(ثم قال):
وَخُفِّفَتْ إِنّ فَقَلّ العَمَلُ
وَتَلْزَمُ اللّامُ إذا ما تُمُيَلُ
وَرُبّما اسْتُغْنِىَ عَنْها إِنْ بدًا
مَا نَاطِقٌ أرَادَهُ مُعْتَمِدًا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخَا فَلَا
تُلْفِيه غَالِبًا بِإِنْ ذِىِ مُوصَلَا
العربُ خَفّفت في هذا الباب أربعة أحرف لثقل التضعيف، كما تفعلُ ذلك في غير موضع من كلامها، وذلك إنّ وأنّ وكأنّ ولكنّ.
وأمّا لعلّ فلم تخففها بحذف أحد المضاعفي، لأن التخفيف فيها حصل بحذف اللام الأولى، قالوا فيها: عَلّ، فلو زادوا فيها تخفيفا لأجحفوا بها.
وأما ليت فلا تضعيف فيها، فبقي مما فيه التضعيف المحتملُ للتخفيف الأحرفُ الأربعةُ/ وذكر الناظم منها ثلاثة ولم يذكر «لكنّ» لكونها في حال تخفيفها لا تعمل شيئًا كما تعمل البواقي بعد التخفيف.
وما نزع إليه هو مذهب النحويين ما عدا يُونُس والأخفش، فإنهما أجازا إعمال لكنّ بعد التخفيف قياسًا على أخواتها، وذلك لم يرد به سماعٌ فلا يُبْنى عليه.
فأخذ يتكلم على تلك الثلاث الباقية، وابتدأ بالكلام على إنّ المكسورة فقال: «وَخُفِّفتْ إِنّ فَعَلّ العَمَلُ»، فَأَعلم أنها إذا خففت لا تبقى على حكمها
قبل التخفيف على حالٍ، بل لها أحكام تختصّ بها تلك الحال هو آخذٌ في ذكرها، فيعنى أنها إذا خففت صار في إعمالها للعرب وجهان: أحدهما: إبقاؤها على ما كانت عليه من الإعمال، وهو قليل في كلام العرب، ولذلك قال: «فَقَلّ العَمَلُ»، ولكنه مع ذلك قياس، فتقول: إنْ زيدًا لقائمٌ.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُلّا لَمَا لَيُوَفّيَنّهُمْ رَبُّكَ أَعمالَهُمْ﴾، وهى قراءة الحرمييّن وأبي بكر.
وَوَجْهُ بقاءِ الإعمال أنها عملت بشبه الفعل كما تقدّم، والفعل يعمل محذوفًا كما يعمل تامًا، كما تقول: لم يكن زيدٌ قائمًا، ولم يَكُ زيدٌ قائمًا، فكذلك يحكم لما أشبهه.
وأيضًا فالحذفُ فرعٌ عارض، والأصل هو الإثبات فالمحذوف التقدير كأنه لم يحذف، وكأنها إِنّ كما كانت في الأصل.
والثانى: إهمالها، وهو الأكثر في الكلام.
ودلّ على أنه الأكثر قوله: «فَقَلّ العَمَلُ»، لأنه إذا قلّ إعمالها لزم كثرةُ إهمالها، إذ هى دائرةٌ بين هذين لا: واسطة بينهما، فتقول على هذا في الكثير: إِنْ زيدٌ لقائمٌ.
ومنه قول الله سبحانه: ﴿وإِنْ كلٌّ لَمَّا جَميعٌ لَدَينا مُحْضَرُونَ﴾.
﴿وإِنْ كلُّ ذَلِك لَمّا مَتَاعُ الحياةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿إن كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيها حافِظٌ﴾.
وما أشبه ذلك.
ووجهُ إهمالِها أنها إنما عملت مع اعتبار الشبه اللفظى إما مستقلًا وإما جزءَ عِلّةٍ، فإذا فقد الشبهُ اقتضى القياسُ فَقْدَ الحكم المبنى عليه، وهو الإعمال، فأهملت.
وهذا الذى قَرّره الناظم مبنىٌّ على موافقة أهل البصرة في أَنّ إِنْ المخففة ليست النافية، بل هي التوكيديّةُ، خلافًا لمن قال: إنها النافية، واللام اللازمة بعدها للايجاب بعد النفي، فقولك: إِنْ زيدٌ لقائم، في معنى: ما زيدٌ إلا قائمٌ.
وهو مذهب الكوفيين.
والذى يدلّ على صحة ما ذهب إليه الناظم مجئ النصب عن العرب، كقراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ كلًا لما لَيُوَفِّينّهُم﴾، وقال سيبويه: «وحدثا من يُوثَق به أنه سمع من العرب من يقول: إِنْ عمرًا لَمطلقٌ»، قال: «وأهل المدينة يقرءُون: ﴿وَإِنْ كُلًا لَمَا لَيُوَفِّينّهُمْ﴾، يخفّفُون وينصبُونَ، كما قالوا: كأن ثَدْيَيْهِ حُقّانِ
قال: «وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل، فلما حذف من نفسه شئٌ لم يتغيّر عمله، كما لم يُغَيِّر عمل لم يَكُ.
ولم أُبَلْ حين حُذِف».
وحكى المؤلف عن الأخفش أنه قال: «زعموا أن بعضهم يقول: إِنْ زيدًا لمنطلق».
وحكى ابن
الأنباري ذلك أيضًا.
وإذا ثبت لها النصب عند التخفيف لم يصح أن تكون النافية أصلًا، لا يقال في الآية: إن كُلًا منصوب بقوله: ليوفيّهم، أو بفعلٍ/ يفسّره، لأنّا نقول: كلا القولين ممنوع على مقتضى أصولهم في هذا الموضع أو ضعيف؛ قال المؤلف: «لأنهم يوافقون في أن ما بعد إلّا لا يعمل فيما قبلها ولا يفسّر عاملًا فيما قبلها، قال: «وكذلك قال الفراء في كتاب المعانى: وأما الذين خفّفُوا إنّ فإنّهم نصبُوا كُلًا بِلَيوَفِّينّهُمْ.
