أو حكما، نحو قول الله تعالى: ﴿اعلمُوا أَنّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ، وَتَفَاخرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ﴾.
وقال الشاعر:
وَالْمَرْءُ سَاعٍ لِأمْرٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ
وَالْعَيْشُ شُحٌّ وَإِشْفَاقٌ وَتَأمِيلُ
وهذا القسم ليس مما نحنُ بصَدَدِ الكلام عليه؛ لأن الإخبار فيه إنما وقع بواحد عن واحد؛ لأن قولك: بنو فلان فقيه وكاتب وشاعرٌ، بمنزلة أن تقول: فلان فقيه، وفلان كاتب، وفلان شاعر.
وكذلك قوله:
وَالْعَيْشُ شُحٌّ وَإِشْفَاقٌ وَتأمِيلُ
بمنزلة أن لو قال: بَعضُ العيش شُحٌّ، وبعضُه إشفاقٌ، وبعضُه تأميلٌ.
وكذلك سائر الأمثلة، فهو راجعٌ إلى الإخبار بمفرد عن مفرد، فليس مما يدخُلُ تحت كلام الناظم، لأن قال: وأخبروا بكذا عن واحد.
وهذا ليس الإخبار فيه عن واحد.
والثاني: أن يتعدّد الخبر لفظًا دون معنى، لقيامه مقام خبر واحدٍ لفظا ومعنى، كقولهم: هذا حلوٌ حامضٌ، بمعنى: مُزّ.
وهذا أعسرُ يَسَرُ، بمعنى: أضبط وهو العامل بكلتا يديه.
فهذا القسم يصح دخولُه تحت لفظ الناظم من باب أحرى؛ لأن المبتدأ هنا لا يستغلّ بأحد الخبرين دون الآخر، وقد يستغلُّ في نحو قوله: «هم سَرَاةٌ
شُعَرَاءُ».
على أن المؤل جعل هذا الضربَ خارجًا عن المسألة من جهة عدم الاستقلال بأحد الخبرين، فصارا معًا في معنى الخبر الواحد، فهما في الحقيقة خبر واحدٌ، وإنما تَعدّدَ في اللفظ خاصّةً.
والأمر في هذا قريبٌ.
وقد عدّ الجمهور هذا من الإخبار بخبرين لا بخبرٍ واحدٍ.
وهما مما يشملُه كلامه.
فالأظهر أنه مُرَادٌ له، وإذا كان كذلك ظهر موافقتُه للناس في أن الثاني من اللفظين خبر ثانٍ.
وقد نُقِل عن الأخفَشِ خلاف هذا، وأن الثاني صفة للأول لا خبر.
وهذا عندهم ضعيف؛ وقد أبطل الفارسىُّ في «التذكرة» أن يكون الثاني أحد التوابع، فقال: إن قلت: إن الثاني تابع للأول، فليس يجوز أن يكون الثاني بدلًا من الأوّل؛ لأن الأول مرادٌ كما أن الثاني كذلك، قال: ومن هنا لا يجوز أن يكون الثاني صفة للأول، قال: والصفة أظهر أَنْ لا تجوزَ، لأنك لا تصف الحلو بأنه حامض، وإنما تخبر عن الأول أنه قد جمع الطعمين، يعنى في قولك: هذا حلوٌ حامض.
ولا مدخل لشئ من باقي التوابع هنا، فالوجه ما عليه الجمهور.
والثالث: أن يتعدّد الخبر لفظا ومعنى مع اتحاد المبتدأ، كقولك: زيد كاتبٌ شاعرٌ، وأخوك قائمٌ / ضاحك.
وما أشبه ذلك.
ومنه مثال الناظم: هُمْ سَرَاةٌ شُعَراءُ.
فَسَرَاة راجع للجميع وكذلك شعراء، فليس من
الضرب الأول، ولذلك لم يعطف بالواو؛ فإن العطف بالواو يلزم في الأول؛ إذ لا يقال: بنوك فقيه كاتب شاعر، كما أنه لا يجوز في الثانى العطف، فلا تقول هذا حلوٌ وحامضٌ.
