شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 589-628

هنا ابتدأ كلامه في الأحكام التركيبية، والتراكيب كلها راجعة عند الاعتبار إلى جملتين: جملة اسمية وهي المصدرة بالاسم، وهي جملة المبتدأ والخبر، وجملة فعلية وهي المصدرة بالفعل وهي جملة الفعل والفاعل، وإلى هاتين الجملتين ترجع التراكيب الإفادية كلها، وأما جملة المنادى نحو: يا زيد فعدها قوم جملة ثالثة مباينة للجملتين المتقدمتين فهي عندهم مركبة في الأصل من الحرف والاسم وعند الجمهور هي راجعة إلى الجملة الفعلية على تقدير نيابة الحرف عن الفعل، وهذا مذهب ابن مالك في "التسهيل" إذ قال: "المنادى": منصوب لفظا أو تقديرا بـ "أنادي"/ لازم الإضمار، وأما في هذا النظم فهو محتمل، لأنه لما فرغ من الأحكام المتعلقة بالجملتين الاسمية والفعلية ذكر بعد ذلك النداء فيمكن أن يكون ذلك مقطوعا مما تقدم، لأن كون النداء من قبيل الجمل الفعلية أمر تقديري وحكم لو ظهر لنا في معنى النداء، ويمكن أن يكون ألحق النداء بما قبله من الجملة الفعلية وأخر ذكره لما فيه من كون الفعل مقدرا أبدا، ويدل على هذا الإمكان ذكره في "باب التحذير والإغراء" (لاشتراكهما في امتناع ظهور الفعل، فهذا الثاني أظهر في قصد الناظم) وهو موافق لمذهبه في "التسهيل"، وقد شرع في ذكر الجملة الاسمية أولا وما يتعلق بها من الأحكام، ثم أتبعها بالجملة الفعلية وما يتعلق بها فأما الجملة

الاسمية فقال فيها: مبتدأ زيد وعاذر خبر... إن قلت زيد عاذر من اعتذر وأول مبتدأ والثاني... فاعل أغنى في أسار ذان هذه توطئة اصطلاحية في معنى المبتدأ والخبر، تفيد التعريف بهما على الجملة فيعني أنك إذا قلت: زيد عاذر، فزيد يعرب مبتدأ وعاذر خبره، ويجري مجرى هذا ما كان نحوه من قولك: عمرو خارج وبكر منطلق، والله ربنا، ومحمد نبينا، وما أشبه ذلك، و (من اعتذر) مفعول عاذر وهو من تمام المثال.
ثم قال: (وأول مبتدأ والثاني... ) إلى آخره "هذا نوع ثان من الجملة الابتدائية وهو ما لا يكون فيه خبر استغناء عنه بفاعل يرفعه المبتدأ لكونه عاملا عمل الفعل، وذلك الصفة فيريد أنك إذا قلت: "أسار ذان "فـ" أسار" وهو الأول مبتدأ تقدمت عليه أداة من أدوات الاستفهام، وأما الثاني: وهو "ذان" تثنية "ذا" فإنه فاعل بسار؛ لأنه اسم فاعل جار في عمله مجرى الفعل، وذلك الفاعل "أغنى" يعني عن الخبر، فلم يحتج إليه لحصول الفائدة به دون أن تأتي بالخبر فلا حاجة إلى تقديره، كما لا تحتاج إلى تقدير المفعولين لعلم إذا قلت: علمت أن زيدا قائم على طريقة بعض المتأخرين هذا ما قال على الجملة، وحقيقة معنى كلامه يتبين ببيان مثاليه: أما الأول فإن زيدا في قولك: "زيد عاذر" اسم مخبر عنه، لم يتقدم عليه عامل لفظي يطلبه برفع ولا نصب ولا جر، فكونه مخبرا عنه دل عليه قوله: "وعاذر" خبر أي: خبر عن المبتدأ الذي هو زيد، فقد بان أن زيدا مخبر عنه، وكونه لم

يتقدم عليه عامل لفظي بوجه من وجوه الإعراب دل عليه نفس المثال، إذ لم يتقدم عليه شيء من العوامل اللفظية، وعدم العامل قد يكون حقيقة كما مثل، وقد يكون حكما فيوجد العامل اللفظي داخلا على المبتدأ، ولكنه في حكم ما لو لم يدخل عليه عامل البتة، فلا يخرج الاسم عن كونه عادما للعامل اللفظي فقد يدخل الحرف الزائد على المبتدأ كقول الله سبحانه: ﴿هل من خالق غير الله﴾، فـ "خالق" مبتدأ وإن دخلت عليه "من"، لأنها زائدة، والزائد لا حكم له، وقالوا: بحسبك زيد، فالباء زائدة أيضا وحسبك مبتدأ خبره زيد.
وأما المثال الثاني: فإن سار في قولك: (أسار ذان) اسم أيضا قد عدم العوامل اللفظية فلم يتقدم عليه شيء منها كما في "زيد عاذر" لكن فارقه بأن هذا ليس بمخبر عنه وإنما هو صفة من الصفات التي ترفع الظاهر وقد رفعت ظاهرا على الفاعلية وهو "ذان" وتقدمت/ في أول الكلام فلم تقع جزءا من الخبر ولا خبرا، فونه عادما للعامل اللفظي ظاهر، وكونه صفة من الصفات الرافعة للظاهر كذلك، وعليه دل بقوله: (والثاني فاعل) فهي من الصفات التي شأنها هذا، فيدخل تحت مضمون المثال اسم الفاعل واسم المفعول نحو: أمضروب عبداك، والصفة المشبهة باسم الفاعل نحو: أحسن أبواك؟ وما جرى مجرى ذلك نحو: أقرشي قومك؟ وكون الصفة قد تقدمت في أول الكلام ظاهر من مثاله أيضا، فإنها إن لم تسبق لم تكن مبتدأ وإن رفعت الظاهر نحو: الزيدان قائم أبواهما، فقائم هان خبر لا مبتدأ.
وأما قوله: (فاعل أغنى) فهو بيان أن من شرط كون سار ونحوه

مبتدأ أن يكون مرفوعه مغنيا ومعنى قوله معنيا أن يحسن السكوت عليه لحصول الفائدة به، فإن لم يكن كذلك فمفهومه أنه ليس بمبتدأ أعني "سار" ونجوه كما إذا قلت: أقائم أبوهما؟ فقائم هاهنا لا يكون مبتدأ، إذ لا يحسن السكوت على ذلك وإن أتيت بالفاعل حتى تقول: الزيدان فتأتي بمبتدأ يكون قائم خبره، وهذا الشرط مع قوله: (أسار ذان) يخرج أيضا قولك: أقائم؟ مما يرفع الضمير ولا يرفع ظاهرا مذكورا، فإنه لا يحسن السكوت عليه من جهة أنه في حكم المفرد، والمفرد لا يكون كلاما، وإنما لم يغن ضمير الفاعل هنا وإن كان رافعه صفه تجري مجرى الفاعل، لأن الصفة تستلزمه من حيث هي مشتقة، لا من حيث قصد التركيب للإفادة، ومن هنا قيد الإغناء بقوله: (في أسار ذان) أي: أن كونه مغنيا إنما يكون في نحو: "أسار ذان" ووجه إغنائه وقيامه مقام الخبر، فلم يحتج إلى تقدير كون المبتدأ في معنى الفعل، فالجملة في قوة الفعلية كأنك أتيت بالفعل نفسه فقلت: أيسير ذان؟ ولو كان هكذا لم يحتج إلى خبر؛ لإغناء الفاعل مع الفعل وحصول الفائدة بذلك، وإذا ثبت هذا ظهر أن في قوة هذين المثالين التعريف بالمبتدأ على حد ما عرف به في "التسهيل"، إذ قال: وهو ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيا (من مخبر عنه أو وصف سابق رافع لما انفصل وأغنى.
فقوله: ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيا) هو معنى قوله: (مبتدأ زيد وعاذر خبر) إن قلت: كذا، وقوله: "أو وصف سابق رافع ما انفصل

وأغنى" هو معنى قوله: (وأول مبتدأ والثاني فاعل أغنى) في كذا، وقد مر شرح ذلك، فلا تظنن أنه أتى بمثالين على ظاهرهما وهكذا عادته في هذا النظم فأعطه حظا من نظرك، فإن فيه دفائن قلما يتنبه لها إلا من أعطاه حقه في التفتيش والبحث والله المستعان، و "سار" اسم فاعل من سرى يسري سرى، وهو سير الليل بخلاف سار، فإنه ليس كذلك.
وأسرى أيضا بمعنى سرى و "ذان" تثنية "ذا" اسم الإشارة للقريب المذكر، ويتعلق بكلام الناظم مسألتان: إحداهما: أنه لما أتى بالمثال الذي ناب فيه الفاعل عن خبر المبتدأ قرنه بهمزة الاستفهام، فدل ذلك من إشارته على أن لحاقها من شرط هذا الحكم، فلا يجوز إذا أن يرفع اسم الفاعل ونحوه من الصفات فاعلا منفصلا ينوب عن الخبر إذا لم يقرن بهمزة الاستفهام/ ولا بما يقوم مقامها فلا تقول: لا قائم الزيدان ولا سار ذان، وهذا تنبيه على طرف من شرط اسم الفاعل وهو أن يكون معتمدا على متقدم قبله، ومن جملة ما يعتمد عليه الاستفهام والنفي، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله، لكن الخاص من الاعتماد بهذا الموضع هو ما ذكره، لأنه يعتمد عليه المبتدأ الذي هو في ذكره بخلاف غير ذلك من وجوه الاعتماد كوقوع اسم الفاعل خبرا، أو حالا، أو صفة، أو منادى، أو غير ذلك، فإن ذلك خارج عن باب الابتداء فإن كان كذلك ثبت أن الاقتران بهمزة الاستفهام شرط في كون المبتدأ يرفع الظاهر النائب عن الخبر وهو رأي الجمهور.

وذهب الأخفش إلى جواز ذلك من غير تقدم استفهام ولا غيره، فتقول قائم الزيدان وخارج الصالحون ونحو ذلك، والأصح قول الجمهور الذي اختاره الناظم؛ لأن اسم الفاعل قد تقرر فيه أنه لا يعمل حتى يعتمد، لأنه بالاعتماد يتقوى فيه جانب الفعل، لأنه إذا وقع في الصلة نائب عن الفعل، وبذلك يعمل وإن كان بمعنى الماضي، وإذا وقع صفة أو حالا أو خبرا فهو قد وقع في موضع الاسم المشتق، وأيضا ذلك موضع تقع فيه الجملة الفعلية كثيرا، والاستفهام أيضا طالب الفعل، وكذلك النفي، ولذلك يترجح معهما النصب في باب الاشتغال فلذلك لم يعمل إلا أن يعتمد، وهذا التعليل موافق للسماع إذ لم ينقل نحو: قائم الزيدان إلا نادرا بحيث لا ينبني عليه قياس، وأيضا فإن اسم الفاعل اسم محض واشتقاقه لا يوجب له العمل عمل الفعل، إذ يلزم أن يعمل كل مشتق عمل فعله الذي اشتق منه، أو من مصدره كالمسجد والمربع والمصيف والمغرفة، وما أشبه ذلك ولكنه إنما يعمل إذا تقدم ما يطلب بالفعل أو كان في موضع لا تدخل عليه فيه العوامل اللفظية التي تدخل على الاسم النعت والخبر فيقوى فيه حينئذ جانب الفعل، وهذا الاحتجاج الأخير منقول معناه من كلام السهيلي، وفيه نظر لمن تأمله، فقد ثبت رجحان ما قاله الناظم، وما احتج به الأخفش من الاشتقاق غير منتهض دليلا من حيث يشترط في عمل اسم الفاعل الاعتماد القوي بجانب الفعل وإلا فهو إلى الاسم أقرب منه إلى الفعل ولم يعمل في الماضي عند البصريين اعتمد عدم جريانه على فعله، فوجود الاشتقاق إذا عدم شرط العمل غير مؤثر في العمل ولزوم الضمير تابع للاشتقاق هكذا قالوا:

والحاصل أن مجرد الاشتقاق لا يكفي في إطلاق القول بجواز العمل، فإن السماع لا يساعد عليه.
المسألة الثانية: أن تمثيله بأسار ذان فيه تنبيه على الموضع الذي يتعين فيه الرفع في الثاني على الفاعلية وهو حيث يكون غير مطابق للمبتدأ إذا كان (ذان) مثنى و (سار) مفرد ولا يخبر عن المقرر بالمثنى، فلا تقول: الرجل قائمان فكذلك لا يكون (ذان) خبرا لـ (سار) البته، فلم يكن له وجه إلا الحمل على أنه مرفوع بـ (سار) على معنى أيسير ذان، أما لو كان مطابقا لكان في الإفراد محتملا لما قال، ولأن يكون الأول خبرا للثاني قدم عليه كقولك: أقائم زيد حسب ما يذكره بعيد هذا.
فلا يتعين ما ذكر وإنما يتعين في غير المطابقة كما مثل./


ثم قال: وقس وكاستفهام النفي وقد... يجوز فائز أولو الرشد أما قوله (وقس) فهو على الجملة راجع إلى حكم تقدم أو أحكام تقدمت أي: قس على ما تقدم ذكره غيره، وهذا يحتمل سبعة أوجه من التفسير: أحدهما: أن يريد القياس على ما ذكر تمثيله من المبتدأ المخبر عنه في قوله (مبتدأ زيد وعاذر خبر)، وقوله (وأول مبتدأ والثاني فاعل) إلى آخره، وذلك أنه أتى بمثالين حكم عليهما بأعيانهما ولم يأت بما يدل على أن الحكم المذكور مقيس يجري في غيرهما فبين ذلك بالنص، كأنه قال وقس على المثالين غيرهما، فالحكم مطرد في كل واحد منهما.

والثاني: أن يكون راجعا إلى مسألة (أسار ذان) وهو أقرب مذكور ليبين أنه مقيس لأن المبتدأ أصله أن يؤتى له بخبر ولا يستعني عنه بغيره، فلما بين أن هذا المثال الذي عدم فيه المبتدأ خبره مقول كأنه مظنة لسبق الفهم إلى أنه مسموع غير مقيس لما عرض فيه من الخروج عن أصل الباب، فأزال هذا التوهم بقوله (وقس) أي أن هذا كثير في كلام العرب بحيث يسوغ فيه القياس وإن جاء على خلاف الأصل.
والثالث: أن يكون راجعا إلى أقرب مذكور أيضا، لكن على معنى آخر وهو أنه لما قدم الإشارة إلى (اشتراط) تقدم الاستفهام، لكنه أتى بالهمزة وحدها خاف أن يتوهم اختصاص ذلك بها من بين سائر أدوات الاستفهام، فرفع ذلك التوهم بقوله: (وقس) كأنه أراد: قس سائر أدوات الاستفهام على الهمزة، فإن الوصف إذا وليها رفع الفاعل وأغنى عن الخبر، ومثال ذلك قولك: متى ذاهب البكران؟ وأين جالس صاحباك؟ وكيف مصبح إخوتك؟ وما أشبه ذلك، فهذا مما يليق أن يكون مراده.
والرابع: أن يكون منبها على أن هذا الحكم غير مختص بالفاعل المثنى، بل هو جار في غيره من المفرد والمجموع فتقول: أسار هؤلاء؟ وأقائم الزيدون؟، وأفائز إخوتك؟ وكذلك المفرد على أحد الاحتمالين فيه إذا قلت: أقائم زيد؟، وأسار هذا؟ وقد نبه هو على أن المجموع مثل المثنى في قوله: "وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد".
وفي قوله: (والثاني مبتدأ وذا الوصف خبر) إلى آخره.. والخامس: أن يكون راجعا إلى المرفوع بالفاعلين، فإنه قال: (والثاني فاعل أغنى) فكأنه يوهم الاقتصار على الرفع للفاعل وإن كان قياساً

فيه فأخبرك أن الرفع بالصفة لا يختص بالفاعل، بل قد يكون مفعولا لم يسم فاعله كقولك: أمضروب الزيدان؟ وأمكرم إخوتك؟ وما أشبه ذلك، والحكم فيهما واحد، فنبه على ذلك ليكون قد نص عليه فلا يؤخذ له بقياس.
والسادس: أن يكون قصد أن هذا الحكم لا يختص (باسم الفاعل الذي نبه عليه المثال، لأنه إنما أتى بهذا المثال من باب اسم الفاعل وإنما يتوهم أنه مختص به)، وليس في الحقيقة كذلك، بل نقول: أحسن الزيدان وأقرشي قومك؟ وإنما أراد صفة يصح رفعها للظاهر، ولم يرد كونها اسم فاعل وقد مر التنبيه على ذلك، وهذا الوجه والذي قبله يرجعان إلى قيد واحد في الحقيقة وهما وجهان من حيث الانتزاع.
والسابع: /أن يكون تنبيها على أن الصفة إذا تقدمها الاستفهام، فإن رفعها للظاهر المغني عن الخبر قياس بإطلاق لا وهن فيه ولا ضعف، فلا يتحاشى عنه، كما يتحاشى إذا لم يتقدمها شيء نحو: قائم الزيدان، فإنه لا يبلغ في الجواز رتبة ما تقدم عليه الاستفهام.
فإن قلت: فإن الخالي عن الاستفهام قياس عنده أيضا لقوله: (وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد) وهذه العبارة مشعرة بالقياس لكن على ضعف، فلو كان مراد الناظم التنبيه على الجواز فيما تقدمه الاستفهام والتنكيت على ما لم يتقدمه لاقتضى عدم القياس فيه، لكنه لم يفعل ذلك، فدل على عدم قصده لهذا المعنى وإلا كان كالمتناقض.
فالجواب: أنه لم يقصد التنبيه على كون العاري من الاستفهام لا يقاس بخلاف غيره، بل قصد أن المعتمد على الاستفهام قياس على الإطلاق إذ قال: "وقس" ولم يقيد ذلك بضعف ولا قلة سماع، فظهر

من ذلك أن غير المعتمد ليس كذلك، بل هو قليل ضعيف، وكونه بحيث يقاس عليه مع ذلك أمر محتمل بينه بقوله: "وقد يجوز" وهذه الأوجه يمكن أن يكون أشار إلى جميعها بقوله: (وقس) فلا يختص التفسير ببعضها دون بعض وهو أولى؛ لأن جميعها أحكام ضرورية تقدم ذكرها بالإشارة إليها.
فيبعد أن يشير إلى بعضها دون بعض مع أنها كلها قياس والله أعلم.
ثم قال: (وكاستفهام النفي) يعني أن النفي بأداة من أدواته كالاستفهام فيما تقدم له من الحكم وهو كونه معتمدا على الوصف في رفع الفاعل، فكما أن قولك: (أسار ذان)، قياس مطرد، فكذلك قولك: ما سار ذان، لأن النفي مما يعتمد عليه اسم الفاعل في عمله، كما يعتمد على الاستفهام، ومن ذلك ما أنشده فبي الشرح من قول الشاعر: خليلي ما واف بعهدي أنتما... إذا لم تكونا لي على من أقاطع فإن قيل: إطلاقه النفي صريح في أن أدواته كلها صالحة لهذا الموضع، إذا كان كذلك دخل فيها "ما" التميمية نحو: ما قائم الزيدان، والحجازية إذ عدم شرط من شروط إعمالها نحو: ما إن قائم أخواك، وما قائم إلا أخواك، وهذا قد يقرب الأمر فيه، فإن أداة النفي هنا كأداة الاستفهام لا عمل لها، فتدخل على المبتدأ وما يليه، كما تدخل على الجملة الفعلية في قولك: ما قام زيد، ودخل في مقتضاه أيضا "ما" إذا عملت و "لا" إذا عملت عمل "إن" أو "ليس" و "إن" كذلك و "ليس" أيضا، ومثل هذا لا يقدم على إجازته بغير دليل وسماع يمكن أن يقاس عليه أو بنص إمام

تضمن القول بالقياس في هذه الأشياء وإلا جاز أن تقول بجواز دخول نواسخ الابتداء على (سار ذان) إذا جاز ليس قائم الزيدان، وما قائم الزيدان؟ وهي الحجازية، وكذلك "لا"، و "إن" اللتان كليس فتقول إن قائم الزيدان ولا قائم الزيدان، وهذا كله فيه نظر.
فالجواب: أن هذا كله قد نص على جوازه في "شرح التسهيل" عملا أطلقت الاستفهام أطلقت النفي ليتناول/ منها كل ما يصلح لمباشرة الأسماء، وذلك "ما"، و "لا" و "إن"، و "ليس" إلا أن "ليس" يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها ويرتفع به ما يليه فيسد مسدها، كما سد مسد خبر المبتدأ قال: وكذا الحكم بعد "ما" إن جعلت حجازية ولم ينتقض النفي، فإن جعلت تميمية أو انتقض النفي فالوصف بعدها مبتدأ، والمرفوع به ساد مسد الخبر، ثم أتى بأمثلة ذلك، فالحاصل أنه بنى هاهنا على ما بنى عليه هنالك، وأنه تضمن عهدة دخول الناسخ على مثل هذا المبتدأ، فإن كان في ذلك سماع يقاس عليه فلا عتب، وإن كان ذلك بالقياس النظري فهو غير مسلم لأمرين: أحدهما: أنه أناب مرفوعا عن منصوب وهو خبر "ليس" و "ما" الحجازية وذلك غير موجود في كلام العرب، فإن وجد فبحيث لا يعتد به، وقد منع ابن خروف أن ينوب منصوب عن مرفوع في نحو: ضارب زيدا.
قال: بل يجري عنده مجرى قائم زيد حين أناب منصوبا عن مرفوع،

وليس ثم فاعل ولا مبتدأ قال "فإن قلت: ضارب زيدا عمرو كان أضعف من قائم زيد لعلمه في المفعول وقد رفعته بالابتداء، وإذا لم ينب المخالف في الإعراب هنا فكذلك في مسألتنا، والموجود في كلام العرب في هذا النحو نيابة المرفوع عن مثله، أما نيابة المرفوع عن المنصوب فلابد لابن مالك من إثباتها مقدمة لمسألته، وإثباتها متعذر.
والثاني: أن عمل الصفة في باب اسم الفاعل إنما حصل في موضع قوى فيه جانب الفعلية باشتراط الاعتماد حسب ما مر، ألا ترى أن أقائم الزيدان؟ صار في معنى أيقوم الزيدان؟ وكذلك مع النفي، وإذا كان الأمر كذلك فدخول النواسخ مناف لتقوية جانب الفعل، بل هي مقوية لجانب الاسمية؛ لاختصاصها بالدخول على المبتدأ والخبر، وعدم قبولها للدخول على الفعل، فلا يسوغ إذا رفع الصفة عند دخول الناسخ، كما لا يسوغ عند التعري من الاعتماد، بل هنا أولى أن لا ترفع لتقوية جانب الاسمية فيها، فقربت بذلك من الجوامد.
ووجه ثالث- أشار إلى معناه الفارسي-: وهو ما يلزم على ذلك من دخول النواسخ على غير مبتدأ وخبر وذلك معدوم النظير، وهذا كله قد نبه عليه ابن خروف فقال: ولا ينبغي أن يجوز كان قائم زيد، على أن تجعل قائم اسم "كان" وزيد فاعلا يسد مسد الخبر؛ لأنه أناب مرفوعا عن النصب، وأدخل كان على ما ليس بمبتدأ وخبر، وعلى صفة، وقوى فيها معنى الاسمية وقد رفع بها، هذا ما قال وفيه ما ذكرت وغيره.
فإن أجيب عن الأول: بأن المنصوب قد ينوب عن المرفوع كما في قولهم: ضربي زيدًا

قائمًا، وإذا جاز "مثل هذا فليجز عكسه.
والثاني: بأن النواسخ قد تدخل على ما لا خبر فيه بل ناب عنه غيره.
وحكى ابن كيسان عن الكسائي: دخول "إن" على نحو: كل رجل وضيعته، فقالوا: إن كل ثوب وثمنه، وإذا جاز في "إن" مثل هذا فليجز في مسألتنا فيقال: لم يبلغ مثل هذا أن يقاس عليه لقلته وخروجه عن قياس كلام العرب فلا يعتبر به.
والذي ينبغي أن يقال/ في الجواب عن الناظن أن دخول الناسخ على الصفة مذهب له حسب ما صرح به في الشرح فإياه اتبع في هذا النظم، ويمكن أن يقال: - وهو الأولى- إن إطلاقه النفي لا يتعين منه دخول ناسخ ينفي به لأن مثل ذلك يتوقف على جوازه ابتداء، وهو لم يتعرض لذلك هنا، فلا يؤخذ له منه مذهب؛ لاحتمال أن يريد نفيا لا يكون ناسخا للابتداء والله أعلم.
وعلى الناظم هنا سؤال وهو أن يقال: لم لم يفرض الناظم المسألة مع غير الاستفهام والنفي، وقد علم أن ذلك لأجل الاعتماد، والاعتماد يحصل بغيرهما كالاعتماد على المبتدأ، فهلا بين أن "قائم" من قولك: زيد قائم أبواه مبتدأ وأبواه فاعل سد مسد الخبر، كما بين ذلك مع الاستفهام والنفي؟ والجواب: أن ذلك لا يجوز فيما جرى على المبتدأ (فإن قائما) وقع نكرة وحق الخبر أن يكون نكرة فقد وقع في موضعه، وعاد مما تعلق به الضمير على المبتدأ، فلم يجز أن ينوى به غير موضعه لأنه شبه

