبات البناء بهما وفيه من الضعف ما فيه
وأما المستثنى الثاني وهو فُعِل - بضم الفاء وكسر العين - وهو عكس فِعُل الذي قال فيه «وَالْعَكْسُ يَقِلّْ» لأن قوله وفِعُل في تقدير أنْ لو قال والمكسور الأول المضموم الثاني أُهمِلَ فعكس هذا هو المضموم الأول المكسور الثاني وهو فُعِل فذكر أن وقوعه في الأسماء قليل لم يكثر كثرة غيره من الأبنية المتقدمة ولم يأت مهملا وإن كان فيه الخروج من ضم إلى كسر لأن هذا أخف على الجملة من الأول وإن اجتمعا في الثقل ولذلك جاء في أبنية الأفعال كثيرا نحو ضُرِب وعُلِم وقتل وعقر وما أشبه ذلك بل نقول إنه ليس بثقيل وإلا كان يُعدم أو يَندُر في الأفعال أيضا وإنما علة قلته ما ذكره الناظم على ما سيذكر بعد بحول الله وقلّته أنه لم يأت [268]
منه في المشهور من النقل إلا لفظان في الأسماء لاقى الصفات أحدهما دُئِل لدُوَيْبَّة صغيرة تشبه ابن عِرْس قال الشاعر
جاءوا بجيش لو قيس معرسه... ما كان إلا كمعرس الدُّئِلِ
ومنه نُقل اسم الدُّئِل القبيلة التي يُنسب إليها أبو الأسود الدؤلي والثاني رُئِم في اسم السَّهِ وزاد أبو حيان - فيما نقل في ارتشاف الضَّرَب وذكره ابن الناظم - لفظا ثالثا وهو وُعِلٌ لغة في الوَعل فبهذه الألفاظ أثبت الناظم فُعِل في الأسماء وهو مذهب الأخفش وابن جني وجماعة وأما سيبويه فلم يثبته في الاسم وإنما هو عنده مختص بالفعل وذلك إما لأن هذين اللفظين يمكن أن يكونا منقولين من الأفعال وإن كان ذلك في الأجناس بناءً على جواز النقل فيه وثبوته وفي المسألة خلاف وبه اعتذر السيرافي عن سيبويه فذكر أنه قد يصح ويجيء في أسماء الأجناس ما جاء في الأعلام قال ومنه «تُنُوِّط» - في اسم طائر - لأنه يُعَلِّق عشه ويلصقه ضربا من الإلصاق بديعا فسُمي بالفعل وقالوا أيضا تُبُشِّرٌ في اسم طائر قال ابن الضائع قد قال سيبويه في هذا الطائر تَنَوُّط وأثبن به «تَفَعُّل» في الأسماء وإن لم يأت في المصادر وإما لأن هذين اللفظين لم يحفظهما سيبويه وهذا هو الجاري على كلام الناظم إذ لو [269]
كانا عنده منقولين لم يصح له أن يُثبت بهما بناء كما لا يصح أن يُثبته بالأعلام لم ثبت فيهما من النقل فإنما هما عنده غير منقولين فهو استدراك على سيبويه منه ومن غيره ممن قال بهذا وهو الذي اختار ابن الضائع وكثير من الناس
ولما كان هذان اللفظان بمحل من الندور في هذا البناء نبه الناظم على ذلك فقال «وَالْعَكْسُ يَقِلّْ» ثم بين وجه القلة فقال «لِقَصْدِهِمْ تَخْصِيصَ فِعْلٍ بِفُعِلْ» يعني أن ترك استعمال فُعِل في الأسماء إنما هو لقصدهم أن يكون بناء مختصا بالأفعال فلما قصدوا ذلك تحاموا من وضع الأسماء عليه وما ندر من ذلك فغير معتد به عندهم ولذلك لم ينقلوا في الوقف في البسر حالة الجر فلم يقولوا من البسر وإن كان قد جاء الدُّئِل والرُّئِم لعدم الاعتداد بذلك
وقد تحصل من هذا أن للثلاثي المجرد من الأسماء أحد عشر بناء وأهمل واحد من الاثني عشر
ثم على الناظم في هذا المساق نظر وهو أن يقال لا يخلو إتيانه بهذه الأبنية من أن يكون بيانا لها على الجملة من غير تعرض إلى قلة السماع في بعضها أو كثرته أو يكون بيانا لها على التفصل مع التنبيه على القلة والكثرة وعلى كل تقدير فكلامه معترض فإن كان الأول فكان من حقه أن لا [270]
ينبه على قلة فُعِل كما لم ينبه على قلة فِعِل إذ لم يأت منه إلا القليل النادر كما مره حتى إن سيبويه لم يحفظ منه إلا «إبِل» وإن كان الثاني فكان من حقه أن ينبه أيضا على قلة فِعِل لأنه قليل ولم يثبت منه باتفاق إلا ما أثبت سيبويه وما عدا ذلك فمتنازع فيه بين النحويين فمنهم من يثبته ومنه من لا يثبته والذي ذر غيره من ذلك حِبِر وإطِل والحِبِك وجِلِخ وجِلِب وفي الصفات بِلز وإبِد أم حِبِرة فقالوا هو غير معروف وأما إطل فإتباع مختص بالضرورة والصواب فيه إطْل بالإسكان وأما الحبك فإنما ثبت في قراءة غريبة عن الحسن وحده وأما جلخ جلب فهو اسم للُعبةٍ يلعبها الصبيان وكأنها جارية مجرى الأصوات ليست من أصل الكلام وأما بِلِز فإنما ذكره سيبويه بالتشديد بلزّ هكذا فأنت ترى أكثرها مقولا فيه مغموزا وإذا سُلِّم فالجميع نادر ولا يقوى على أن يكون فاشيا بمثل هذا السماع وكذلك فُعِل وإذا كان كذلك فتفرقتُه بينهما في أن نبه على قلة فُعِل ولم ينبه على قلة فِعِل لا وجه لها