والسراة: جميع سَرِىّ، على غير قياسٍ.
والسرِىُّ: الرجلُ ذُو المروءةِ، ويقال: هو الذى جمع السخاء والمروءة.
ويقال منه: سَرَا يَسْرُو، وسرى يسرى، وسرُو يَسْرُو: سَرْوًا وَسراوَة.
وليس السّراةُ بجميع عند السهيلى، وإنما هو اسم مفردٌ مستعارٌ من السراة، وهو الوسط والأعلى، كما يقال: هم الذِّروةُ والسّنام، أى: الأشراف في قولهم.
وهذا الضربُ أيضًا من تعدُد الخبر، عليه الجمهور من الأئمة كالخليل وسيبويه وابن السراج والفارسىّ وبان جنى، وغيرهم؛ قال سيبويه في قولهم: هذا زيد منطلق: «زعم الخليل أن رفعه -يعنى المنطلق- يكون على وجهين: فَوَجْهٌ أنّك حين قلت: هذا عبدُ الله، أضمرت هذا أو هو، كأنك قلتَ: هذا منطلقٌ، أو هو منطلقٌ».
قال: «والوجهُ الآخرُ أن تجعلَهما جميعًا خبرًا لهذا، كقولك: هذا حُلوٌ حامضٌ، لا تُرِيد أن تَنْقُض الحَلَاوَة، ولكنك تَزْعُم أنه جَمَع الطَّعْمَينِ».
فهذا ما رأى الناظم، ولم يخالف فيه -فيما أعلم- إلا ابن الطراوة، فإنه قصر جواز الإخبار بخبرين على نحو: حلو حامض، مما لا يستقل أحدهما بالإخبار دون صاحب؛ لا يريدُ أن يخبر عنه بأنه حلو، وبأنه حامض، بل يريد:
مُزّ.
بخلاف: هذا زيدٌ منطلق، فإن الإخبار عن هذا بزيد غير الإخبار عنه بمنطلق، وتبعه ابن عصفور على هذا المذهب.
فيكون الناظم بإتيانه بهذا المثال مُنَكِّتًا عليهما ومخالفًا لهما؛ إذ لا مانع من حمل مثل هذا على أنه من تعدّد الخبر، فكما يخبر عن المبتدأ بخبرين لا يصدقُ الكلام بأحدهما دون الآخر، كذلك يخبر عنه بخبرين يصدق الكلام بأحدهما دون الآخر.
ثم إننا ننظر في القصد بالإخبار بخبرين فأكثر، على أىّ معنى يكون؟ فيحتمل أن يكون الإخبار بكل واحد على انفراده، وأن يكونَ القصدُ الإخبار بمجموعهما، أما الأول فظاهر أنه إنما يصلح مع تقدير مبتدأ للخبر الثاني، كأنك قلت: هم سَرَاةٌ، وهم شعراءُ.
فهذا المعنى هو الذى يعطيه قصد الانفراد، بخلاف ما إذا قصدت الإخبار بالمجموع فإذ ذاك يصح أن يكونا معًا خبرين عن الأول حقيقة، وإذا كان كذلك ظهر أن الخبرين في القصد في معنى خبر واحدٍ، كأنه قال: هم جامعون للوصفين.
وعلى هذا المعنى نصّ الفارسي في التذكرة، وأنك إذ قلت: زيدٌ ظريفٌ كاتب، فكأنك جامعٌ لهذين الوصفين.
وذكر ذلك ابن جني أيضا في «التنبيه» وحمل قولك: زيد قائم أخوه قاعدةٌ جاريته، على أنهما خبران لزيد.
وذكر أنه تخلص بينه وبين أبي علىّ أنّ الضمير الرابط بين المبتدأ وخبره عائد من المجموع، ولكن في كلّ واحد منهما ضمير، وهو الذى يقتضيه الأشتقاق بدليل رفعه للظاهر.
