فعطف على الياء من (بي) من غير إعادة الباء.
وأنشد أيضًا:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا... فأذهب فما بك والأيام من عجب
وأنشد الفراء:
تعلق في مثل السواري وسيوفنا... فما بينها والكعب غوط نفانف
وأنشد للعباس بن مرداس:
أكر على الكتيبة لا أبالي... احتفى كان فيها أم سواها
وأنشد قطرب والفراء
هلا سألت بذي الجماجم عنهم... وأبي نعيمٍ ذي اللواء المحرق
وقال الآخر:
إذا أوقدوا نارًا لحرب عدوهم... فقد خاب من يصلي بها وسعيرها
فهذه جملة أيضًا من النظم، المنقول عن الثقات ثابتًا غير نادر، فلا بد من القول بجوازه وإن كان الأولى إعادة الخافض فالسماع هو المتبع.
ووجه القياس في المنع، فيه نظر عند المؤلف، وذلك أنه نقل عنهم في ذلك وجهين:
أحدهما: أن الضمير المجرور شبيه بالتنوين، ومعاقب له، فلا يعطف عليه، كما لا يعطف على التنوين.
والثاني: أن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصلحا لحلول كل واحد منهما محل الأخر، وضمير الجر غير صالح لحلوله محل ما يعطف عليه، فامتنع العطف عليه إلا مع إعادة الجار، وما نقل عنهم ضعيف عنده جدا.
أما الأول: فيلزم على اعتباره ألا يعطف عليه وأن أعيد الجار، لأن التنوين لا يعطف عليه بوجه.
وأيضًا فيلزم أن يمنع توكيده والبدل منه: إذ ليس في التنوين ذلك، والبدل والتوكيد من ضمير الجر جائز اتفاقًا، فللعطف أسوة بهما.
وأما الثاني: فلو كان من شرط المعطوف والمعطوف عليه حلول أحدها مكان الآخر لامتنع: رب رجلٍ وأخيه.
وأي فتى هيجاء أنت وجارها
"وكل شاةٍ وسخلتها"، وأمثال ذلك، فلما لم يمتنع في هذه الأشياء لم يمتنع في مسألتنا.
هذا ما قال، وكأنه نقل تعليلي سيبويه والمازني.
أما تعليل سيبويه فمعناه أن ضمير الخفض اجتمع فيه
أمران:
أحدهما: أنه لا يتكلم به إلا معتمدًا على غيره وهو الخافض، وأنه يقع من الخافض موقع التنوين، فصار عندهم بمنزلة التنوين، فلما اجتمع فيه هذان الوجهان من الضعف كرهوا أن يعطفوا عليه.
ووجه التعليل بهذا أنه لما صار كبعض اسمٍ كرهوا العطف عليه؛ إذ لو عطفوا عليه مع الجار لكان من عطف / اسمٍ على اسم وحرف، أي من عطف اسم على جاًر ومجرور، وذلك قبيح، فلم يكن بد من إعادة الخافض لأن الكلام يقتضيه، وللمناسبة أيضا بين المعطوف والمعطوف عليه، حتى يكون كعطف الجار والمجرور على مثله.
وأما تعليل المازني فمعناه أنه حمل الشيء على مقابله، فكما امتنع نحو: مررت بزيدٍ وكه، حتى تقول: وبك، كذلك امتنع نحو: مررت بك وزيدٍ، حتى يقال: وبزيدٍ، ومن شانهم أن يحملوا النظير أو المقابل الذي ليس فيه موجب على نظيره أو مقابله الذي فيه الموجب، ليجرى الجميع مجرى واحدًا، فهذا تعليل مشبه، كما أن تعليل سيبويه مشبه أيضا، فلم يجعل وقوع الضمير موقع التنوين علةً مستقلة، بل مجموع الأمرين هو العلة كما تقدم.
وإذا تقرر هذا فما أتى به المؤلف من الرد عليهما ينبغي أن يتأمل، وأمثل ما يتعلق به السماع، ومع هذا فقد تقدم في باب الإضافة ما يتعلق به هذا الموضع والله الموفق.
ثم قال:
والفاء قد تحذف مع ما عطفت... والواو إذ لالبس وهي انفردت
بعطف عاملٍ مزالٍ قد بقى... معمولة دفعًا لوهم اتقى
هذا فصل يذكر فيه ما يجوز حذفه من التابع أو المتبوع، فتكلم أولا في التابع، يعني أن التابع، وهو المعطوف، قد يحذف مع عاطفه قليلا، لكن في الكلام، ولا يختص ذلك بالشعر، ويدل على أنه قليل إتبانه بـ (قد) إذ عادته أنه لا يأتي بها إلا إيذانًا بالقلة.
وذلك صحيح هنا، إذ ليس له في النقل كثرة.
ويدل على أنه لا يختص بالشعر إطلاقه، إذ لو أراد الشعر لبينه، ولأنه إذا أشعر بالقلة دل ذلك من قصده أنه أراد في الكلام.