التهيئة والقطع إلى هذا النحو نحا الفارسي في الجواب.
وقد يجاب بجواب آخر: وهو أن الخبر الذي هو قائم إن اعتاد أنه مبتدأ صار من قبيل قائم الزيدان؛ لأنه إذ ذاك مقطوع من زيد، والجملة هي الخبر، فصار قائم أبواه جملة مستقلة، فلم يبق للمبتدأ الذي هو قائم ما يعتمد عليه واسم الفاعل هنا إنما يرفع إذا اعتمد إلا قليلا.
فإن قيل: لم لا يجوز على ذلك القليل؟ قيل: لا يجوز لما تقدم أولا للفارسي، فالواجب ما فعله الناظم من تخصيص ذلك بالنفي والاستفهام، والكلام على سائر مواضع الاعتماد كالكلام هنا، كما لو قلت: أعجبني زيد قائم أبواه، فترفع قائما، أو مررت برجل قائم أبواه وتكون الجملة في موضع الحال أو في موضع الصفة.
ثم قال: (وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد).
"قد" هنا بمعنى ربما وكذلك عادته أن يأتي بها للتقليل، ويعني أنه قد يجوز قليلا أن يأتي هذا الوصف مبتدأ يرفع فاعلا يغني عن الخبر وإن لم يتقدم نفي ولا استفهام وذلك نحو (فائز أولو الرشد) فهذا المثال لم يتقدمه نفي ولا استفهام، وقد رفع الفاعل وأغنى عن الخبر، إذ لا يمكن فيه غير ذلك لإفراد فائز وجمع أولى، فلا يصح أن يكون "فائز" خبرا مقدما و "أولو" مبتدأ، إذ لا يخبر بالمفرد عن الجمع ومثال ذلك ما أنشده في الشرح من قوله: خبير بنو لهب فلاتك ملغيا... مقالة لهبي إذا الطير مرت

ويلحق به- وإن لم يكن كمثاله- قول الفرزدق: فخير نحن عند الناس منكم... إذا الداعي المثوب قال يالا لأنه يتعين فيه عند ابن مالك أن يكون خبر مبتدأ ونحن فاعلا، ولا يكون خبرا مقدما ونحن مبتدأ، قال: لأنه يلزم في ذلك الفصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل و "من" وهما كالمضاف والمضاف إليه، فلا يقع بينهما مبتدأ، وإذا كان خبر مبتدأ لم يلزم ذلك، لأن فاعل الشيء كجزء منه، على أن ابن خروف تأول البيت على أن "نحن" توكيد للضمير في "خير" وعلى الجملة فهذا عند الناظم جائز على قلة لقوله: (وقد يجوز نحو) كذا.
فإن قيل: إجازته للقياس في هذه المسألة إما أن تكون موافقة الأخفش أولا، فإن كانت/ موافقة له فلم جعلته أولا مخالفا له عند الكلام على قوله: (فاعل أغنى في أسار ذان) وإن لم تكن موافقة له فما هذا المذهب الثالث؟ والناس في المسألة على فرقتين: فرقة تمنع وهم الجمهور، وفرقة تجوز مطلقا وهم الأخفش ومن وافقه، وقد نقل المؤلف الجواز عن الكوفيين أيضا.
وأما مذهب ثالث يجوز عدم الاعتماد على قلة فمذهب مبتدع ورأي مخترع.

فالجواب: إن ما ذهب إليه لم يوافق فيه الأخفش ولا غيره (وذلك لأن الأخفش لا يجيز المسألة على قلة، بل هي عنده جائزة جوازا حسنا فخالفه الناظم كما خالفه غيره)، وأما إجازته إياها على قلة فهو عنده مذهب سيبويه والناس في إيراد مذهب سيبويه على رأيين؛ لأنه قال: وزعم الخليل- رحمه الله- أنه يستقبح أن تقول: قائم زيد، وذاك إذا لم تجعل قائما خبرا مقدما مبنيا على المبتدأ، كما تقدم وتؤخر فتقول: ضرب زيدا عمرو، وعمرو على ضرب مرتفع، ثم قال: فإذا لم يريدوا هذا المعنى، يريد أن يكون "قائما" خبرا مقدما، وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقولك: يقوم زيد وقام زيد، قبح، لأنه اسم.
قال: وإنما حسن عندهم أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف، أو جرى على شيء قد عمل فيه، كما أنه لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره فتقول: هذا ضارب زيدا، وأنا ضارب زيدا.
قال: فكما لم يجز هذا (يعني أن ينصب غير محمول على شيء) كذلك استقبحوا أن يجري، (يعني ضاربا) مجرى الفعل المبتدأ.
فذكر أن عدم الاعتماد قبيح على الجملة، واستقباحه له يحتمل أن يريد به عدم الجواز جملة، ويحتمل أن يريد أنه مع قبحه جائز بخلاف ما إذا

اعتمدت الصفة فإن ذلك جائز حسن وعلى الأول حمله طائفة، ويظهر ذلك من السيرافي حيث قال: إذا نقلت الفعل إلى اسم الفاعل ورفعت الفاعل به ولم يكن قبله ما يعتمد عليه قبح وإنما قبحه فساد اللفظ لا المعنى.
لو قلت: قائم الزيدون، لكان مبتدأ بغير خبر.
قال: ومجيزه يزعم أن الفاعل يسد مسده ويحتاج إلى برهان على ذلك، هذا اختصار كلامه، ونجوه أيضا يظهر من ابن خروف، لأن سيبويه يطلق لفظ القبح ويريد به المنع، وقد استدل على ذلك الفارسي في "التذكرة" بمواضع من كلام سيبويه يقع فيها لفظ القبح ومراده المنع، ولم ير ابن مالك هذا التفسير، بل زعم أن المفهوم من كلام سيبويه القبح دون المنع.
قال: ومن زعم أن سيبويه لم يجز جعله مبتدأ إذا لم يل استفهاما أو نفيا فقد قوله ما لم يقل، ثم استدل على صحة استعماله بالبيتين المتقدمين، فلهذا- والله أعلم- أتى بالمسألة لينبه على أنها مع عدم الاعتماد غير ممتنعة خلافا لمن ظن أن ذلك كذلك.
واعلم أن الناظم لما أطلق القول في جواز القياس على "أسار ذان"، اقتضى جواز ذلك، وأن يقال به فيما إذا كان بعد الصفة ضمير منفصل نحو قوله تعالى: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي﴾ فأنت يجوز أن يكون فاعلا بـ "راغب"، كما يجوز أن يكون زيد من قولك أقائم زيد؟ فاعلا بـ "قائم"، وقد نص على جواز ذلك في "شرح التسهيل" وانبني على ذلك جواز عدم المطابقة، فيكون الضمير المنفصل فاعلا البتة فتقول: أقائم

أنتما؟ وأضارب أنتم؟ وهذا أيضا قد نص عليه/ في "الشرح" وأن لا فرق بين قولك: أضارب الزيدان؟ وما ضارب بهما؟ وهذا فيه نظر فإن الضمير المنفصل لا يكون فاعلا مع إمكان اتصاله وإنما يكون فاعلا إذا لم يمكن اتصاله بالعامل نحو: ما قائم إلا أنت، وأعجبني الضاربه أنا، وما أشبه ذلك.
أما إذا تأتى الاتصال فانفصاله يدل على أنه مبتدأ قدم عليه خبره لا فاعل.
ألا ترى إلى قوله عليه السلام: "أو مخرجي هم" ولم يرو إلا بتشديد الياء لأنه خبر وهم مبتدأ، فجمع من أجل الضمير الذي في الخبر والتقدير: أو هم مخرجي ولو كان "هم" فاعلا لقال: أو مخرجي هم، بتخفيف الياء كما تقول: أو مخرجي أخواك، لكنه لم يفعل، فدل على أنه لا يجوز أن يكون الضمير المنفصل فاعلا ولا أن يكون غير مطابق للصفة، هذا ما قال بعض المتأخرين فاستثنى كما ترى الضمير المنفصل ولم يستثنه الناظم فكان معترضا عليه.
والجواب: أن ما قاله هذا المتأخر غير مسلم له، بل انفصال الضمير هنا هو الصواب وإن لم يكن في الصفة من الموجب ما قال، لأن الصفة هنا خاصة توجب انفصال الضمير ليست في الفعل وسيأتي بيانها في هذا الباب إن شاء الله.
فالضمير إذا وقع بعدها مطابقا لها احتمل ما يحتمله الظاهر، وإذ ذاك تجوز المخالفة فتقول: أضارب الزيدان؟ وأقائم هما؟

وأقاعد أنتم؟ وما أشبه ذلك، وقد جاء السماع بذلك.
أنشد المؤلف في الشرح قول الشاعر: خليلي ما واف بعهدي أنتما وأما ما في الحديث من قوله: "أو مخرجي هم"، فلا دليل له فيه البتة؛ لمجيئه على أحد الوجهين، فلا يلزم من كونه آتيا في الرواية على الابتداء والخبر ألا يجوز خلاف ذلك، وغايته أنه لم يسمع فيه، فقد سمع في غيره وإطلاق الناظم غير صحيح في انتظام الضمير وغيره لاسيما مع التمثيل بما لا ضمير فيه، بل في كلامه ما يدل على أن رأيه رأى هذا المتأخر حسب ما يأتي.
والرشد والرشد: ضد الغي، فهو إذا فتحت الراء والشين مصدر رشد بالكسر، يرشد بالفتح رشدا، وإذا ضممت الراء وسكنت الشين فهو مصدر رشد بالفتح يرشد بالضم رشدا.
وقال ابن القوطية: رشده الله رشدا وأرشده هداه، فرشد رشدا ورشادا اهتدى، ورشد رشدا ضد غوى، ومعنى: (فائز أولو الرشد)، أي أن أهل الرشد فائزون في الآخرة بمطلوبهم جعلنا الله منهم.

ثم أتم ما بقي من مسألته فقال: والثان مبتدأ وذا الوصف خبر إن في سوى الإفراد طبقا استقر قوله: "والثان" أراد: والثاني فحذف الياء للحاجة إلى ذلك، وهو أيضا جائز في الكلام، فقد قرأ ابن عامر والكوفيون: ﴿يوم يدع الداع﴾ من غير ياء مطلقا، وأنشد سيبويه في نحوه: وأخو الغوان متى يشا يصرمنه... ويعدن أعداء بعيد وداد أراد: الغواني بالياء، و (مبتدأ)، أراد مبتدأ: ولكنه سهل الهمزة بالإبدال المحض على لغة من قال في: أخطأت أخطيت، ثم حذفها لالتقائها ساكنة مع التنوين، وأراد بالثاني: الاسم الواقع بعد الوصف وهو زيد مثلا في قولك: أقائم زيد؟ فيريد بهذا الكلام أن الاسم الواقع بعد الوصف المذكور لا يخلو أن يكون غير مفرد أو مفردا ويعني بغير المفرد المثنى والمجموع، فإن كان غير مفرد، فلا يخلو أن يطابقه الوصف المتقدم أولا، فإن لم يطابقه/ جرى على الحكم المتقدم من كون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل به، إذ لا يمكن

في المسألة غير ذلك، وإلا فلو جعلت الزيدين من قولك: أقائم الزيدان؟ مبتدأ والوصف خبرا للزم أن تخبر بالمفرد عن المثنى وذلك غير جائز، وكذلك لو كان مجموعا، إذ لا يجوز الزيدان قائم ولا الزيدون قائم وهذا الحكم مفهوم من قوله: (إن في سوى الإفراد طبقا استقر) فمفهوم الشرط أنه إن لم يطابق فلا يكون الثاني مبتدأ والوصف خبرا بلابد، والطبق المطابق وهو الموافق، والمطابقة: الموافقة، والتطابق: الاتفاق، ويقال: طابقت بين الشيئين: إذا جعلتهما على حد واحد وألزقتهما، فجعل الموافق للشيء كأنه حذى حذوه، وجعل ملتفا به، و"طبقا": حال من ضمير "استقر" وهو عائد على الوصف، أي: إن استقر ذلك الوصف مطابقا لما بعده في التثنية أو الجمع وإن طابق الوصف الاسم وجب حمل الوصف على أنه خبر مقدم والثاني: مبتدأ؛ لأن الوصف لو كان مرفوعا على الابتداء وما بعده فاعل به لم يكن مطابقا، لأنه جار مجرى الفعل فلا يوصف ولا يصغر ولا يثنى ولا يجمع، كما لا يكون ذلك في الفعل، فلابد من أن يكون خبرا مقدما وهو الذي نص عليه بقوله: (إن في سوى الإفراد طبقا استقر) أي: أن الثاني يعرب مبتدأ والوصف خبر إذا طابقه في غير الإفراد.
وأما إن كان الاسم الواقع بعد الوصف مفردا فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون فاعلا بالوصف على حد ما كان عليه وهو غير مطابق له، والوصف مبتدأ ناب الفاعل عن خبره.

والثاني: أن يكون مبتدأ خبره الوصف المتقدم، وإنما احتمل وجهين لأن إفراد الوصف يمكن أن يكون لجريانه مجرى الفعل فيرتفع ما بعده به وهو مفرد ويمكن أن يكون لأجل المطابقة بينه وبين الثاني لا لجريانه مجرى الفعل فيرتفع ما بعده على الابتداء والوصف خبره، وهذا الحكم مفهوم من قيد الإفراد في قوله: (إن في سوى الإفراد طبقا استقر) يريد: أن انحتام الحكم بكون الثاني مبتدأ خبره الوصف مشروط بكونه غير مفرد، فإذا إذا كان مفردا فلا ينحتم ذلك الحكم، وضد الانحتام الجواز فيكون ذلك الحكم جائزا مع وجود الإفراد، لا واجبا، فيدخل الوجه الآخر.
فإن قيل: إنك أخذت بمفهوم الصفة هنا جواز أن لا يكون الثاني مبتدأ والوصف خبرا، وأخذت بمفهوم الشرط انحتام أن لا يكون كذلك، وذلك أنه لما قال: (إن الثاني مبتدأ والوصف خبر شرط فيه أن لا يكون) مطابقا فأخذت من مفهومه أنه إن لم يكن مطابقا فلا يكون كذلك، ومفهومه الجاري على كلامه أنه إن لم يطابق فلا ينحتم ذلك الحكم؛ لأن الشرط إنما هو شرط في الانحتام، وهو الذي قررته في مفهوم التقييد بغير الإفراد، وإذا كان كذلك اقتضى أنه إن لم يطابق جاز أن يكون الثاني مبتدأ خبره الوصف وذلك غير صحيح.
فالجواب: أن المفهوم هنا في الوجهين عدم الانحتام كما تقرر في السؤال لكنه قد بين قبل هذا وجوب أحد الوجهين حين تكلم على (أسار

ذان) فحتم بكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل به، فصار مفهوم الشرط هنا معطلا لمعارضته النص له كما حكم العلماء القائلون بالمفهوم بتعطيله في نحو قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾.
لأن الدليل قد قام (على) أن الربا وإن لم يتضاعف محرم الأكل، فكذلك ما نحن فيه لما كان قد حتم بحكم واحد عند عدم المطابقة صار مفهوم الشرط هنا المقتضي لعدم انحتامه غير معتد أو نقول/: إنه جعل الثاني مبتدأ والوصف خبرا بشرط واحد وهو المطابقة في غير الإفراد، ولا نقول: حتم ذلك، إذ ليس فيه إلا أن هذا الإعراب مشروط بكذا، فمفهوم الشرط أنه إن لم يطابق في غير الإفراد فلا يكون كذلك، وهذا حكم صحيح في نحو: أسار ذان، ويبقى قيد عدم الإفراد من حيث جزء الشرط لا مفهوم له منفردا، فلا يكون قولك: أقائم زيد؟ مذكورا للناظم لا بمنطوق ولا بمفهوم، بل تركه لفهم حكمه مما تقدم له في الطرفين، وهما المطابقة في غير الإفراد، وعدم المطابقة، والأمران محتملان حسب ما تقدم توجيهه قبيل هذا، ولا يبقى عليه إشكال إلا في شيء آخر يظهر منه حكم لا يستقيم، وذلك أنه يقتضي أن المطابقة في غير الإفراد يكون فيها الثاني مبتدأ والوصف خبرا بإطلاق، وذلك غير صحيح من جهتين: إحداهما: أن ذلك ليس في كل لغة، بل هو مختص بلغة من لا يلحق الفعل علامة التثنية والجمع إذا أسند إلى الظاهر فيقول: قام

الزيدان وقام الزيدون وأما من يلحق العلامتين فيقول: هنالك قاما الزيدان وقاموا الزيدون وهي لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" فيصح أن يعرب الثاني فاعلا بالوصف لا مبتدأ إذا قلت: أقائمان الزيدان؟ وأقائمون الزيدون؟ (بخلاف من يقول: قام الزيدان والزيدون فإنه لا يقول هنا: أقائمان الزيدان وأقائمون الزيدون) إلا على الابتداء والخبر، ولا يقال: إنه غنما تكلم على اللغة المشهورة وهي لغة القرآن، وما قال لازم فيها بخلاف لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة" فإنها قليلة فلم يعتد بها في قانونه لأنا نقول: كان يكون هذا عذرا لو لم ينبه هو عليها في باب الفاعل بقوله: (وقد يقال سعدا وسعدوا) إلى آخره ولا مرية في أن الصفة هنالك جارية مجرى الفعل، فقد نبه على، هذه اللغة واعتد بها فلزمه أن يبنى عليها في نظمه هذا وإلا أوهم أن ذلك الإعراب لازم في اللغتين معا وهو غير مستقيم.
والثانية: على تسليم أنه لم يعتد إلا باللغة المشهورة، فذلك على الإطلاق فيها غير صحيح أيضا، وإنما يلزم ذلك في التثنية وفي الجمع السالم إذا قلت: أقائمان الزيدان؟ وأقائمون الزيدون؟ وأقائمات الهندات؟ وأما في جمع التكسير فلا، إذ لا يجوز في اللغة الفصيحة أن تجمع الصفة جمع التكسير إذا كان مرفوعها (مجموعا) فتقول: أقيام الزيدون؟ وأنت تعتقد أن الزيدين فاعل بقيام على حد ما لو قلت: أقائم الزيدون؟ فهو إذ ذاك

في عداد أقائم زيد؟ كما يجوز هناك الوجهان، فكذلك هنا نص على هذا الحكم في جمع التكسير سيبويه وغيره وسيأتي التنبيه عليه في باب النعت إن شاء الله ولا أجد الآن جوابا عن هذين وأقربهما الأول.


ورفعوا مبتدأ بالابتدا... كذاك رفع خبر بالمبتدأ أخبر في هذين المزدوجين بأمرين: أحدهما: أن المبتدأ والخبر كلاهما مرفوع، وذلك مفهوم من إخباره/ بالرافع لهما.
والثاني: أن العامل للرفع في المبتدأ الابتداء، والعامل في الخبر المبتدأ فأما الأول فقوله: (ورفعوا مبتدأ بالابتداء) يعني أن الرافع للمبتدأ (هو الابتداء) وإنما بين هذا لأن كل عمل لابد له من عامل، هكذا تقرر الأمر في كلام العرب وظهر في العوامل الملفوظ بها الموجودة عند وجود عملها، فما لم يظهر فيه ذلك للعيان قدروا عاملا ليستتب قياسهم، وما بنوا عليه صناعتهم وأما الثاني فقوله: "كذاك رفع خبر بالمبتدأ" أي إنهم رفعوا أيضا الخبر بالمبتدأ الذي هو طالب له، وأصل العمل الطلب، فأما الخبر فسيفسره بعد، وقد أشار إليه قبل بقوله: "وعاذر خبر" وأما الابتداء فلم يبينه.

وقد اختلفت عبارات الناس في تفسيره، فالذي رآه ابن مالك أنه: عبارة عن كون الاسم مجعولا أول الكلام معرى من العوامل اللفظية حقيقة أو حكما مسندا إليه الخبر، أو مسندا هو إلى ما يقوم مقام الخبر، وحقيقته ترجع إلى تعري الاسم من العوامل اللفظية، وهي عبارة أكثر الناس كالجرمي والفارسي وابن الأنباري وغيرهم، ويظهر ذلك من سيبويه في أول الكتاب.
وقال الزجاجي: إنه مضارعة المبتدأ للفاعل، وقيل: مضارعته للفعل وقيل: غير هذا مما لا حاجة إلى ذكره، إذ لا فائدة إلا نسبة العمل لشيء ما جريا على أسلوب ضبط القوانين ولنجر على ما ظهر من المؤلف.
فإذا قلت: زيد منطلق، فزيد ارتفع بالوصف الذي اتصف به وهو كونه عادما ما يعمل فيه من عامل لفظي، والمنطلق (ارتفع) بزيد وهو المبتدأ، وهو وإن كان ليس بفعل ولا معناه معنى الفعل فصحيح أن ينسب إليه العمل، لأن أصل العمل الطلب، والمبتدأ طالب للخبر طلبا لازما اختصاصيا فيعمل فيه، كما أن فعل الشرط عند طائفة والناظم منهم في غير هذا النظم عامل في فعل الجواب، وإن كان المطرد ألا يعمل الفعل في الفعل، ولكن لما كان طالبا له عند اقتران أداة الشرط به عمل فيه وهو ظاهر قول الخليل، فإنما معتمدهم في العمل الطلب فإذا طلب لفظ ما لفظا آخر وكان طلبه له اختصاصيا، ولم يقع منه موقع الجزء عمل فيه، وهذا الذي ذهب إليه الناظم في رفع المبتدأ والخبر وهو مذهب سيبويه.
قال في باب الابتداء: واعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبني عليه شيئا هو هو أو يكون في مكان أو زمان، وهذه الثلاثة

يذكر كل واحد منها بعد ما تبتدئ.
قال: فأما الذي يبنى عليه شيء هو فإن المبنى عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وقد ذكر نحو هذا في غير هذا الموضع وهذا مذهب جمهور البصريين ولأجل أنه الصحيح عنده بنى عليه واعتمده، وفي المسألة خلاف شهير جملته خمسة مذاهب: أحدها: ما تقدم.
والثاني: أن الابتداء رافع للمبتدأ والخبر معا.
والثالث: أن الابتداء رافع للمبتدأ وهو والمبتدأ معا رافعان للخبر.
والرابع: أن المبتدأ والخبر رفع كل واحد منهما صاحبه وهو مذهب الكوفيين ومن الناس من يحكي عنهم أن المبتدأ يرتفع بما يعود عليه من الخبر والذي حكى ابن الأنباري والمحققون عنهم هو الآخر.
والخامس: أن/ الابتداء رافع للمبتدأ والخبر معا لا مطلقا، بل يرفع المبتدأ بغير واسطة، ويرفع الخبر بواسطة المبتدأ، وهو اختيار ابن الأنباري، والمسألة طويلة والخلاف فيها يرجع إلى تحقيق اصطلاحي لا ينبني عليه في التفريع فائدة، فالأولى فيها وفي أمثالها ترك الاشتغال بالرد والترجيح وقد نص ابن مالك على ما ذهب إليه هنا

واحتج على صحته بإبطال ما عداه وقد تقدم طرف من التوجيه له، فلنضرب عن ذكر الحجج واستيعابها صفحا، لكن نذكر مذاكرة جرت بين كوفي وبصرى في مذهبيهما، فحكى ابن الأنباري في "الإنصاف" أنه اجتمع أبو عمر الجرمي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء فقال الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد منطلق، بم رفعوا زيدا؟ فقال له الجرمي: بالابتداء، فقال له الفراء: ما معنى الابتداء؟ قال: تعريه من العوامل اللفظية.
قال له الفراء: (فأظهره) فقال له الجرمي: هذا معنى لا يظهر.
قال له الفراء: فمثله إذا.
فقال له الجرمي: لا يتمثل.
قال له الفراء: ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا يتمثل، فقال له الجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد ضربته، بم رفعتم زيدا فقال: بالهاء العائدة على زيد.
فقال له الجرمي: الهاء اسم فكيف ترفع الاسم؟ فقال الفراء: نحن لا نبالي من هذا فإنا نجعل كل واحد من الاسمين إذا قلت زيد منطلق رفعا لصاحبه.
فقال الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في زيد منطلق، لأن كل واحد منهما مرفوع في نفسه، فجاز أن يرفع الآخر، وأما الهاء في ضربته ففي محل النصب، فكيف ترفع الاسم؟ فقال الفراء: لم نرفعه بالهاء وإنما رفعناه بالعائد على زيد.
فقال الجرمي: ما

معنى العائد؟ فقال الفراء: معنى لا يظهر.
فقال الجرمي: أظهره، قال الفراء: لا يمكن إظهاره، قال الجرمي: فمثله: قال: لا يتمثل، قال الجرمي: لقد وقعت فيما فررت منه.
قال ابن الأنباري: فحكى أنه سئل الفراء بعد ذلك فقيل له: كيف وجدت الجرمي: فقال: وجدته آية، وسئل الجرمي فقيل له: كيف وجدت الفراء؟ فقال: وجدته شيطانا، وهنا مسألة اصطلاحية في كلام الناظم إشارة إليها وإلى مقصد النحويين فيها وذلك حيث قال: (ورفعوا مبتدأ بالابتدا) والضمير في رفعوا إما أن يكون عائدا على العرب، وإما على النحويين وهم المصطلحون وعلى كلا التقديرين فمعنى الكلام أنهم هم الرافعون لهما بسبب وجود الابتداء والمبتدأ، فمن حيث جعلوا الرفع موجودا مع وجودهما ومعدوما مع عدمهما جعلوهما كالسبب في الرفع، وليس السبب في الحقيقة إلا المتكلم، ثم إنهم ينسبون العمل للألفاظ لتحقيق هذا الاصطلاح، إذ كانت هي العلامات لرفع ما يرفع ونصب ما ينصب وجر ما يجر ويستعمله الناظم كثيرا كقوله: (ترفع كان المبتدأ اسما والخبر تنصبه) وهو اصطلاح عام في كلام أهل هذه الصناعة لضبط القوانين لا أنهم مدعون لذلك حقيقة لأن الألفاظ لا ترفع ولا تنصب ولا تجر، وعلى هذا نبه ابن جني في "الخصائص" حين بين أن مقاييس العربية معنوية في الغالب، ومثل ذلك بموانع الصرف، ثم قال: ومثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به بأن تقول: رفعت هذا بأنه فاعل، ونصبت هذا بأنه مفعول.
فهذا اعتبار معنوي لا لفظي.
قال: ولأجله

ما كانت/ العوامل اللفظية راجعة في الحقيقة إلى أنها معنوية ألا تراك إذا قلت: ضرب سعيد جعفرا فإن (ضرب) لم تعمل في الحقيقة شيئا، وهل تحصل من قولك: ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل، وهذا هو الصوت، والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوبا إليه الفعل.
وإنما قال النحويون: عامل لفظي وعامل معنوي ليروك ّأن بعض العمل يأتي مسببا عن لفظ يصحبه كمررت بزيد، وليت عمرا قائم، وبعضه يأتي عاريا من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء ورفع الفعل بوقوعه موقع الاسم هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول.
فأما في الحقيقة ومحصول الحديث ما يعمل فيهما فالعمل من الرفع والنصب/ والجر والجزم إنما هو المتكلم نفسه لا لشيء غيره.
قال: وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ وهذا واضح.
هذا ما قال، وهو ما أشار إليه الناظم في قوله: (ورفعوا مبتدأ بالابتدا) ومما يؤنسك بهذا وأنهم جعلوا اللفظ والمعنى كالسبب في اختلاف وجوه

الرفع والنصب والجر والجزم ما حكاه ابن جني في "الخصائص" قال: سألت الشجري يوما فقلت له: يا أبا عبد الله: كيف تقول: ضربت أخاك؟ فقال: كذلك قلت: أفتقول ضربت أخوك؟ فقال: لا أقول أخوك أبدا.
قلت: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ قال: كذلك، فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدا؟ فقال: أيش ذا اختلفت جهتا الكلام، فهذا في قوة أن لو قال: صار المفعول فاعلا أو زال اللفظ الذي يقتضي الرفع وخلفه لفظ آخر يقتضي النصب، فهذا الاصطلاح في النحو قد تبين معناه، وإنما بسطت القول فيه لأن ابن مضاء ممن ينسب إلى النحو قد شنع على النحويين في هذا المعنى أخذا بظاهر اللفظ من غير تحقيق مرادهم فنسبهم إلى التقول على العرب وإلى الكذب في نسبة العمل إلى الألفاظ، بل نسبهم إلى مذهب الاعتزال والخروج عن السنة وظلمهم- عفا الله عنه- إذ لم يعرف ما قصدوه.

وقد صنف في الرد عليه وفي بيان مقاصد النحويين في هذه الأشياء ابن خروف جزءا سماه: "تنزيه أئمة النحو مما ينسب إليهم من الغلط والسهو" فإن أردت كمال القول في ذلك فعليك به.
وبالله التوفيق.


ولما تبين من قوله: أولا المبتدأ وعرفه التعريف الذي تقدم ذكره أخذ في بيان الخبر وتعريفه فقال: والخبر الجزء المتم الفائدة... كالله بر والأيادي شاهده وبين أنه الجزء الذي تمت به فائدة الكلام، وإنما قال: الجزء لأنه من الجملة المفيدة جزؤها.
فإذا قلت: زيد فهذا أحد الجزءين ولا تحصل به فائدة إلا مع الخبر إذا قلت: قائم أو عائم أو صائم، فهنالك يكتفي السامع بالفائدة الحاصلة له.
وقد جرت عادة النحويين المتأخرين أن يعرفوه بأنه الجزء الذي استفيد من الجملة أو أنه الذي تقع به الفائدة (أو أنه) معتمد الفائدة كما قال الجزولي: وهذا خطأ لأن المفرد وحده لا يفيد شيئا، وإنما فيه الدلالة/ على مسماه، وذلك ليس بفائدة خبرية، فإذا كان كذلك فكلام الناظم -رحمه الله- مخالف لهذا المعنى حيث عرفه

بأنه الجزء المتم الفائدة، فجعله متما لها ولم يجعله معطيا لها من أصل، كما هو ظاهر من كلام غيره، فمعناه أن الفائدة حصلت بينهما، أعني بين المبتدأ والخبر، فالمبتدأ يحصل شيئا منها لكن على غير تمام، ثم يأتي الخبر فيتمها ويكملها، هذا مقتضى لفظ "متم" وحيث اعتبرنا نحن ما قاله الناظم مع ما قاله غيره سبق لنا ما قاله غيره، واعتبرنا ذلك بأن المبتدأ إذا ذكر وحده لم يفدنا شيئا حتى يذكر الخبر، فما وجه ما قاله الناظم؟ والجواب: أن ما ظهر من الناظم هو الصواب، والذي لا ينبغي أن يقال بغيره وذلك أنه لا يمكن أن يقال: إلا أن الفائدة حصلت بهما معا، وكل واحد من الجزءين له حظ وطريق خاص في إعطاء الفائدة.
ومن الدليل على هذا أنه لا يستفاد من الخبر وحده فائدة البتة إذا قلت: قائم أو عالم دون أن يأتي بالمبتدأ، كما أنه لا يحصل بالمبتدأ وحده فائدة دون أن يؤتى بالخبر.
وأما من أطلق من النحويين القول بأن الخبر هو محل الفائدة، فمن جهة أنه الذي جاء آخرا وعند الإتيان به حصلت الفائدة، ولم يتشوف إلى منتظر، كما يتشوف بعد ذكر المبتدأ إلى الخبر، فإذا ثبت هذا فللمبتدأ حظ في الإفادة من حيث هو المحدث عنه، وللخبر حظ أيضا من حيث هو الحديث، فصح إذا أن الخبر هو الجزء المتمم الفائدة كما قال الناظم.
فإن قيل: كيف هذا وأنتم تشترطون في المبتدأ أن يكون معروفا عند السامع والخبر مجهولا، فإذا ذكرت المبتدأ فكأنك لم تزد شيئا على ما كان عند السامع فإذا ذكرت الخبر فقد ذكرت ما كان مجهولا عنده وذلك هو موضع الفائدة ضرورة، وإلا فلو كان معلوما لم يستفد شيئا.

فالجواب: أن هذا وإن كان ظاهرا لا يوجب أن الخبر هو المستفاد وحده أو المستفاد به وحده، بل نظير علمك بالمبتدأ وحده علمك بمدلول الخبر، ولاشك أنه معلوم للسامع قبل الإخبار وإلا لم يصح الإفهام، فإذا كل واحد من المبتدأ والخبر معلوم من جهة، وإنما المجهول النسبة والحكم بأن صاحب هذا الاسم هو صاحب هذا الآخر، وهذه النسبة المجهولة لا يستقل بإعطائها الخبر وحده دون المبتدأ ولا المبتدأ دون الخبر، بل هما جميعا، وهو مقتضى ما قاله الناظم، فوضح أن كلامه غاية في تحقيق المسألة، والكلام فيها هنا مستعار من علم آخر للحاجة إليه، وأتى بمثالين وهما: الله بر، والأيادي شاهدة، ومعنى: بر أي: يبر عباده، وهو من قولهم: بره يبره برا فهو بر من قوم أبرار، وبار من قوم بررة، وهو راجع إلى معنى الإكرام، والأيادي: العطايا، واليد الجارحة لا تجمع في الغالب على أياد، ولا تجمع على أيد، وأما اليد بمعنى العطية فإنها تجمع على أياد ولا تجمع على أيد، نص على ذلك أهل اللغة، وقد تجمع اليد بمعنى العطية على يدي كثدي وثدى، وقد تجمع اليد الجارحة على أياد.
أنشد ابن جني: / ومستامة تستام وهي رخيصة... تباع بساحات الأيادي وتمسح

ومعنى "و" "الأيادي شاهده"، أي: أن نعم الله تعالى وعطاياه التي خولها عباده من غير استحقاق بأنه بر بهم ورحيم بهم سبحانه.


ثم قال: ومفردا يأتي ويأتي جمله... حاوية معنى الذي سيقت له وإن تكن إياه معنى اكتفى... بها كنطقي الله حسبي وكفى قسم الناظم- رحمه الله- خبر المبتدأ إلى أقسامه العظمى وهي ثلاثة أقسام: أحدها: الجملة الصريحة.
والثاني: المفرد الصريح أيضا.
والثالث: الظرف وشبهه وهو المجرور، وإنما جعله قسما برأسه مع أنه واحد من القسمين إما من الجمل، وإما من المفردات؛ لأن له حكما يخالف فيه المفرد والجملة كما سيذكر.
وهذه الأقسام الثلاثة لا يخرج عنها نوع من أنواع الخبر على كثرتها وانتشارها إذ الخبر ينقسم إلى نيف وسبعين قسما، كل قسم منها يخالف صاحبه في حكم ما، لكن أتى الناظم بالأحكام التي لابد للخبر منها من حيث هو خبر وترك ما سوى ذلك لعدم الاحتياج إليه ولعدم ارتضائه الأحكام المخالفة لما ذكر، وقد ذكرها ابن خروف في "شرح الكتاب" وابتدأ بذكر الجملة وذلك أنه جعل الخبر أولا منقسما إلى قسمين: مفرد وجملة، ثم

استدرك القسم الثالث بعد، ثم جعل الجملة على قسمين: أحدهما: ما كانت هي المبتدأ من جهة المعنى.
والثاني: ما لم يكن كذلك، وهذا الثاني هو المراد بقوله: (ويأتي جمله حاوية معنى الذي سيقت له) فكأنه قال: ويأتي جملة ليست هي المبتدأ معنى، ودل على أن هذا مراده قوله في القسم الثاني: "وإن تكن إياه معنى اكتفى" فأما ما لم تكن هي نفس المبتدأ في المعنى فشرط فيها شرطا أتى به على مساق اللفظ فقال: (ويأتي جمله حاوية معنى الذي سيقت) فيريد أن هذه الجملة التي ليست للمبتدأ يشترط فيها أن تحتوي على معنى المبتدأ وهو الذي سيقت الجملة لأجله، فالضمير في "سيقت" عائد على الجملة، وفي "له" عائد على "الذي" ومدلول الذي هو المبتدأ، فإنها إن لم تكن تحتوي على معناه لم يصح وقوعها خبرا له؛ لعدم الربط بين المبتدأ والخبر.
فإذا قلت: زيد عمر وأخوك، أو زيد عمر وقائم، لم يجز لعدم الرابط بخلاف ما إذا احتوت الجملة على المبتدأ من جهة المعنى، فإن الفائدة حاصلة لأجل الربط، والكلام صحيح نحو: زيد أبوه قائم أو زيد قام أبوه، وإذا ثبت هذا بقى النظر في مسائل أربع: إحداها: أنه أطلق الجملة ولم يقيدها باسمية دون فعلية، فدل ذلك على أنهما كلتيهما تقعان خبرا للمبتدأ وذلك صحيح، فمثال الاسمية قولك: زيد أبوه قائم، وزيد عمر وقاعد في داره، وبكر خالد قائم في حانوته وما أشبه ذلك.
ومثال الفعلية قولك: زيد قام أبوه وعمر ولا يقوم، وبكر أكرمت عمرًا

من أجله، وما أشبه ذلك، وقد يدخل الناسخ على الجملة الاسمية كقولك: زيد إنه قائم، وعمر ووما هو قائما، وزيد لا أحد في داره، وقد تكون/ الجملة منفية كما تكون موجبة نحو: زيد لا هو قائم ولا عمرو، وزيد ما هو قائم، إذ لم يعمل "ما" على لغة بني تميم أو على لغة أهل الحجاز إذا فقد شرط الإعمال نحو: زيد ما هو إلا قائم، وزيد ما إن هو قائم، وزيد ما قائم هو وما أشبه ذلك، كما أن الفعلية أيضا تكون موجبة ومنفية نحو: زيد هرج ولا يخرج وزيد ما خرج، وكل واحدة من الجملتين على قسمين: قسم يكون فيه للمبتدأ لفظا ومعنى نحو: زيد هو قائم وزيد قام وقيم سكون فيه للمبتدأ لفظا ولما هو من سببه معنى نحو: زيد أبوه قائم وعمرو خرج أبوه، ويدخل الناسخ النفي كما تقدم، وكل هذا ينتظمه كلام الناظم.
والثانية: أن اطلاقه ينتظم أيضا جواز وقوع الجملة خبرا، كانت خبرية أو طلبية ولا يتشرط فيها أن تكون محتملة للصدق والكذب، فأما الخبرية فما تقدم، والطلبية والإنشائية وإن لم تكن طلبية فتكون اسمية وفعلية، فالاسمية نحو: زيد ليته أخوك، وعمر ولعله قادم، والأسد لعله يأكلني، وبكر كأنه الأسد فالتشبيه هنا ليس بخبري ولكنه إنشائي، وزيد سلام عليه، وبكر ويح له وترب لفيه، والفعلية نحو: زيد اضربه، وعمر ولا تشتمه، وزيد لا يقصدك، وبكر هلا أكرمته، وزيد نعم الرجل، وعمر وبئس الغلام، وما أحسن زيدا، وزيد أكرم به، وزيد غفر الله له، وبكر اللهم اغفر له، وزيد عسى أن يحج، وزيد عساه يموت غدا، ويدخل الاستفهام على الجملة الخبرية فتصير طلبية نحو: زيد أهو قائم؟ وزيد أأبوه قائم، وزيد كيف هو؟ وزيد أين هو؟

وزيد متى قيامه؟ وزيد هل أكرمته؟ وزيد كيف وجدته؟ وزيد أين استقر؟ وما أشبه ذلك، فهذا كله مما يقع خبرا للمبتدأ بمقتضى إطلاقه، كما أنها تقع أخبارا إذا كانت غير إنشائية وهذا مذهب الجمهور.
وذهب ابن الأنباري وابن السراج ومن وافقهما إلى أن الجملة الطلبية لا تقع خبرا للمبتدأ من حيث هي طلبية، وحجتهم في ذلك أن الجملة الواقعة خبرا للمبتدأ مؤولة بالمفرد كما تقول: زيد أبوه قائم، فهو في تأويل زيد قائم الأب وكذلك زيد يقوم في تأويل زيد قائم، ولو حاولت تقدير الجملة الطلبية بمفرد لم يصح، لذهاب معنى الطلب إذا قدرت قولك: زيدا اضربه، بقولك: زيد مضروب، بخلاف الجملة الخبرية، فإن معناها لا يذهب بتصييرها بالتقدير إلى المفرد وما جاء مما ظاهره هذا فعلى إضمار القول، فالقائل زيد اضربه، هو على تقدير مقول فيه اضربه، كما يقدر القول في الجملة الواقعة صلة أو صفة إذا لم تكن خبرية كقوله وإني لرام نظره قبل التي... لعلى وإن شطت نواها أزورها أي: قبل التي أقول من أجلها لعلى أزورها، وكذلك قول الآخر في الصفة:

جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط التقدير: جاءوا بمذق يقول من رآه: هل رأيت الذئب قط؟ والخبر والصفة والصلة يجرين مجرى واحدا، فلذلك يقدر القول مع ما جاء من الإخبار جملة غير خبرية، ورده المؤلف من وجهين: أحدهما: أن خبر المبتدأ لا خلاف في أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق/ والكذب، فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بألا يشترط احتمالها للصدق والكذب؛ لأنها نائبة عما لا يحتملهما وما قاله المؤلف صحيح وأيضا لو اشترط في الجملة احتمالها للصدق والكذب للزم من ذلك أن تكون أيضا واقعة موقع ما لا يحتملهما؛ لأن المفرد لا يحتملهما، فالجملة إذا- وإن كانت خبرية- لا يصح تقديرها بالمفرد لذهاب معنى الخبرية واحتمال الصدق والكذب، فالحاصل أن الجملتين المحتملة وغير المحتملة بالنسبة إلى تقديرهما بالمفرد سواء، فما يلزم في إحداهما يلزم في الأخرى.
والثاني: أن وقوع الخبر مفردا طلبيا ثابت باتفاق نحو: كيف أنت؟ فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع فكيف وهو مسموع كقول رجل من طييء: قلت من عيل صبره كيف يسلو... صاليا نار لوعة وغرام

هذا ما قال، وفيه بحث ولكن فيه تقوية لمذهبه على الجملة وما زعموه من إضمار القول لا يستقيم معناه، لأن معنى زيد اضربه هو معنى اضرب زيدا من غير فرق، وأنت لو قلت: زيد مقول فيه اضربه لكان مخالفا لمعنى اضربه فقد أوقعهم هذا التقدير في مثل ما فروا منه، والخبر في هذا المعنى مخالف للصلة والصفة؛ إذ المعنى على تقدير القول فيهما مستقيم وموافق للمعنى المراد، وهو في الخبر مخالف للمعنى المراد، فلا قياس مع وجود الفارق، وغنما يصح تقدير القول في الخبر الذي وقع جملة طلبية في نحو قوله: وكانت كليب خامري أم عامر فهذا بلا شك على تقدير: كليب مقول فيهم هذا الكلام، لأن المعنى عليه لا على حقيقة الطلب؛ وأيضا إن احتجنا إلى التأويل فيمكن في الكلام غير ما ذكروه من إضمار القول وذلك وجهان:

جارٍ التحميل