وقد استدلّ ابن خروفٍ على أنهما / ليسا خبرًا بعد خبر، بل مجموعها هو الخبر، بأّنّ المبتدأ هو العامل فيهما معًا، ولا يرفع رافع مرفوعين غير التوابع، فزيدٌ قائم كاتب، بمنزلة حلو حامض، لأنه لم يخلص لواحد منهما، فالمعنى في مجموعهما.
وإذا كان الأمر كذلك فمخالفة ابن الطراوة وابن عصفور في: زيد كاتب قائم، بحسب القصد بمنزلة: حلو حامض، لا يستغنى بأحدهما في الإخبار دون الآخر إلا من حيث الصلاحية للاستغلال خاصة.
وقد يحتمل أن يكون قصدُ الناظم بذلك المثال التّحرزَ من نحو: هذا حلوٌ حامض، فلا يدخل له إلا ما كان مثل: هم سَرَاةٌ شعراءُ، مما يصحُّ فيه أحد الخبرين للاستقلال، وهو الذى يجوز معه عطفُ أحدهما على الآخر، وعليه نَبّه في التسهيل بقوله: «وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا، بعطفٍ وغير عطف».
فلو قلت هنا: هم سراة وشعراء، لكان بخلاف القسم الأول والثاني؛ فإن الأول لا بدّ فيه من العطف، والثاني لا يجوز فيه العطف.
ووجه إخراجه للأوّل ظاهرٌ، وللثاني أَنّ كُلّ واحدٍ منهما -أعنى من الخبرين- كبعض كلمة، فلا يسوغ أن يقال فيهما: خبران، إلا مجازًا، وفي الحقيقة هما خبرٌ واحدٌ، كما كان الحالان في قولهم: بَيّنْتُ له حسابه بابًا بابًا، وتصدّقت بمالي درهمًا درهما، في معنى الحال الواحدة.
والناسُ على خلافِ رأيه في هذا القسم.
ولكن الخطب في ذلك يسير، لأنه خلاف في اصطلاح، وهم في الحقيقة متفقون، فلا معنى للاحتجاج للناظم ولا لغيره.
ثم نرجع إلى تفسير كلامه، فقوله: «وَأَخْبَرُوا باثنين أو بأكثرا».
إلى آخره، يعنى أن العربَ أخبرت عن المبتدأ الواحد بخبرين وبأكثر من خبرين،
فالإخبار بخبرين نحو قولهم: هذا حُلْوٌ حامِضٌ.
وفي قراءة عبد الله: (وَهَذا بَعْلِى شيخٌ).
وفي القرآن أيضا: ﴿كَلَّا إِنّها لَظَى نَزَّاعَة لِلشّوَىَ﴾، على قراءة الرفع، وهى لمن عدا حفصًا.
وقال الشاعر:
يَنَامُ بإحدى مُقلتيه ويتّقي... بأخرى الأعادي فهو يَقظَان هاجع
ومن الإخبار بأكثر من خبرين ما أنشده سيبويه من قول الراجز:
مَنْ كَانَ ذَا بَتّ فهَذا بَتّي
مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتىِّ
وفي القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ.
ذُو العَرْشِ المَجِيدُ.
فَعّالٌ لمَا يُريدُ﴾.
وقد يكون من هذا قوله: ﴿إِنّها لَظَى.
نَزّاعَةً لِلشّوَى﴾، على عَدِّ: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَر وَتَوَلَّى﴾ خبرًا ثالثًا.
وحين أخبر الناظمُ عن العرب أنهم فعلوا ذلك، وأتى بمثال من غير ما سمع، دلّ على أن ذلك غير موقوف على السماع وأنه قياس، وذلك مستقيم؛ فإنه كذلك عند النحويين.