لكنه لا يحذف إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الحرف (الفاء أو الواو) إذ لا يجوز ذلك في غيرهما، فلا تقول: جئت زيدًا لأكلمه ثم أجابني، تريده ثم كلمته ثم أجابني، إذ لا دليل على (ثم) وكذلك غيرها من حروف العطف ما عدا (أم) فإن الشاعر قد قال:
دعاني إليها القلب إني لأمرها... سميع فما أدري أرشد طلابها
يريد: أم غى، ولعله عنده قليل لا يقاس عليه فلم يعتبره.
والثاني: أن يكون في الكلام دليل على المحذوف وهو قوله: (إذ لابس) أي إنما حذفت لأجل أن في الكلام ما يدل عليه، فلا يلتبس معنى الكلام بحذفه، فلو كان الكلام يلتبس بذلك لم يحذف أصلا.
فإذا قلت: جاءني زيد فأكرمته، تريد جاءني فمدحني فأكرمته لم يجز، إذ لا دلالة على إرادة المحذوف، فإذا اجتمع الشرطان جاز.
فأما (الفاء) فقولك: أتيت زيدًا لأكلمه فأجابني بكذا.
التقدير: فكلمته فأجابني هذا محصول المعنى ولابد، وهو مفهوم، وفي القرآن: } اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون.
قالت يا أيها الملأ ﴿، فالمعنى: فذهب فألقاه فقالت.
والآية شاهد / على حذف معطوفين اثنين وقد حذف أكثر من ذلك في قوله: ﴾ فأرسلون
يوسف أيها الصديق أفتنا ﴿، فإن المعنى: فأرسلوه، فأتاه، فقال: يوسف أيها الصديق.
ومنه أيضا: ﴾ فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ﴿، المعنى: فضرب، فانفجرت.
وقال تعالى﴾ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ﴿أي فضربوه فحيي، فقلنا: كذلك يحيي الله الموتى.
وقال: ﴾ ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم ﴿أي: فامتثلتم، فتاب عليكم.
وهذا كله من "عطف الجمل".
وأما (الواو) فهو المنبه عليها بقوله: (والواو) وهو عطف على الفاء "عطف المفردات" وذلك عندهم جائز، كأنهم تناسوا الخبر للعلم به، ولذلك تقول العرب: زيد قائم لا عمرو، لأن (لا) إنما تعطف المفردات.
ويجوز أن تكون (الواو) مبتدًأ محذوف الخبر، لتقدم ما يدل عليه، كأنه قال: والواو كذلك تحذف مع ما عطفت، فتكون المسألة من "عطف الجمل".
ويجوز أن يعطف على الضمير في (تحذف) ويسهله الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه.
ومثال حذف (الواو) ومعطوفها قوله تعالى: ﴾ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴿. المعنى عندهم: الحر والبرد، وقال تعالى: ﴾ وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل {. قالوا معناه: ولم تعبدني، وهذا من "عطف الجمل"
وقال: ﴿نفرق بين أحدٍ من رسله {. أي بين أحدٍ وأحد، وقال: ﴾ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴿. يريد: ومن أنفق بعده وقاتل، يدل على ذلك قوله: ﴾ أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴿، وقوله تعالى: ﴾ بيدك الخير ﴿. قالوا معناه: والشر، لقوله تعالى: ﴾ تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء {. إلى آخرها.
وقالت العرب: راكب الناقة طليحان، يريد: راكب الناقة والناقة طليحان، وأنشد سيبويه لميسون بنت بحدل الكلبية:
للبس عباءةٍ وتقر عيني... أحب إلى من لبس الشفوف
أي: ولا تقر عيني، وقال النابغة: فما كان بين الخير لو جاء سالمًا... أبو حجرٍ إلا ليالٍ قلائل المعنى: فما كان بين الخير وبيني، وقال امرؤ القيس: كأن الحصى من خلفها وأمامها... إذا نجلته رجلها كف أعسرا أراد: إذا نجلته رجلها ويدها، والبيت وما قبله دال على ذلك، وقال مساور العبسي: قد سالم الحيات منه القدما... الأفعوان والشجاع الشجعما
وذات قرنين ضموزًا ضرزما
أراد: قد سالم الحيات منه القدم والقدم، الأفعوان وكذا وكذا، على هذا حمله بعضهم.
وظاهر كلامه أن مثل هذا الحذف يقاس عليه وإن كان قليلا في النقل إذ يسند ذلك إلى العرب، بل قال: (قد تحذف).
ويحتمل أن يريد أنها تحذف في كلام العرب، ويبقي مسكوتا عنه في القياس.
وعلى الجملة، فإذا تعين المحذوف ساغ حذفه.
ثم قال: "وهي انفردت بكذا"، "هي" ضمير عائد على أقرب مذكور لأنه الأصل، وأقرب مذكور هو (الواو) فيريد أن الواو انفردت عن (الفاء) بعطف عاملٍ مزال، أي محذوفٍ قد بقي معمولة، على عاملٍ ظاهر، وذلك ليس بجائز في (الفاء).
وأشار بهذه العبارة إلى نحو قوله / تعالى: } فأجمعوا أمركم وشركاءكم {فقوله: "وشركاءكم" لا يصح عطفه على "أمركم" إذ يلزم منه التشريك في العامل الذي هو "أجمعوا" وأنت لا تقول: أجمعوا شركاءكم، على (أفعل) وإنما يقال: اجمعوا، ثلاثيًا و (أجمع) مخصوص بالأمر والكيد ونحوه، وإذا كان كذلك فلابد من تقدير ما يصح أن يكون عاملا في "الشركاء" وذلك (جمع) الثلاثي، فكأنه قال: فأجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم، فصارت (الواو) إنما عطفت عاملا محذوفا قد بقى معموله على عامل ظاهر.
ومن ذلك قوله تعالى: } والذين تبوؤا الدار والإيمان {التقدير واعتقدوا الإيمان، إذ لا يقال: تبؤوا الإيمان - إلا على مجاز، والأصل الحقيقة، وأنشد النحويون: إذا ما الغانيات بررن يومًا... وزججن الحواجب والعيونا أراد: وكحلن العيون، وأنشد أيضا: علفتها تبنًا وماًء باردًا... حتى شتت هملةً عيناها أي: وسقيتها ماء باردا، وأنشدوا أيضا: يا ليت زوجك قد غدا... متقلدًا سيفًا ورمحا أي: وحاملاً رمحا.
فهذه المثل مما عطفت فيه (الواو) العالم المزال على الظاهر.
ومن ذلك أيضا على رأى سيبويه: مررت بزيدٍ وعمرًا، لا يمكن أن يكون "عمرو" معطوفا على موضع "زيد" لأنه لا يمكن أن ينفصل الجار عنه فتقول: مررت زيدًا وعمرًا، كما جاز ذلك في قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وصحة العطف على الموضع متوقفة على صحة إظهار الموضع، فإنما صح: مررت بزيدٍ وعمرًا، على أضمار فعل، وذلك الفعل معطوف على (مررت) فدخل تحت ضابطه، وكذلك قولك: حسبك وزيدًا درهم.
حمل سيبويه (زيدًا) على فعل مضمر دل عليه "حسبك" لأن معناه: يكفيك، فكأنه في التقدير: يكفيك ويكفى زيدًا درهم، ومثله: كفيك وزيدًا درهم ونحوه، وكذلك: ويل له وأباه، فـ (أباه) مفعول بفعل مضمر دل عليه (ويل له) لأن معناه ومعنى المنصوب واحد، فكأنه قال: وألزم الله أباه الويل.
ومن ذلك قولك: هذا ضارب زيدٍ أمس وعمرًا، فإنه منصوب بفعل دل عليه "ضارب" أي: وضرب عمرًا، أو يضرب عمرًا؛ إذ لا يصح حمله على موضع "زيد" لأنه لا موضع له عند المؤلف والبصريين، فتعين الإضمار.
وكذلك اسم الفاعل المراد به الحال أو الاستقبال إذا عطف على مخفوضه منصوب، سيبويه يحمله على إضمار الفعل، فإذا قلت: هذا ضارب زيدٍ غدًا وعمرًا، فـ (عمرا) منصوب بفعل، وليس عطفا على الموضع لفقد شرطه، وهو وجود المجوز للنصب، وهو هنا التنوين الذي كان في "ضارب" وقد ذهب.
فكل هذا داخل تحت قوله: (وهي انفردت بعطف عاملٍ مزالٍ قد بقى معموله) إذا فرضنا أن الناظم قائل بمقتضى هذه المسائل.
أما الأمثلة المتقدمة فلا مرية / أنه قصد التنبيه عليها.
وأما مررت بزيدٍ وعمرًا، فيمكن أن يكون قائلاً فيها بمذهب ابن جنى وابن خروف، وكذلك مسألة اسم الفاعل لغير الماضي، وقد تقدم في باب "اسم الفاعل" ما يشعر بأن لا حذف هنالك عنده، ويمكن في المسائل الأخر أن يقول فيها بالنصب على المفعول معه، فلا تتعين للتمثيل بها هنا.
فإن قيل: هذا الكلام غير بين من وجهين:
أحدهما: أن الناظم لم يبين فيه المعطوف عليه ماذا يكون، أهو عامل آخر أم لا؟ وإلى هذا فلعله ليس معطوفا إلا على جملة اسمية نحو: هذا لك وأباك، فإنه إنما يتصور نصب (الأب) على عامل مقدر وهو فعل، ولا فعل في (هذا لك) لكنها ممنوعة، فإطلاقه يدخلها في حكم الجواز على إضمار الفعل، وليس كذلك.
قال سيبويه: وأما (هذا لك وأباك) فقبيح، لأنه لم يذكر فعلاً ولا حرفًا فيه معنى الفعل، حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل.
وأيضًا فعلى تسليم أنه ذكر ذلك لم يبين أهو ظاهر أم مضمر، ولابد أن يكون ظاهرا، فنقصه من العبارة (بعطف عاملٍ مزالٍ قد بقى معموله على عاملٍ ظاهر.
والثاني: أن هذه المثل المتقدمة وما كان نحوها إنما جاز ذلك فيها بشرط أن يكون العاملان يجمعهما معنى واحد، وذلك هو الذي سوغ الحذف، ولأجل هذا والذي قبله قال في "التسهيل": وعامل مضمر على عاملٍ ظاهرٍ يجمعهما معنى واحد.
لأن معنى الجمع في "أجمعوا" و "واجمعوا"، ظاهر، وإن كان "أجمعوا" مختصًا بالأمر ونحوه، وكذا "تبوؤا الدار والإيمان"، فيهما معنى "لازموا، أو صحبوا" أو نحوه.
وقوله:
وزججن الحواجب والعيونا
فيهما معنى (حسن) وفي قوله:
علفتها تبنًا وماًء باردًا
فيهما معنى (أعطيتها كذا).
وفي قوله:
متقددًا سيفًا ورمحا
معنى (حاملاً) ونحوه، فلو كان على غير هذا لم يجز على ما اقتضاه كلام "التسهيل"، ولم يقيدها هاهنا، فكان قصورا في أداء معنى المسألة.
فالجواب: أن شرط الحذف كما تقدم الدلالة على المحذوف، ولو كانت الجملة المعطوف عليها ليس فيها فعل ولا ما يدل على الفعل لم يكن ثم دال على المحذوف، فتكون المسألة ممتنعة من حيث أخرجها شرط الدلالة على المحذوف، وإذ ذاك تبقى مسألة سيبويه، خارجةً عن كلامه على مقتضى الشرط.
فإن قلت: وأين شرط هنا الدلالة على المحذوف؟
قيل: قد تقرر من نظمه في مواضع متعدده أن اللفظ لا يحذف إلا لدليل منها البيت قبل هذا، بل هذه المسألة كأنها فرع مما قبلها.
فإذا ثبت هذا لم يحتج إلى إعادة الاشتراط، وحصل / أن العامل لم يحذف حتى كان عليه دليل، وهو العامل المتقدم، فمن حيث
كان دليلاً عليه لابد أن يكون مجتمعا في المعنى معه، وإلا فليس بدليل، ولابد أن يكون ذلك الدليل هو المعطوف، لأنه الأصل، ولأنه دليل على ما حذف، ولو كان غير ظاهر لم يكن دليلا، بل محتاجا إلى ما يدل عليه.
والجواب عن الثاني قد تضمنه الجواب عن الأول، لأن شرط الدلالة على المحذوف يستلزم اجتماعهما في معنى واحد، فلم يفتقر إلى زيادة، وهذا من جملة اختصاراته المستحسنة.
وقوله: (دفعًا لوهمٍ اتقى مفعول له، يحتمل أن يرجع إلى قوله: (قد بقى معموله).
يريد أن ذلك المعمول قد بقى ولم يحذف مثل ما حذف عامله دفعًا للوهم الذي كان يحصل بحذفه، واللبس الواقع بسببه، لأنه لو حذف المعمول معه عامله لم يبق ما يدل على أن ثم محذوفًا، وهذا متقًى ومحذور في الكلام، وإن فرض أن ما تقدم دال على عامل فإنما يدل إذا تعين موضع الدلالة، والمعمول هو الذي يعينه، فإنك لو قلت: مررت بزيدٍ، ولم تذكر (عمرًا) بأن تقول: مررت بزيدٍ وعمرًا - لم يكن ثم ما يدل على حذف عامل لـ (عمرو) وهو (لقيت) أو نحوه، فلما جئ بالمعمول اقتضى عاملاً، لأن كل معمول لابد له من عامل، فجاء العامل المعطوف عليه بتعيينه موافقًا لذلك المعمول، ولائقًا به، فتقدره من معناه في نحو: مررت بزيدٍ وعمرًا، ونحوه:
علفتها تبنًا وماًء باردًا
ومن لفظه ومعناه في نحو: هذا ضارب زيدٍ وعمرًا على رأي سيبويه.
ويحتمل أن يكون راجعا إلى الحكم الأول، وهو عطف العامل المزال، كأنه قال: انفردت (الواو) بعطف كذا دفعًا لوهمٍ اتقى
ويعني أن هذا الحكم ثبت للواو، وهو عطفها للعامل المحذوف على العامل المذكور دفعًا لما يذهب إليه الوهم من عطف المعمول المذكور بعد (الواو) على ما قبلها، فإنك إذا قلت:
علفتها تبنًا وماًء باردًا
فالوهم يسبق إلى عطف "الماء" على "التبن" من غير تقدير شيء، وليس المعنى عليه.
وإنما المعنى على تقدير عامل للثاني، والعامل هو المعطوف، وكذلك سائر مثل الباب، وهذا فيه نظر، والأول أوضح.
ويقال: وهمت إلى الشيء وهمًا - بإسكان الهاء - إذا ذهب وهمك إليه، وهذا هو المراد، أي دفعًا لأن يذهب الوهم إلى غير المراد.
وليس من (الوهم) المحرك الهاء، وهو الغلظ.
ثم أخذ يذكر حذف المتبوع فقال:
وحذف متبوعٍ بدا هنا استبح... وعطفك الفعل على الفعل يصح
واعطف على اسمٍ شبه فعلٍ فعلا... وعكسًا استعمل تجده سهلا
يعني أن المتبوع، وهو المعطوف عليه، قد يجوز حذفه إذا بدا وظهر معناه مع حذفه، ظاهر / إطلاقه أنه قياس وإن كان قد قال: "استبح"
وهذا لفظ يشعر بأن الأصل فيه المنع، ولذلك يقال فيما شأنه أن يمنع ويحتاط عليه هذا حمى لا يستباح، لكن السماع هو المتبع، وقد وجد الحذف كثيرا، فليقل به.
والمعطوف عليه هنا تارًة يحذف بعد "بلى، ونعم" وشبههما، وتارة يحذف مطلقا لا بعد حرف.
فالأول كقولك لمن قال: ألم تضرب زيدًا؟ فتقول: بلى وعمرًا، أو من قال: أأكرمت زيدًا؟ نعم وأخاه ومنه في القرآن الكريم: } أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون {فالعطف على معطوف غير مذكور، والتقدير: بلى ضربت زيدًا وعمرا، ونعم أكرمت زيدًا وأخاه، وكذلك سائر الباب.
وحرف التصديق هو الذي قام مقام ما حذف.
وجاء عن ابن الزبير أنه قال للرجل الأسدي إذ قال له: لعن الله ناقًة ساقتني إليك، فقال له ابن الزبير: إن وراكبها، وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
يقولون أعمى قلت: إن وربما... أكون وإني من فتًى لبصير
ومن أبيات الحماسة قول الشاعر:
لعمري لقد نادى بأرفع صوته... نعى حيي إن فارسكم هوى
أجل صادقًا والقائل الفاعل الذي... إذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى
فقوله: "والقائل" معطوف على مقدر، كأنه قال: قلت حقًا إن فارسنا والقائل الفاعل لهو، ويجوز الرفع على تقدير: هو فارسنا والقائل والفاعل.
ومما يجرى في المعنى هذا المجرى حكاية القرآن: } وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ﴿فالمعنى على تقدير: أفعل ذلك ومن كفر فأمتعه قليلا، وقوله تعالى: ﴾ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم {. المعنى هم كذلك، وثامنهم كلبهم.
وحمل السهيلي الآيتين على تقدير: نعم، والمعنى واحد، وهذا هو الثاني من الضربين.
ومنه أيضًا قول بعض العرب: وبك وأهلاً وسهلاً، لمن قال: مرحبًا وأهلاً، أي بك مرحبًا وأهلاً وسهلاً.
ومن ذلك عند المؤلف قوله تعالى: } ولتصنع على عيني ﴿أي لترحم ولتصنع على عيني، وقوله تعالى: ﴾ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولوافتدى به ﴿أي لو ملكه وافتدى به.
ومنه أيضًا في الفاء قوله تعالى: ﴾ اضرب بعصاك الحجر فانفجرت" الآية.
التقدير: فضربن فانفجرت، وقوله: } أن اضرب بعصاك البحر فانفلق {كذلك.
وقدم الاستشهاد بهذا في حذف العاطف والمعطوف لصلاحيته شاهدا في الموضعين.
وهنا تنبيهان:
أحدهما: أن معظم هذه الأمثلة في كلامي متكلمين اثنين، لا في كلام متكلم واحد.
وقد اختلفوا هل من شرط الكلام أن يكون من متكلم واحدٍ أم لا؟
فمنهم من اشترط ذلك بناًء على أن الكلام عمل / واحد، فلا يكون عامله إلا واحدًا.
ومنهم من لم يشترط ذلك لأن المتكلمين إذا اصطلحا على التكلم بكلامٍ واحد، أحدهما يتكلم بجزئه، والآخر بالجزء الآخر - فقد اشتمل على قيوده المعتبرة، فكما لا يشترط اتحاد الكاتب [كذلك لا يشترط اتحاد المتكلم].
فإن قيل: إذا لم يتحد المتكلم لم يترتب على الكلام مفهوم، كما يترتب على الكلام إذا اتحد المتكلم؛ إذ لا يعلم ارتباط أحد الجزءين بالآخر، فلا يفيد الكلام فائدة، ومن شرط الكلام الفائدة.
فالجواب: أن هذا راجع إلى السامع لا إلى الوضع، فإن الوضع إنما كان لحصول الفائدة، وذلك هو المقصود، وإلا لزم أن يكون الكلام من متكلم واحد - إذا لم تحصل به للسامع فائدة لعدم فهمه له - أن لا يكون كلاما، وذلك باطل، فأصل الكلام لا خلل فيه، وإنما الخلل في فهم السامع، فلا يكر على الكلام بالإفساد، وهذا كله إنما هو نظر في أمر قياسي، والمعتمد إنما هو السماع، فإن سمع كلام واحد من متكلمين فذاك، وإن لا فلا ينبغي أن يهمل ذلك الشرط، وقد وجدنا كلاما من متكلمين، قال امرؤ القيس والتوأم:
أحار ترى بريقًا هب وهنًا... كنار مجوس تستعر استعارا
وفيها:
كأن هزيزه لوراء غيبٍ... عشار وله لاقت عشارا
فلما أن دنا لقفا أضاخٍ... وهت أعجاز ريقه فحارا
ففي هذين البيتين الأخيرين المتبدأ والشرط في كلام أحدهما، والخبر والجواب في كلام الآخر، فالظاهر على هذا عدم اشتراط ذلك الشرط، إلا أن يقال: إن كلا من المتكلمين إنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالاً على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه، فإذا اجتمع مع اللفظ المنطوق به صار المجموع كلاما، كما يكون كلاما قول القائل لقوم رأوا شبحًا: زيد، أي المرئي زيد.
فإذًا كل واحد من المتكلمين متكلم بكلام تام، لكن أحد جزءيه غير ملفوظ به، وهذا الاحتمال بعيد وخلاف الظاهر.
فإذا تقرر هذا فالعطف على كلام الغير من هذا القبيل، فإن العطف يصير الشيئين شيئًا واحدا في المفرد والمركب.
فإذا قلنا باشتراط اتحاد المتكلم كان الكلام المعطوف في تلك الأمثلة ليس معطوفا على كلام الأول؛ بل على شيء آخر يقدر للثاني، ويصح التمثيل.
وإذا قلنا بعدم الاشتراط لم يصح التمثيل، لأن العطف إنما هو على كلام الأول فلا حذف.
ومن أمثلة ذلك أيضا قول امرئ القيس والتوآم:
فلم يترك بذات السر ظبيًا... ولم يترك بجلهتها حمارا
وليس في هذا "النظم" تصريح بأحد الرأيين.
وكلامه في "شرح التسهيل" في "شرح الكلام" وقع فيه بعض تصريحٍ بشيء، لأنه لما نقل قول من اشترط اتحاد المتكلم، ثم بحث معه - قال آخرا: فثبت أن الزيادة المذكورة مستغنى عنها.
فهذا يدل على أنه يجيز وقوعه من متكلمين، ويلزم على ذلك ألا يقدر معطوفا عليه في مسألتنا، لكنه في الوجه الثاني من وجهي البحث قدر أن كل واحد من المتكلمين / قد تكلم بكلامٍ بعضه ملفوظ به، وبعضه مقدر، فدل على اشتراط اتحاد المتكلم، وهذا تناقض فلا يعتبر كلامه هناك.
وحين مثل في "الشرح" هذه المسألة أتى بالأمثلة التي اجتمع فيها كلام كتكلمين، فانظر في هذا كله، وكذلك إذا جعلنا سكوته هنا عن اشتراط اتحاد المتكلم في قوله أول النظرم: "كلامنا لفظ مفيد كاستقم" إشعارًا بأنه لم يرتضه - لزم من ذلك مثل ما لزمه في "الشرح" من إسقاط هذه المثل، وألا يضمر شيئا.
والثاني من التنبيهين أنه قال: (هنا استبح) فقيد ما ذكر من الحكم بالمكان الذي أشار إليه، وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون إشارته إلى الباب الذي هو فيه تحرزًا من إيهامٍ كان يلحقه لو لم يذكره، لأنه قال: (وحذف متبوعٍ) ولفظ "المتبوع" لا يتقيد بهذا الباب دون غيره، فإن "المتبوع" من حيث هو متبوع، يتبعه النعت والبدل وسائر التوابع، وحذف المتبوع لا يجوز على الإطلاق، بل في موضع دون موضع، كباب (النعت) [وهذا الباب] وقد ذكر حكم النعت في موضعه حين قال: "وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه" فبحق ما قيد الحكم بهذا الموضع.
ولو قال: وحذف معطوفٍ عليه استبح إذا علم لم يحتج إي القيد المذكور.
والثاني: أن تكون الإشارة إلى المسألة القريبة الذكر، وهي مسألة الحذف، وقد قيدها بعطف (الواو والفاء) خاصة، فكأنه يقول: إن حذف المعطوف عليه إذا كان العطف بالواو والفاء مستباح لا حظر فيه، وندر ذلك مع (أو) فالنادر لا يعتد به هنا نحو قوله.
فهل لك أو من والدٍ لك قبلنا؟
قال: أراد فهل لك من أخٍ أو من والدٍ؟ فبقيت الواو والفاء، فصار كلامه هنا موافقا لما قال هنالك، واقتصر هنا على موضع السماع.
فدل على أنه أراد هنا ما كان من المثل من متكلم واحد، بخلاف ما كان من متكلمين، فإنه لا حذف فيه، فلا يسوغ أن يمثل له به، بناًء على أنه لم يشترط في الكلام اتحاد المتكلم.
وأيضا فإن العطف في كلام متكلمين لا يقتصر به على (الواو والفاء) دون غيرهما؛ إذ هو سائغ في جميع الحروف، وكذلك يسوغ في التوابع كلها، وهو لم يذكر حذف المتبوع إلا في "النعت" و"عطف النسق" فبان أن مراده في كلام المتكلم الواحد، فكلامه هنا غير متناقض، بخلاف "الشرح" كما تقدم، والله أعلم.
"وحذف" مفعول "استبح" و"بدا" في موضع الصفة لمتبوع، أي لمتبوع بادي المعنى، "وهنا" متعلق بـ"استبح" لا بـ (بدا)
ثم قال: "وعطفك الفعل على الفعل يصح"
لما تكلم على عطف "الأسماء" بعضها على بعض أردف ذلك بالكلام على عطف "الأفعال" بعضها على بعض، وعطف "الجمل" مفروغ منه على الجملة.
ويريد أن الفعل / يصح أن يعطف على الفعل، كما يصح أن يعطف الاسم على الاسم، وكما تعطف الجملة على الجملة، من غير مانع من ذلك.
وإطلاقه عطف الفعل على الفعل يقتضي أنه لا يقتصر في ذلك على المماثلة في وقوع الفعل، بأن يعطف الماضي على الماضي، والمضارع على مثله؛ بل يجوز عطفه على مثله وعلى خلافهه.
وهذا صحيح.
لكنه شرط في ذلك في "الشرح" اتحاد الزمان، فلك أن تقول: إن يقم زيد وخرج أخوه أكرمهما، وإن قام زيد ويخرج أخوه أكرمهما.
ومنه في القرآن الكريم: } إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيًة فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴿وقوله: ﴾ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جناتٍ تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا ﴿على قراءة الجزم، وهي لغير ابن كثير وابن عامر وأبي بكر، وأنشد سيبويه لقيس بن الخطيم: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها... خطانا إلى أعدائنا فنضارب ومن اتفاق الفعلين قوله تعالى: ﴾ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴿على قراءة الجزم أيضا، وهي لغير ابن عامر وعاصم، وقوله: ﴾ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴿وقوله﴾ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون {وذلك كثير.
فإن قلت: من أين يؤخذ للناظم اشتراط اتحاد الزمان؟
فالجواب: أنه لم يتعرض لهذا المقدرار من التفسير، وإنما بين أن هذه المسألة صحيحة على الجملة، أو يقال: لعله لم يعتبر هذا الشرط، وذلك أن عطف الفعل على الفعل قد يتعين وقد لا يتعين.
فإذا تعين فإنما ذلك إذا تأثر الفعل بناصب أو جازم، أو كان في موضع ما يتأثر، كما تقدم في الأمثلة، فلا يصح هنالك أن يكون من "عطف الجمل" كما يأتي، وإذا كان معمولاً لناصب أو جازم، ثم عطف عليه اقتضى دخوله تحت مقتضى العامل من التخليص إلى زمان واحد، فكان كما شرط من اتحاد الزمان.
وإذا لم يتعين فإنما ذلك إذا لم يتأثر فيلتبس إذ ذاك بعطف الجملة على الجملة نحو: قام زيد ويقوم أخوه، فيمكن هنا الوجهان كما في قولك: قام زيد وخرج أخوه، ويقوم زيد ويخرج أخوه.
ولا مانع يمنع من تقدير هذه المسال من عطف الأفعال بعضها على بعض، وإذا كانت جائزة في باب "العطف" لم يلزم فيها اتحاد الزمان، فيعطف الماضي على المضارع، وبالعكس، مع بقاء كل فعل على أصله، فلأجل هذا والله أعلم - لم يشترط اتحاد الزمان، وهو حسن من النظر.
وبعد ففي هذه العبارة فوائد:
إحداها: التنبيه على أن عطف الأفعال بعضها على بعض لا يندرج تحت "عطف الجمل" بل الأفعال في ذلك كالأسماء المفردة، وهذا مما يفتقر إلى التنبيه عليه، لأنه في أول الأمر يشكل، ولأجل إشكاله اعترض ابن
الضائع / على ابن عصفور قوله في حد "العطف": هو حمل اسمٍ على اسم، أو فعلٍ على فعل، أو جملةٍ على جملة إلى آخره، فاعترضه ابن الضائع بالتداخل، من جهة أن قوله: "أو فعلٍ على فعل" داخل تحت قوله: "أو جملةٍ على جملة" لأن الفعل لا ينفرد بنفسه؛ إذ لابد له من فاعل أو نائب عنه.
قال شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار - رحمه الله عليه: والظاهر أن هذا تحامل على ابن عصفور، لأنك إذا قلت: إن يقم زيد ويخرج أبوه فأكرمهما - فهذه (الواو) قد شركت بين الفعل الثاني والفعل الأول في حرف "إن" منفردين دون اعتبارٍ بمرفوعهما، لأن الجازم إنما يتعلق حكمه بالفعل دون توابعه، ولا حكم له في الجملة أصلا؛ إذ كان الجزم من خصائص الأفعال، ولو كان تعلقه بالجملة لم يؤثر فيها، لأن الجمل لا تؤثر فيها العوامل إذا كانت مطلوبة لها طلبا واحدا.
قال الأستاذ: والمسألة فيها طالب، ومطلوب مطلوبٍ، فحرف الشرط هو الطلب، والفعل بانفراده هو مطلوب الحرف، والفاعل هو الطالب الفعل، فإذًا لم يقع التشريك إلا بين الفعلين فقط، وما عدا الفعلين إنما هو تابع لهما، هذا كلامه - رحمه الله - وما قاله هو الصواب الذي لا إشكال فيه.
فقول الناظم: (وعطفك الفعل على الفعل يصح) منبه على هذا.
والثانية: التنبيه على أن "باب العطف النسقي" لا يختص بالأسماء، كالنعت والتوكيد المعنوي؛ بل يكون بالأفعال أيضا كما تقدم ذكره.
وأحسب أني رأيت نقلاً بجريان "عطف البيان" في الفعل، فقول الله تعالى: } ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة {. فقوله: "يضاعف" يحتمل" عطف البيان" ويحتمل "البدل" وإذا كان البدل في الأفعال سائغا، وعطف البيان شبيه بالبدل، فليجز فيه ما جاز في شبيهه.
والنافي يقول: عطف البيان أشبه بالنعت منه بالبدل، ألا ترى أنه يجري على مثله في التعريف أو التنكير، بخلاف البدل فإنه تجرى النكرة منه على المعرفة وبالعكس.
وأيضا: فإن البدل عندهم في تقدير جملة أخرى، والعطف في تقدير الجزء من المعطوف عليه، كالنعت، فعطف البيان إذًا أقرب إلى النعت منه إلى البدل، فيبعد أن يكون في الأفعال بخلاف البدل.
وأيضا: فعامة النحويين على خلاف ما ذهب إليه هذا القائل، فالوجه إسقاط عطف البيان من الأفعال، كما فعل الناظم.
والثالثة: التنبيه على أن الفعل إنما يعطف على الفعل، كما أن الاسم إنما يعطف على الاسم، لأن عطف اللفظ على اللفظ يقتضي تشريكه معه في معناه المختص به، أو في عامله المختص به، وهذا المعنى يوجب ألا يعطف الاسم على الفعل /، ولا الفعل على الاسم،
لأن عوامل الأسماء لا تطلب الأفعال، ولا بالعكس، ومعاني الأسماء لا تقتضيها الأفعال، ولا بالعكس، فلا يصح عطف اللفظ على ما ليس من جنسه ولا من شكله.
ثم لما كان من الأسماء ما هو شبيه بالأفعال، ويعطي معنى الفعل - اقتضى هذا الشبه تسويغ عطف بعضها على بعض، اعتبارًا بالمشاركة في المعنى، فأخرجها الناظم من قاعدة الامتناع إلى الجواز فقال: "واعطف على اسمٍ شبه فعلٍ فعلا" إلى آخره.
يعني أن عطف الفعل على الاسم الذي يشبه الفعل، وعطف الاسم المذكور على الفعل، سائغ لسهولة الخطب فيه؛ إذ كان الاسم من حيث أشبه الفعل كأنه فعل، فكأنك لم تعطف إلا فعلا على فعل، فلم يبق فيه ما تقدم من المحظور، فتقول: أعجبني الضارب زيدًا وأكرم عمرًا، وجاءني رجل ضارب زيدًا ويكرم أخاه.
وتقول: إن زيدًا يقوم وخارج.
فمن الأول قوله تعالى: } فالمغيرات صبحًا.
فأثرن به نفعًا ﴿وقوله: ﴾ أولم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبضن ﴿، وقوله: ﴾ إن لمصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ﴿الآية، وقوله: ﴾ فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا {على قراءة الكوفيين، ومن
الشعر قول الأخطل: وما الجار بالقاليك ما دام آمنًا... ويدعوك عند المعضل المتفاقم ومن الثاني: قوله تعالى: } يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي {. وأنشد غير واحد: أم صبى قد حبا أو دارج وأنشد ابن السراج: بات يغشيها بعضبٍ باتر... يعدل في أسؤقها وجائر
وقال الآخر:
فألفيته يومًا يبير عدوه... وبحر عطاءٍ يستخف المعابرا
وهو للنابغة.
وهذا الضرب الثاني هو المراد بقوله: "وعكسًا استعمل" أي استعمل عكس عطف الفعل على الاسم المذكور "تجده سهلا" وحقيقة العكس: واعطف على فعلٍ اسمًا شبه فعلٍ، والضمير في "تجده" للعكس.