فالجواب أن العلة في باب فِعِل معلومة كما هي أيضا معلومة في باب فُعِل لكن الناظم أشار في أحدهما إلى القلة دون الآخر لمعنى حَسَن [271]
وبيان ذلك أن فِعِلا وإن كان قليلا ففيه أمران يُلحقانه بالكثير حتى يُنظمَ في سلكه أحدهما اتفاق النحويين على إثباته إذ لم يخالف في ذلك أحد على سيبويه وإثباته له بإبِل وزاد الناس عليه أشياء ربما كان فيها الثابت وغيره لكن الحاصل ثبوته على الجملة وكل ما ثبت باتفاق فهو ثابت في الكلام قلّتُه لا توهن ذلك فيه والثاني أن ذلك القليل الذي ثبت به فِعِل من قبيل القليل الذي لا معارض له في قياس ولا سماع وما كان كذلك فمثاله الواحد يقوم مقام السماع الفاشي كمسألة شَنَئِيّ في النسب إلى شَنُوءةَ حيث أثبت سيبويه به القياس في فَعُولة على الإطلاق مع أنه لم يأتِ منه إلا شَنَئِيّ خاصة قال أبو الحسن فإن قلت إنما جاء هذا في حرف واحد يعني شنوءة قال «فإنه جميع ما جاء» قال ابن جني «وما ألطف هذا القول من أبي الحسن! » ثم فسره بأن الذي جاء هذا الحرفُ وحده والقياس قابلُه ولم يأت فيه شيءٌ ينقضُه فإذا قاس الإنسانُ على هذا جميع ما جاء من فعولة وكان صحيحا في القياس فلا غروَ ولا ملام بخلاف ما جاء مما يضعف فيه القياس وإن كثر كفَعلِيّ في فَعِيل وفُعلِيّ في فُعَيل فإنه لا يقاس عليه للمعارض الذي عارض فيه فإبل في مسألتنا من قبيل شَنَئِيّ لم يأت ما يعارضه من كثرة استعماله في الألسنة وعدم تغيره عن هذا المثال الذي هو فِعِل فثبت فيه فِعِل وقامت أيضا كثرة استعماله مقام كثرة [272]
أمثاله فاستقام سكوت الناظم عن التنبيه على كثرته وأما فُعِل فليس فيه شيء مما تقدم أما أولا فلأن النحويين قد فهموا من العرب تخصيصهم هذا البناء بالفعل دون الاسم على ما أخبر به الناظم ونص عليه ابن جني وهذا ظاهر فهذا معارض في السماع فيه إذا ثبت وأما ثانيا فلأن ما ثبت به فُعِل عند القائل به لم يتفق النحويون عليه بل أنكرته منهم طائفة كثيرة على أحد الوجهين المذكورين قبلُ إما للنقل في أسماء الأجناس أو لغير ذلك فضعُف الإثبات به بسبب هذا الخلاف وأيضا ليس من قبيل ما السماع القليل فيه غير معارض بل هو معارض بما ثبت من قصد العرب في فُعِل وإذا كان كذلك كان فُعِل أولى بأن يُنبِّه من أثبته على قلة السماع فيه كما فعل الناظم في فِعِل فإنه لا حاجة إلى التنبيه فيه على قلةٍ
ثم أخذ يذكر أبنية الثلاثي من الأفعال أيضا فقال
وَافْتَحْ وَضُمَّ وَاكْسِرِ الثَّانِيَ مِنْ... فِعْلٍ ثُلَاثِيٍّ، وَنَحْوُهُ ضُمِنْ
اعلم أن الأفعال أقل تصرفا من الأسماء في الكلام وهذا معنى قولهم الأسماء أمكن من الأفعال أي أكثر في الكلام ولذلك كانت أبنيةُ الأفعال أقل من أبنية الأسماء ألا ترى أن أبنية الثلاثي من الأسماء أحدَ عشر بناء ولم يثبت من أبنية الثلاثي من الأفعال باتفاق إلا ثلاثة والرابع مختلف فيه كما سيأتي إثر هذا بحول الله [273]
فقوله «الثَّانِيَ» معمولٌ يطلبه ثلاثة الأفعال المتقدمة من باب الإعمال والذي عمل فيه قوله «اكْسِرِ» فهو من إعمال الأخير ووقع في بعض النسخ هكذا «وَنَحْوُهُ ضُمِنْ» أي ونحو ما ذكر من الأمثلة مثال ضُمن وفي بعضها عوضه «وَزِدْ نَحْوَ ضُمِنْ» وهو أيضا بمعنى الأول يعني أنك إذا أردت أيضا أن تحصر أبنية الفعل الثلاثي المجرد من الزوائد فحرك الحرف الثاني منه وهو عين الكلمة بالحركات الثلاث الضمةِ والفتحِ والكسرةِ فتقول فَعُل وفَعَل وفَعِل وزد على ذلك بناءً رابعا وهو موازن ضُمِن بضم الأول وكسر الثاني وذلك فُعِل وهي صيغة المفعول فهذه أربعة أبنية للفعل
فأما فَعَل بفتح العين فنحو ضَرَب وأكل وشتم وعدل وكمل
وأما فَعُل بضم العين فنحو ظَرُف وشَرُف وحسن وقبح وشجع وجبن
وأما فَعِل بكسر العين فنحو مَهِل وعَلِم وسلم وسئم ولبس
وهذه الثلاثة لا خلاف فيها وهي المبنية للفاعل ولم يزد الناظم على هذه الثلاثة تسكين الثاني مع فتح الأول أو ضمه لأنه لا يأتي فِعلٌ على فَعْل ولا فُعْل إلا وأصله فَعِل أو فَعُل أو فُعِل لأن العرب تسكن العين في هذا النحو تخفيفا فتقول في ظَرُف ظَرْفَ وفي عَلِم عَلْمَ كما تقول في عَضُد عَضْدٌ وفي كَتف كَتِف فمما جاء مسكّنا من فَعِل ما أنشده ابن جني من قوله [274]
وإن أهجه يضجر كما ضجْر بازل... من الأدم دبْرت صفحتاه وعاتقه
أراد ضجِر ودبِرت ومثله في فُعِل قول العجاج
لو عُصْر منها البان والمسك انعصر
أراد لو عصِر ومما جاء في فَعُل قولهم لقَضْوَ الرجلُ يريدون لقَضُو
وقالوا في حَسُن حَسْنَ وذلك في العجب نحو حَسْنَ الوجهُ وَجْهُكَ وحَسْنَ وجهًا وَجْهُك قال سهمُ بن حنظلة الغَنَوي
لم يمنع الناس مني ما أردت ولا... أعطيهمُ ما أرادوا حُسْنَ ذا أدبا
أراد حَسُن ذا أدبا ولم يتكلم الناظم على شيء مما يتعلق بهذه الأبنية من الأحكام غير ما ذكره في باب أبنية المصادر وأبنية أسماء الفاعلين فتركتُ ذكر ما لم يذكره على الشرط الملتزم في هذا الكتاب
فإن قيل إن الناظم إنما بين في مأخذ هذه الأبنية الثلاثة تحريك الثاني وهو العين لا غير ولم يبيّن تحريك الفاء فإذا أخذ المبتدئ في تعرف هذه الأبنية لم يعرف كيف يأخذ الفاء؟ ولا بأي حركة يحركها؟ ولا شك أن حكمها التحريك بالفتح في الأحوال كلها فكان حقه أن يبين ذلك [275]
فالجواب أن حركة الأول لما لم يذكر فيها اختلافا دل ذلك على أنها على حالة واحدة ثم إن فتح الأول قد تقرر في مواضع من هذا النظم أن الفاء مفتوحة في فَعَل وفَعُل وفَعِل في أبنية المصادر وفي غيرها مع أن الأمر في تحصيل ذلك قريب فترك ذكره لذلك
فإن قلت فكذلك أيضا ذَكَرَ هذه الأبنية الأربعة بالانجرار في متقدم كلامه فكان ينبغي ألا يذكرها ههنا رأسا على هذا التقدير
فالجواب أن نقول إن الناظم قد ذكر ذلك أيضا ولكنه لم يذكر حصرها في أربعة أبنية ولا غيرها فبقيت جملة الأبنية مجهولة فذكرها هنا لحصر أبنيتها وهذا مقصده في هذا الباب فكأنه قال "يحصرها أن تفتح الأول على ما هو المعهود وتحرك الثاني بالحركات الثلاث وتزيد على ذلك فُعِل فتنحصر أبنية الأفعال كلها" وهذا بيّن
وأما البناء الرابع وهو المشار إليه بضمن وهو المبني للمفعول فظاهر الناظم إثباته بناء أصيلا رابعا لتلك الثلاثة إذ لو كان عنده فرعا أصيل لم يعدّه كما لم يَعُدَّ فَعْل المخفف من فَعُل أو فَعِل لكونه فرعا لا أصلا فكونه قد عده مع الأبنية الأصلية باتفاق دل على أنه عنده أصلي أيضا وهذا المذهب قد استقرأه بعض الشراح من كلام سيبويه في أول الكتاب إذ قال «وأما بناء ما مضى فذَهَب وسَمِع وحُمِد ومكُث» فذكر أربعة أمثلة لأربعة الأبنية فلو كان عنده فُعِل مُغيَّرا لم يذكره كما لم يذكر سائر ما غُيِّر وكلام سيبويه [276]
حجةٌ يعتمد عليها ويُستند إليها ويستدل أيضا على صحة هذه الدعوى بأنّ فُعِل لو كان مغيَّرا من غيره لكان مستلزما وجودُه وجودَ ذلك الغير ضرورة كون الفرع يستلزم وجودُه وجودَ أصله إذ لا يكون الفرعُ دون أصل لكنا وجدنا أفعالا مبنية للمفعول غير مغيرة من شيء كقولهم وُكِسَ ووُضِعَ وعُنِي بكذا ونُفِسَت ونُتِجَت وذُهيت علينا وغُمَّ الهلال وأُغمِي على الرجل وسُقِط في يده وغُشِي عليه ومن ذلك كثير وهي لم يوجد لها في كلام العرب ما هي مغيرةٌ منه فدلَّ ذلك على أنها أصول بأنفسها
ومذهب الجمهور أنّ بناء المفعول فرعٌ عن بناء الفاعل ففُعِل مُغيّر من فَعَل أو فَعِل وجعلوه مذهب سيبويه لأنه لما تعرّض لحصر أبنية الأفعال لم يذكر المبني للمفعول وأما هذا الموضع فلم يتعرّض فيه لذكر أصل ولا فرع وإنما أتى بمجرّد تمثيل فقط قال ابن خروف ونصّ في مواضع
- يعني سيبويه - أنه مُغيّر منه واستدلوا على أنه فرع بقول العرب «سُويرَ وبُويع ودُرِيَ ولم تُدغم الواو من سوير وبويع ولا همزت الواو الأولى من ووري مع أن القاعدة أنه إنه إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قُلِبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء وكذلك متى اجتمع واوان في أول كلمة همزت الأولى على اللزوم فدلّ ذلك على أنهما مغيّران من فعلِ الفاعل وكأنهما ساير ووارى فكما لا تُدغَم الألفُ من ساير ولا تُهمز الواو من وارى فكذلك ما غُيّر منه» [277]
قال ابن خروف ولا دليل في هذا بدليل تصحيحهم اجتوروا حملا على
تجاوروا وليس تجاوروا أصلا له ولإعلالهم المضارع حملا على الماضي
دليل على السابق منهما لصاحبه.
وما قاله ابن خروف ظاهر الورود وقد رَدَّ
أيضا ما استُدل به لمذهب الناظم من وجود بِنْيةِ المفعول لم يُنطق لها ببنية فاعل
بأنّ ذلك قليل ثم قال وكلا القولين ممكن.
فإن قيل ما ذهب إليه هنا مناقض لما تقرر له قبل وذلك أنه ذَكَرَ في
باب النائب عن الفاعل أنّ فعل الفاعلي يُغير بضم أوله وكسر ما قبل آخره في
الماضي وفتحه في المضارع وبيّن هذا المعنى هنالك على عادة النحويين وذلك
ظاهر في كونه مغيرا عنه من حيث يجعل المفعول أو غيره نائبا عن الفاعل
فتُغيرُ لذلك بنية الفاعل إلى بنية المفعول.
وهو قد أشار هنا إلى أنّ بنية المفعول
أصلية غير مغيَّرةٍ من غيرها ولا شك أن ظاهر هذا التناقض.
فالجواب أنه ليس بتناقض، أما تقريره هو وغيرُه أنّ المفعول ينوبُ عن
الفاعل في الإخبار بالفعل فلا دليل في هذا على الفرعية لأنّ لنا أن نقول
معناه أنّ المعنى الواقع من الفاعل الأصلُ أن يُخبَرَ به عن فاعله مذكورا
فاعلُه فيُؤتى له ببنيةِ الفاعل فإن أرادوا ألّا يذكروا الفاعل أتَوا ببنية المفعول.
ومعنى قوله «وَأَوَّلَ الْفِعْلٍ اضْمُمَنْ» وكذا إلى آخره معناه أنك إذا أردت أن تشتق له فعلا من مصدره فاجعله على هذه الشاكلة لا أنه يريد أنك
[278]
تأخذُ بنية الفاعل فتغيرها هذا التغيير ليس في كلامه ما يُعيّن هذا المعنى وإنما فيه أنك تأتي ببنيةٍ مضمومةِ الأول مكسورة ما قبل الآخر في الماضي ومفتوحتِه في المضارع فلا تناقض في كلامه.
ثم نقول إن مذهب الناظم في كون بناء فُعِل أصلا هو الأحسن؛ إذ
هو بناء مستقل بأحكامه جار في نفسه مجرى الفعل المبني للفاعل والحمل
على ظاهر الأمر واجب إلا أن يعارض فيه معارض ولا معارض هنا والقولُ
بأنه فرع عن فِعْلِ الفاعل دعوى لا دليل عليها.
فالأصح ما قال الناظم
والله أعلم.
وَمُنْتَهَاهُ أَرْبَعٌ إِنْ جُرِّدَا... وَإِنْ يُزَدْ فِيهِ فَمَا سِتًّا عَدَا
وَمُنْتَهَاهُ يعني منتهى الفعل أربع يريد أربع أحرف إِنْ جُرِّدَ
يعني من الزوائد أي إنّ غاية الفعل المجرد أن ينتهي إلى أربعة أحرف
ولم يُبين له صيغة ولا عدّد له أبنية فهو معترَض من وجهين أحدهما هذا؛ إذ كان حقُّه أن يقول «ومنتهاه أربع ووزنه» كذا أو ما أشبه ذلك.
[279]
والثاني أنه ترك التنبيه على فعل المفعول وكان حقه أن ينبه عليه كما فعل ذلك في الثلاثي وإلا فلا فرق بينهما في هذا المعنى فكما تقول فَعْلَل في فعل الفاعل كذلك تقول فُعلِل في فعل المفعول.
وقد يجاب عن الأول بأن بناء فَعْلَل قد ذكره قبل هذا في أبنية المصادر
فلم يحتج إلى ذكره هنا إذ ليس له أبنية متعددة.
وإنما يختص ببناء واحد.
والذي كان واجبا عليه أن يذكر منتهى ما يصل إليه بحروفه الأصول وهو
الذي نبه عليه وهذا مما يدل على ما تقدم لنا قبلُ من أنه إنما قصد ههنا
حصر الأبنية لا ذكرها وتحديدها فلذلك لم يذكر في الثلاثي حركة أول الفعل.
وعن الثاني أنه لما نبه على فعل المفعول في الثلاثي كان الرباعي أيضا داخلا في ذلك الحكم فلا بد له من بنية المفعول فترك ذكرها اختصارا ولم يحتج إلى تعيينها إذ قد ذكر ذلك في باب النائب عن الفاعل وأن الرباعي يُبنى على فُعلِل وهذا من اختصاراته.
وقد حصّل أن الرباعي المجرد له بناءان
أحدهما فَعْلل نحو دحرج وقرطس وسرهف وهملج والثاني فُعلِل نحو دُحْرِج وسُرهِف وقُلقِل وزُلزِل [280]
وإنما كانت غايةُ الأفعال الأربعةَ لأن الأسماء أقوى منها فجعلوا لها
على الأفعال فضيلة لقوتها واستغناء الأسماء عن الأفعال وحاجة الأفعال إلى
الإسناد إليها وحطُّوا الأفعال درجة عنها.
هذا تعليلُ المازني وذكر
ابن جني في ذلك وجها آخر وقال إنه قولُ سيبويه وهو أنّ «الأفعال لم
تكن على خمسة أحرف كلُّها أصول لأن الزوائد تلزمها للمعاني نحو حروف
المضارعة وتاء المطاوعة في تدحرج وألف الوصل والنون في احرنجم
فكرهوا أن يلزمها ذلك على طولها».
قال ابن جني «فإن قلت إنهم قد
قالوا عندليب وعَضْرَفُوط وقبعثرى ونحوها فألحقوها الزوائد وهي
خماسية فإنّ الأفعال أقعدُ في الزوائد من الأسماء لأنها تنقلها من حال
إلى حال».
ثم قال «وَإِنْ يُزَدْ فِيهِ فَمَا سِتًّا عَدَا» يعني أن المزيد فيه من الأفعال غاية
ما يبلغ بالزيادة ستة أحرف لا يتعداها إلى السبعة فأكثر وذلك لأن الأسماء لما
كانت أقوى وأخف كما تقدم ساغ أن تلحق الزيادة ويبلغ بها السبعة وأما
الأفعال فأضعف فلم يبلغ من قوتها أن تساويها في الزيادة.
وأيضا فإن
زيادة الأسماء قد تحذف كثيرا في التحقير والتكسير وغيرهما ولا سيما في تحقير الترخيم فصارت في الأسماء كالمنفصلة منها فاحتملوا كثرة الزيادة فيها بخلاف الأفعال فإنها ليست كذلك فكرهوا تطويلها بالزيادة اللازمة.
[281]
وقوله «وَإِنْ يُزَدْ فِيهِ» إلى أخره يعني أن الزيادة فيه تبلغ إلى الستة
وذلك صحيح كان ثلاثيا أو رباعيا فأما الثلاثي فيصير إلى أربعة
بزيادة واحدة للإلحاق أو لغير الإلحاق ويكون على أَفْعَلَ نحو أكرم
وعلى فَيْعَل نحو بيطر وعلى فَوْعَل نحو حوقل وعلى فَعْول نحو جهور
وبالتضعيف على فَعْلَل نحو جَلبب وعلى يَفْعَلَ نحو يَرْنَأَ لِحْيَتَه وعلى
فَعْلَى نحو سلقى وعلى فَعْنَل نحو قلنس وعلى فاعَلَ نحو
ضارب وعلى فَعَّلَ نحو ضرّب وكذلك ما أشبهه ويصير إلى خمسة بزيادتين
ويكون على تفاعل نحو تضارَب وعلى تَفَعْلى نحو تقلسى وعلى
تفيعل نحو تشيطن وعلى تفعول نحو تَرَهْوَك وعلى تَفَوْعل نحو
تجورب وعلى افْتَعَلَ نحو اقتدر وعلى انْفَعَل نحو انطلق وعلى افْعَلَّ
نحو احمرّ وعلى تَفَعَّل نحو تكرَّم وعلى تَمَفْعَل نحو تمسكن وشبه ذلك.
ويصير إلى ستة بزوائد ثلاث ويكون على افْعَنْلَل نحو اقعنسس وعلى
[282]
افْعَنْلَى نحو اسلنقى وعلى استَفْعَلَ نحو استكبر وعلى افعالَّ نحو احمارَّ وعلى افْعَوَّلَ نحو اعْلَوَّطَ وعلى افْعَوْعَل نحو اغدودن ونحو ذلك.
وأما الرباعيُّ فيصير خماسيا بزيادة واحدة على تَفَعْلَل نحو تدحرج وشبهه ويصيرُ سداسيا بزيادتين ويكون على افْعَنْلَل نحو احرنجم وما أشبه ذلك.
وقوله «فَمَا سِتًّا عَدَا» كقوله «فَمَا سَبْعًا عَدَا» والكلامُ فيهما واحد.
ثم أخذ يذكر ما فوق الثلاثي من الاسم المجرد وما له من الأبنية وابتدأ بالرباعي ثم عطف بالخماسي فقال
لِاسْمٍ مُجَرَّدٍ رُبَاعٍ: فَعْلَلُ... وَفِعْلِلٌ وَفِعْلَلٌ وَفُعْلُلُ وَمَعْ فِعَلٍّ: فُعْلَلٌ، وَإِنْ عَلَا... فَمَعْ فَعَلَّلٍ حَوَى فَعْلَلِلَا كَذَا فُعَلِّلٌ وَفِعْلَلٌّ، وَمَا... غَايَرَ لِلزَّيْدِ أَوِ النَّقْصِ انْتَمَى
يعني أن الاسم الرباعي المجرد له من الأبنية ستة على رأيه
أحدها فَعْلَل بفتح الأول والثالث وإسكان الثاني ويكون في الاسم
والصفة فالاسم نحو جعفر وعنبر وجندل وسخبر والصفة نحو
سلهب وخلجم وصقعب وشجعم.
[283]
والثاني فِعْلِل بكسر الأول والثالث ويكون في الاسم والصفة
فالاسم نحو زبرج وزئبر وقرطم وعظلم والصفة نحو صمرد
دلقم وزهلق وضمرز وخرمل وهدمل وخضرم
ولطلط ودردح.
قال ابن جني «وإنما أكثرتُ من هذا لأن
أبا العباس ذكر أن فِعْلِلا في الصفة قليل».
والثالث فِعْلَل بكسر الأول وفتح الثالث ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو قلعم ودرهم وقلفع وقرطع والصفة نحو هجرع هبلع وقيل إن الهاء في هذين المثالين زائدة لأنهما من الجرع والبلع فوزنهما على هذا هِفْعَل وقد حكى الخليل أنه [284]
كان يقول الهاء في هرْكولة زائدة لأنها من قولهم تَرْكلُ في مِشيتها فوزنها إذا هِفْعَولَة وإنما قادهم إلى هذا الاشتقاق كما رأيت ومذهب سيبويه أن الهاء أصلية في ذلك كله وبهجرع وهبلع مثّل الصفة في هذا البناء ومنه بعير عِلْكَد أي غليظ شديد العنق والظهر.
والرابع فُعْلُل بضم الأول والثالث ويكون في الاسم والصفة أيضا فالاسم نحو ثرتم وبرثن وحبرج وفلفل والصفة جرشع وكندر وصنتع وكلكل.
والخامس فِعَلٌّ بكسر الأول وفتح الثاني ويكون في الاسم والصفة
فالاسم نحو قِمَطْر وهو ما تان به الكتب وفِطَحْل وصِقَعْل
وهِدَمْلَة والصفة نحو هزبر وسبطر ودِرَفْس وقمطر وهو
الشديد من الجمال الصُّلب.
[285]
والسادس فُعْلَل بضم الأول وفتح الثالث وهو ما استدركه الأخفش
ومثاله في الاسم جُخْدَب وضُفْدَع وجُندَب وطُحلَب وبُرقَع
وجُؤذَر إلا أنّ جُؤذَرا زعم الفارسي أنه أعجمي.
ومثاله في الصفة
جُرْشَع نقله أبو حيان في الارتشاف فمثال هذا فُعْلَل بلا شك إلا أنّ
النحويين فيه على فرقتين فمنهم من أخذ به وصحح الاستدراك
والناظم منهم وهو رأيه في الفوائد أيضا وزعم ابن جني أن جميع
البصريين مخالفون لأبي الحسن في هذا إلا من أخذ بقوله وعزوا نقل الفتح
وإثباته للكوفيين وأن البصريين لا يثبتونه وهو الذي رجح في التسهيل
فقال «وتفريعُ فُعْلَل على فعْلُل أظهرُ من أصالته» والذين نفوا وجود هذا
البناء قالوا إن الفتح تخفيف من الضم والدليل على ذلك أنه ليس منها مثال
إلا والضم قد جاء فيه فقد قالوا فيها جُخْدُب وجُنْدُب وطُحْلُب بُرْقُع
جُؤْذُر بل زعم الزُّبيدي أن الضم هو الأفصح فيها ومثله ذكر ابن جني أنه هو المعروف.
[286]
وهذا كله لا يلزم والفتح منقول فلا بد من قبوله ومن قال إنه مفتوح
من المضموم فدعوى لا دليل عليها ولم يثبت من كلام العرب تخفيف الضم
بالفتح فيُحملَ هذا عليه مع أنه ليس فيه ذلك الثقل وأما قولهم في غُرُفات
غُرَفات فليس تخفيفا من المضموم بل هو تحريك الساكن بالفتح وحملٌ
لفُعْلَة على فَعْلَة وأيضا فقد ألحقوا بفُعْلَل فقالوا سُودَد قالوا عُوطط
وعُنْدَد وحُولَل وقُعدَد والإلحاقُ لا يكون بأصل بناء ففُعْلَل
بلا إشكال أصلُ بناء ولم يُثبته سيبويه إذ لعله لم يحفظه أو لم يتحقق نقلُه
عنده ولا يلزم من هذا عدمُ قولِه به إن ثبت على أن سيبويه تأول قُعدَدا
ونحوه على أنه لم يلحق بجُخْدَب فقال «وقالوا قُعدَد فألحقوه بجُندَب
وعُنصَل بالتضعيف» وهذا معترض فإنه إلحاق مزيدٍ بمزيد.
فأجاب السيرافي بأن هذه النون لما لم تسقط شُبّهت بالأصل فألحقوا بها
قال وقُعدد يذل الاشتقاق على سقوط الدال منه يقال هذا أقْعَدُ من هذا
[287]
لأن القُعدَد أقعدُ القرابة في النسب وهذا وإن كان تأويلا يمكن أن يقال مثله فإنه لا يقوى قوة ما احتج به الناظم فالظاهر إثباته كما ذهب إليه هنا.
هذه جملةُ ما ذكر الناظم من الأبنية للرباعي وذكر غيرُه أربعة أبنية زائدة على ما ذكره.
أحدها فَعْلِل بفتح الأول وكسر الثالث ذكروه في الأسماء قالوا ما عليه طحرية أي قطعة ثوب حكاه أبو عبيدة عن أبي الجراح لغة في طِحْرِية استدركه الزبيدي وابن خروف وتبعهما ابن عصفور أيضا.
والثاني فَعَلٌّ بضم الأول وفتح الثاني حكى أبو زيد في الصفات امرأة هُرَكْلَة في هُرْكُولة وذكر الزبيدي في استدراك هذا المثال من الأسماء أنه يُقال لقيت منه الفُتَكْرِين لغةٌ في الفِتكْرين فأثبت به فُعَلا وغلَّطه الناس في هذا المثال لأنه إنما يصح على أنه يقال الفُتَكرون في الرفع الفُتَكرين في النصب والجر فإذا ثبت هذا نقلا فحينئذ يصح ما قال وإلا فلعله فُتَكْرِين كقُذَعْمِيل فالذي يصح من تمثيل هذا قولهم هِرَكْلَة وذكر أبو حيان في الارتشاف هذا البناء وأثبته بقولهم خُبَعْثٌ ودُلَمْز [288]
وقال: خلافا لمن نفاه.
وأنشد الجوهري شاهدا على الدُّلَمْزِ قول الراجز
أبناءَ كلِّ سلب ووهز... دُلامِز يُربي على الدُّلَمْزِ
لكنه حمله على أنه مخفف من دلامز
والثالث فُعْلِل بضم الأول وكسر الثالث في الأسماء أيضا حكى ابن خروف الضم في طَحْرِبَة وأنه يقال طُحْرِبة واستدركهما معا.
والرابع فِعْلُلٌ بكسر الأول وضم الثالث حكى ابن جني في الأسماء عن بعضهم زِئْبُر وضِئبل خرفع.
وكأن الناظم لم يُثبت هذه الأبنية بمثل هذا السماع لشذوذه وقلة
استعماله أو لغير ذلك مما يشير إليه بعدُ.
وقد حكى ابن سيده في العَرَنْتُنِ
العَرْتَنَ والعَرْتُنَ وذلك يُثبت مثال فَعْلُل وهو بناء خامس.
ثم قال «وَإِنْ عَلَا... فَمَعْ فَعَلَّلٍ حَوَى فَعْلَلِلَا» إلى آخره.
الضمير في
«علا» راجعٌ إلى الاسم يعني أنّ الاسم إن علا على ألأربعة فصار خماسيا
فإنه يحوي هذه الأمثلة الأربعة أحدها فَعَلَّلُ بفتح الأول والثاني والرابع ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو سَفَرْجَل وفرزدق وزبرجد وخدرنق والصفة نحو شمردل وهمرجل وجنعدل.
[289]
والثاني فَعْلَلِلٌ بفتح الأول والثالث وكسر الرابع ويكون في الصفة نحو قهْبَلِس وجحمرش وصهصلق وقنفرش قال سيبويه «ولا نعلمه جاء اسما» ويظهر من المازني أنه قد جاء اسما لأنه لما مثّل بنات الخمسة قال «وتكون هذه الخمسة أسماءً وصفات» ويدلّ على ما قال المازني أنهم قالوا قَهْبلس للمرأة العظيمة لحشَفَةِ الذكر أيضا وقد قال الجوهري إنه الذكر نفسه وبهذا قد يثبت مجيئُه اسما.