وهو وجه لا أشتهيهِ، لأن اللام لا يقعُ الفعل الذى بعدها على شئ قبله، فلو رفعنا كُلًا لصلحَ ذلك، كما يصلَح ذلك، كما يصلُح إِنْ زيدٌ لقائم، ولا يصلح أن تقول: إنْ زيدًا لأضرب؛ لأن تأويله كقوله: ما زيدًا إلّا أضرب.
وهذا خطأ في اللام وإلّا.
هذا نصّه».
قال ابن مالك: «فقد أَقَرّ بأن حَمْلَ القراءة على جعل إِنْ نافيةً، واللام بمعنى إلّا، خطأٌ.
ولا شكّ في صحة قراءة النصب، ولا توجيه لها إلا توجيهُ البصريين، فتعيّن الحكمُ بصحته مع ما أيّد ذلك من السماع».
ثم قال: وتَلزُم اللامُ إذا ما تُهْمَلُ»، يعنى إِنّ إذا خُفِّفَتْ فأهملت في أحد الوجهين لزمت اللام في خبرها، والألف واللام في قوله: «وتلزم
اللامُ» لتعريف العهد، إِذْ قد تقدّم له الكلام في لحاقها.
وأفاد بهذا الكلام فوائد:
إحداها: أن تلك اللامَ لامُ الابتداء الداخلةُ في خبر إِنّ، وهو رأىُ جمهور البصريين.
وزعم الفارسىُّ من البصريين أنها غيرها، لك ليست بمعنى إلّا.
وذهب الكوفيون إلى أنها بمعنى إِلّا، بناء على أنّ إِنْ هى النافية.
والدليل على ما قاله الناظم أنّ من العرب من يعملها واللام معها، فيقولون: إِنْ زيدًا لقائم، ومنه اللام في: ﴿لما لَيُوفِّينّهُم﴾، وقد نصّ سيبويه على ذلك في أبوابِ إِنّ، وقال: إنها التى في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾.
أما قولُ الكوفيين فمجرّدُ دعوى لا دليل عليها، ولو كان كما قالوا لصحّ وقوعها حيث تقع إلّا بعد كلِّ نفي، فكنت تقول: ما زيد لقائمٌ، أو: لما قائمٌ -بمعنى: ما زيدٌ إلا قائم- ولم يقم لَمَا زيد، [ولن يقومَ لَمَا زيدٌ]، وفي امتاع ذلك دليلٌ على أن الأمر ليس كما زعموا.
وأما قول الفارسىّ فشبهته -فيما زعم- ما رأى في الكلام من إعمال ما قبلها فيما بعدها، نحو: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.
وهو كثير، ولام الابتداء لا يعملُ ما قبلها فيما بعدها، لو قلت: إنك
كنت لقائمًا، أو إنّك قتلتَ لمسلما، لم يجز، فعلمنا أنها ليست بها.
وقد اعتذر عن هذا المعنى ابنُ خروفٍ فقال: ولما خُفِّفت وأبطل عملُها ألزموها اللام فرقًا بينها وبين النافية، وأدخلوها على ما لم تكن تدخل عليه وإنّ مثقلةً، فقالوا: إن قام لزيدٌ، وإن ضربتَ لعمرًا، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقينَ﴾؛ قال: وليس دخولها في هذه المواضع بأبعد من دخولِ إنّ على الفعل، لَمّا أُلغِيت جاز فيها ذلك.
هذا ما قاله؛ وأيضًا فلا بُعْدَ في أَنْ يعملَ ما قبلها فيما بعدها، كما يعمل فيما قبلها إذا قلت: إنّ زيدًا طعامَكَ لآكِلٌ، وإن زيدًا في الدار لقائِمٌ.
وما أشبه ذلك، لما كانت مؤخرة من تقديم، فمن حيث فيها على الجملة ألّا تعتبر صَدْريّتِها مع إنّ يجوز أن لا تعتبر هنا أيضًا لأن المخففة هى المثقّلَةُ.
وللمؤلف هنا جواب آخر في الشرح لا حاجة إلى جَلْبِهِ هنا.
والفائدة الثانية: ما نصّ عليه/ من لزوم اللام، والفائدة في لزوم اللام قصدُ التفرقة بين إِنْ المخففة من الثقيلة وبين إن النافية؛ إذ لو قلت: إِنْ زيد قائمٌ، لم يُعرَفْ أهى النافية أم لا، فأدخلوا اللام المختصّة بأنْ المخففة، لأنها التى تصحبها حال تثقيلها وحال تخفيفها أيضًا إذا أُعمِلَت، فلم تلتبس بالنافية؛ ولأن لام الابتداء ليس من شأنها أن تدخل مع أدوات النفي، فحصل الفرق بينهما؛ قال سيبويه: «اعلم أنهم يقولون: إِنْ زيدٌ لذاهبٌ، وإِنْ عَمْروٌ لخيرٌ منك، لما خَفّفها جعلها بمنزلة لكنّ حين خَفّفها» -يعى بمنزلتها في الإهمال-، قال: «وألزمها اللام لئلا تلتبس
بإن التي بمنزلة ما التى ينفي بها».
وهذا التعليل (قد) يقتضى أنها لا تلزم إذا لم يقع لَبْسٌ، ولكن العرب لم تراع ذلك إلا في النادر، كما هو ذاكره.
والفائدة الثالثة: أنها لا تلزم إذا أُعْمِلت، لأنّ الناظم شرط في لزومها إهمالَ إِنّ، فاقتضى مفهُو الشرط أنها إذا لم تُهْمَلْ لا تلزمُ.
وذلك صحيح، فتقول: إِنْ زيدًا قائمٌ، وإِنْ زيدًا لقائم.
نصّ على ذلك السيرافي وغيره، ووجه ذلك ظاهر، وهو أنها لما أُبقيَتْ مع التخفيف على حكمها مع التثقيل في العمل، أُبِقَى لها أيضًا حكمُ دخول اللام في الخبر، وهو الجواز مع التثقيل، فكذلك يكون مع بقاء حكمه.