ولما أطلق القول في الخبرين فصاعدًا، وعلم من قصده بالتمثيل أنه يُبِين عدم الانقياد لمذهب ابن الطراوة وابن عصفور، كان تمثيله مطلقا في غير ذلك القصد، فإنه حين قدم قبل ذلك أن الخبر ينقسم إلى مفرد
وجملة، وظرف ومجرور، كان من الجائز أن يقعَ ذلك هنا، فيكونَ الخبران مفردَين، أو جملَتين/، أو ظَرْفين، أو مجرورَين، أو يكونا متخالفين، أحدهما مفرد [والآخر جملة وشبه ذلك، وكذلك يقتضى أن يقع أحدهما إن كانا مفردين نكرة] والآخر معرفة.
أما وقوعهما مفردين فلا إشكال فيه، وكذلك إن كان أ؛ دهما معرفة والآخر نكرة، ومنه مثال سيبويه: هذا زيد منطلق.
وهو مسموع، وكذلك: ﴿وَهَذا بَعْلِى شَيْخٌ﴾ و ﴿كَلّا إِنّها لَظَى﴾.. الآية.
وقوله «فَهَذا بَتِّى مُقَيْظٌ،.. البيت.
وهو كثير.
على أن ابن الحاج قال فيما قيد على مُقَرّب ابن عصفور: وينبغى أن يُنْظر في الإخبار بخبرين: أحدهما معرفة، والآخر نكرة، فلم أسمع من ذلك شيئًا.
قال: وهو نحو: زيد ضاحك أخوك، ونحوه».
فإن أراد ظاهر لفظه فالسماع بذلك شهير، وإن أرادَ ما مَثّل به من تأخير لمعرفة فيقُربُ أن يكون كما قالَ، ولكن لا معنى للاختصار بتأخير المعرفة.
وأما وقوعهما جملتين، أو أحدهما فيمكن؛ قال ابن الحاج: أكثر ما ورد ذلك في المفردات، وذلك أن الجملة يجوز فيها أَنْ تقدّر في موضع الحال، ومن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿الله لَا إِلَه إِلّا هُوَ الحىُّ القَيُّومُ، لَا تَأخُّذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، لَهُ ما في السّمَواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ﴾.
قال: فظاهر
الآية أنها أخبارٌ.
ويمكن أن يكون من ذلك: ﴿ألم.
ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتّقِينَ﴾.
ومثلُ هذا الظرفُ والمجرور إِذا قُلْتَ: زيد عند زيدٍ مكان عمرو، وزيد عندك في الدار، وما أشبه ذلك.
هذا كلّه سائغ قياسًا، وصالح الدخول تحت إطلاق التمثيل، فلا إشكال (فيه) إلا في مسألة واحدة، وهى إذا كان أحدُ الخبرين إنشائيا، نحو: أين زيد قائم؟ فإنه لا يجوز أن يكون «أين» «وقائم» معا خبرين عن زيد، وكذلك ما كان مثله.
وقد نصّ على امتناع هذا ابن جنى في «التمام»، وذكر أنه وَقَفَ الفارسىّ عليه، فَسَلّم قوله فيه.
قال ابن الحاج: ومثل ذلك عندى: زيدٌ قائم اضرِبْهُ.
وزَيْدُ هَلْ ضَرَبْتَه؟ خارجٌ.
ومثله كثير.
فعلى هذا يشكل كلامُ الناظمِ في إطلاق التمثيل، إلا أن يُجَابَ عن ذلك بِأَنْ ترك ذكر ذلك اتكالًا على أن تقدير جمعهما في خبرٍ واحدٍ غيرُ متأتٍّ، كما تأَتّى في جميع ما تقدّم، إذ لابُدّ من الخبرين أن يُؤْتَى بهما على معنى الاجتماع في خبر واحدٍ كما مَرّ، وذلك غير جائز مع كون أحدهما إنشائيًا.
والله أعلم.
كَانَ وأَخَوَاتُهَا هنا ابتدأ الناظم -رحمه الله- بذكر العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، فتنسخ حكم الابتداء إلى أَحكامٍ أُخَر، وتُسمّى لأجل ذلك النواسخَ؛ لأنها نسخت عمل الابتداءِ في الاسمين اللذين كانا قيل دُخُولها مبتدًأ وخبرا، وهى سبعةُ أنواعٍ: