شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 251-290

من ضَرْبه زيدٌ، إن كان المضمر مفعولا.
قال: وتقول: عجبتُ من كِسْوَة زيدٍ أبوه، وعجبت مَن كِسْوِة زيدٍ أباه، إذا حذفتَ التنوين 1. فذلك إطلاقُ في الجواز كإطلاق الناظم.
وما يُقال هناك يقال هنا.
وإن قيل: إن ذلك قليلُ بالنسبة إلى العكس- فِقلَّتُه لا تَمنع من اطلاق الجواز، فقد جاء نثراً ونظما.
وقد نَبَّه الناظم على الترجيح حيث قال: ((كَمِّلْ بنَصْبٍ أو برَفْعٍ عَمَلَهُ)) فقدم النصب الذي يُكَمَّل به، وذلك- في الغالب- مع الإضافة إلى الفاعل.
وقد نَصَّ علي الجواز أيضاً غيرُ سيبويه كالسَّيرافي وغيره.
والثانية أنه قال: ((وبَعْدَ جرِّهِ الذَّي أُضِيفَ لَهُ كَمِّلْ بكذا)) فلم يعيِّن للإضافة معمولاً مِنْ معمول، بل أطلق في ذلك، فاقتضى أن كل معمول تصحُّ الإضافةُ إليه يجوز أن يقع هنا مضافاً، فيضاف إلى الفاعل، والمفعول به، والظروف المتصرَّف، ونحو ذلك.
فالمصدرُ، إذ ذاك، إما أن يكون لفعلٍ غيرِ مُتَعَدٍّ، أو لفعلٍ متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ، أو إلى اثنين، أو ثلاثة.
فإذا كان مصدرَ فعلٍ غيرِ متعدٍّ جاز فيه وجهان، إضافتهُ إلى فاعله، وإضافتهُ إلى ظرف مُتَّسَعٍ فيه، فتقول: أعجبني قيامُ زيدٍ اليومَ، وقيامُ اليومِ زيداً.
وهذا من باب قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهَارِ 2﴾ وقد أجاز سيبويه أن تقول: عجبتُ من ضَرْبِ اليوم زيداً، كما تقول:

يا سارقَ اللَّيْلَةِ أهلَ الدارْ 1 ثم بيَّن أنه ليس من باب: لِلَّهِ دَرُّ اليومَ مَنْ لاَمَها 2 فهذا جائز في الكلام، ومثل البيت لا يُوجد إلا في الشعر.
وإذا كان مصدرَ فعل متعدٍّ إلى واحدٍ جاز فيه ثلاثة أوجه، إضافتُه إلى فاعله، وإلى مفعول الأول، وإلى الثاني، وإلى ظرف مُتَّسَع فيه، فتقول: أعجبني ضْربُ زيدٍ عمراً اليومَ، وأعجبني ضربُ عمروٍ زيدٌ اليومَ، وأعجبني ضربُ اليومِ زيدٌ عمراً.
وإذا كان مصدر فعلٍ متعدٍّ إلى اثنين جاز فيه أربعه أوجه، إضافته إلى فاعله، وإلى مفعوله الأول، وإلى الثاني، وإلى ظرفٍ متسعٍ فيه، نحو: أعجبني إعطاء زيدٍ عمراً الدرهمَ اليومَ، وإعطاء عمروٍ زيدٌ الدرهمَ اليومَ، وإعطاء الدرهمِ زيدٌ عمراً اليومَ، وإعطاء اليومِ زيدٌ عمراً الدرهمَ.
وإذا كان مصدرَ فعلٍ متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل جاز فيه خمسة أوجه،

وأمثلتها بَيَّنة مما ذُكر.
والثالثة أنه قال: ((كَمِّلْ بنَصبٍ أو برَفعٍ عَمَلَهُ)) يريد أنك إذا أضفته إلى أحد معمولاته فإنك تأتي بما عداه على ما يستحقُّ من رفعٍ أو نصب، فتقول: أعجبني ضربُ زيدٍ عمراً اليومَ، وضربُ عمروٍ زيدٌ اليومَ، وسائر ما تقدم من المُثُل.
وأيضاً فقوله: ((كَمِّل بْكذا))، ولم يقل: ((كَمِّل بالفاعل أو بالمفعول)) أو ما أشبه ذلك لَيْدخل في عموم الرفع ما يُرفع فاعلاً نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ عمرُوُ، أو مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله حسبما تقدَّم من مذهبه، نحو: أعجبني قراءةُ اليومِ القرانُ، وركوبُ يومِ الجمعةِ الفرسُ.
أو اسم ((كان)) وأخواتها نحو: أعجبني كونُ أخيك عمروٌ، ونحو ذلك.
وليدخل / ما يُنْصب مفعولاً به، نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ عمراً، أو خبر ((كان))... 440 نحو: أعجبني كونُ زيدٍ قائماً، أو ظرفاً نحو: أعجبني قيامُك اليومَ، وقعودُك مكانَ زيدٍ، أو حالاً نحو: أعجبني مجيئُكَ راكباً، أو مفعولاً له، نحو: أعجبني قيامُك إكراماً لزيدٍ.
وغير ذلك من سائر ما يُنصب.
ويدخل له المجرور هنا لأنه في موضع نصب، نحو: أعجبني مُكث زيدٍ في الدار، ومرورهُ بك، وإعراضهُ عن زيد، وخروجهُ من الدار، وإتيانهُ إلى المسجد.
وما أشبه ذلك.
إلا أن في قوله: ((كَمِّل)) إشكالا، لأنه إن أُخذ بظاهر لفظه اقتضى وجوبَ التكميل، وألاَّ يجوز إذا أُضيف المصدرُ إلى الفاعل ألاَّ يُتْرك المفعول إن كان المصدر من متعدٍّ، ولا إذا أضيف إلى المفعول إلا أن يُؤْتى بالفاعل.
وذلك غير صحيح، لأن حذف ما سوى المضاف إليه سائغ، كان فاعلاً أو مفعولاً أو غَيَرهما، إلا ما كان من باب ((ظَنَّ)) و ((أَعْلَم)) و ((كان))

فإن الحذف هنالك غير سائغٍ لما تقدَّم.
فجائز أن تقول: أعجبني ضربُ زيدٍ، وركوبُ الفرسِ.
ومن حذف المفعول في القرآن ﴿فَاسْتَبْشرِوُا بَبْيِعكُمُ الَّذي بَايَعْتُمْ بِهِ 1﴾ - ﴿ومَا كانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبيِه 2﴾ - ﴿وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذّا أَخَذَ القُرىَ وهِيَ ظَالمِةُ إنَّ أَخْذُه أَلِيمٌ شَدِيدٌ 3﴾ - ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذوُ مَغْفِرَةٍ للنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ 4﴾ - ﴿ويَوْمئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بنَصْرِ اللهِ 5﴾. ومن حَذْف الفاعل ﴿لاَ يَسْأَمُ الإْنْسانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ 6﴾ - ﴿وهُوَ مُحَرَّم عَلَيْكُمْ إخَراجُهُمْ 7﴾ - ﴿وإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَاَل زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ 8﴾ - ﴿وَلا تَهِنُوا في ابتِغَاءِ الْقَوْمِ 9﴾ - ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالَعدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُرْبَى 10﴾ - ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمكَ بسُؤال نعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ 11﴾. وأما نحو: أعجبني ظَنُّكَ عمراً قائماً، وإعلامُك زيدً كَبْشَكَ السَّمينَ، وكون زيدٌ قائماً، ونحو ذلك، مما خبرٌ ومخَبرٌ عُنه في الأصل- فلا يجوز

الاقتصارُ فيه كما تقدم بيانه.
ويمكن أن يُجاب عنه بأنه يَقصد إيجابَ الإيتان بالمعمولات الباقية، وإنما أراد الإتيانَ بها على مقتضى أحكامها في جواز الحذف، فيكون ذلك إحالة منه على حكم العوامل في طلب الفَضَلات والعُمَد.
لكن هذَا ينكسر له في الفاعل، فإنه جائزُ الحذفِ هنا، ولا يجوز حذفه مع سائر العوامل الطالبة له.
وقد يمكن الجواب عنه بأن يقال: لعله ذهب مذهبَ من يرىَ أن المصدر لابد له من فاعل، فإن كان ظاهراً فذاك، وإلاَّ فهو مَنْوِيٌ في المصدر، لكنا نقول: إذا كان الفاعل منويَّا لا يبقى له بعد الإضافة ما يكملَّ به إلا منصوب، ولا تكون إضافته أيضاً إلا إلى منصوب، إذ المنويُّ لا يضاف إليه المصدر، كما يضاف إلى غير المنوي.
أو يقال: قوله: ((كَمِّلْ بكذا)) مثل قوله: ((بِفعْلهِ المصدرَ ألحقْ في الْعَمَلِ)) فما قيل هناك يقال هنا.
والله أعلم.
/ وَجُرَّ ماَ يْتَبعُ مَا جُرَّ ومِنْ... 441 رَاعَى فِي الاتْبَاع المَحَلَّ فَحسَنْ تكلم هنا في تابع المجرور والمضاف إليه المصدر خاصَّةً، وذلك لأن تابع معمول المصدر إذا كان مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً بغير إضافة المصدر إليه لا إشكال فيه، لأنه على حكم سائر التوابع، يُتْبع على اللفظ، فتقول: مرورُك بزيدٍ الفاضِل حَسَنٌ، وضَرْبُك عمراً الكريم قبيحٌ، وأعجبني إكرامُكَ زيدٌ الخياطُ.
وأما إذا كان معمول المصدر مضافاً إلى المصدر فله حكمٌ آخر يَختص به، فإن له لفظاً وموضوعا، فلفظُه مخفوض بالإضافة،

وموضعُه مرفوعٌ إن كان فاعلاً معنى، أو اسم ((كان)) أو مفعولاً لم يسمَّ فاعله إن قدرتَه مصدر فعلٍ مبنيٍّ للمفعول، أو منصوبٌ إن يكن كذلك.
فأخذ في بيان ما يلحق التابع بسبب لك، فيريد أنك إذا أتبعت ذلك المجرورَ فلك الخِيَرَةُ في إجراء التابع عليه، أيِّ تابعٍ كان، من نعت أو عطف أو توكيد أو بدل.
فإن أجريتَه على لفظه فأتيتَ مجروراً مثله فتقول: أعجبني قيامُ زيدٍ العاقِل، إن كان التابع نعتا، وأعجبني قيامُ زيدٍ وأخيه، إن كان عطَف نسق، وأعجبني قيامُ أبي عبدِ الله زيدٍ، إن كان عطفَ بيان، وأعجبني قيامُ الناس كُلِّهم، إن كان توكيدا، وأعجبني قيامُ زيدٍ أبي عبدِ الله، إن كان بدلا.
وإن شئتَ أجريتَه على الموضع، فأتيتَ به مرفوعاً أو منصوباً، على حسب ما أعطاه المعنى، فتقول: قيامُ زيدٍ العاقُل حَسَنٌ، وقعودُ زيدٍ وأخوه قبيحٌ، وأعجبني قدومُ زيدٍ أبو عبد الله، ومرورُ أبي عبد الله زيدٌ بك، وأعجبني قيامُ الناسِ كلُّهم.
وما أشبه ذلك.
وتقول أيضاً: أعجبني ركوبُ الفرسِ الفارِه، على اعتبار اللفظ، وركوبُ الفرسِ الفارهُ، على اعتبار الموضع، وأن ((الفرس)) مفعولٌ لم يُسَمُّ فاعله، وركوبُ الفرسِ الفارهَ، على اعتبار حذف الفاعل من اللفظ، وأن ((الفرس)) مفعول نُوِي فاعله، أو ترُك مع إرادته في اللفظ: فهذه ثلاثة أوجه.
فإن قلت: أعجبني ضربُ زيدٍ العاقل، فلك في النعت هنا أربعة اوجه، الإتباع باعتبار اللفظ، والرفع على أن ((زيدا)) في موضع رفع على الفاعلية، أو على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله، أو في موضع نصب على المفعولية.
وعلى هذا الترتيب يجري حكم سائر التوابع، من العطف والتوكيد

والبدل، إذ لم يَخُصّ الناظم بهذا الحكم تابعاً من تابع، وذلك صحيح.
ومن الحمل على الموضع ما أنشده سيبويه من قول الراجز 1: قَدْ كُنْتُ دايَنْتُ بها حَسَّانَا مخافةَ الإفْلاسِ واللَّيَّانَا يُحْسِنُ بَيْعَ الأَصْلِ والِقيَانَا فـ ((اللَّيَّان)) و ((الِقيَان)) معطوفان على الموضع على ((الإفلاس)) و ((الأصْل)) هذا في العطف النَّسَقَي.
وقال لبيد في النعت 2: حَتَّى تهَجَّرَ في الرَّواحِ وَهاَجه طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلوُمُ / فـ ((المظلومُ)) نعتٌ لـ ((المُعَقِّب)) وهو مرفوع، لأن ((المُعَقِّبَ)) في... 442

موضع رفع.
وعلى هذا المعنى حَمل المؤلف قراءة الحسن ﴿أْوَلئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنُةُ اللهِ والْمَلائكةُ والنَّاسُ أجْمعُونَ 1﴾. وأنشد معه 2: يَالَعْنَةُ اللهِ والأقوامُ كُلُّهم والصَّالِحُونَ على شِمْعَانَ مِنْ جَارِ وفي الحديث ((أمَر بقَتْلِ الأَبْتَر وذُوا الطّفَيتْين 3)) وإلى الإتباع على الموضع ذهب جماعة.
ورأىُ سيبويه الحملُ على إضمار فعل، ذكر ذلك في ((باب المصدر الجاري مجرى فعله 4)) قال ابن خروف: وكلاهما حَسَن.
وعلى الإضمار حمل ابنُ جِنِّي قراءة الحسن، أي: ويَلعنهم الملائكةُ والناسُ أجمعون 5. وهما مذهبان متقاربان، وسيأتي بيانُ وجهِ اختيار الناظم في الباب بعد

هذا إن شاء الله.
ومن ذلك أيضا قول امرئ القيس 1: أحَارِ تَرىَ بَرْقاً أُرِيكَ وَميِضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ يُضِئُ سَنِاهُ أو مَصَابِيحُ راهبٍ أهانَ السَّلَيطَ في الذُّبالِ الُمفتَّلِ يُروى برفع ((مصابيحُ)) عطفاً على موضع ((اليدَيْن))، وجَرَّه عطفا على لفظه.
وقول النابغة 2:

فَانْشَقَّ عنِها عَمُودُ الصُّبْح جَافِلةً عَدْوَ النَّحوُصِ نَخافُ القانِصِ اللَّحمِاَ تَحِيدُ عن أَسْتَنٍ سُودٍ أسَافِلُهُ مَشْيَ الإَماءِ الغَوادِي تَحْمِلُ الحُزُمَا أَوْذُو وُشُوم بَحْوضَي باتَ مُنْكَرِساً في ليلةٍ من جُمَادى أَخْضَلَتْ دِيَمَا فقوله: ((أوذوُوُشُومٍ)) عطف على موضع ((النَّحوصِ)) وهو كثير.
وقوله ((وجُرَّ)) الأول، فعلُ أمرٍ، و ((ما)) في قوله: ((ماَ يتْبَعُ)) مفعول به.
ويحتمل أن يكون فعلَ ما لك يسمَّ فاعله، و ((ما))، مرفوع به، وهو اسم موصول عائده الضمير المستتر في ((يَتْبَعُ)) فعل مبني للمفعول، كأنه قال: واجْرُرِ التابَع للمجرور بالمصدر.
ومن راعى محلَّ المجرور فأتْبع على اعتباره، ومن رفعٍ أو نصبٍ، فلذلك وجهُ حَسَن.

إعمال اسم الفاعل

اسمُ الفاعل هو الاسمُ الجاريِ على فعله المضارع في الحركات والسكنات وعدد الحروف مطلقا، ومُقابلة الزائدِ بالزائد، والأصليِّ بالأصلي، وتعييِن الزيادة في غير الثلاثي، ما عدا زائدَ أولِ الكلمة، مع كونه دالاً على معنى الفعل وفاعله.
والنظر فيه في أمرين: أحدهما: الأَبْنِيةُ التي يأتي عليها قياسا، والتي لا يأتي عليها قياسا.
والثاني: إعمالهُ عملَ ما جَرَى عليه من الفعل.
وكذلك المصدرُ، والصفةُ المشبهَّة باسم الفاعل يُنظر في كل واحدٍ منهما هذان النظران.
وقد تعَّرض الناظم في هذا الموضع لكل واحدٍ منهما في الثلاثة، فتكلم أولاً في إعمال المصدر، فلما أتمَّ ما احتاج إليه فيه شرَع الآن في إعمال اسم الفاعل فقال: كَفِعله امُ فاعلٍ في العَمَل إنْ كانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ / وَوَلى اسْتِفْهَاماً اوْ حَرْفَ نِدَا... 443 أو نَفْياً اوْجَا صِفَةً أو مُسْنَدَا يعني أن اسم الفاعل يعمل عملَ فعله الموافقِ له في المادَّة والمعنى، الجاري هو عليه في التصريف، كقولك ضَارِب، ومُسْتَخَرِج، فإنهما

يَعملان عمل: يَضْرِبُ، ويَسْتَخْرِجُ، فتقول: ضاربٌ زيداً غداً، كما تقول: هذا يضربُ زيداً غداً.
وهذا مُسْتخِْرجٌ المالَ الآنَ، كما تقول: هذا يَستَخِرجُ المالَ الآنَ.
وكذلك ما أشبههما.
لكن لما كان اسم الفاعل في العمل فَرْعاً عن الفعل، والفرعُ أبداً لا يَقْوَى قوةَ الأصل- لم يَعمل في كل موضعٍ يَعمل فيه الفعل.
وأيضاً فإنه لما كان عملهُ بالشَّبَه بالفعل المضارع، لجريانه عليه من جهة اللفظ والمعنى، حتى حُمِل عليه المضارع في الإعراب- صار لا يعمل إلا مع تمام الشَّبَه، وكمال الحَمْل.
فلهذين الأمرين صار اسم الفاعل لا يعَمل إلا بقُيُودٍ أتى بها الناظم في قوله: ((إنْ كانَ عِنْ مُضِيَّه بِمَعْزِل)) إلى آخره.
وجملة القيود التي أتى بها في صِحَّة عمله هي: ألاَّ يكون بمعنى الماضي، وأن يَليِ استفهاماً، أو حرفَ نداء، أو حرف نفي، أو أن يأتي صفةً، أو مُسْنَداً إلى غيره.
والجامع لذلك كله شرطان: أحدهما: إلاَّ يكون اسم الفاعل بمعنى الفعل الماضي، وذلك قوله: ((إنْ كانَ عَنْ مُضيَّه بَمعْزِلِ)) يريد ألاَّ يكون زمانه ماضياً، وإنما يكون بمعنى الحال أو الاستقبال.
فلو كان بمعنى الماضي لم يعمل، فلا تقول هذا ضارِبٌ زيداً أمسِ، وإنما تقول: هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ، مضافاً إضافةَ تخصيصٍ لا تخفيف، قال سيبويه: فإذا أَخْبر أن الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوينٍ البَتَّة 1.

يعني أنه لابد من الإضافة المحضة، لأنه إنما أُجْريِ مُجرى الفعل المضارع له، كما أُجري الفعلُ المضارعُ مُجراه في الإعراب، حيث اشْتبَهَا لفظاً ومعنى.
قال: فكلُّ واحدٍ منهما داخلُ على صاحبه.
قال: فَلَمَّا أراد سِوىَ ذلك المعنى جرى مَجرى الأسماء التي من غير ذلك الفعل 1. يَعْنى: فلم يَعمل فيما بعده، وإن كان في المعنى مفعولا، إذ لم يُضارع الفعلَ فجرى مَجرى الأسماء الأجنبيَّة، فأضِيف إضافةً محضة.
وما تقررَّ رأي البصريين.
وزعم الكسائي أنه يجوز إعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي وإن كان عارياً من الألف واللام، وكأنه اعتَبر معنى الفعل مجرَّدا مع أن في القرآن ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِراعَيْهِ بالْوصِيدِ 2﴾ وحُكى هذا مارُّ بزيدٍ أمسِ.
وأيضاً فمن كلام العلاب: هذا مُعْطِي زيدٍ درهماً أمس، وسيبويه قد مثل بباب ((أعطى)) ههنا، وتكلم عليه 3. وحكى ابن خروف أن من كلام العرب: هذا ظانُّ زيدٍ شاخصاً أمسِ، وهي المسألة التي أوردها ابن جِنِّي في ((كتاب القد 4)) وأن الفارسي انقطع فيها.
وهذا كلُّه ليس فيه حجة على ما قال.
أما الآية فمن باب ((حكاية الحال الماضية)) كقول تعالى: ﴿فَوَجَدَ فيَها رَجُلَيْنِ يَقْتتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِه وِهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ 5﴾ فهو بمعنى الحال إذاً، وأما

(هذا مارٌّ بزيدٍ أمسِ) فقيل /: إنهم لَمَّا لم يُمكنهم الإضافة نَوَّنُوا.
444 قال ابن خروف: وهذا ضعيف.
قال.
والأحسن أن تكون حكاية حالٍ كقوله 1: ولَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنيِ فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنيِنيِ وأما مسألة (هذاُ مُعْطيِ درهماً أمسِ، وظانٌ زيدٍ شاخصاً أمسِ) فسيأتي الكلام على ما فيها بعد إن شاء الله.
والشرط الثاني: أن يعتمد على شيء يأتي قبله، واعتمادُه على خمسة أمور: أحدها: حرف نفي، نحو: ما مَارٌّ أنتما بزيدٍ، وما ضاربٌ أنتما عمراً.
والثاني: حرف استفهام، نحو: أضاربٌ أنت زيداً؟ والثالث: حرف نداء، نحو: يا طالعاً جبلاً، ويا ضارباً عمراُ.
والرابع: أن يكون صفةً لموصوفٍ مذكورٍ أو مقدَّر.
فأما المقدَّر فسيُذكر بعد.
وأما المذكور فنحو: مررتُ برجلٍ ضاربٍ زيداً غداً.
والخامس: أن يكون مُسْنَداً إلى مبتدأ، لفظاً أو أصلاً، فالمسند إلى المبتدأ لفظاً نحو: زيدٌ ضاربٌ عمراً.
والمسند إلى المبتدأ أصلاً نحو:

إنَّ زيدًا ضاربً عمراً.
فإن لم يَعتمد على شِيء من ذلك لم يَعمل، على مفهوم كلام الناظم، فلا يقال: ضاربٌ الزَّيدانِ أخاكَ، إلا على رأي أبي الحَسَن 1. وقد تقدم الكلام على ذلك في ((باب الابتداء 2)) فإذا اجتمع ما ذُكر من الشرطين فلا إشكال في الجواز.
فمن ذلك في القرآن ﴿إنَّ اللهَ بلِغٌ أمْرَهُ 3﴾ - ﴿وَاللهُ غَالبٌ علَى أَمْرِهِ 4﴾ - وقُرِئ ﴿وَلاَ اللَّيْلُ سَابقٌ النَّهارَ 5﴾ وأنشد سيبويه لامرئ القيس 6: إنَّي بَحبْلِكَ واصلٌ حَبْليِ وبرِيشِ نَبْلِكِ رائِشٌ نَبْليِ

وأنشد لزُهَيْر 1: بَدَالِيَ أَميِّ لَسْتُ مُدُرِكَ ما مَضَى ولا سَابِقاً شَيْئاً إذا كاذَ جَائِيَا وأنشد أيضا لأبي الأَخْوصِ الريَّاحَي 2: مَشَائِيمُ لَيْسُوا مصلُحينَ عَشيرَةً ولانَا عِباً إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا وأنشد لأبي الأَسْوَد 3:

فَأَلفيْتهُ غَيْرَ مُسْتَعتِبٍ ولا ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلاَ وأنشد أيضا للهُذَلَى 1: مِمَّن حَمْلنَ به وهُنَّ عَوَاقِدُ حُبَكَ النَّطاقِ فَعَاشَ غيرَ مُهَبَّلِ وأنشد للعجاج 2: أَوَالِفاً مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِ ثم قال: وقَدْ يَكُونُ نَعْتُ مَحْذوُفٍ عُرِفْ فَيْستَحِقُّ الْعَمَل الذَّيِ وُصِفْ

هذا هو الضرب الثاني من كَوْن اسم الفاعل جارياً على مَوْصوف، وهو أن يكون الموصوف محذوفاً، نحو: مررت بضاربٍ زيداً، ومنه ما أنشده سيبويه 1: ومَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بُمْؤتِيكَ نُصْحَهُ وما كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ وأنشد أيضا لعمر بن أبي ربيعة 2: ومِنْ مَالِئٍ عَيْنَيْهِ من شِيْء غَيْرِه إذا رَاَحَ نَحو الجَمْرةِ البِيضُ كالدُّمَى وأنشد للمرار الأسدي 3: سَلِّ الهُمومَ بكلِّ مُعْطِي رَأسِهِ ناجٍ مُخَالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّسِ

وإنما عمل هنا وإن لم يَجْرِ على موصوفٍ في الظاهر لأنه في التقدير جارٍ عليه، فصار كالجاري حقيقة، فلذلك قال: ((وقَدْ يكونُ نعتَ محذوفٍ عُرِفَ فَيسْتِحق كَذا)) أي صار لأجل هذا الجريان المقدَّر يعمل عملَ فعله.
وإنما يُحذف الموصوف/ إذا عُرف، وإلاَّ فمررتُ بقائمٍ- لا يجوز، فلابد أن يكون 445 معروفا، بأن تكون الصفةُ مختصَّةً، كمررتُ بعاقلٍ، فكذلك هنا.
هذا بيان ما ذكَر من شرط الإعمال.
وقد بقى في كلامه دَرَكُ من أربعة أوجه: أحدها: أن اسم الفاعل بمعنى الماضي قد أخرجه عن حكم العمل، وهذا العمل المنفيُّ أنه الرفع والنصب لفظاً أو محلاً، فلا يعمل رفعاً، أعني في الظاهر أو ما جرى مجراه، ولا نصباً أيضاً.
أما كونُه لا يَعمل نصباً فظاهر.
وأما كونه لا يعمل الرفعَ المذكور ففيه نظر، فقد قال بعض النحويين: إن الخلاف إنما وقع في النصب، وأما الرفع فيجوز باتفاق، فتقول: مررت برجلٍ ضاربٍ أمسِ، بجر ((ضاربٍ)) ورفع ((الأبُ)) على الفاعليه.
واحْتُجَّ على ذلك بأن قال: لا خلاف في أن اسم الفاعل بمعنى الماضي إذا جَرى على مَنْ هو له- يرفع المضمر، رَفع المضمر يَرْفع الظاهر، إذا جرى على غير مَنْ هو له.
وهذا النحوَ نَحا ابنُ عُصْفور حسبما وقع له في تقييد الصفَّار 1

عنه.
فإذا كان الأمر على ما وصفة فكيف يُطلق الناظم القولَ بالعمل، ثم يَستثني الذي بمعنى الماضي، فإذاً لا يرفع الظاهر ولا الضمير المنفصل، وذلك غير مستقيم.
أما رفع الضمير المستتر فلا كلام فيه، لأنه لازم لكل صفة، من حيث الاشتقاق أو الجريان مَجرى المشتق.
فالحاصل أن كلامه مُعْتَرض.
والثاني: أنه ذكَر شرط الاعتماد ومواضعَه، ولم يُوفِ بها، إذ عادة النحويين أن يزَيَدوا فيها: أن يقع اسم الفاعل حالاً لذِي حال، أوصلةً لموصوف.
أما وقوعه صلةً فلذلك لا يكون إلا مع الألف واللام، فذلك هو الموصول، وسيذكره وأمَّا وقوعه حالاً فلم يذكره، وقد كان من حَقِّه ذلك، لصحة قولك: مررتُ بزيدٍ ضارباً عمراً، ومنه قول أبي الأسود 1: فَأَلْفَيْتُهُ غَيرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذَاكرَ اللهَ إلاَّ قَلِيلاَ فإذا ثبت هذا فكلامه يقتضي أنه بذلك الاعتماد، وذلك لا يستقيم باتَّفاق.
والثالث: أنه ذكر شرطين، وترك ثلاثة شروط.
أحدها: الأَّ يُصَغَّر، فلا يقال: هذا ضُوَيْربٌ زيداً، وما حُكى من قولهم: انا مُرْتَحِلُ فسُوَيْئرٌ فَرْسَخاً- فشاذ.
وأيضاً فلا حجة فيه، لأن الظرف والمجرورات يعمل فيها رائحةُ الفعل، ولذلك أيضا ساغ: أنا مارٌّ بزيدٍ أمسِ.

والثاني: ألا يُوصف قبل العمل، فلا يقال: هذا ضاربٌ عاقلٌ زيداً.
نصَّ عليه سيبويه وغيره.
فإن جاء من ذلك شِيء فشاذ، كقول طُفَيل، أنشده الفارسي، وقال: أنشدنيه أبو إسحاق 1: ورَاكِضَةٍ ما تَسْتَجِنُّ بِجُنَّةٍ بَغِيَر حِلاَلٍ غادَرَتْهُ مُجَعْفَلِ وقال بِشرْ بن أبي خازم 2: إذَا فَاقِدٌ خطْبَاءُ فَرْخَيْنِ رَجَّعَتْ ذكرتُ سُليْمَى في الخَليِطِ المُبايِنِ مع أنه قد يُتأول على حذف الجار، أي على بَعِيرِ حِلالٍ، وعلى فَرْخَيْن.
ويتعلَّق الأول باسم فاعل صفة/ والثاني بـ ((رَجَّعَتْ)) أو يُنصبان بفعل يفسِّره اسم الفاعل، فلا يكون في... 446 ذلك حجة.
والثالث: أَلاَّ يَجرىَ مُجرى الأسماء الجامدة، فإنه إذ أُجرى مُجراها لم يعمل على حال، فتقول: هذا ضاربُ زيدٍ، كما تقول: هذا صاحبُ زيدٍ، أو: هذا أخو زيدٍ.

نصَّ على ذلك سيبويه 1، ولا أعلم فيه خلافا.
ولم يَنُضَّ الناظم على شيء من ذلك، فلا جَرَم أنه قاصر.
والجواب عن الأول أن المراد عملُ الرفع والنصب، وأن اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل نصباً ولا رفعا، أعني رفعَ الظاهر، وما حَكى ذلك المتأخرُ من الاتفاق لاَ يَثْبت.
وأما رفعُه للضمير المنفصل إذا جَرى على غير من هو له فإنما أُبرز لضرورة اللَّبس، ومع ذلك فهو بمنزلة الضمير المتصل.
ألا ترى أنك لا تقول: ما ضربتُ إلا إيَّايَ، كما تقول: ضَرَبْتُنيِ، فلا يتعدَّى فعلُ المُضْمَرِ المتصل إلى مُضْمَرهِ، متصلاً كان أو منفصلاً، فلم يُعتبر بانفصاله هنا، ولم يُلحق بالظاهر فيجازُ كما جاز: ما ضربتُ إلا نفسي.
فهذا واضح في أن انفصال الضمير لا يصيَّره كالظاهر من كل وجه.
وإذا كان كذلك لم يصح أن يُقاس الظاهر على الضمير المنفصل.
وأيضاً لو صَحَّ قياس الظاهر على الضمير لصحَّ في نحو: مررتُ بقاعٍ عرْفجٍ كُلُّه 2، وفي: مررت بقومٍ عَرَبٍ أجمعون 3، وبابُه أن يرفع الظاهر.
وكذلك (أفعل التفضيل) فإنه يَرفع الظاهر بلا شرط، كما يرفع الضمير كذلك.
وهذا كله غير صحيح.
فإطلاق الناظم في العمل، وتحُّرزه من الذي بمعنى الماضي، وأنه لا يعمل

رفعا ولا نصبا، صحيحُ جارٍ على الطريقة 1. وعن الثاني أن وقوعه حالاً في معنى وقوعه خبراً، لأن الحال خبرُ مُن الأخبار.
وأيضا فأصله النعت، إلا إنه لم يصح جريانه على الموصوف للاختلاف نُصِب، فهو راجع إلى جريانه نعتاً لمنعوت.
وعن الثالث أن اشتراط عدم التصغير وعدمِ الوصف مختلَفٌ فيه، فالكسائي يجيز الإعمال مع وجود الأمرين.
وغيُره يمنع، فيمكن أن يكون الناظم ذهب إلى مذهب الكسائي محتجاً بما احتَج به، وهو بعيد.
والأظهر أن ذلك مِمَّا نّقّصه.
فلو قال مثلا بعد قوله: ((وَوَلِى اَسْتِفْهَاماً)) إلى آخر الشَّطْرَيْن: غيرَ مَصَغَّرٍ ولا قَبْلُ وُصِفْ كذا إذا جَا نَعْتَ مَحْذوُفٍ عُرِفْ يعني: قبل العمل- لصلح 2 القانون، ولم يُخِلّ إسقاطُ قوله: ((فَيَسْتَحِقُّ العملَ الذي وُصِفْ)) لأن قوله في البيت المُصلَح به: ((كذا إذا جَاءَ)) يؤدِّي معناه.
وأما عدم جَرَيانه مَجرى الأسماء فاشتراطه مستفادُ من قوله أول الباب: ((كَفِعْلِه اسمُ فاعلٍ في الْعَمَلِ)) فإن اسم الفاعل في الإصطلاح إنما يُطلق على ما كان فيه معنى الفعل باقياً مُستفاداً، بخلاف ما تُنُوسِيَ فيه معنى الفعل، فإنه لا يسمَّى اسم فاعل حقيقة، كما لا يسمى ((صاحبٌ)) اسم فاعل.
فإذا ثبت هذا فلادَ دَرَك بذلك على الناظم.
والله أعلم.
وجميعُ ما ذُكر إنما هو فيما إذا كان اسم الفاعل مُعَرى عن الألف

/ واللام.
فأما إن كان ذا ألفٍ ولامٍ فله حكمٌ آخر في الإعمال، ذكَره في قوله:... 447 وَإنْ يَكُنْ صِلَةَ أَلْ فَفِي المُضِي وغَيْرِه إعْمَاُلُه قَدِ ارْتُضِي يعني أن اسم الفاعل إذا وقع صلة (أل) لم يَحتج في إعماله إلى اشتراط ما تقدَّم، من كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، بل يَعمل عملَ فعله مطلقا، كان بمعنى الماضي أوْ لاَ، فتقول: أعجبني الضاربُ زيداً أمسِ، كما تقول: أعجبني الضاربُ زيداً الآنَ أو غداً.
وسبب ذلك انه وقع موقعاً يجب فيه تأوُّلُه بالفعل، كما يجب أن تُؤَوَّل الألف واللام بـ ((الذي)) و ((التي)) أو غيرهما من الموصولات، فكأنَّ اسم الفاعل إذ ذاك عاملٌ بالنِّيَابة لا بالشَّبَه.
وإذا كان كذلك فالمضيُّ وغيرهُ في ذلك سواء.
ثم هنا مسألتان: إحداهما: أنه قال: ((فَفِي المُضيِّ وغيرِه)) ففيه تصريح بأن ذا الألف واللام يكون بمعنى الحال والاستقبال، ويستعمل كذلك، كما يكون بمعنى الماضي.
وهذا رأي الأكثر، وذهب الرَّماني 1 وجماعة إلى أن اسم الفاعل المقرونَ بالألف واللام لا يكون عاملاً إلاَّ بمعنى الماضي.
والحاملُ لهم على ذلك أن سيبويه حين ذكر اسم الفاعل المقرونَ بهما لم يقدِّره إلا بالذي فَعَل.
قال في أبواب ((الاشتغال)): ومما لا يكون

فيه إلا.
الرفعُ: أعبدُ اللهِ أنت الضاربُه؟ لأنك إنما تريد معنى: أنت الذي ضَربَه 1؟ وقال في بابٍ من ابواب ((اسم الفاعل)): ((هذا بابٌ صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فَعَل في المعنى)).
ثم قال: وهذا قولك: هو الضاربُ زيداً، فصار في معنى الذي ضَربَ زيداً، وعَملَه 2. ولم يُعرِّج على معنى الحال والاستقبال.
وأجاب السَّيرافي وغيره عن هذا بأنه قد استقَرَ عمله بمعنى الحال والاستقبال دون الألف واللام، ولا يشُك أحد أنه عَمِل بمعنى الماضي أنه بمعنى الحال والاستقبال أَوْلَى بذلك.
وأيضاً فالإعمال فيه لا بمعنى الحال شهيرٌ في كلام العرب وفي القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿والْحَافِظِينَ فُرُجَهُمْ والْحَافِظَاتِ والذَّاكِرينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتِ 3﴾ وقوله: ﴿وَالْمقُيِميِنَ الصَّلاَةَ والُمؤْتُونَ الزَّكَاةَ والْمؤْمُنِونَ باللهِ والْيَوْم الأخِر 4﴾ وقوله: ﴿والصَّابِينَ على مَا أَصَابَهُمْ والْمُقِيميِ الصَّلاَةِ 5﴾ وذلك كثير.
وقال عمرو بن كُلْثوم 6.

وأَنَّا الشَّارِبُونَ الماءَ صَفْواً ويَشْرَبُ غيرُنَا كَدِراً وطِينَا وأنشد سيبويه، وزعموا أنه مصنوع 1: هُمُ القائِلُونَ الخَيْرِ والآمِرُونَهُ إذا مَا خَشُوا من مُحْدَثِ الأمرِ مُعْظَمَا وإذا كان كذلك لم يصح أن يُجعل كلام سيبويه على ظاهره مع كثرة ما جاء بخلافه، فيَبْعُد غاية البُعْد أن يغيب مثلُ هذا عن سيبويه، مع تبحُّره واتساع حفظه واطلاعه.
والانية: أنه قد ظهر من كلامه أن إعمال ذي الألف واللام إعمالٌ صحيح، على حد إعمال الفعل، لقوله: ((إعمالُه قَدِ ارْتُضيِ)).
وهو رأي الجمهور، ونقل السَّيرافي عن الأخفش أن نصب نحو: الضاربُ زيداً- إذا كام ماضيا- كنصب ((الوجَه)) في (الحَسَن الوجْه) يريد على التشبيه بالمفعول به، لا على المفعوليَّة الصحيحة.
ووجه ذلك عنده أن اسم الفاعل بمعنى الماضي/ أصلُه ألاَّ يعمل، وأن يضاف إلى ما هو... 448 مفعول 2 في المعنى إضافةَ تخصيص، فإذا دخلت الألف واللام امتنعت الإضافة، واحْتِيج إلى ذكر المفعول للفائدة الحاصلة به فنُصِب تشبيهاً.

وما قاله قد يُشعر به كلامُ سيبويه، ولكنه لا ينهض عُذْراً لما قال، إذ قد تقدَّم أن عملَه ليس بالشَّبَه، إذ لا شَبَه له بالفعل إذْ ذاك إلا من جهة المعنى، ولو كان الشبهُ المعنويُّ كافياً لكَفى في إعماله بمعنى الماضي مجرَّداً عن الألف واللام، فكنت تقول: هذا ضاربٌ زيداً أمسِ، وهو رأي الكسائي.
فَلمَّا لم يكن كذلك دَلَّ على أن الشبَه غيرُ معتبرٍ هنا، وأنه إنما عمل بالنِّيَابة.
وإذا ثبت ذلك، وكان إعمال النائب إعمالاً صحيحا، كضَرْباً زيداً، وما أشبه ذلك- فالواجب هنا كذلك، فالأظهر ما نَصَّ عليه الناظم.
وقوله: ((فَفِي المُضِي)) يَحتمل أن يتعلق باسم فاعل حال من ضمير ((ارْتُضِى)) أي إعمالُه قد ارْتُضِى كائناً في المضي، وهو على حذف المضاف، تقديره: في ذي المُضِي، أو بفعلٍ مضمر يفسره الصدر الذي هو ((إعمالُه)) والتقدير: فيعمل في المضي إعمالُه فيه قد ارْتُضى.
فَعَّالٌ اوْ مشفْعَالٌ اوْ فَعُولُ في كَثْرةٍ عن فاعلٍ بَدِيلُ فَيَسْتَحِقُّ مَالَهُ من عَمَلِ وفي فَعِيلٍ قَلَّ ذَا وفَعِلِ هذا فصل ((أمثلة المبالغة)) وحكمها.
وهي خمسة، ابتدأ الكلام على ثلاثةٍ منها، وهي (فَعَّال، ومِفْعال، وفَعُول) لكونها في كثرة الاستعمال هنا أدخلَ من الباقين.
ويعني أن هذه الأمثلة بدلٌ من اسم الفاعل، وعِوَضٌ منه من جهة المعنى، لكن حيث يُقصد الإخبارُ بالمبالغة في كثرة الفعل، فهي مُشْعِرة بكثرة وقوع

الفعل الذي يُقال بسببه للفاعل: فاعل.
وهذا معنى قولك ((في كَثْرَةٍ)) أي موضع كثرة الفعل، فـ (قَوَّامٌ) معناه: قائمٌ كثيرا، و (ضَرُوبٌ) معناه: ضاربٌ كثيرا، و (مِنْحَارٌ) معناه: ناحرٌ كثيرا.
فإن قيل: فإذاً ليس واحدٌ منها بدلاً عن اسم الفاعل من جهة المعنى، إذْ كان اسم الفاعل لا إشعار له بكثرةٍ ولا مبالغة، بخلاف هذه الأمثلة، فكيف يصح أن يقول: إنها بَدَلٌ عنه؟ فالجواب أن اسم الفاعل دالٌّ على مُطْلق الفعل، كان كثيراً أو قليلاً، فيقال: (فاعل) لمن تكرَّر منه الفعل وكَثُر، ولمن وقع منه فعلٌ ما، لكنه من جهة وَضْعه لا إشعار له بخصوص فعل، فإذا أرادوا أن يُشْعروا بالكَثرة وَضعوا لها مِثَالاً دالاً عليها فقالوا: (فَعُول) أو (فَعَّال) أو (مِفْعَال).
فـ (فَعُول) في الحقيقة إنما هو بَدَلٌ من (فاعل) المراد به الكثرة، وليس بدلاً من (فاعل) مطلقاً.
وكذلك سائر الأمثلة.
وإذا فُهم هذا تبيَّن أن كل واحد منها بدل من (فاعل) في المعنى، فظهر أن قوله: ((عَنْ فَاعلٍ بَدِيلُ)) صحيح.
أي عن (فاعل) الموضوع في موضع الكثرة، ولذلك قال: ((في كَثْرة)) إذْ ما قال: إنه / بدل عن (فاعل) إذا كان في موضع الكثرة.
ويتحرَّز بهذا القيد من هذه الأمثلة 449 إذا لم يُقْصد بها كثرةُ الفعل العلاجي، فإنها لا تجري 1 مجرى اسم الفاعل في العمل، وذلك أن هذه الأمثلة تأتي في الكلام في الجملة على ثلاثة أقسام:

أحدها: هذا الذي شَرَع فيه.
والثاني: أن تأتي للمبالغة في الصفة، لا في كثرة الفعل، كـ (مِحْسَانٍ) إذ كان عند سيبويه في معنى: ما أحسَتَه 1، وكذلك إذا دخلها معنى النَّسب، نحو: قَؤُول، ومِقْوال، فإن معناها المبالغة في القول وتكثيره، لكن لا على معنى الفعل، بل على معنى: ذي كذا، كأنه يقول: ذو قَوْل، أو على الياء، كأنه يقول: قَوْلِيٌّ، في: قَؤُولٍ، ومِقْوالٍ، وضَرْبيُّ، في: ضَرُوبٍ.
فهذا كله ليس على معنى الفعل العلاجي، كحائضٍ وطامثٍ، ولذلك لا تدخلها الهاء للمؤنث، فلذلك لا تعمل عمل الفعل اصلا، لما دخله من معنى النَّسَب، كما لا يعمل نحو: تَمَّار، وفَكَّاه، ونَهِر، وفي قول الشاعر 2: لَسْتُ بِلَيْلىٍّ ولَكِنِّي نَهِرْ ومثل ذلك كثير، وهو الذي يُذكر في باب ((المذكر والمؤنث)).
والثالث: أن تأتي لغير مبالغةٍ أصلا، نحو: كَرُمَ فهو كَرِيمٌ، وشَرُفَ فهو شَرِيفٌ، وصَدِىَ فهو صَدٍ، وكَلِفٌ، فهو كَلِفٌ وما أشبه ذلك، مما هو جارٍ على فعله قياساً، أعني في البناء.
فهذا القسم أيضاً لا يعمل عمل اسم الفاعل، إذ ليس بمقصودٍ به تكثيرُ الفعل، وإنما هو من بابٍ آخر.
فمن هذا كلِّه تحرَز بقوله: ((في كَثْرةٍ عن فاعلٍ بَديلُ))، إذ ليس جميعُ هذا

بديلاً عن (فاعل) فكان مضطراً إلى إخراجه.
فإن قيل: لِمَ أَتى بهذا كُلِّه، وكان أخصرَ أن يقول كما قال غيره: إن أمثلة المبالغة تعمل عملَ اسم الفاعل؟ قيل: فائدته أمران: أحدهما: ما تقدم من إخراجه تلك الأمثلة التي على معنى النَّسَب أو التعجُّب، فإنها للمبالغة والكَثْرة، لكنها لا تقتضي كثرة فعلٍ عِلاَجي.
والثاني: أن هذه المقدمة عِلَّةٌ واعتذار لعمل هذه الأمثلة عملَ الفعل، وهي غير جاريةٍ على الفعل، ولا تامَّةِ الشَّبَه به، إذ لم تُشْبهه إلا في المعنى خاصة، والشَّبَه المعتبرَ عند الجمهور إنما هو اجتماع الشَّبَهين، المعنوي واللفظي، ولذلك لم يعمل اسم الفاعل بمعنى الماضي.
فكأن القائل يقول: كيف أُعْمِلتْ هذه الأمثلة، وليست شبيهةً بالمضارع، ولا جاريةً عليه جريانَ اسم الفاعل، فاعتذر عن هذا بأن هذه الأمثلة موضوعةٌ في موضع اسم الفاعل التامِّ الشَّبَهِ، فكأنها إنما تعمل بالنيابة.
فلأجل هذا القَصْد أَتى بالفاء المقتَضِية للعِلَّة، في قوله: ((فيَسْتَحِقُّ مَالَهُ من عَمَلٍ)) أي إنه بدلٌ منه، فيعمل لذلك عملَه، وهو ظاهر.
وقسم الناظم هذه الأمثلة قسمين: أحدهما: ما يعمل كثيرا، فهو مما يَكْثُر استعمالُه، وذلك (فَعَّالٌ، ومِفْعَالٌ، وفَعُولٌ).
والثاني: ما يعمل بقلّة، وهو (فَعِيلٌ، وفَعِلٌ).
ودَلَّ على ذلك قوله: ((وفي فَعِيلٍ قَلَّ ذا وفَعِلِ)) فقَيَّد هذين بالقلة، وأطلق القول فيما تقدم، فدل على أنها في باب الإعمال كثيرة الاستعمال.

فأما الأول فمثال (فَعَّالٍ) فيه قولك: أنا ضَرَّابٌ زيداً، وقَتَّالٌ الأبطالَ.
وحكى سيبويه: أما العَسَلَ فأنا شَرَّابٌ 1. / وأنشد للقُلاَخ 2:... 450 أخَا الْحَربِ لَبَّاساً إليها جِلاَلَهَا ولَيْسَ بَولاَّجِ الخَوالِفِ أَعْقَلاَ وأنشد أيضاً لرؤبة 3: بِرَأْسِ دَمَّاغٍ رُءوُسَ العِزِّ ومثال (مِفْعَالٍ) قولك: أنا مَضْرابٌ زيداً.
ومن كلامهم: إنه لمنْحارٌ بوائكَها 4. ومثال (فَعُولٍ) قولك: أنا ضَرُوبٌ زيداً، وأنشد سيبويه لذي

الرمة 1: هَجُومٌ عَلَيْهَا نَفْسَهُ غيَر أنَّهُ مَتَى يُرْمَ في عَيْنَيْهِ بالشَّبْحِ يَنْهَضِ وأنشد أيضاً، وهو منسوب في الكتاب لأبي ذُؤَيب، قال السِّيرافي: وإنما هو للراعي 2: قَلَى دِينَهُ واهْتَاجَ للِشَّوْقِ إنَّهَا على الشوقِ إخْوَانَ العَزَاءِ هَيُوجُ وأنشد لأبي طالب بن عبد المطلب 3:

ضَروُبٌ بِنَصْلِ السَّيفِ سُوقَ سِمَانِها إذا عَدِمُوا زاداً فإنَّكَ عَاقِرُ وأنشد أيضا 1: بَكَيْتُ أخَاَلا وَاءَ يُحْمَدُ يَوْمُهُ كَرِيمٌ رُءُوسَ الدَّارِعِينَ ضَرُوبُ وأما القسم الثاني فمثال (فَعِيلٍ) قولك: إنَّ الله سميعٌ دعاءَك.
وأنشد سيبويه لساعدة بن جُؤَيَّة 2: حَتَّى شَاهَا كَلِيلٌ مُوْهِناً عَمِلٌ باتَتْ طِرَاباً وبات اللَّيْلَ لمَ ينَمِ فنصب ((مَوْهِناً)) على المفعول بـ ((كَلِيلِ)) لأنه في معنى: مُكِلٍّ.
وأنشد لابن أحمر في إعمال (فَعِلٍ) 3:

إوْ مِسْحَلٌ شَنِجٌ عَضَادَةَ سَمْجَحٍ بَسراتهِ نَدْبٌ لها وكُلُومُ وأنشد أيضا 1: حَذِرٌ أموراً لا تَضِيُر وآمِنٌ ما لَيْسَ مُنْجِيَهُ من الأَقْدَارِ وهو قليل في هذا القسم، بخلاف القسم الأول قال سيبويه 2: فما هو الأصلُ الذي عليه أكثرُ هذا المعنى: فَعُولٌ، وفَعَّالٌ، ومِفْعَالٌ، وفَعِلٌ.
ثم قال: وقد جاء (فَعِيلٌ) كرَحِيم، وعَليم، وسميع، وبصير.
ثم قال بعد ذلك: و (فَعِلٌ) أقلُّ من (فَعِيل) بكثير 3. فقوله: ((وقد جاء فَعِيلٌ)) يُؤْذن بالقِلَّة فيه، ثم جعلَ (فَعِلاً) أقلَّ منه.
وتقديم الناظم (فَعِيلاً) قد يُؤذن بتقديمه في الكثرة على (فَعِلٍ) وذلك نَصُّ سيبويه.
وبعد، فهنا سِتُّ مسائل: =... والمسحل: الحمار الوحشي، وسحيله: أشد نهيقه.
وشنج: ملازم.
والعِضادة: الجانب.
والسمجح: الأتان طويل الظهر.
والسراة: أعلى الظهر.
والندب: آثار الجراح.
والكلوم: الجراح، جمع (كَلْم).
يقول: إن الإتان ترمح الحمار وتكلمه تخلصاً من حمله عليها.

إحداها: أن كلامه دالٌّ على أن هذه الأمثلة إذا كانت بغير ألف ولام لا تعمل بمعنى الماضي، لأنه جعلها في العمل عِوَضاً من اسم الفاعل العامل، والذي بمعنى الماضي لا يَعمل، فكذلك ما كان عوضاً منه، وهذا رأي الجمهور.
وذهب ابن خروف إلى أنها تعمل بمعنى الماضي، وعلى ذلك حَمل الأبيات التي تقدَّمت: هَجُومٌ عليها نَفْسَه 1 وقوله: أخَا الْحَرْبِ لبَّاساً إليها جِلاَلَها 2 وكذلك بيت أبي طالب 3. وما قاله خلافُ ما اتفق عليه المتقدمون من النحويين.
وأيضاً فإن هذه الأمثلة فَرْعٌ في العمل عن اسم الفاعل، واسم الفاعل لا يَعمل بمعنى الماضي، فالأمثلة أوْلَى بذلك، إذ لا يكون الفرع أقوى من الأصل، وكما أن جَمْع اسم الفاعل لا يَعمل إلا في موضع الذي يَعمل فيه المفردُ فكذلك هذا.
فإن قال: لَمَّا كانت فيها مبالغةٌ ليست في اسم الفاعل قَوِيَتْ على مالم يَقْوَ عليه، فعملت في معنى الماضي.
وأيضاً فإذا كانت قد وقعت مَدْحاً فالمدح لا يكون إلا بما ثَبت واستقرَّ.

فالجواب: أن المبالغة والتكثير لا تقتضي تكثيرَ عَمَل، وإلاَّ لزم في (قَتَّل) أن يكون/ 451 أوسعَ عملاً من (قَتَل) وكذلك (كَسَر) و (مُقَتِّل) مع (قَاتلِ) وهذا كله غير صحيح بالاستقراء، وأما ما استُشْهد به من أبيات المدح فمحمولةٌ على أنها للحال، لأنها أحوال مُسْتَقِرَّة، وثابتة مُسْتَمِرَّة.
فإن قال: وكيف ذلك وفيها ما هو رِثَاء، كقوله 1: بَكَيْتُ أخَا لأْوَاءَ... قيل: هي من ذلك، كأنه نَزَّله منزلة الحَيِّ، ولذلك قال: ((يُحْمد)) فأتى بالمضارع الدال على الحال لا على الماضي.
والأصح مذهب الناظم والجمهور.
والثانية: أن في كلامه ما يدل على أن إعمال هذه الأمثلة قياسٌ في جميعها، وإن قَلَّ في بعضها، لقوله: ((عَنْ فاعلٍ بَدِيلٌ)) وقوله: ((وفي فَعِيلٍ قَلَّ ذَا وفَعِلِ)) ولم يقل: شَذَّ، ولا: نَدَرَ، فدَلَّ على أنه مما يَعمل فيه القياس على ضعف.
وفي هذا اختلاف، فمنهم من جعله قياساً بإطلاق، ومنهم من وَقَفه على السمَّاع في الجميع.
منهم ابن أبي الربيع، ذكره في ((البسيط)) 2. ومنهم من جعله قياساً في بعضها دون بعض.

والأصح هو الأول، لكثرة ما جاء من ذلك، ولأنه لا فرق بينها وبين اسم الفاعل في العمل، كما تقدم.
فإن قيل: إن بناء هذه الأمثلة للتكثير، بالحَمْل على بناء الفعل للتكثير، وذلك في الفعل غيرُ مَقِيس، فأوْلَى أن يكون في اسم الفاعل غير مَقَيس.
قيل: لا نسلِّم أنه في الفعل غير مَقِيس، بل هو مَقِيس، لكثرة مجيئه.
واسم الفاعل جارٍ مجرى الفعل في العمل قياساً، فكذلك ينبغي أن يكون في بناء التكثير والمبالغة.
والثالثة: كما أن إعمالها قياسٌ عنده فهو عنده إعمالٌ صحيحٌ فيها، إذ كان إعمالاً صحيحاً في أصلها، وهو اسم الفاعل.
وقد ذهب الكوفيون إلى أن هذه الأمثلة غير عاملة، وإن ما انْتَصب بعدها فعلى إضمار فعل، فقولك: هذا ضَرُوبً زيداً- على تقدير: هذا ضَرُوبٌ يَضْرِبُ زيداً.
والصواب صحة الإعمال كما ذهب إليه البصريون، لوجوده نظما ونثرا.
وما زعموه من الإضمار لا يَثبت مع قاعدة ((الحَمْل على الظاهر)) إذ لا يصح أن يُدَّعى الإضمار إلا لمُوجِب يُضطر إليه، ولا مُوجِب لذلك هنا، فكان القول بإعمالها حقيقةً، وهو الصحيح.
والرابعة: أن الناظم أطلق القول في إعمال جميعها، وإن قَلَّ في بعضها، وهو رأي الجمهور من البصريين.
وذهب المبّرد وشيخُه المازنيُّ أن (فَعِلاً، وفَعِيلاً) لا يعملان 1، فلا يقال: زيدٌ

حَذر عمراً، ولا: زيدٌ رَحِيمٌ أخاه، بدليل أنهما إنما يُبنيان للذات، لا لأَنْ يجريا مجرى الفعل، فهما كنَبِيلٍ، وظَرِيفٍ، وكَرِيمٍ، وعَجِلٍ، إذ كان ذلك في طبعه.
وما استَشْهد به سيبويه لا حجة فيه.
أما ((شَنِجٌ عِضَادَةَ سَمْجَحٍ 1)) فـ ((عَضَادَةَ)) منصوب على الظرف، لأن معنى ((شِنَج)) لازم، والعِضَادةً: الناحية، فكأنه قال: لازمٌ ناحيتَها، ولو كان كذلك لكان ظرفا، فكلك ما في معناه.
وأما ((مَؤْهِناً 2)) فإنه ظرفٌ كـ (عِضَادَة) والظروف تُنصْب بمعاني الأفعال.
وأما ((حَذِرٌ أمُوراً 3)) فلا يُحْتَج به، قال المبرد: حَدَّثني أبو عثمان قال: حَدَّثني أبو يحيى اللاحقي قال: لَقِيَني سيبويه فقال لي: هل تحفظ في إعمال (فَعِلٍ) / 452 شيئاً؟ فقلت له: نَعَمْ، وصنعتُ له هذا البيت

فإذا كان البيت مصنوعاً سقط الاحتجاج به، كما سقط الاحتجاج بالبيتين الأوَّليْن للاحتمال.
والجواب أن معنى ((شَنِج)) مُلازِم، وإذا كان كذلك لم تكن ((عَضَادة)) إلا مفعولاً به.
قال ابن خروف: ومن جعل ((العِضَادَة)) ظرفاً كان مُخْتَصاً، والمختص لا ينصبه إلا المتعدي.
وهو يرجع إلى معنى ما حَكى السيرافي أن ((القوائم)) وهي العِضَادَة، لا تكون ظرفا، كما قال الشاعر 1: قالَتْ سُلَيْمى لستَ بالحادِي المُدِلْ ما لك لا تَلْزمُ أعْضَادَ الأبِلْ قال: فأعْضَادُ بمنزلة عَضَادَة، فلا يصح إذا جعلُه ظرفا 2. وأما ((حَذِرٌ أموراً)) فقد نقله سيبويه، وهو ثقة ثَبْتٌ في النقل، لا يَنقل إلا عن مثله، كالخليل ويونس وأبي الخطاب وأبي زيد وأشباههم.
وليس اللاَّحقي من هؤلاء بإقراره على نفسه بالكذب، وإذا كان كذلك فعدمُ تصديقه في هذا الإخبار الثاني أَوْلَى.
وقد أنشد النحويون في إعمال (فَعِلٍ) مِمَّا لا يحتمل التأويل، وهو مرويٌّ عن الثِّقَات، قولَ زيد الخيل 3:

أَلَمْ أُخْبِرْكُمَا خبراً أتَانيِ أبو الكسَّاحِ جَدَّبه الوَعِيدُ أتانِي أنهم مَزَقُونَ عِرْضِي جِحَاشُ الكِرْمِلَيْنِ لَهُمْ فَدِيدُ فـ (مَزِقٌونَ) جمع (مَزِق).
وأما ((كَلِيلٌ مَوْهِناً 1)).
فقالوا أيضاً: لا شاهد فيه، لأن ((مَوْهِناً)) ظرف، والكِلَيل هو الَبْرق الضعيف، من: كَلَّ يَكِلُّ، وهو لا يتعدَّى.
والمَوْهِنُ: الساعة من الليل.
وأجيب بأن معناه: مُكِلًّ، لا كَالٌّ، كعذابٍ أليمٍ، وداءٍ وجَيِعٍ، وداعٍ سميعٍ، قال 2: أَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ و((المَوْهِنُ)) منصوب على المفعول به اتِّساعا، بدليل قوله: ((وباتَ اللَّيْلَ لم يَنَمِ)) فوَصفه بالدوام، وذلك مُنَاقِض لكونه ضعيفا.
=... وفي (س) وحاشية الأصل ((جَرَّبه)) وفي (البلدان) ((يُرْسِل)) والوعيد: التهديد، ولا يكون إلا في الشر، عكس الوَعْد.
ومزقون.
من المزق، وهو شق الشيء.
وعرض الرجل: جانبه الذي يصونه ويدافع عنه، من نسب وحسب وخلق.
والجحاش: جمع جحش، وهو ولد الحمار.
والكرملين: اسم ماء في جبل طئ.
ِ والفديد: الصياح والتصَويت.
يقول: إن هؤلاء القوم عندي بمنزلة الجحاش التي تنهق عند ذلك الماء، فلا أعبأ بهم.

جارٍ التحميل