ثم قال: «وَرُبّما استُغْنَىِ عَنها»، رُبّما إنما يستعملها الناظم في التقليل، والضمير «عنها» عائدٌ إلى اللام.
يعنى أنّ اللام الفارقة قد يُستَغنى عنها فلا يؤتى بها، لك بشرط أن يبدو ويظهر مرادُ المتكلم بكلامه ومعتمدُه الذى اعتمده.
وذلك الإيجابُ لا النفىُ.
وهذا الاستغناء قليلٌ في الكلام، والغالبُ لزوم اللام.
وحاصلُ ذلك أنها تسقط إذا أُمِن اللبس بين إِنْ المخففة والنافية بقرينة تدلّ على ذلك، فإذا أُمِن اللبسُ فربّما لم يُؤْتَ باللام نحو قراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا متاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيا﴾، بكسر لام لما، أى: للذى هو متاع الحياة الدنيا.
وفي الحديث: «وأَيمُ الله، إِنْ كَانَ خليقًا للإمارة».
وقال معاوية في كعب الأحبار: «إن كان من أحذقِ هؤلاء».
وهذا كلُّه نادر كما قال.
(فإن) قيل: في ظاهر سياقه تناقضٌ، وذلك أنه قال: «وتلتزمُ اللامُ»، فاقتضى أن السقوط غير موجود، ثم قال: «وربّما استُغْنِى عنها» فاقتضى أها غير لازمة! وشأنه أن يأتى في مثل هذا بلفظ الغلبة أو الشياع فيقول: وتغلبُ اللامُ، أو: وتلحقُ اللام في الغالب أو الشائع أو ما أشبه ذلك.
فهذه عبارة معترضةٌ.
فالجواب: أن قصده أمرٌ آخر، وهو أنّ قوله: «وتلزم اللامُ» يريدُ في القياس، فلا يجوز إسقاطها البتّة وإن أُمِنَ اللبس.
وقوله: «وربّما استُغنِىَ عنها»، يعنى به في السماع الذى لا يقاسُ عليه.
والدليل على هذا القصيد من كلامهم قوله: «وربّما» فجعل النُّدورَ في قسم ما أُمِن فيه اللبسُ، ومواضع أمن اللبس لا توصف بالندور لكثرة القراءة الدالّة، فإنما أراد تعيينن موضع السماع، وأن إسقاط اللام نادِرٌ لا يقاسُ عليه.
ولو أراد القياس لم يأت بربّما المقتضية لترك القياس عنده/، وليس قصده كما قال في التسهيل: «وتلزم اللام بعدها فارقةً إِنْ خيف لبسٌ بإنْ النافية».
فهذا الكلامُ يقتضى أَنّ إسقاطها بشرط أَمْنِ اللبس قياسٌ، بخلاف كلامه في هذا النظم، فإنّ الظاهر منه لزومُ اللام مطلقًا كمذهب سيبويه وغيره، فخالف ما ذهب إليه التسهيل وشرحه، ومذهبه هنا أصحّ؛ إذ لو كان أمُن اللبس مجوّزًا لإسقاطها عند العرب لكانوا خُلَقاءَ أن يكثر ذلك في كلامهم ويشيع؛ إذ اللام عند ذلك جائزةُ اللحاق لا لازمتُه، فلما لم يكن ذلك، بل حافظوا على إلحاقها مطلقًا، دلّ ذلك على أهم أجروا ما لا لبس فيه على ما فيه اللبس، ليجرى البابُ كلُّه مجرًى واحدًا، كما فَعَلُوا
ذلك في جريان الصفة على غير من هى له.
وقد مرّ ذلك في باب الابتداء.
فإن قيل: أطلق الناظمُ القولَ في لزوم هذه اللام، فاقتضى أنها تلزمُ الخبر كان منفيًا أو موجبًا.
وليس كذلك، بل إما تلزم عند كون الخبر موجبا لم تتقدّمه أدا نفى، وقد شرط ذلك في التسهيل حيث قال: «وتلزمُ اللام بعدها فارقةً إن خِيفَ لبسٌ بإن النافية، ولم يكُنْ بعدها نَفْىٌ» فلا يجوز على هذا: إِنْ زيدٌ لما قام، وإن زيدٌ للا يقوم، وكلامُه هنا يجوز ذلك لإطلاقِه وعدمِ ذكره هذا الشرط.
وهو غير صحيح.
فالجواب: أن هذا الاشتراط غير محتاج إليه؛ إذ (قد) تقرّر من كلامه أنّ هذه اللام هى لام الابتداء الدالخلة في خبر إنّ، وإذا كات إيّاها فقد تقدّم قبلُ اشتراط كونِ الخبر غير مفيّ في قوله: «وَلَا يَلىِ ذى اللامَ ما قَدْ نُفيا»؛ فذِكْرُ ذلك هنا تكرارٌ من غير فائدة.
وأيضا لو احتيج إلى ذلك الشرط أنْ يُذكَرَ هنا لاحتيج لذكر جميع الشروط مثل أن لا يكون فعلا ماضيا متصرِّفًا خاليًا من قد، وساءر ما ذُكِر هنالك، فلما لم يكن كذلك كان تَرْكُ هذا الشرطِ هو الوجبَ ها.
فالذى فعل هَنَ ابن مالكٍ أحسنُ من فعله في التسهيل، والله أعلم.
ثم بَيَّن دخولها في الأفعال فقال: «والفِعلُ إِنْ لَم يَكُ ناسخًا».. إلى آخره.
هذا الكلامُ تُعطِى أَنّ وصلَ إِنْ هذه بالأفعالِ جائز على الجملة.
وهذا مفهومٌ من كلامه؛ لأن معناه أَنّ الفعل إن كان ناسخًا وصِلَ بها وغلا فهو على الجملة مما يُوصَل بها الفعل.
وهذا مُتّفق عليه، لكنهم اختلفوا في تعيين نَوْعِهِ، فالبصريُّونَ على اشتراطِ كونه ناسخًا للابتداءِ، وهو الّذى ذكَره النّاظم من أنها لا تُوصَل بالفِعلِ غالبًا إلا إذا كان ناسخًا، والأفعال النواسخ هى: كان وأخواتها، وكاد
وأخواتها، وعلم وأخواتها، فتقول: إن كان زيدٌ لقائمًا، وإن كادَ ليقوم، وإن علمتك لصادقًا.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبينٍ﴾، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الذينَ كَفَرُوا لَيُزْلقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمِ﴾، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبينَ﴾.
وهو كثير.
وأما الكوفيون فلا يُعَيِّنون لذلك ناسخًا من غيره، بل يجيزون دخولها على كل فِعْلٍ متصرِّفٍ/ فيقولون: إِنْ ضربَ لزيدًا، وإن أكرمتَ لعمرًا، وإن قام لزيدٌ.
وإلى هذا ذهب الأخفشُ، ومالَ إليه المؤلف في التسهيل وشرحه.
والظاهرُ منه هنا خلاف ذلك، لقوله: «فَلَا تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِى مُوْصَلَا، والغالبُ عنده في مقابلة النادِرِ، وهكذا جرى اصطلاحه في هذا الإطلاق، والنادرُ لا يقاسُ عليه.
وإنما ذهبوا إلى ذلك لوجود السماع به، أمّا الكوفيون فالذى حكوا من ذلك هو قولُ امرأةِ الزبير رضي الله عنهما:
ثكَلَتْكَ أُمُّكَ إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا
وَجَبتْ عَلَيْكَ عُقُوبةُ المُتَعمِّدِ
وهذ -وإن كان في نقلهم شاذًا- فهو على قاعدتهم قياسٌ، من جهة أَنّ إِنْ عنده نافيةٌ، واللامُ ايجابيّة، كما وإلّا، وكما أَنّ ما وإلّا غير مختصّةٍ بناسخ دون غيره، فكذلك مرادفها.
وأما من قال بقياسه من البصريين فمعتمدهم السماع، فقد جاء من ذلك أشياء؛ من ذلك ما حكى الأخفش في معانيه في قراءة ابن مسعود، قال: ﴿إِنْ لَبِثْتُم لَقَلِيلًا﴾، وقول امرأة من العرب: «والذى يُحْلَفُ به إِنْ جاءَ لَخَاطبًا»، وقول بعض العرب: «إِنْ يَزِينُك لنفسُكَ، وَإِنْ يَشِينُك لهِيَهْ».
وهذا كلّه لا يبلغ مَبْلَغَ أَنْ يُقاسَ عليه.
وإنما اختصت بالأفعال الناسخة لأنها كانت مختصّة بالدخول على المبتدأ والخبر في الأصل، فلمّا خُفِّفَتُ الشئ على حال كذا، أى: وجدته كذلك.. وذى من قوله: «بإذن ذِى مُوْصَلا صفةٌ لإِنْ، وهى التى يشار بها إلى القريب المؤنث، أى: لا تلفيه موصَلًا بإن هذه، يعنى المخففة من الثقيلة، تحرّزًا من إِنْ النافية وإن الشرطية، فإنهما مخالفان لها في هذا الحكم.
وتحرز بقوله: «غالبًا» مما جاء من الأفعال غير الناسخة موصلًا بإن.
وقد تقدم ما جاء من ذلك
وبقي (هنا) على الناظم سؤالان:
أحدهما: أن «موصلا» من «أوصلت» الرباعىّ، والفعلُ المستعمل في معنى الوصول كذا إلى كذا وصولًا.
ولا تقول: أوصلت كذا بكذا، بمعنى وصلته، وإنما تقول: أوصلتُ كذا إلى كذا، فهو الذى يتعدّى إلى الثاني بإلى لا بالباء، وأما المتعدّى بالباء فتقول فيه: وصلته فهو موصول.
فكان حقّ الناظم أن يقول: فلا تلفيه غالبا بإن ذي موصولا.
والثاني: أنّ هذا الوصلَ المراد لم يبّن كيف يكون، أقبل إِنْ أم بعدها؟ فإن اتصال الشئ بالشئ يكون من كلتا جهتيه، ولذلك تقول: «وصلتُ الكلام بعضه ببعض، تريد: وصلتُ أوّله بآخره، وأخَرهُ بأوّله.
وإذا كان كذلك فمن الواجب بيانُ اتصال الفعلِ بإنْ، هل يكون الفعلُ متقدّما على إنْ أو متأخّرًا عنها؛ إذ لا يعرف ذلك إلا بالنّقْلِ والنصّ عليه.
ولذلك اعتنى أبو القاسم بهذه المسألة، فبوّب لها بابًا مستقلًا فقال: باب الجمع بين إنّ وكان»، ونص على تقديم إنّ، فَتَرْكُ الناظمِ بيانَ ذلك تقصيرٌ.
والجواب عن الأول: أن العرب تقول: وَصَلَ الشئُ بالشئ/: إذا اتصل به.
فهو يتعدّى ولا يتعدّى، كرجَعَ ورجعتُه، ووقف ووقفتُه، وعَمَر المنزلُ وعمرتُه؛ وإذا ثبت ذلك فلعلّ الناظم عدّى هذا الفعل بالهمزة بناءً على أنه مقيس، كما تقول: ذهب وأذهبته، وقام وأقمته، وقعَد وأقعدتُه؛ فيكون مُوصلًا من أوصلتُ الشئ بالشئ، المعدّى من وصل بمعنى اتّصل، ولا يكون فيه اعتراضٌ.
وعن الثاني: أن وَصْلَ الشئِ بالشئِ يجرى في العرف على معنى الوصل من آخر، ولذلك إذا أرادوا الوصل من أوّلٍ عدلوا عن هذا اللفظ إلى لفظ «ألحقت» أو إلى لفظ أدخلت، فيقول: كذا على كلمة كذا، أى أوصلتها بها من أولها.
فلفظُ الوصل في العرف المستعمل له خصوصيّةٌ
باللحاق من آخر؛ فكأنّ الناظم عوّل في فهم تقديم إِنْ على الفعل على هذا الاستعمال.
والله أعلم.
وَإِنْ تُخَفّفْ أَنّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ
وَالخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلةً من بَعْدِ أَنْ
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا
وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فالأحْسَنُ الفَصْلُ بَقَدْ، أو نفىٍ أو
تَنْفِيسٍ أوْ لَوْ، وَقَلِيلٌ ذِكُرُ لَوْ
هذا هو الحرف الثاني من الأحرف الثلاثة التى خُفِّفت في هذا الباب، وهو أَنّ المفتوحة، وذكر من أحكامها المختصّة أنها إذا خُفِّفت لم تُهْمَلْ؛ بل عملها باقٍ، إلا أنّ اسمها يكون مُستَكنًا، أى مضمرًا أبدًا لا يجوز إظهاره إلا في نُدورٍ أو ضرورة شعر لا يعتدّ به، نحو ما أنشده ابن الأنبارىّ وغيره من قول الشاعر:
فَلوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرّخَاءِ سَأَلْتِنِى
فَرِاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وأنتِ صديقُ
وأنشد ابن الأنباري أيضا:
لَقَد عَلِم الضّيفُ والمُرْمِلُونَ
إِذّا اغْبرّ أُفْقٌ وَهَبّتْ شَمَالَا
وَخَلّتْ عَنْ أولادِها المرضِعاتُ
ولم تَرَ عَيْنٌ لِمُزْنٍ بِلَالًا
بأَنّكَ الرّبيِعُ وغيثٌ مَرِيعٌ
وقِدْمًا هُنَاك تكُونُ الثّمالَا
وهذا تكنّ لم يُبَيّن ما هو؟ وكان أولى به أن يبيّنه، ولكن لم يحنج إلى ذلك، بناءً على أنه لا يتعيّن ما هو، إذ لا يلزمُ أن يكون ضمير الشأن لإمكان عوده على حاضر أو غائب معلوم.
وإلى هذا ذهب في شرح التسهيل، واحتجّ لذلك بكلام سيبويه إذ قال في قوله تعالى: ﴿وآخرُ دَعْوَاهُم أَنِ الحمدُ لِله رَبِّ العَالَمِينَ﴾: «هوَ على قوله: أنه الحمد لله».
ثم قال: «ومثل ذلك: ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبراهيمُ، قَدْ صَدّقْتَ الرُّؤْيا﴾، كأنه جَلّ وعزّ قال: وناديناه أَنّك قد صدّقت الرُّؤْيا يا إبراهيم.
قال: وإذا قلت: أرسل إليه أَنْ ما أنتَ وذا؟ فَهِىَ عَلى أَىْ».
قال: «وإن أدخلتَ الباءَ على أَنّك وأنه فكأنه يقول: أرسلْ إليه بأنّك ما أنت وذا جاز».
وله مثل ذلك في باب هذا الباب، والجمع مذكور في أبواب إن وأنّ
من آخر الرِّزمة (الأولى).
وقد التزم بعضهم في هذا المستكنّ أن يكون ضمير الشأن.
وذلك غيرُ لازم.
هذا حكم اسمها وياتى حكمُ خبرها.
وقد اقتضى كلامُه فيها حيث ألزم لها اسمًا وخبرًا، ولم يقلْ غير ذلك أنها عنده معملةٌ مع التخفيف/ مطلقًا، وخلافُ أهل البلدين جارٍ فيها.
واستدلّ لصحّة إعمالها بما تقدّم من الشاهدين، وأن بعض أهل اللغة يحكي ذلك عن بعض العرب.
وغلى هذا فلا نُكْر في التزام حذف الاسم مع التخفيف، فقد حذفوه في المثقلة حين قالوا:
فَلَو أَنّ حُقّ اليومَ منكُمْ إقامةٌ
وإِنْ كانَ سَرْحٌ قد مضى فَتَسرّعا
فما خَفّفوها بالحذف حذفوا أيضا الاسم لتكون على شكل ما لا يعملُ، إذ صارت شبه متالا يعمل في الاسماء.
ولا نظير هذا التزامهم في إِنِ الشرطية إذا حذفوا جوابها أن يكون فعلُ الشرط ماضيا، لئلا تكون على شاكلة ما يجزم وليس له جواب ينجةزم.
فالحاصل أنّ ذلك فرارٌ من قبح لفظيّ.
وأيضا فقد قال سيبويه: «لم يحذفوا لأن يكونَ الحذفُ يُدخِله في حروف الابتداء، بمنزلة إنّ ولكنّ، ولكنهم حذفوا كما حذفوا الإضمار، وجعلوا الحذف عَلَمًا لحذفِ الإضمار في إنّ، كما فعلوا ذلك في كأنّ».
وقال في أبواب إنّ وأَنّ: ومن قال: ﴿والخامسةُ أَنْ غَضَبُ اللهِ عَلَيها﴾، فكأنه قال: أنه غَضَبُ الله عليها، لا يُخَفِّفُها في الكلام زبدًا وبعدها
الأسماءُ إلا وأنت تريدُ الثقيلة مضمرًا فيها الاسم».
انتهى.
فإن قلت: فهذا يقتضى أنها إذا كان بعدها الأفعال لا يضمر فيها، ولا تكون المخففة من الثقيلة.
فالجواب: أنه إنما نفي أن تكون التفسيرية التى بمعنى أَىْ، وأما إذا وليها الأفعال فقد تكون التفسيريّة، وقد تكون المخفّفة ويضمر بعدها.
وقولُ الناظم: «والخَبَر اجعلْ جملة من بعد أَنْ»، يريد أن الخبر إما أن يكون جملة اسميّةً أو فعلية، فإن كان جملة اسمية فاجعلها بعد الحرف من غير اشتراط فعلٍ.
هذا معنى قوله: «من بعد أَنْ» أَىْ: على الإطلاق، كقول الله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ﴾.
وقرئ في غير السبع: ﴿والخامِسَةُ أَنْ غَضَبُ اللهِ عليها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقينَ﴾.
وفي السبع: ﴿والخامِسَةُ أن لعنةُ اللهِ عليه إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبينَ﴾.
وفي الشعر ما أنشده سيبويه من قول الأعشى:
في فِتْيَةٍ كسُوفِ الهِنْدِ قد عَلِمُوا
أَنْ هالِكٌ كُلٌّ من يَحْفَى ونتعلُ
فإن قيل: مقتضى هذا الكلام التزامُ عدمِ الفصلِ بين إن وهذه الجملة، وأن لا يجوز الفصلُ وذلك غير صحيح، بل الفصلُ بالأدوات جائز؛ فأنت تقول:
علمتُ أن لا عالم إلا زيد.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَنْ لا إِلَه إِلّا هُوَ، فَهَلْ أنتُمْ مُسْلِمونَ﴾.
وقل لبيد بن ربيعة:
فَقُولا لَهُ -إِنْ كانَ يُقسِمُ أمره-:
أَلَمّا يَعَظْكَ الدّهْرُ، أُمُّكَ هَابِلُ
فَتَعْلَم أَنْ لَا أَنْتَ مُدْرِكَ ما مَضَى
وَلَا أَنْتَ مِمّا تَحْذَرُ النفسُ زائُل
وأنشد ابنُ خروف لكُثَيِّر:
لِتَعْلَم عِنْد الغَيْبِ أَنْ لا مُقَصِّرٌ
وهو شهيرٌ، فكيف هذا؟
الجواب: أن الناظم لم يشترط هنا الولاية لأنْ، وإنما ذكر أنك تجعلُ الجملة بعدها قطّ، من غير شرطٍ؛ فإنما زطلق العبارة توطئةً لما يذكُره بعدُ من اشتراطِ الفعلِ في الأحسن/ إذا كانت الجملة فعلية، يفهم له من مجموع العبارتين أن الجملة الفعلية يشترط فيها الفصلُ في الأمر الأرجح، بخلاف الجملة الاسمية يشترط فيها ذلك.
فإن قيل: من أين تعَيَّن أن يكون المراد بالجملة في قولهم: «والخَبَر اجعَلْ جُمْلَةً».
الجملة الاسمية، يقيّدها بذلك؟
فالجواب: أن الذى يُبيِّن ذلك من كلامه مَوْرِدُ التقسيم؛ إذ قال:
«وَإِنَ يكُنْ فِعْلًا»، أى: يكن الخبر فعلًا، فدلّ على أن الجملة المتقدمة التى جعلها خبرًا من بعد أَنْ ليست الفعليّة لا تتضمّنُها، فتعيّن أنه الاسمية بهذا الاعتبار؛ إذ لا جُملة إلا اسمية أو فعليّة.
ويحتملُ آخَر، وهو أن يكون المرادُ بقوله: «والخَبَر اجْعَلْ جُملة» الجملة على الإطلاق، كانت اسميةً؛ إذْ لم يُقيّدها، وإنما ألزم أن يكون الخبر جملة خاصّةً، فيكون حالها في الجواز أَعمّ من أن يقع بين أَنْ وبينها فَضْلٌ أَوْلا، فإن لَحَقِ فصلٌ فهو جائزٌ، وإن لم يلحق فكذلك، لكن الأحسنُ الفصلُ إذا كانت فعليّةً على تفصيله المذكور، كأنّه قال: يلزمُ أن يكون خَبرُها جملةً بِفَصْلٍ وغير فَصْلٍ، إلا أنّ الأحسنَ في الفعلية الفصل بشرطه.
وهذا كلام مستقيم.
فمثال الفصلِ وعدمه مع الجملة الاسمية قد تقدّم، ومثالُه مع الفعلية قولُ الله تعالى: ﴿قَالُوا: نُريدُ أَنْ نأكُلَ مِنْها وتَطْمئِنّ قُلُوبُنَا، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾.. الآية، وقولهُ تعالى: ﴿عَلِم أَنْ سَيَكُونُ منْكُمْ مَرْضَى﴾.
ومثال عَدَمِ الفصل قراءةُ من قرأ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرّضَاعَةَ﴾.
وقال امرؤ القيس:
وَحَدِّثْ بِأَنْ زالَتْ بِلَيْلٍ حُمُولُهمْ
كَنَخْلٍ من الأعراضِ غير منَبّقِ
وقال النابغة الذبياني:
فَلَمّا رَأَوا أَنْ ثَمّرَ اللهُ مَاله
وَأثلَ مَوَجُودًا وَسّد مَفَاقِرَهْ
وقال الفراء: ولو رُفِع الفعلُ في خَبَر أَنْ بغير لا.
كان صوابًا، كقولك: حَسِبْتُ أن تقولُ ذلك، لأن الكاف تحسنُ مع أَنّ، فتقول: حَسِبت أنّك تقولُ ذاك.
وأنشد:
أَنْ تَهْبطِينَ بِلَادَ قَوْمٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطّلاحِ
وإن كان قد ضعفه سيبويه فلم يمنعه البتّةَ، قال: «واعلم أنّه ضعيفٌ في الكلام أن تقول: قد علمتُ أَنْ تَفَعَلُ ذاك، ولا: قد علمتَ أَنْ فَعَلَ ذاك، حتى تقول: سيفعلُ أو قد فَعلُ، أو تنفي فَتدخُلَ لا».
ثم وجّه ذلك.
فعدمُ الفصل إذًا جائز، لكن الفصلَ أقوى منه.
ويُحْتَمِل أن يكون من ذلك ما أنشده السيرافىُّ وغيره:
أَنْ تَقْرآنِ عَلَى أَسْمَاءً وْيَحكُما
مِنِّى السّلَامَ، وأَنْ لا تُشْعِرا أَحَدَا
ثم بيّن بعد هذا الإطلاق ما يحتاج إلى الفصل في الوجه الأحسن مما
لا يحتاج إليه، فقال: «وَإِن يَكُنْ فِعْلًا ولم يكُنْ دُعَا».. إلى آخره، وحاصله: أن الخبر إذا كان فعلًا، وذلك عبارة عن كونه جملة فعليّة، فالأحسنُ فيه الفصلُ بين أَنْ والفعلِ بأحد تلك الأشياء، ويجوز عَدَمُه على قلة، لكن بشرطين:
أحدهما: أن لا/ يكون فِعْل دُعَاءٍ، وهو قوله: «وَلَم يَكُن دُعَا»، يعني الفعلَ، وإليه رجع الضمير في «يَكُن»، فإنه إن كان دعاءً لم يشترط الفصلُ في الأحسن، بل لا يفتقر إليه، نحو قولهم: أَمَا أَنْ جَزَاك الله خيرًا.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿وَالخامِسَة أَنْ غَضِب اللهُ عليها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقين﴾.
وما أشبه ذلك.
والثاني: أن لا يكون الفِعلُ غير متصرف، وذلك قوله: «ولم يَكُنْ تصريفه مُمْتَنِعا»، فإن إِنْ كان غير متصرّفٍ لم يحتج إلى فَضْلٍ، نحو علمت أن لستَ قائمًا.
ومنه قولُ الله تعالى: ﴿وَأن ليس للإنْسانِ إِلّا ما سَعَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾.
فإذا اجتَمَعَ الشّرطان فحينئذٍ يعتبر الفصلُ كما ذكر، وعيّن له أربع أدوات:
إحداها: قد، نحو قولك: علمتُ أن قد قام زيد، وقال تعالى حكايةً: ﴿وَيَعْلَم أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾.
والثانية: أداةُ نَفْىٍ، كلا، ولن، ولم، نحو: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ من فَضْلِ اللهِ﴾، ﴿أَفَلا يَرَونَ أَنْ لَا يرْجِعُ إلَيْهم قَوْلًا﴾.. الآية ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسانُ ألّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾، ﴿أَيَحسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أحد﴾.
والثالثة: حرفُ التنفيس -وهو السنُ أو سوفَ- نحو: علمتُ أَنْ سيقومُ زيدٌ، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيكُونُ مِنْكمْ مَرْضَى﴾.
والرابعة: لو، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا خَرّ تَبَيّنَتِ الجنُّ أَنْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ﴾.. الآية.
وأنشد الفارسي:
أَمَا -والله- أَنْ لَوْ كُنْتَ حُرًا
وما بالحُرِّ أَنْتَ وَلَا الخَلِيقِ:
«وذلك أنّهم جَعَلوا ذلك عَوِضًا مما حذفوا من أنه -يعنى إحدى النونين والاسم- أن يَدَعُوا السين أو قد إِذْ قدروا على أَنْ يكون عِوَضًا ولا تنقضُ ما يريدون لو لم لُوا السين ولا قد».
انتهى.
وإنما لم يفعلوا ذلك بالجملة لااسمية ولم يُرَجِّحوا الفَصْلَ كالفعلية؛ لأنك قد جئت أَنْ باسمٍ وخبرٍ، كما جئت (بهما) بعد المثقّلة المُعْمَلَةِ، فكأَن ما حُذِف لم يُحْذَفْ، يقال في الفَصْلِ مع الجمكلة الفعلية: إنه عوض، ولا يقال ذلك فيه مع الجملة الاسمية، كما جِئَ به لما تقتضيه الأداةُ من المعنى.
وأما فِعْلُ الدعاء فلم يحتج إلى فضلٍ لأنه لا يُوصِلُ إليه مع الدعاء، قال سيبويه: «وَأَمّا قولهم: أَمَا أَنْ جَزاك الله خيرًا، فإنهم إنّما أجازوه -يعنى من غير فَضْلٍ- لأنه دعاء، ولا يَصِلُون هنا إلى قَدْ ولا السين.
ولو قلت: أما أَنْ يَغْفِرُ اللهُ لَكَ، جاز لأنه دعاء، ولا تَصِلُ هنا إلى السين».
قال: «ومع هذا أيضًا أنه قد كَثُر في كلامهم حتى حذفوا فيه إِنّهُ -يعنى المكسورة- وإِنّه لا تُحذَفُ في غير هذا الموضع.
وسمعناهم يقولون: أَما إِنْ جزاك الله خيرًا، شبهوها بأنّهُ -يعنى المفتوحة- فلما جازت إِنّ كانت هذه أَجْوَرَ».
كأنه يقول: لما كثر هذا في كلامهم استغنوا عن العِوَضِ.
وأما الفِعلُ غير المتصرف فلم يحتج إلى الفصل لشبهه بالاسم في الجمود وعدم التصرف، والاسم غَيرُ محتاجٍ إِلى الفصل، فكذلك ما أشبهه.
وقوله: «قَلَيلٌ ذِكْرُ لَوْ» يَحْتَملُ وجهين من التفسير، أحدهما: أَنْ يريد أنه قليلٌ في السماع، وأن الفصل بها لم يكثر كثرة الفصل بغيرها مما تقدم.
والثاني: أن يُريد أَنّ ذكر هذا الفاصِلِ قليلٌ عند النحويين، فلم يذكره منهم إلا قليل، وهو مما يُحتاج إلى ذكره، وبهذا فَسّره ابنه فقال: «وأكثر النحويِّين لم يذكُروا الفَصْلَ بين أَنْ المخفّفة وبين الفِعْلِ بلو»، قال: وإلى ذلك أشار بقوله:
«وقليلٌ ذِكْرُ لَوْ».
وهذا الذى قاله صحيحٌ محتمل، بل هو الأولى؛ إذ لو أراد الأول لقال: «وقليلٌ فَضْلُ لَوْ»، أو ما يعطى هذا المعنى، فإنما أراد: وقليلٌ ذِكْرُها في الفواصل، والنصُّ من النحويين عليها.
وقد تقدّم ما في القرآن من قوله: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ﴾، ومنه أيضا: ﴿وَأنْ لَو استَقَامُوا على الطريقَةِ لأسقيناهُم/ ماءً غدقًا﴾، ومن بحث وجد من ذلك كثيرًا، فليست بقليلة الوجود في كلامهم العرب.
والله أعلم.
وَخُفِّفَتْ كَأَنّ أَيْضًا فَنُؤِى
مَنْصُوبُها، وَثابِتًا أَيْضًا رُوِى
هذا هو الحرف الثالث من الأحرف الثلاثة، وَيعنى أنّ العرب خفّفت أيضًا كأنّ بحذفِ إحدى نونيها، كما خففت أَنّ، وحين خَفَّفُوها نَوَوا منصوبَها، أى: إِنهم قدروا لها منصوبًا هو اسما، ويلزم من ذلك أن يكون لها مرفوع، وهو خبرها.
وقد انتظم هذا الكلام ثلاثَ مسائل:
أحدها: أنها مع التخفيف عامِلةٌ بإطلاقٍ، لم تُهْمَلْ كما أُهمِلتْ إِنّ المكسورة، بل أعملت كما أعملت أَنّ المفتوحة.
وخلاف البصريين والكوفيين فيها جارٍ.
والدليل على إعمالها ظهوره مع إثبات الاسم كما سيذكره، وأيضا فإنّ إنما هى الكاف وإنّ، فقولك: كَأَنّ زيدًا أسدٌ، أصله: إن زيدًا كأسدٍ؛ ذكره سيبويه إشارةٌ وبسطه ابن جني؛ فإذا ثبت الإمالُ في إِنّ ثبت في كأنّ، لأنّها هي.
والثانية: كون منصوبها منوبًا لا يظهر، وهذا هو الأشهر، كقولك: أنت في زمانك كأنْ لم تَعْرِفْ أَهله.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعة مِنَ النّهَارِ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لم تَغْنَ بِالأمْسِ﴾.
وأنشد سيبويه لابن صُرَيم الشكرىّ:
وَيَوِمًا تُوَافِينا بِوَجْهٍ مُقَسَّمْ... كَأَنْ ظبيةٌ تَعْطُوا إلى وَارقِ السّلَمْ
وأنشد أيضا قول الآخر:
وَوَجْهٍ مُشْرِقِ النّحْرِ... كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقّانِ.
والثالثة: أنّ لها خبرًا غير منوىّ، بل هو ظاهرٌ؛ لأنه إذا أشار إلى أنها مُعْملة ج كان لها خبرٌ بلا بدٍّ، ولما كان منصوبُها منويا كان مرفوعُها غير منوىِّ غالبًا.
إِلّا أنه لم يُبَىِّ ما يكون خبرًا لها في حال التخفيف، وقد نصّ في التسهيل على تعيين الخبر بناءً على أنّه لا يكون خبرًا لها حالَة التخفيف كلّ ما يكونُ خبرًا لها حالة التثقيل بإطلاقٍ، كما كان ذلك في أَنْ، حسبما بَيّنه فوق هذا فقال: «وتُخَفّف كأنّ فتعمل في اسمٍ كاسم أَنْ المقدّر، والخبر جملة اسميّة أو فعلية مبدوءة بلم أو قد، أو مُفْرد».
فمثالُ كونه جملةً اسميةً قوله:
وَوجْهٍ مُشْرِقٍ النّحْرِ... كَأَنْ ثَدْياهُ حُقّانِ
ومثال كونها فعليةً مبدوءةً بلم قولُ الله تعالى: ﴿كَأَنْ لم تَغْنَ بالأَمْسِ﴾، ومبدوءةً بقد نحو قوله، أنشده في الشرح:
لا يَهُولَنّكَ اصْطِلَاءُ لَظَى الحَرْ... بِ فَمحذُورُهَا كَأَنْ قَدْ أَلَمّا
ومثال المفرد قولهُ:
كَأَنْ ظبيةٌ تعطُو إلى وَارِقِ السّلَمِ
فكان حقُّ الناظم أن يُبَيّن ذلك كلّه، وإلّا فإطلاقه يقتضى أنّ كلّ ما يقع خبرًا للمثقّلة يقع خبرًا للمخففة.
وليس كذلك؛ ألا ترى نك لا تقول: حسبتُ زيدًا كأنْ قام، أو كأَنْ، أو كأَنْ في الدار، أو كأن عندك.
فلو حملناه على إطلاقه لاقتضى جواز هذا كُلِّه.
وغير صحيح، فهو مما فاته ذكرُه، فلو زاد بيان ذلك لكان أحسنَ.
ثم قال: «وثابتًا أيضًا رُوِى».
مرفوعُ «رُوِى» عائد على «منصوبُها» /، يعني: أن اسمها ثابتًا غير محذوف ولا منوىّ، كما كان في حين تثقيلها.
منه روايةُ من رَوَى بيت:
كَأَنْ ظَبْيةً تعطُو إلى وارقِ السّلَمْ
بنصب ظبية، وخبرها في هذه الرواية محذوف للعلم به، تقديرُه: كأنْ ظبيةً تعطُو هذه المرأةُ.
أيضا هذا البيت:
وَوَجْهٍ مُشْرِقِ النّحْرِ... كَأَنْ ثَدْيَيْه حُقّانِ
بنصب الثديين.
وفي هذا الكلام ما يُشعر بأنه سماعٌ وليس بقياس.
وإلى هذا المقصد أشار في التسهيل وشرحه ونصّ سيبويه أَنّ إعمالها مخصوصٌ بالشعر؛ إذ قال في أَنْ المخففة: «فلو لم يريدوا ذلك كما ينصبون إذا اضطُرُّوا في الشعر بكأنّ إذا خَفَّفُوا، يريدون معنى كأنّ، ولم يُريدوا الإضمار، وذلك قوله:
كَأَنْ وَرِيدَيهِ رِشَاءُ خُلْبِ
لكن يلزم الناظِمَ على طريقته المتقدمة له أن لا يكون هذا من قبيل المسموع؛ إذ ليس ما يَضطرُّه لتمكّن الشاعر من أن يقول: كأَنْ ظبيةٌ تعطُو، وكأَنْ ثدياه حُقّان، وكأَنْ وَرِيداه رِشاءُ خُلْبِ.
وهى أقربُ في التمكن من قوله:
صوت الحمار يُجِدّعُ.
ومن قوله: وما من يرى للخِلّ.
وما أشبه ذلك.
فالظاهر أنه غفل عن إعمال تلك القاعدة المقررة عنده، ونعمّا فعل.