شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 323-362

مراده أن يبَّين أبنيةَ المصادر القياسية من غير القياسية.
واعلم أن القياس في العربية يُطلق/ على وجهين: أحدهما أن يُلْحَق بكلام العرب... 466 ما ليس منه لجامع بينهما 1، من غير أن يُبْحث: هل قالته العرب أو لم تَقُله، لأن الاستقراء قد أفادنا أنها لو تكلمت به لكان على هذا النحو يقيناً أو غلبةَ ظَنً، وذلك كرفع الفاعل والمبتدأ، ونصب الحال، والمفعول به إذا ذكر الفاعل، واتصال الضمير بالفعل وانفصاله عنه، وما أشبه ذلك؛ فتقول: قَام زَيْدٌ، وضَربَ زيدٌ عَمْراً، وجاء مَسْرِعاً، وأَعْطَيْتُه إياَّه، من غير أن تقفَ، أو تنتظرَ ما تقوله العرب.
والثاني أن تقيس أيضاً مالم تَقُله على ما قالته، لكن بعد البحث والتَّنقير: هل تكلمت به العرب أم لا؛ فإن كانت قد تكلمت به لزمنا العملُ عليه وإن خالف القياسَ الذي اسْتَقْرَيْناه في المسألة، ونترك القياس فلا نلتفته 2. وإن لم تكن قد تكلمت به أجرينا فيه ما حصل لنا من القياس، وحملناه على الأكثر.
وهذا كالمصادر، والإفعال المضارعة.

الجارية على الماضية وبالعكس، وكالصفات، وجموع التكسير، وما أشبه ذلك كقولنا: إذا كان الفعل الثلاثي على (فَعَل) متعديا فإن قياس مصدره (فَعْل) لأن الاستقراء أبرز لنا أنه الأكثر، فما لم تنطق له العرب من الأفعال بمصدر جئنا به له على (فَعْل) قياساً على ما نطقت به من ذلك، كضَرَبْتُه ضَرْباً، وشَتَمْتَه شَتْماً.
فإن نطقت له بمصدر على (فَعْل) فهو القياس فنلتزمه، وإن على غير ذلك اتَّبعْناه وتركنا القياس، كقولهم: سَرَقَةُ سَرَقاً وطَلَبَه طَلباً، فلا تقول هنا: سَرْقاً، ولا طَلْباً، قياساً على (ضَرَب ضَرْباً) وبابه، وهذا معنى القياس 1. في قول الناظم: فَعْلٌ قِياسُ مَصْدَرِ المعَدَّي مِنْ ذِي ثَلاثَةٍ كَرَدَّ رَدَا والقياس بالمعنى الأول هو المراد في جميع ما تقدم قبل هذا 2. ويعني أن (فَعْلا) المفتوح الفاء، الساكن العين من أبنية المصادر- قياسٌ في مصدر الفعل الثلاثي المعدَّي إلى مفعول به، على أب بناءٍ كان ذلك الفعل، مِنْ (فَعَل) بفتح العين، أو (فَعِل) بكسرها.
وأما (فَعُل) بضمها فلا يكون متعدَّيا أبدا إلا بالتَّحويل من بِنْية أخرى، إلا حرفاً شاذاً حكاه الخليل عن نَصْر بن سَيَّار: أَرَحُبَكُمُ الدخولُ في طاعة

الكَرْمَاني 1؟ اي أَوَسِعَكُم؟ وأطلق القول في القياس، سواء كان الفعل صحيحا، أو معتل الفاء أو العين أو اللام، أو مضاعفَا.
وكذلك يستَوِي في ذلك ما تعدَّى إلى واحد أو الى أكثر من ذلك.
فالصحيح في (فَعَل) بفتح العين: قَتَلهُ قَتْلاً، وخَلَقَهُ خَلْقاً، وضَرَبَهُ ضَرْباً، وشَتَمهُ شَتْماً، وجَبْذَهُ جَبْذاً 2، وصَرَفَهُ صَرْفاً، وطَرَقَ الحديدَ طَرْقاً، وصَرَعهُ صَرْعاً، ونحو ذلك.
والمضَاعَف نحو: رَدَّهُ رَدَّا، وهو مثاله 3، وشدَّهُ شَداً، وعَدَّهُ عَداً، ومَجَّهُ مَجَّاً 4، ودَعَّهُ دَعَّاً، أي دَفعه.
والمعتلٌ الفاء نحو: وَعَدَهُ وَعْداً، ووَزَنَه وُزْناً، ووَأَدَهُ وأْداً، ووَهَنَهُ وَهناً أضعفه، ووَتَرْتُ العددَ وَتْراً/، أفرتهُ.... 467 والمعتلّ الين نحو: باعَهُ بَيْعاً، وكالَهُ كَيْلاٌ، وساقَهُ سَوْقاً، وجَابَ الأرضَ جَوْباً، قَطعها وخَرقها.

والمعتلّ اللام: رَمَاهُ رَمْياً، وطَلاَهُ طَلْياً، ومَرَاهُ مَرْياً 1، وغَزَاهُ غَزْواً، وَطَواهُ طَيَّاً، وشَوَاهُ شَيَّاً، وكَوَاهُ كَيَّاً.
وأما (فَعِل) بكسر العين فكذلك.
ففي الصحيح منه: لَحِسَهُ لَحْساً، ولَقِمَهُ لَفْمِاً، وشَرِبَهُ شَرْباً، وسَرِطَهُ سَرْطاً، وزَرِدَهُ زَرْداً 2، وِلَثَمهُ لَثْماً، ولَبِسَهُ لَبْساً، وقَضَمِت الدابَّةُ شعيرَها قَضْماً 3، وَبِلعَ الشيءَ بَلْعاً، ونحو ذلك.
والمضاعف نحو: مَسِسْتُ لشِيءَ مَساً، وشَمِمْتهُ شَماً، ومَصِصتْهُ مصاً، وعَضضْتهُ عَضاً، وسَفِفْتُ الدواء سَفاً.
والمعتلّ الفاء: وَطِئْتُ الشِيءَ وَطْئاً، وهو في نفسه قليل.
والمعتلّ العينِ: خِفْتُهُ خَوْفاً، ونلتُهٌ نَيْلاً.
وبالهمز: رَئمَت الدابَّةُ ولدَها رَأْماً، أحَّبته فشمَّته.
والمعتلّ اللام: قَنِيَ حياءهُ قَنْياً، لزمه، ونَشِيتُ الخبر نَشْياً، تَعرَّفْتُه 4. والمتعدَّي في (فَعِل) قليل، ولكن الغالب والأكثر في ذلك القليل في المصدر (فَعْل) كما قال الناظم.
وأكثرُ ما يستعمل المتعدَّي منه في العمل بالفم.
و((ذُو الثَّلاثةِ)) في كلامه هو الفعل الذي على ثلاثة أحرف، لم يُخرجه عن ذلك لا أصليُّ من الحروف ولا زائد، كالمُثُل المتقدَّمة.

أمَّا إن خرج عن ذلك بأصلي نحو: دَحْرجَ، أو بزائد نحو: أَكْرَمَ، فله في المصادر أبنية أخرى سيأتي منها ما قَصد ذكرهَ.
وقوله: ((مِنْ ذِي ثَلاَثةٍ)) على حذف الموصوف، أي من فعْل ذي ثلاثة، وكذلك قوله: ((الْمُعَدَّي)) و ((مِنْ)) لبيان الجنس أو للتبعيض، وهي في موضع الحال، أي قياسُ مصدر الفعل المتعدي كائنا من الأفعال الثلاثية (فَعْلُ).
ثم انتقل إلى مصدر اللازم فقال: وفَعِلَ اللاَّزِمُ بَابُه فَعَلْ كَعَرَجٍ وكَجوَىً وكَشَلَلْ لما كان قد شَمِل له البيتان المتقدمان بناءين (فَعَل وفَعِل) بفتح العين وكسرها، وتكلم على مصدرهما في التعدَّي أتمَّ النظرَ فيهما بمصدر اللازم منهما.
وابتدأ بذكر (فَعِلَ) المكسور العين، فيَعنيِ أن قياس مصدر (فَعِلَ) المكسور العين أن يُبنى على (فَعَلٍ) بفتح الفاء والعين، كان صحيحاً، وإليه أشار بقوله: ((كعَرَجٍ 1)) أو معتلا، وإليه أشار بقوله: ((وكجَوىً)) أو مضاعَفاً، وإليه أشار بقوله: ((وكشَلَل)).
واللازم خلاف المتعدَّي، وهو الذي لزم فاعلَه، فلم يَطلب غيره، وقد تقدم تفسيره في ((باب التعدَّي)).
فمثال الصحيح: عَرِجَ عَرَجاً، ومَرِضَ مَرضاً، وغَضِبَ غَضَباً، وأَنِفَ أَنَفاً 2، وأَكِلَتِ النَّاقَةُ أكَلاً؛ تأذَّت بوبَر جَنِينها في بطنها، وأَكِلَتِ الأسنانُ،

تكسَّرت، وأَسِفَ أَسَفاً، حَزِنَ، وعَسِمَتِ اليدُ عَسَماً؛ يَبِسَتْ، وعَبِدَ عَبَداً، أَنِفَ، وعَتِبَ الأمرُ عَتَباً؛ صار فيه عَيْب 1. ومثال المعتلّ الفاء: وَجِلَ وَجَلاً، ووَجِعَ وَجَعَاً، ووَبِئَتِ الأرضُ وَبَاً، ووَهِمَ وَهَماً، ووَهِلَ وَهَلاً 2، ووَكِعْتِ الّرجْلُ/ وَكَعاً؛ مال إبهامُها عليها، ووِرِمَ وَرماً، ووَصِبَ وَصَباً 3، ووَقِصَ وَقَصاً؛... 468 قَصر عنقُه.
ومثال المعتلّ العين: حَوِلَ حَوَلاً، وعَوِرَ عَوَراً، وخَوِصَتْ عينُه خَوَصاً؛ صَغُرت، وحَوِرَتْ حَوَراً 4، وخِلْتُ إِخَالُ خَالاً وَخيَلاً، وغَار يَغَارُ غاَراً وغَيْرَةً.
ومثال المعتلّ اللام: رَدِىَ رَدىً 5، ولَوِىَ لَوىً 6، وخَفِىَ خَفىً، ووَجِىَ وَجىً 7، وصَوِيَتِ النَّخْلَةُ صَوىً؛ يَبِسَتْ، وصَغِىَ صَغىً؛ مال في جانبٍ خِلْقةً.
ومثال المضاعَف: شَلَّ يَشَلُّ شَلَلاً، وبَحِحْتُ بَحَحاً 8، وشَمَّ الأنفُ

يَشَمُّ شَمَماً؛ ارتفع أعلاه، وصَمَّمتْ أُذُنُه تَصَمُّ صَمَما، ولَحِحَتْ هينُه لَحَحاً، الْتصَقَتْ.
واعلم أنه مَثَّل هنا بثلاثة أمثلة ترجع إلى معنى واحد، وهو ما كان عَرَضاً طارئاً على استقامة الخِلْقة في الأصل، فالعَرَج شِيء يصيب الرَّجلَ خِلْقَةً، لا يستقيم به المشيُ.
والجَوَى: من جَوِىَ الرجلُ، إذا لم يَشْتَهِ الطعامَ، أو من جَوِىَ، إذا عَرَضت له حُرْقةُ باطنة، من حُزْن أو عِشْق، وكلاهما عَرَض طارئ.
ويقال: جَوِىَ الشيءُ جَوىً، إذا أنْتَن، وهو من ذلك ايضا.
والَشَّلَل: فساد في اليد، يقال: شَلَّتْ يدُه؛ إذا بَطَلت منفعتُها.
فهذا كلُّه من الأعراض الطارئة، إلا أن المثال الأول مما كان عَرَضا في أصل الِخلْقة، والباقيان مما كان عَرَضاً طارئاً عليها.
وكلا المعنيين عَرَض يجري في هذا مَجْرىً واحدا.
ثم قال: وفَعَلَ الَّلازِمُ مِثْلُ قَعَدَا لَهُ فُعُولٌ باطَّراَدٍ كغدا هذا هو البناء الثاني، وهو المفتوح العين، كـ (قَعَدَ) الممثَّل به.
يعني أن مصدر هذا الفعل اللازم قياسهُ (فُعُولُ) بضم الفاء باطراد، كان صحيحاً أو معتلاٍ أو مضاعَفاً، ما لم يدخله من المعاني ما يصرفه عن ذلك إلى أبينة أُخَر.
فمثال الصحيح: قَعَدَ قُعُوداً، وجَلَسَ جُلُوساً، وسَكَتَ سُكُوتاً، وثَبَتَ ثُبُوتاً، وذَهَبَ ذُهُوباً، ورَكَنَ رُكُوناً، ومَكَثَ مُكُوثاً، وطَلَعَتِ الشمسُ طُلُوهاً، وغَرَبَتَ غُرُوباً، وما أشبه ذلك.
ومثال المعتلّ الفاء: وَقَفَ وَقَوفاً، ووَكَفَ الدَّمْعُ والمَطَرُ وُكُوفاً 1، ووَضَحَ

الأمرُ وَضُوحاً، ووَجَبَ وُجُوباً، سَقَط أو ثَبَت، ووَصَبت وُصُوباً، دام.
ومثال المعتلّ اللام: دَنَا دُنُواً، وقَوَى ثُوُياً 1، ومَضَى مُضِيَّاً، ويَدَا بُدُوَّا، وغَدَا غُدُوَّا، وَعَتَا عُتُوَّاَ، ونَمَا نُمُوَّاَ، وصَبَتِ الرَّيحُ صُبُوَّاَ؛ هَبَّت صَباً 2، ومثال المضاعَف: مَرَّ مُروراً، وكَلَّ البصر كُلُولاً، وكَمَّت النَّخْلَةُ كُمُوماً، أَطْلَعَتْ، وسَدَّ الشِيءُ سُددُاً، وسَدَاداً؛ إذا كان صوابا.
وأما المعتلّ العين فَقَلَّ فيه (الفُعُولُ) لأجل الياء والواو، قالوا: غَابَتِ الشمسُ غُيُوباً، وغُرْتُ في الشِيء غُؤُوراً 3، وبَادَ يِبِيدُ بُيوُداً، وسَارَ إليه يَسْورُ سُؤُوراً؛ وَثَب 4، وآبَتِ الشمسُ أُوُوباً 5. وهذا كلُّه قليل، كراهية (الفُعُول) في بنات الواو والياء، ففَرُّوا إلى (الفِعَالَة، والفِعَال، والفَعَال 6) ونحوها، فقالوا: صَامَ صِيَاماً، وراحَ رَوَاحاً، ونَاحَ نَياحَةً/، وسَارَ سَيْراً،... 469 وما أشبه ذلك.
فبَانَ أن (الفُعُول) في المعتلَّ العينِ ليس بقياس، وإطلاق الناظم يقتضى أنه قياس؛ إذا لم يَخُص صحيحاً من معتل، لا سيما وقد نَبَّه على النوعين بالمثال، فَمَّثل الصحيحَ بـ (قَعَدَ) والمعتلَّ على الجملة بـ (غَدَا)، فكان من حقه أن يُخرج المعتلَّ العين من ذلك.

والجواب أن نقول: (لعله 1) نَبَّه بالمثالين على النوعين اللذين يدَخلهما القياس، وهما الصحيح والمعتلُّ اللام، فيخرج المعتلُّ العين، ويصح الإطلاق.
فإن قيل: فيَبْقى المضاعَفُ والمعتلُّ الفاءِ يوُهِم فيهما القولُ بحكمٍ لا يصح، وهو ألاَّ يُقاس فيهما.
قيل: المضاعَف والمعتلُّ الفاء جاريان في أنفسهما مَجْرى الصحيح في غالب أحكام المصادرُ والصفات والجموع، ونحوِهما من الأحكام التَّصرِيفيَّة، وإنَّما تختلف الأحكام في المعتلَّ العين واللامِ مع الصحيح، فإذا نَبَّه على الصحيح والمعتلّ اللام جرى المضاعَف والمعتل الفاء مَجرى الصحيح، وبقي المعتلُّ العينِ منفياً عنه ما ذكر من الحكم.
والأَوْلى أَنْ لو نَصَّ على ذلك.
ثم استثْنى من اطّراد هذا البناء ما استَحق بناءً آخر باطّرادٍ أيضاً حتى صار (الفُعُول) فيه نادراً غيرَ مَقِيس، فقال: مَالَمْ يكُنْ مُسْتَوجْباً فِعَالاَ أَوْ فَعَلاَناً فَادْرِ أوْ فُعَالاَ فَأَوَّلٌ لِذِي امْتنَاعٍ كَأَبىَ والثَّانِ للذِي اقْتَضَى تَقَلُّبَا لِلدَّا فُعَالٌ أَو لصَوْتٍ وشَمِلْ سَيْراً وصَوْتاً الفَعِيلُ كصَهَلْ يعني أن (فُعُولا) في (فَعَل) اللازم قياسٌ، إلا إذا غلب عليه أحد هذه الأبنية الأربعة، لمعانٍ اقتضَتها تدل عليها؛ فإن (فُعُولا) يخرج عن أن يكون

قياساً فيه، وهي: (فِعَالٌ) بكسر الفاء، كَنَفَر نِفَاراً، و (فَعَلانٌ) بفتح العين، كغَلَتِ القِدْرُ غَلَيَاناً، و (فُعَالٌ) بضم الفاء، نحو: بَكَىُ بُكَاءً، و (فَعِيلٌ) نحو: صَهَلَ صَهِيلاً.
فالثلاثة الأُوَل في قوله: مَالَمْ يَكُنْ مُسْتَوْجِباً فِعَالاَ أَوْ فَعَلاَناً فَادْرِ أو فُعَالاَ وقوله: ((فَادْرِ)) تأكيد لمعنى الكلام، كأنه يقول: ليس (الفَعُول) في (فَعَلَ) اللازم بمطَّرد على الإطلاق، وإنما يكون مطَّرِداً في غير ما اطَّرَدت فيه هذه الأبنية، فأعلم ذلك، ولا تُهمله.
والرابع في قوله: ((وشَمِلَ سَيْراً وصَوْتاً الفَعِيلُ)).
ثم شرع في تفسير المعاني التي استَحق (فَعَلَ) اللازمُ هذه الأبنية عِوضَاً فقال: ((فَأَوَّلٌ لِذِي امْتِناعٍ)) فالأول هو (فِعَالُ) بكسر الفاء، وهو لكل فِعْل على (فَعَلَ) فيه معنى الإبَايَة والامتناع، وذلك نحو: فَرَّ فِرَاراً، ونَفَر نِفَاراً، وشَرَدَ شِرَاداً، وجَمَحَ جِمَاحاً، وشَمَس شِمَاساً 1، وطَمَحَ طِمَاحاً؛ ارتفع، وشَبَّ شِبَاباً، وخَلأَتِ الناقةُ خِلاَءً، وهو كالحِرَان في الدواب 2. وهذا هو الكثير.
وقد رجعوا به إلى (الفُعُولَ) كنَفَر نُفُوراً، وشَمَس شُمُوساً، وطَمَح طُمُوحاً.
وأما تمثيله بـ (أَبىَ) فمشكل؛ فإنه، وإن جاء مصدرو على (فِعَال) نحو: أَبِى إِبَاءً وإبَايَةً، فإنه من المتعدِي، فتقول: أَبَيْتُ الشيءَ، إذا كرهتَه وامتنعتَ منه،

فليس من الأفعال اللازمة، فكيف يمثِّل به/ وهو لم يَقصد الإخبار عن حكم اللازم؟... 470 والجواب أنه يمكن أن يكون عنده مستعملاً على وجهين، متعدياً وغيرَ متعدٍّ، فَمَثَّل بما هو لازم دون ما هو متعدٍّ، والله أعلم.
ثم قال والثَّانِ لِلَّذِي اقْتَضَى تَقَلَّبَا الثاني هو (فَعَلاَنٌ) بفتح العين، وهو بناءُ مصدرٍ لكل ما فيه معنى التقلُّب والحركة والاهتزاز، نحو: غَلَتِ القدرُ غَلَياناً، ونَزَا نَزَواناً؛ وثب، وقَفَزَ الظَّبْيُ قفَزانا؛ كلاهما وَثَب، ودَارَ دَوَرَاناً، وجَالَ الشيءُ جَوَلاَناً 1، وذأَلَ ذَأَلاَناً؛ أسرع، وطَارَ طَيَراناً، وهَذَي يهَذي هَذَيَاناً 2، ومَالَ مَيَلاناً، عَسَلَ الذئبُ عسَلاناً 3. و((الذي)) في كلام الناظم واقع على الفعل، كأنَّه قال: بناءُ (فَعَلاَن) للفعل الذي اقتضى معنى التقلُّب.
ثم قال: ((لِلدَّا فُعَالٌ)) هذا البناءُ الثالث، وهو (فُعَالٌ) بضم الفاء.
وأراد أن هذا البناء يختص قياسا بكل فِعْلٍ فيه معنى الدَّاء، ومعنى التصَّويت.
فأما معنى الدَّاء فنحو: سَبَتَ سُبَاتاً 4، وسَكَتَ سُكَاتاً 5، ونَعَسَ نُعَاساً، وعَطَس عُطَاساً، وسَعَلَ سُعَالاً، ودِير بالرجل دُوَاراً 6،

وصُدِعَ صُداعاً، وزُكِم زُكاماً.
وفي جَعْل هذا النوع من باب (فَعَلَ) اللازم نظرٌ؛ فإن أكثر ما جاء (فُعَالٌ) في مصدر (فُعِلَ) المبني للمفعول، لا (فَعَلَ) المبني للفاعل، وأكثر ما يُبنى للمفعول ما كان من المتعدي لا من اللازم، كما تقدم في: سَكَتَ وسَبَتَ وصُدِعَ، و (هُلِسَ هُلاَساً) منه، وهو بمعنى: سُلَّ سُلاَلاً، وهُزِلَ هُزالاً، وجُحِفَ جُحَافاً؛ أصابه الانطلاق من كثرة الأكل، وقُصِعَت الدابةُ قُعَاصاً 1، وقُعِسَتْ قُعَاساً 2؛ سَعَلَتْ، وسُهِمَ سُهَاماً؛ مرض 3، وسُعِرَ الكلبُ سُعاراً، وكُبِدَ كُبَاداً 4، وُسِلسَ سُلاَساً 5، وصُفِر صُفَارً 6، وضُنِك ضُنَاكاً 7، وهو كثير جدا- كأن المعنى على: فَعَله اللهُ، وإذا كان كذلك فقوله: إن باب اللازم أن يكون مصدره على (فُعَال) في الأدواء، مع أن اللازم فيه نادر، والغالب فيه هو المتعدِّي- لا يَتَحَصَّل.
والعذرُ عن هذا أن اللازم منه هذا شأنه، كما في: نَعَسَ، وعَطَسَ، وسَعَل، ونحوهما، وإن كان قليلاً في نفسه فالغالبُ على مصدر ذلك القليلِ (فُعَالٌ) وهذا صحيح، وإنما يبقى أنه لم يّذكر حكم (فُعِلَ) في الأدواء، وهذا قريب.
وأما معنى التَّصْويت فمثاله: نَبَح نَبِيحاً ونُبَاحاً، وصَاحَ صُيَاحاً، لغةٌ في الصِّياحَ، ودَعَا دُعَاءً، وعَوَى عُوَاءً، ورَغَا رُغَاءً، وثَغَتْ ثُغَاءً 8، وزَقَا زُقَاءً 9، وهَتَفَ

هُتَافاً، وحَدَا حُدَاءً، وبَكى بُكَاءً، وضَغَا ضُغَاءً 1، ومَكَا مُكَاءً 2، وهو كثير.
ثم ذَكر البناء الرابع فقال: ((وشَمِلْ سَيْراً وصَوْتاً الفَعِيلُ)) فذكر أن بناء (فَعِيل) يختص قياساً بكل فعلٍ لازمٍ كان فيه معنى السَّيْر أو معنى التصويت.
فأمّا نعنى السَّيْر فنحو: ذَمَلَ ذَمِيلاً، ورَسَمَ رَسِيماً، ووَجَفَ وَجِيفاً، وخَبَّ يَخِبُّ خَبِيباً 3، وطَمَّ في الأرض طَمِيماً 4. وأمّا معنى التَّصْويت فنحو: زَفَر زَفِيراً، ونَبَحَ نَبِيحاً، ونَهَقَ نَهِيقاً، ونَعَقَ نَعِيقاً، ونَغِق نَغِيقاً، بالغين المعجمة، ونَعَبَ نَعِيباً 5. ومنه: صَهَل الفرسُ يَصْهِل- بالكسر- صَهِيلاً/؛ إذا صَوَّتَ، وهو مثاله 6، وصَفَر... 471 الطائرُ صَفيراً، وأَنَّ أَنِيناً، وزَجَرَ زَجِيراً، وحَنَّ حَنِيناً، وصَرَفَ صَرِيفاً، وصَرَّ صَرِيراً 7، ونحو ذلك.
فُعُولَةٌ فَعَالةٌ لَفَعُلاَ كَسَهُلَ الأَمْرُ وزَيد جَزُلاَ

هذا آخر الأبنية الثلاثية من الأفعال الثلاثية، وهو (فَعُلَ) بضم العين.
وقد تقدم أنه لا يَتعدَّى، وإنَّما وُضع للمعاني الثابتة وما لَحَق بها.
وبناءُ المصدرِ المقيسِ فيه، على ما أخبر به هنا، بناءان: (فُعُولَةٌ) بضم الفاء، و (فَعَالَةٌ) بفتحها.
أمّا (فُعُولَةٌ) فَمَّثله بـ (سَهُلَ) لأن مصدره السُّهُولة، يقال: سَهُلَ الأمرُ سُهُوَلةً، وهو خلاف: صَعُبَ صُعُوبَةً.
ومثله: حَزُنَ المكانُ حُزُونَةً، وجَهُمَ جُهُومَةً 1، ومَلُحَ مُلُوحةً، وجَثُلَ جُثُولَةً، وجَعُدَ جُعُودَةً، وكَدُرَ كُدُورَةً 2، وسَخُنَ الماءُ سُخُونَةً، ورَعُنَ رُعُونَةً، وفَسُلَ فُسُولَةً 3. وأمّا (فَعَالَةٌ) فَمثَّله الناظمُ.
بـ (جَزُلَ) لأن مصدره الجَزَالةُ، يقال: جَزلُ الشِيء جَزَالَةً؛ إذا اعَظُمَ، ومنه العَطاءُ الجَزْل، وجَزُل الرجلُ جَزَالةً؛ جاد رأيُه.
ومنه: وَسُمَ وَسَامةً، وقَبُحَ قَبَاحَةً، وسَمُج سَماجَةً، وشَنُعَ شَنَاعةً 4، ونَظُفَ نَظَافَةً، وصَبُحَ صَبَاحَةً 5، وطَهُرَ طَهارةً، وعَظُمَ عَظَامةً، ونَبُل نَبَالةً، ووَضُعَ وَضَاعَةً، وما أشبه ذلك.
و(الفَعَالَةُ) في باب (فَعُلَ) أكثرُ وأعمُّ من (الفُعُولَة) وإن كان (الفُعُولَة)

وكثيًرا فيه.
وما تقدَّم، مما جاء فيه (الفَعُولَةُ) فأكثرُه جاء فيه (الفَعَالَةُ).
وَمَا أَتَى مُخَالِفاً لِمَا مَضَى فَبَابُه النَّقْلُ كَسُخْطٍ ورِضَى يعني أن ما جاء من الأبنية في مصادر هذه الأفعال على غير ما تقدم، ومخالفاً له، فليس بقياس، وإنما يُحكى حكايةً تُستعمل فيما نُقلت فيه، ولا يقاس عليه.
و((الذي مَضَى)) هو ما ذُكر من أول الباب إلى هنا.
وذكر لذلك مثالين من (فَعِلَ) المكسور العين الذي له (الفَعَلُ) وهما (سُخْطٌ) وهو مصدر: سَخِط الشيءَ يَسْخَطُه، ضد: رَضِيَهُ يَرْضَاه، رِضى، وهو المثال الثاني.
أو مِن الذي له (الفُعُول) إذا جعلناهما غير متعدِّيين، من: سَخِطَ عليه، ورَضِىَ عنه.
وعلى كل تقدير فـ (سَخِطَ) مصدره المسموع، سُخْطٌ وسَخَطٌ، و (رَضِىَ) مصدره: رِضىً.
والرِّضوانْ كالرِّضَى أيضا.
وحين أشار إلى أن ثَمَّ ما يخالف ما ذَكر تعيَّن ذكرُ بعض ما جاء من ذلك موقوفاً على النقل.
فممَّا جاء في (فَعَلَ) المتعدِّي على غير (فَعْلٍ) قولُهم: وَرَدَ الماءَ ورُوداً، وجَحَد الحقَّ جُحوداً، وحَلَب الشَّاةَ حَلَباً، وسَرَق المتاعَ سَرَقاً، وخَنَقه خَنَقاً، وطَلَبْتُه طَلَباً، وقَاَلُهِ قيلاً.
وفي (فَعِل) المكسور العين: عَلِمَه عِلْماً، ولَقِيتُه لقْيَاناً وِلقَاءً، وشَرِبَهُ شُرْباً، ووَدِدْتُه وُداً، وحَفِظْتُه حِفْظاً، وحَسِبَه حُسْبَاناً.1

ومما جاء في (فَعَل) المفتوح العين غير المتعدَّي قولهم: ذَهَبَ ذَهَاباً، وقامَ قِيَاماً، وسَكَتَ سَكْتاً 1، وعَجَز عَجْزاً، وهَدَأَ اللَّيْلُ هَدْأً، وفَسَق فِسْقاً، وحَلَفَ حَلِفاً، ومَزَحَ مُزَاحاً.
وفي (فَعِلَ) المكسور العين: لَبِثَ لُبْثاً / ولَبْثاً، وحَرِدَ حَرَداً (1)، وحَمِيت الشمسُ حَمْياً،... 472 ولَعِبَ لَعشباً، وضَحِكَ ضَحِكاً، وأَدِمَ أُدْمةً، وشَهِبَ شُهْبَةً، وقَهِبَ قُهْبَةً 2. وفي الأمثلة المُسَتَثْاة قالوا: شَبَّ الفرسُ شَبَّا، وخَلأَت الناقةُ خَلأً، بالفتح 3. وقالوا: غَلَتِ القِدْرُ غَلَياناً، وطافَ طَوْفاً وطَوَفَاناً، وجَالَ جَوُلاً، وقَفَزَ قَفْزاً.
وقالوا: صاحَ صِياحاً وصَيْحاً، وهَتَفتَ الحمامةُ هَتْفاً؛ مَدَّتْ صوتَها، وخَبَّ خَبَباً 4، وسار سَيْراً.
وقالوا: نَعَقَ بالغنَمَ نَعَقَاناً، ونَعَبَ الغرابُ نَعْباً ونَعَبَاناً، وَحَبَ نَحْباً؛ أعلن بالبكاء.
ومما جاء في (فَعُل) المضموم العين مخالفاً لما مضى قولهم: جَمُلَ جَمَالاً 5، وقَبُحَ قُبْحاً، وحَسُنَ حُسْناً، وبَهُوَ بَهاءً، وطَهُرَ طُهْراً، ومَكُثَ مُكْثاً، وصَغُر صغَراً، وكَبُرَ كِبَراً، وبَطُنَ بِطْنَةً، وضَعُفَ ضَعْفاً، وما أشبه ذلك.
وأكثرُ ذلك ذكره سيبويه 6. وجميعُه موقوف على السماع كما قال

الناظم.
إلا انه يبقى في هذا الحصر نظر؛ فإنَّ مما لم يذكره قبلُ ما يكون قياسا.
من ذلك (الفِعَالَة) في (فَعَلَ) إذا كان مراداً به الوِكَالُة والقيام على الشِيء 1، كتَجَر تِجَارَةً، وحَرَثَ حِرَاثَةً، وصَنَعَ صِنَاعَةً، وسَاسَ سِيَاسَةً، وعَرَفَ عِرَافَةً، وآلَ إِيَالَةً، وعافَ عِيافَةً، وقافَ قِيَافَةً 2، وأَمَرَ إِمَارَةً، وخَلَفَ خِلافَةً، وهو كثير.
ومن ذلك (الفِعَال) بكسر الفاء للتَّصويت، نحو: صَاحَ صِيَاحاً، وزَمَرَ النَّعامُ زِمَاراً، وعَرَّ الظليمُ عِرَاراً 3، وهَتَفَ هِتَافاً، وما أشبه ذلك، وهو من الفعل الذي لا يتعدَّى على (فَعَلَ).
ومن ذلك (الفِعَال) أيضا للهِيَاج من الذكر والأنثى، فالذكر نحو: الهِبَاب والقِرَاع والضِّرَاب والنِّكَاح.
والأنثى نحو: الصِّراف والحِرَام والوِدَاق، يقال: هَبَّ التَّيْسُ وهِبَاباً 4، وقَرَعَ الفحلُ النَّاقة قِرَاعاً، وضَرَبها ضِراباً، ونكَحَهَا نكَاحاً، وصَرَفَتِ الأُنْثى صِرَافاً؛ اشتهت الضِّراب، ووَدَقَتْ وِداقاً 5، وكذلك سائرها.
ومن ذلك (الفُعْلَة) لـ (فَعِلَ) في الألوان؛ نحو: شُهْبِة في: شَهِبَ، وقُهْبة