والثالث فُعَلِّلٌ بضم الأول وفتح الثاني وكسر الرابع ويكون في الاسم والصفة فالاسم نحو خُزَعْبِلَةٍ ويقال ما في السماء قُذَعْمِلَة أي شيء من السحاب والصفة نحو قُذَعمل للضخم من الإبل والخُبَعْثين.
والرابع فعْلَلٌّ بكسر الأول وفتح الثالث ويكون اسما وصفة
فالاسم نحو قِرْطعْبٍ وحنبتر وقرزحلة والصفة نحو جِرْدَحْل
وخنزقر وقرطعن.
[290]
هذا ما ذكره الناظم من الأمثلة للخماسي وقد زاد غيره على هذه الأبنية ستة أبنية.
أحدها فُعْلَلِلٌ بضم الأول وفتح الثالث وكسر الرابع وهو المشهور في استدراك الزبيدي وابن السراج وغيرهما ومثاله الهُنْدَلِعُ لبقلة.
والثاني فَعِلِّلٌ بكسر الأول والثاني والرابع ومثاله عِقَرْطِلٌ اسم لأنثى الفِيَلة حكاه ابن سيده.
وهذان المثالان ذكرهما الناس واشتهرا والأول أشهرهما.
والثالث فِعَلَّل بكسر الأول وفتح الثاني والرابع
والرابع فُعُلَّل بضم الأول وفتح الثالث
والخامس فَعْلَل بفتح الأول والثالث
والسادس فُعُلُّل بضم الأول والثاني والرابع
وهذه الأربعة الأخيرة ذكرها أبو حيان وأثبتها مع ما تقدم وأتى لها
بمثل لم أقيِّدها كما أحب فتركتها فانظرها في الارتشاف له.
ولم يعول
الناظم على شيء من هذا وإنما أثبت ما أثبته سيبويه والجمهور وما
عداها فمحتمل أو نادر.
[291]
ثم أخذ الناظم ينفي غير ما ذكر بقوله «وَمَا... غَايَرَ لِلزَّيْدِ أَوِ النَّقْصِ
انْتَمَى» ما: واقعة على الأمثلة التي تُمثَّل بها الأبنية أو على الأبنية أنفسها.
وحذف مفعول «غاير» للعلم به وهو ما تقدم من الأبنية في الرباعي
والخماسي والزيدُ: مصدر زاد يَزِيد زيدا وزيادة فيعني أنّ ما غاير ستة
الأبنية المذكورة في الرباعي والأربعة المذكورة في الخماسي من الأمثلة التي
يُلحِقُ بها المستدركون أبنية أخر ويظهر ببادئ الرأي الإلحاق بها فإنها
ليست بتلك المنزلة ولا ثابتة عنده فيها وإنما مخرجها عنده أحد أمرين:
أحدهما أن يكون المثال منتميا أي منتسبا للزيادة ومعنى كونه منتسبا لها أن يكون ذا زيادة لا يكون مجردا فما كان من الأبنية مغايرا ومخالفا لما مضى فيمكن أن يكون منها ما هو مزيد فيه وذلك نحو هُرَكْلَة فإن الهاء يمكن أن تكون زائدة كما قال الخليل في هُرْكُولَة لأنها بمعناها إذ هي بمعنى تَرْكُل في مشيتها فإذا أمكن في الهاء الزيادة لم يكن في هُرَكْلَة دليل على فُعَلٍّ ومثلُ الهُنْدَلِع لا يثبت به فُعْلَلِلٌ لإمكان زيادة النون قال ابن جني «ومن ادعى ذلك - يعني إثبات فَعْلِلَلٍ - بهُنْدَلع احتاج إلى أن يدل على أن النون من الأصل» قال ابن الضائع وإنما ينبغي أن يجعل هذا في مزيد الرباعي والنون زائدة لأن مزيد الرباعي أوسعُ [292]
من أصول الخماسي ولذلك حمل سيبويه كَنَهْبُل على زيادة النون وإن
كان ليس موضع زيادتها لكن حمله على ذلك لسَعَة باب الزيادة وضيق باب
الأصالة وكذلك مسألتنا.
وقيل مثل ذلك في زِئْبر وضِئْبل قال ابن كيسان
هذا إذا جاء على هذا المثال يشهد للهمزة أنها زائدة قال وإذا وقعت
حروف الزيادة في الكلمة جاز أن تخرج عن بناء الأصول فلهذا ما جاءت
هكذا وهذا الذي قال يُعضّده كلام سيبويه في كنهبُل وليس بخارج
عن النظر وهو أولى وإنما ادعى الزيادة لأن البناء إذا كان فيه حرف يمكن
أن يكون زائدا إلا أنه لم يقم دليل على زيادته فنحن فيه بين أمرين إما
أن ندعي أصالته فنُثبت فيه في المجردات بناء غير موجود أو ندعي زيادته
فنُثبت به أيضا بناء غير موجود فقد تعارض مكروهان فيحتمل أسهلهما
ولا شك أن باب الزيادة أقرب لأنه أوسع البابين فلذلك جعله الناظم من
باب المزيد ولم يجعله من باب المجرد.
والثاني أن يكون المثال منتميا للنقص أي يكون المثال قد حُذف منه حتى خرج عن أصل بنائه إلى بناء غير موجود مثاله مما تقدم خُبَعْثٌ يمكن - إن ثبت - أن يكون محذوفا من خُبَعْثَن في ضرورة شعرٍ تشبيها للنون الأصلية بالزائدة كما حذفوا نون «لم يك» في الجزم وهي أصلية تشبيها بما شأنه الحذف وهذا أولى من ادعاء ثبوت ما لم يثبت حتى يتضح دليل الثبوت [293]
وكذلك الدُّلَمْز إنما أصله الدُّلَمِز الذي أصله الدُّلامِز ثم سكّن الميم في الضرورة بعد حذف ألف الدلامز وهو رأي صاحب الصحاح فيه وهو رأي صَحاح.