في: قَهِبَ، وكُدْرَة في: كَدِرَ 1، ومثله: قَتَمَ قُتْمَةً، وكَمُتَ الفرسُ كُمْتَةً، وكَهِبَ كُهْبَةً 2، وشَهِلَت العينُ شُهْلَةً، وشَقِرَ شُقْرَةً 3، ورَبِذَ رُبْذَةً 4، وهو كثير جدا بحيث لا يُتَحاشَى من قياسه.
فالحاصل أن هذا مما دَخل له في السَّماع، مع أنه كثر كثرةً يُقاس على مثلها، ويمكن أن يفوته غير ذلك، فكان من حقه أن يحرِّر ضابطَ القياس هنا من غيره.
فهذا وجه من الاعتراض، ووجه ثان أن تنبيهه على هذا غير محتاج إليه، لأنه إذا كان قد ذكر القياس في مصادر هذه الأفعال، فسكوتُه عما بقي يُشعر بأنه سماع، فإتيانه ببيَتْين فارغين في هذا المختصر نقض الغرض.
الجواب عن الأول أن ما تقدَّم ذكره لا يدَخل عليه هنا وإن كان قياسا، فإن (الفِعَالَة) غير مختصة بـ (فَعَلَ) دون (فَعِلَ) ولا باللازم دون المتعدِّي، ألا ترى أن الوِلاَيَةِ من: وَلِىَ، والخِلافةَ من: خَلَفَ، وكذلك: الخِيَاطةُ من: خَاطَ الثَّوْبَ، فهو مما يتعدَّى، و (خَلَفَ) مما لا يتعدَّى.
وأيضا فقد يكون بناء.
(الفِعَالة) جارياً على غير مَنْطُوقٍ به من الثلاثي،

وإنما يُستعمل في موضعه المزيدُ، كالوِكَالَة / من: تَوَكَّل، والحِرَابَة من: حَارَبَ، ونحو ذلك... 473 مما لم يستعمل له ثلاثي.
فلما كان كذلك لم يَأْتِ به الناظم؛ لأنه إنما يَذكر ما يَطِّرد في بناء الثلاثي، وهذا ليس كذلك.
وأيضا فإنه إنما تكلَّم في الأبنية لكل فِعْلٍ على حِدَته، إلا ما كان من المتعدِّي الذي اطَّرد فيه (فَعْل) على الإطلاق، و (الفِعَالَة) ليس مما يَختص ببناءٍ دون بناء.
ومع ذلك لو تأملَّتَ كلَّ بناءٍ للفعل لشكَّكتَ هل يَطَّرد فيه (الفِعَالَة) أم لا.
وأيضاً فَلماَّ لم يَختص بالثلاثي دون غيره أَشْبه الأسماءَ التي ليست بمصادر، من حيث لم يَطَّرد جريانُه على بناء الثلاثي فصار مثل: السَّلاَم من: سَلَّم، والكَلاَم من: كَلَّم، فَترك ذكرَه كما تَرك ذكر (الفُعَالَة) فيما كان من بقايا الشِيء، وذلك نحو: القُرَاضَة، والكُسَاحَة 1، وكما تَرك ذكرَ (الفِعَال) في انقضاء الزمان، كالصِّرَام والحِصَاد 2. وأما (الفِعَال) في التَّصويت وفي الهَيجَان فليس بكثير، فقد يكون تَرَك ذلك لأنه عنده لم يبلغ مبلغَ القياس، ولذلك لم يَذكره في ((التَّسْهيل)).
وأما (الفُعْلَة) فالاعتراض به قوي، والله أعلم.
وعن الثاني أن المسموع في هذا الباب كثير جدا، ومحتاج إلى3

التَّنْبيه عليه، لأنه لا يجوز استعمال القياس فيه وفي أشباهه إلا بعد استقصاء المسموع، لكنه لم يُضبط بالقياس، فكان التَّنْبيه عليه ضروريا.
وكذلك قوله بعد: ((وغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلُه)).
وغَيْرُ ذِى ثَلاَثَةٍ مَقِيسُ مَصْدُرهُ كقُدِّسَ التَّقْدِيسُ وزَكِّهِ تَزْكِيَةً وأَجْمِلاَ إجْمَال مَنْ تَجَمُّلاً تَجَمَّلاَ واسْتَعِذِ اسْتِعَاذَةً ثم أَقِمْ أقَامَةً وغَالِباَ ذَا التَّا لَزِمْ لما أَتَمَّ الكلامَ على مصادر الثلاثي القياسية أَخذ في الكلام على المَزِيد منه.
وأما الرُّبَاعِيُّ الأصولِ مزيدُه فسنذكره.
و((مَصْدَرُهُ)) يحتمل أن يكون مبتدأ خبرُه ((مَقِيسُ)) والجملة خبر قوله: ((وغَيْرُ ذِي ثَلاَثَةٍ)) ويَحتمل أن يكون ((مَصْدَرُهُ)) مرفوعاً بمَقِيس على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه.
ويَعْني أن المزيد من الثلاثيِّ الأصولِ يُقاس مصدرهُ على هذا السَّبيل الذي يُذكر في الأمثلة، ولا يَعني أنه مَقِيس هكذا على الإطلاق؛ فإن ما تقدَّم أيضا مَقِيس كذلك.
وأيضاً فالإخبار بقياسٍ لم يُعَيِّنه غيرُ مفيد، فإنما يريد أن هذا النوع من الأفعال يُقاس مصدرُه هذا النوع من القياس الذي يُذكر في الأمثلة ثم ذَكر أفراد أبنية الأفعال، وما يجري على كل واحد منها من أبنية المصادر؛ فذكَر أولاً (فَعَّلَ) مضاعَفَ العين، وجَعل له بناءين، بحسب صحة اللام واعتلالها، فإن كانت اللام صحيحةً فالمصدرُ يأتي على (التَّفْعِيل) وذلك قوله: ((كَقُدِّسَ

التَّقْدِيسُ)) إلا أنه بَنى الفعلَ للمفعول، ورَفَع به مصدرَه لضرورة النَّظْم، والمعنى المقصود حاصل.
ومن مُثُله: كَلَّمْتُه تَكْلِيماً, وسَلَّمْتُ تَسْلِيماً، وكَرَّمَ تَكْرِيماً، وشَرَّفَ تَشْرِيفاً.
ولم يفرقِّ فيه بين أن يكون متعدَّياً أو لازماً، ولا بين أن يكون مضاعَفاً أو غير ذَلك.
والحكم في الجميع صحيح.
وإن كانت اللام معتلَّة بالواو أو الياء فإن المصدر يأتي على (التَّفْعِلَة) وهو / الذي... 474 بَيَّنه بقوله: ((وزَكِّهِ تَزْكِيَةَ)) ومِثْله: قَوَّاهُ تَقْوِيَةً، وعَدَّى تَعْدِيَةً، ورَوِّى تَرْوِيَةً، ووَفَّى تَوْفِيَةً 1. ونحو ذلك.
فكأنه يقول: ما كان صحيح اللام من (فَعَّلَ) فمصدرُه المقيسُ (التَّفْعِيل) كان مضاعفاً او معتلَّ العين أو الفاء أَوْ لاَ.
وما كان معتلَّ اللام فمصدرُه المقيسُ (التَّفْعِلَة) وهذا صحيح إلا فيما كانت اللام منه همزة، فإن النحويين يَحكون فيه الوجهين، فتقول في هَنَّأَ: تَهْنِيئاً وتَهْنِئَةً، وفي جَزَّأ: تَجْزِيئاً وتَجْزِئَةً، وفي خَطَّأَ: تَخْطِيئاً وتَخْطِئَةً، ونحو ذلك.
والأجوَدُ، على ما قال المبرِّد في مثل هذت، الإتمامُ، حَكاه عن أبي زيد، وحَكَى أن النحويين أجمعين يقولونه بالوجهين.
وقال المؤلف في ((التَّسْهيل 2)): إن الغالب على ما لامه همزة (التَّفْعِلَة).
وإذا كان كذلك، فلا يخلو أنَ يُجعل هذا النوع ههنا من الصحيح اللامِ أو من المعتلَّة؛ فإن جعلتَه من الصحيح اللام لزم على ما تقدَّم أن يكون القياس فيه (التَّفعِيل) وما عدا ذلك مسموع على ما نَصَّ عليه في

قوله: ((وغَيْرُ ما مَرَّ السَّماعُ عادَلَهُ)) وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وليس ذلك بصحيح؛ لأن (التَّفْعِلَة) قياسٌ فيه أيضا، نَصَّ عليه سيبويه 1. وغيره.
وإن جعلتهَ من المعتلَّ اللامِ لزم أيضاً أن يكون القياس فيه (التَّفْعِلَة) وما عدا ذلك مسموع، وليس كذلك؛ لأنهم جعلوا (التَّفْعِيل) فيه قياسا أيضا.
ويُجاب عن هذا بأربعة أوجه؛ أحدها أن يُدَّعَى أنه لم يَتعرض لذكر ما لامهُ همزةٌ بقياس ولا سماع، بل أغفله جُمْلة، وذكَر ما قَيَّده بالأمثلة خاصة، وهي: قَدَّسَ وزَكَّى، فيبقى غيرُ ذلك مُغْفَلَ الذِّكر، كسائر ما أَغفل في هذا النَّظْم، ولا اعتراض عليه في ذلك.
والثاني ان يكون تعرَّض له بإشارة (تزكىَّ) لأن ما آخره همزةٌ يسمَّى في باب التَّصريف معتلا، لورود الإعلال على الهمزة بالتَّسهيل والإبدال والحذف، كالألف والواو والياء، فيكون قد جَعل المهموزَ الآخِرِ من المعتلِّ اللام، وحَكَم بأن القياس فيه (التَّفْعِلَة) على ما اسَتقْراه هو من كلام العرب، فإنه كثيراً ما يَعتمد استقراءَ نفسه، ويَبني عليه عَرَبِيَّتَه، ولذلك قال في ((التسهيل)): ((وقد يَشْرَكُه (تَفْعِلَة) يعني (التَّفْعِيل) ويُغْنِي عنه غالباً فيما لامُه همزةٌ 2)) فَجعل الغالبَ على ما لامُه همزةٌ (التَّفْعِلَة) وذلك يُعطي أن (التَّفْعيل) عنده فيه قليل، كأنه مما يُعَدُّ في المسموع.
والثالث أنه يُحتمل أن يكون مذهبه مذهبَ المبرِّد في فهم كلام سيبويه، وذلك أن سيبويه لما تكلَّم في تعويض الهاء من الحرف المحذوف في (الإقَامة،

والتَّعْدية) ونحوهما لأجل حذفِ حرفٍ منهما قال فيه: ((وأما عَزَّيْتُ تَعْزِيَةً 1)) ونحوها فلا يجوز الحذف فيه، ولا ما أشبهه، لأنهم لا يَجِيئون بالياء في شيء من بنات الياء والواو، مما هما منه في موضع اللام 2 يَعني أن الحذف والتعويض من المحذوف لازم.
ثم قال: ((ولا يجوز الحذف ايضا في تَجِزْئَةٍ وتَهْنِئةٍ)) قال: ((لأنهم ألحقوها بأختيها من بنات الياء والواو 3)).
ففَهِم المبرّدُ من هذا الوضع أن سيبويه لا يُجيز: تَهْنِيئاً وتَجْزِيئاً، فاستدرَك عليه بذلك طُرَّةً 4 في الكتاب، فلعل الناظم تبعه في هذا الفهم، وأجراه مُجرى المعتل.
وكلام سيبويه عند غير المبرّد محمولٌ على غير ذلك المعنى فتأمَّلْه.
والرابع أن يكون تَرك ما لامُه همزةٌ لا إغْفالاً بل قَصْداً للنَّظر يَنظر فيه، إذ كان له شَبَهان، وشَبَهٌ بالصحيح / ولذلك يَجْرِي بوجوه الإعراب كالصحيح، فيسَتحق بهذا الشَّبه بناء... 475 (التَّفِعْيل) وشَبَهٌ بالمعتلَّ من حيث يَلحقه الإعلالُ، فيسَتحق بهذا الشبَه بناءَ (التَّفْعِلَة) وكذا ثبت النقل.
والله أعلم.
ثم ذَكر (أَفْعَلَ) وجعل له بنائين للمصدر، أحدهما (الإفْعَالُ) وذلك قوله: ((وأَجْمِلاَ إجْمَالَ كَذَا)) وهو لما صَحَّت عينُه ولم تَعتل، ولا مبالاَة بغير ذلك؛ إذ لا يَفترق الحكم مع كون الفعل مضاعَفاً أو معتلَّ اللام، بل حكمُ

ذلك حكمُ الصحيح، فتقول: أَسْنَدْتُه إِسْناداً، وأَكْرَمْتُه إكراماً، وأعْلَمْتُه إعلاماً، وأْكَملْته إكمالاً (وأجَمَلْتُه إجْمالاً 1) وأجْلَلْتُه إجْلالاً، وأضَلَّه اللهُ إضلالاً، وأعطيتُه إعطاءً، وأوليتُه إيلاءً، وما اشبه ذلك.
وكذلك لا يَفِترق بالتعدِّي وعدمه، كأَصْبحَ إصباحاً، وأَمْسَى إمساءً، وأَسْجَد إسجاداً، ونحوه.
والثاني (ألإفْعَال) بلَحاق الهاء في آخره عوضاً من أحد الحرفين المعتلَّين بعد حذفه، إمَّا العينِ على رأي الأخفش والفراء، وإمَّا الألفِ على رأي الخليل وسيبويه، فيكون أصله (إفْعَالَة) ويبقي بعد الحذف على (إفَالَة) أو (إفْعَلَة) وهو الذي أراد بقوله: ((ثُمَّ أَقِمْ إِقَامَةً)) وسيأتي على أثر هذا بحول الله.
ثم ذكَر (تَفَعَّلَ) وجَعل مصدرَه (التَّفَعُّل) وهو المشار إليه بقوله: ((تَجْمُّلاً تَجَمَّلاَ)) ولا يَفترق الحكم عنده في هذا بين الصحيح العينِ والمعتلَّه، كما في (أَفْعَل) ولا بين الصحيح اللامِ والمعتلَّه، كما في (فَعَلَ).
فتقول في الصحيح العين: تَجَمَّل تجمُّلا، وتحمَّل تحمُّلاً، وتَكرَّم تكرُّماً، وتَجبَّر تجبُّراً، وتكَبَّر تكبُّراً.
وفي المعتلَّه: تَقَوَّلَ تَقَوُّلاً، وتحوَّل تحوُّلاً، وتَميَّز تميُّزاً، وتَبيَّن تبيُّناً.
وتقول أيضا: تَرَدَّى تَرَدِّياً، وتَبَدَّى تَبَدِّياً، وتَدَلَّى تَدَلِّياً، وتَوَلِّيِّ تولياً وأصل ذلك (التَّفَعُّل) بضم العين، لكن دَخلها الإعلال بكسر ما قبل الياء لأجلها حسبما يَذكره في ((باب التَّصريف)).
وحكم ما لامُه همزةٌ في هذا والذي قبله حكمُ الصحيح؛ فإنك تقول: أَقْرَأ إقْرَاءً، وأَوْطَأَ إِيطاءً، وتَهَّيَأَ تهيُّأً، وتجزَّأَ تَجَزُؤاً.

وأما في (أَفْعَلَ) فلا نظر، فإن الصحيح اللامِ والمعتلَّه على حكمٍ واحد، فلم يكن مردَّداً بين وجهين كما كان ذلك في التَّهْنِئِة والتَّهِنْئ.
وأما في (تَفَعَّلَ) فكذلك أيضا؛ إذ لا فرق بينهما في الإعلال، وذلك من أحكام التَّصريف، فلا حاجة إلى ذكر ذلك هنا.
ثم ذَكر (اسْتَفْعَل) ومصدَره، وكان حقه أن يَذكره مع ما أوَّلُه همزةُ الوصل؛ إذ هو داخلٌ في عموم العبارة المذكورة فيه، وإنما أتى بالمعتل منه هنا، لأجل مخالفته لما يَذكره بعدُ، بسبب الإعلال الحاصل في عينه؛ إذ أخرجه إلى حَذْف حرفٍ منه، وتعويضِ الهاء من المحذوف، فلما لم يكن حكمه حكم الصحيح وسواه مما يُذكر هناك، واجتمع مع الإفعال في الحكم- ذَكره هنا مع مُشاكِله، وهو ((الإقَامَةُ)) لاجتماعهما في حذف حرفٍ والتعويض منه.
فيريد أن (اسْتَفْعَلَ) المعتلَّ العينِ بالواو أو الياء يأتي المصدر منه على (الاسْتِفْعَال) محذوفَ العين، أو الألفِ واللام على المذهبين ملَحقاً هاءً، وذلك قوله: ((واسْتَعِذِ اسْتِعَاذَةً)) ومثله: اسْتَبَانَ اسْتِبَانَةً، واسْتَطالَ اسْتِطَالَةً، واسْتَقامَ اسْتِقَامَةً، واسْتَعَانَ اسْتِعَانَةً.
ووزنه في الأصل (اسْتِفْعَالَة) وفي اللفظ (اسْتِفَالَة) أو / (اسْتِفْعَلَة).... 476 وأما المعتل اللامِ من هذا فحكمهُ حكمُ الصحيح، نحو: اسْتَدْعَى اسْتِدعَاءً، واسْتَغْنَى اسْتِغْنَاءً، وما أشبه ذلك.
ثم ذكَر البناء الثاني لـ (أَفْعَالَ) المعتلِّ العينِ، وأن حكمه كـ (الاسْتِفْعَال)