ومثاله من غير ما تقدم ما جاء على مثال فَعَلُل وفَعَلِل وفَعَلَل وفُعَلل
فالأول نحو عَرَتُن وعرقص وعَبَقُر أما عرتُن فأصله عَرَنْتُن قال
سيبويه وإنما حذفوا نون عرنتن كما حذفوا ألف عُلابط وكلتاهما يتكلم
بهما يعني أنه يجوز أن يقال عرنتن وعرتن فعرتن قد حذفت منه النون
وأصله أنه مزيد فيه رباعي الأصول كقَرَنْفُل فإذًا فَعَلُلٌ لا يثبت به أصلُ
بناء وأما عَرَقُصٌ فمحذوف أيضا أصله عريْقُصٌ قال ابن سيده
العَرَقُص والعُرَقِص والعُرْقُصاء والعُرَيْقصاء والعُرَيْقصان
والعرَقُصان والعَرَيْقص كله نبت فإذًا ليس بفَعَلُلٍ على الحقيقة وإنما هو عَرَيْقُصٌ فَعَيْلُلٌ من الرباعي المزيد فيه.
وأما عَبَقُرٌ فمُغيَّر أيضا وهو في المثل أبردُ من عَبَقُرٍّ ويقال حَبَقُرٍّ بالحاء فقيل إنه محذوف من
[294]
عَبَيْقر وقيل أصله عَبَقُور فحذفت الواو وهذا هو الجاري على طريقة الناظم وقد ذكر الجوهري في توجيه عبقُرّ أنهما كأنهما كلمتان جُعلتا كلمة واحدة قال لأن أبا عمرو بن العلاء يرويه أبردُ من عَبِّ قُرّ قال العبُّ اسم البَرَج الطي ينزل من المزن وهو حب الغمام فالعين مُبدَلة من الحاء والقُرُّ البَرْدُ وأنشد
كأن فاها عب قر بارد... أو ريح روض مسه تنضاح
وأما قول المرار بن منقذ
أعرفت الدار أم أنكرتها... بين تبراكٍ فشَسَّى عبقر
فذكر عن المازني أنه أراد عبقر فغير الصيغة وقال الجوهري «ولما احتاج إلى تحريك الباء لإقامة الوزن وتوهم تشديد الراء ضم القاف لئلا يخرج إلى بناء لم يجئ مثله فألحقه ببناء جاء في المثل وهو أبرد من عبقر».
والبناء الثاني نحو ذَلَذِل وزَلَزِل وجَنَدِل لا يثبت به فَعَلِلٌ لأنها محذوف منها إلا أنهم اختلفوا في المحذوف هنا فذهب سيبويه والجمهور [295]
إلى أنّ المحذوف الألف وأصلها ذلاذِل وزلازل وجَنادل والذي قادهم إلى أن المحذوف هو الألفُ أنهم نطقوا بها فقالوا ذلاذِل قال الزَّفَيان
مشمّرا قد رفع الذلاذلا
أنشده الجوهري وإنما دخله التنوين لنقص البناء ونُقل عن الفراء ونسبه ابن مالك للفارسي أيضا أنّ المحذوف ياءٌ وأن الأصل ذَلَذِيل وزَلَزِيل وجَنَديل وإياه ارتضى في التسهيل والذي رأيتُ في التذكرة للفارسي لا يتعين منه أنه مذهبه قال فيها: قولهم ذَلَذِل حمله سيبويه على أنه جمع حذفت منه الألف وغيره يحمله على أنه ذلذيل وينكر ما ذهب إليه سيبويه من حذف الألف ومن حجته في ذلك إنه يقول إن لمعنى وحرف المعنى لا يحذف هذا ما ذكره فيها فيما رأيتُ وقد رأيت له فيها المشيَ على طريقة سيبويه والجمهور في مواضع فهذا «الغير» يحتمل أن يكون الفراءَ وهو الأظهر فلا يكون الفارسي مخالفا للجمهور وقد وجّه هذا المذهب بعضُهم بأن تلك الألفاظَ تقع على مفرد لا على جمع وفَعَلِيل معروف في الآحاد بخلاف فَعالِلَ فإنه مقصور الاستعمال على الجمع قال شيخنا القاضي رحمه الله ومذهب الفارسي ظاهر إلا أنه يلقاه فيه أنه ليس في أشبه الرباعي فَعَلِيل وإنما هو في الثلاثي المزيد فيه كصَمَكِيكٍ حَمَصِيصٍ وما [296]
أشبه ذلك إلا أنه رحمه الله قال لنا وقت قراءة هذا الموضع من التسهيل عليه: يغلب على ظني أن الفارسي ذكر من الرباعي مثالا على فَعليل قال: ولا أُحقِّق أذكر ذلك في التذكرة أم لا؟ فإن ثبت ما قاله فيسهل الجواب عن هذا الاعتراض ورجح بعض الشيوخ مذهب الجماعة أيضا بوجهين:
أحدهما أن سيبويه صرّح بالترادف بينه وبين ذي الألف قال ويقول بعضهم جَنَدِل وذلذِل يحذفون ألف جنادلَ وذلاذِلَ وينوّنون ويجعلونه عوضا من هذا المحذوف.
والثاني أن التخفيف من لفظ مستعمل أولى من التخفيف من لفظ لم
يُستعمل قطّ.
قال وما ذُكر من حذف حروف المعاني إذا كان على الجواز
ووُجد المُحرِزُ وفهم المعنى فقريب.
هذا ما قال وهو بناء على تسليم أن الألف فيها حرف معن وإنما يُتصور ذلك على تسليم أنها جموع لا مفردات فإنِ ادُّعيَ أنها مفردات - وهو ظاهر من تفسير معناها - فمثلُ تلك الألف في المفرد ليست لمعنى كألف عُلابِط وعُكامِس وإذا تقرر هذا فالحذف متقرر باتفاق الجميع وليس للناظم هنا في المحذوف مذهب معين من المذهبين.
والبناء الثالث نحو عَرَتَن هذا أيضا محذوف على مُقتضى الناظم وأصله عرنْتَن ذكره الزبيدي أنه يقال عرتُن وعرنْتُن وعرتَن [297]