في الحذف والتعويض؛ فتقول: أَقِمْ إقامَةً، وهو مِثَاله 1، ومِثْله: أَعَانَ إعَانَةً، وأَبَانَ إبَانَةً، وأجَازَ إجازَةً، ونحو ذلك.
ثمَ بيَّن أن هذه الهاء اللاحقة بالبناء ليست بلازمة، وإنَّما عي غالبة، إلا أن إشارته بـ (ذا) يَحتمل أمرين: أحدهما أن تكون إشارةً إلى أقرب مذكور، وهو (الإقَامَةُ) ونحوها، فكأنه يقول: هذا التاء لازم اللَّحاق هنا في غالب كلام العرب، ويجوز قليلا أَلاَّ تَلحق، فتقول: أقَام إِقَاماً، وأنَاب إنَاباً، ونحو ذلك، بخلاف (التَّعْدِيَة، والتَّعْزِيَة) فإن ترك التاء شاذٌ جدا.
وفي القرآن الكريم ﴿وإِقَامِ الصَّلاَةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ 2، ومثل ذلك يُحكى عن بعض العرب.
والثاني، وهو الأظهر، أن يكون إشارته بـ (ذا) في قوله: ((وغَالِباً ذَا التَّا لِزمْ)) راجعا إلى المحذوف منه الحرف، وهو أيضاً أقربُ مذكور، فيدخل فيه (الاسْتِفْعَال، والإفْعَال) أي إن (الاستِفْعَال، والإفْعَال) معاً قد يأتيان دون تاء.
وهذا موافق لما حَكى في ((التَّسهيل (2))) وهو ظاهر سيبويه، إذ مَثَّل التعويض فقالك ((وذلك قولك: أقَمْتُه إقَامةً، واستَعَنْتُه اسْتِعانةً، وأرَيَتْهُ إراءَةً 3)).
قال: ((وإن شئتَ لم تعوِّض، وتركتَ المحذوف على الأصل 4)) ثم أتى بالآية التي فيها ﴿وإِقَامِ الصَّلاَةِ﴾ ولكن ليس هذا القليل عنده بقياس.
وقد بَيَّن ذلك في ((التصريف)) إذ قال هنالك: ((وحَذْفُها بالنَّقْلِ رُبَّمَا عَرضْ 5))

فأما مثال (الإفْعَال) فقد تقدَّم.
ومثال (الاسْتِفْعَال) اسْتَقَام اسْتِقَاماً، واسْتَدَان اسْتِداَناً، ولا أحفظه منقولاً عن العرب.
وإنما جاز حذف التاء هنا بخلاف (التَّعْزِية) ونحوه؛ لأنهم قد يأتون بالأصل فيرُّدون المحذوف، وإن كان حرف علة، كالاسْتْحِواذ والإجْوَاد ونحوهما، فرُوعيَ رَدُّهم لها للأصل، فاستخَفُّوا 1 حذف التاء.
وأما مثل (التَّعْزِية) فلم يقولوا: تعزِّياً ولا تعدِّياً، فيردُّوا المحذوف أصلا، فللك أَلزموا العِوَض.
هذا معنى تعليل سيبويه 2. و((ذَا)) في كلامه مبتدأ، خبره ((لَزِم))، و (التَّا) مفعول ((لَزِمَ))، و ((غالبا)) حال.
وبقي هنا النظر غي أمرين، أحدهما: إن رَأْي الناظم في نحو ﴿إقَامِ الصَّلاَةِ﴾ أن تكون التاء حُذفت لغير الإضافة، فإنه لا يستقيم الاستدلال بالآية إلا على ذلك.
فأمَّا إن جَعل حذفَها من باب قوله، أنشده الفراء 3:

وأَخْلَفُوكَ عِدَ الأمرِ الذي وَعَدوُا فلا يستقيم الاستشهاد بها، إذ مذهبه في (التسهيل) جواز حذف التاء للإضافة على قِلَّة 1. والثاني أنه قال هنا: ((وغَالِباً ذَا التَّا لَزِمْ)) وهذه عبارة في ظاهرها متناقضة لأن لفظ الغَلَبة يَقَتضي عدمَ اللزوم، ولفظ اللزوم ينافي الغَلبَة، ولكن الأمر في هذا قريب.
والتقدْيس: التَّطهير، من القُدُسْ، والقدس الطُّهْر.
/ وزَكَّى المالَ تَزْكَيةً، إذا أخرج زكاتَه، 477 وزَكَّى نفسَه: مدَحها، وزَكَّى أيضاً بمعنى طَهَّر، وهو الأصل في هذه المادة.
وأجْمَل الشيءَ إِجْمَالاً، إذا فَعل فيه جميلاً، وأَجْمَل في الطَّلَب إجمالاً: رَفَق واقتصد، وتجمَّل الرجُل تجمُّلاً، إذا تكلَّف فِعْلَ الجميل، واسْتَعاذ بالله اسْتِعَاذةً، وعَاذَ به، بمعنى: لَجَأ إليه.
وأَقَام بالمكان إقامةً: لَزِمَه، وأقامَ الصلاةَ أيضاً: أدامها لأوقاتها ومَا يَلِيِ الآخِرَ مُدَّ وَافْتَحَا مَعْ كِسْرِ تِلْوِ الثَّانِ مِمَّا افْتُتِحَا بهَمْزِ وَصْلٍ كاصْطَفَى وضَمَّ مَا يَرْبَعُ في أمثَالِ قَدْ تَلَمْلَمَا يَعني أن ما كان من الأفعال أولُه همزةُ وصل فإن بناء مصدره مُوَافق لبناء فِعْله إذا مُدَّ ما قبل الآخر وفُتح، وإذا كُسر ما تلا الحرفَ الثاني، وهو الحرف الثالث.

فـ (ما) في قوله: ((وما يَلِي الآخِرَ)) مفعول بـ (مُدَّ وافْتَحا) وهي واقعة على الحرف الذي قبل الآخر.
و((ما)) في قوله: ((مِمَّا افْتُتِحَا)) واقعٌ على الفعل الذي أولُه همزةُ الوصل، كأنه قال: مُدَّ وافْتَحا ما يلي الآخَر مع كسر الثالث من الفعل الذي افْتُتِح بهمزة وصل.
ولم يفيدِّ هذا الإطلاق، فدَلَّ على أنه جارٍ في الفعل الصحيح والمضاعَف والمعتل، إلا ما تقدم في (اسْتَفْعَل).
والأمثلة التي أوّلها همزة وصل اثنا عشرَ بناء (افْتَعَل، وانْفَعَلَ، واسْتَفْعَلَ، وافْعَلَل، وافْعَنْلَلَ، وافْعَنْلَى، وافْعَوَّلَ، وافْعَوْعَلَ، وافْعَلَّ، وافْعَالَّ، وافْعَوْلَلَ، وافْعَيَّلَ).
فمصدر (افتَعَلَ) على ما رسَمه الناظم (افْتِعَالٌ) لأنَّي فتحتُ العينَ ومددتُها، فكانت المَدَّةُ ألفاً، وكسرتُ التاء، فجاء منه ذلك البناء، نحو: اقْتَدَرَ اقْتِدَارً، واكْتَسَب اكتِسَاباً، واخْتَارَ اخْتِيَارً، واصْطَفَى اصْطِفَاءً، واعْتَدَّ بكذا اعْتِدَاداً.
ومصدر (انْفَعَلَ) (انْفِعَالٌ) نحو: انْطَلَقَ انْطِلاَقاً، وانْكَسَر انْكِسَاراً، وانْقادَ انْقِيَاداً، وانْحَازَ انْحِيَازاً، واطَوىَ انْطِوَاءً، وانْدَقَّ انْدِقَاقاً.
ومصدر (اسْتَفْعَلَ) (اسْتِفْعالٌ) كاسْتَكْبَر استِكْبَاراً، واستَعْطَفَ استِعْطَافاً، واسْتَدْعَى اسْتِدعَاءً، واسْتَسَقَى اسْتِسْقَاءً، واسْتَرَدَّ اسْتِردَاداً.
وأما المعتلُّ العينِ فقد تقدَّم ذكرهن وأن مصدره (اسْتِفْعَالَةٌ) كاسْتَبان اسْتِبَانَةً.

ومصدر (افْعَلَلَّ) (افْعِلاَلٌ) نحو: اطْمَأَنَّ اطْمِئْناناً، واقْشَعَّرا اقْشِعْراراُ، واشْمَأَزَّ اشْمِئْزازاً 1. وقد تقدم للناظم في هذا البناء أنه (افْعَلَلَّ) على ظاهر الأمر في (اطْمَأَنَّ) ونحوه، وأن غيره يقول فيه (افْعَلَّلَ).
وإفراد هذا البناء بـ (الافْعِلاَّل) يدل على أن (الفُعَلِّيلَة) ليس بمصدر، وهو ظاهر سيبويه 2، أي ليس بجارٍ عليه، أو هو اسم مصدر: كالطَّمأْنِيِنَة والقُشَعْرِيرة، أو هو غير قياس فلم يُلْحقه به.
ومصدر (افْعَنْلَل) (افْعِنلاَلٌ) نحو: احْرَ نْجَم احْرِ نْجَاماً، واسْحَنْكَكَ اسْحِنْكَاكاً، واقْعَنْسَسَ اقْعِنْسَاساً 3. ومصدر (افْعَنْلَى) (افْعِنْلاَءً) نحو: اسْلَنْقَى اسْلِنْقَاءً، واحْرَ نْبَى احْرِ نْبَاءً 4. ومصدر (افْعَوَّلَ) (افْعِوَّالٌ) نحو: اجْلَوَّذَ اجْلِوَّاذاً، واعْلَوَّطَ اعْلِوَّاطَّا، واخْرَوَّطَ اخْرِوَّاطاً 5.

ومصدر (افْعَوْعَلَ) (افْعِيعَالٌ) نحو: اعْشَوْشَبت/ الأرضُ اعْشِيشَاباً، واخْشَوْشَنَ 478 اخْشيشَاناً، واحْلَوْلَى احْلِيلاَءً، واذْلَوْلَى اذْلِيلاَءً 1. ومصدر (فْعَلَّ) (افْعِلاَلٌ) نحو: احْمَرَّ احْمِرَاراً، واسْوَدَّ اسْوِدَاداً، وابْيَضَّ ابْيضَاضاً.
ومصدر (افْعَالَّ) (افْعِلاَلٌ) نحو: احْمَارَّ احْمِيرَاراً، وادْهَامَّ ادْهِيمَاماً 2. ومصدر (افْعَوْلَلَ) (افْعِيلاَلٌ) نحو: اعْثَوجَجَ اعْثِجَاجاً 3، وهو نادر معدود في المستدرك على ابنية الكتاب.
ومصدر أفْعَيَّلَ) (افْعِيَّالٌ) قالوا: اهْبَيَّخَ 4، والمصدر: اهْبِيَّاخاً، وهو نادر أيضاً من المستدرك.
وإنما قال الناظم: ((مُدَّ وافْتَحَا)) ولم يكتف بقوله: ((مُدَّ)) وقد كانت الألف اللاحقة قبل الآخر يَلزم معها فتحُ ما قبلها؛ لأن المدَّ لا يُعيِّن الألفَ، إذ قد تكون واواً مضموماً ما قبلها؛ وياءً مكسوراً ما قبلها.
فلو قال:

اجْعَل ألفاً قبل الآخر لم يَحتج إلى ذكر الفتح.
وأما حين لم يَذكر إلا مجردَ المَدِّ فلابد ان يذكر الفتح ليعيِّن بذلك أن المَدَّة هي الألف وحدها؛ لأن الواو والياء لا يكونان مَدَّة وقبلهما مفتوح أصلا، فصار ذكُر الفتح معِّيناً.
فإن قيل: بل ذِكْر الفتح فضلٌ لا يُحتاج إليه، لأن إحالته على بناء الماضي يعيِّن أن ما قبل الآخرِ مفتوح، كـ (افْتَعَل، وانْفَعَلَ، واسْتَفْعَلَ، وافْعَوْلَلَ، وافْعَوْعَلَ) وغير ذلك، وإذا كان كذلك فالوجه أنْ لو اكتفى بالمد فَتَتعَيَّن الألفُ لذلك وحدها.
فالجواب أن الفتح قبل الآخرِ لا يتعيَّن من وجهين: أحدهما أن من هذه الأبنية ما يكون ما قبل آخرِه غيرَ مفتوح، كـ (افْعَلَّ، وافْعَالَّ، وافْعَلَلَّ 1) على رأيه.
وأيضاً من الأمثلة ما يَعْرِض لما قبل آخره السكونُ، إما بإدغام، كاعْتَدَّ واسْتَرَدَّ، وإما بإعلال، كانْقَاد واسْتَزَادَ، والناظم إنما أتى بضابط يَشمل جميعَ الأبنية وجميعَ الأمثلة، فلم يكن بُدٌّ من إلزام الفتح، فإن كان موجوداً في الفعل فذاك، وإلاَّ فقد شَرَطه، فكلامه صحيح، وإلزامُه الفتحَ ضروري.
ثم أتى بضابط آخر لمصادر ما أوَّلُه تاءٌ من الأفعال غير الثلاثية فقال: ((وضُمَّ ما يَرْبَعُ)) إلى آخره.
((مَا يَرْبَعُ)) هو ما يصيِّر الثلاثة أربعةً، تقول: رَبَعْتُ القومَ، إذا صَيَّرتَهم أربعةً، كما تقول: ثَلَثْهُم وخَمَسْتُهم، إذا صَيَّرْتَهم ثلاثةً وخمسةً.
و ((ما)) واقعةٌ على الحرف الرابع.
يريد أن ما كان من الأفعال مثال (تَلَمْلَمَ) أو مقارباً له، في كونه على عدد

هذه الحروف، وموازِناً له 1 في الحركات والسَّكَنات وعدد الحروف، والتاء في أوله زائدة- فالمصدر منه على وزنه إذا ضُمَّ منه الحرف الرابع.
وهذا العَقْد يحتوي على أبنية جملتها عشرة (تَفَعْلَلَ، وتَفَعْلَى، وتَفَاعَلَ، وتَفَعَّلَ، وتَمَفْعَلَ، وتَفوعَلَ، وتَفَعْولَ، وتَفَيَعْلَ، وتَفَعْنَلَ، وتَفَعْلَتَ).
فمصدر (تَفَعْلَلَ) على (تَفَعْلُلٍ) حسبما قَيَّده الناظم، نحو تَدَحْرجَ تَدَحْرُجاً، وتَسَرْبَلَ تَسَرْبُلاً، وتَجَلبَبَ تَجَلبُبُاً 2. ومصدر (تَفَعْلَى) على (تَفَعُّلٍ)، وأصله (تَفَعْلُىٌ) إلا أن اللام كُسرت لأجل الياء، فالضمة مقدرة، نحو: تَقَلْسَ تَقَلُسِياً، / وتَجَعْبَى تَجَعْبِياً 3... 479 ومصدر (تَفَاعَلَ) على (تَفَاعُلٍ) نحو: تَغَافَلَ تَغَافُلاً، وتَكَاسَلَ تَكَاسُلاً، وتَرامى تَرامِياً، وتَوَانَى تَوَانِياً.
ومصدر (تَفَعَّلَ) على (تَفَعُّلٍ) نحو: تَكَبَّر تَكَبُّراً، وتَكَسَّر تَكَسُّراً.
وكان من حقه ألاَّ يَذكر هذا البناء قبلُ، حين قال: ((وأَجْمِلاَ إجْمَالَ مَنْ تَجَمُّلاً تَجَمَّلاَ)) فإنه داخل تحت هذا الضابط فصار ذكره هنالك حشواً، ولا جواب عنه.
ومصدر (تَمَفَعْلَ) على (تَمَفْعُلٍ) نحو: تَمَسْكَنَ تَمَسْكُناً، وتَمَدْرعَ تمَدْرُعاً 4.

ومصدر (تَفوعَلَ) (التَّفَوعُلَ) نحو: تَجَوْرَب تَجَوْرُباً 1. ومصدر (تَفَعْولَ) (التَّفَعْوُلُ) نحو: تَسَهْوَكَ تَسَهْوُكاً، وتَرهْوَكَ تَرَهْوُكاً 2. ومصدر (تَفَيَعْلَ) على (تَفَيْعُلٍ) نحو: تَشِيْطَنَ تَشِيْطُناً 3. ومصدر (تَفَعْنَلَ) (تَفَعْنُلٌ) نحو: تَقَلْنَس تَقَلْنُساً 4. ومصدر (تَفَعْلَتَ) (التَّفَعْلُتُ) نحو: تَعَفَرتَ تَعَفْرُتاً 5. و(تَلَمْلَمَ) الذي مَثَّل به هو من (تَفَعْلَلَ) المذكور، والتَّلْملُم أصله الاجتماع، يقال: كَتِيبةٌ مُلَمْلَمة ومَلْمُومَة، أي مجتمعة مضمومُ بعضها إلى بعض، وصَخْرةٌ مُلَمْلَمة ومَلْمُومة، مستديرة مضمومٌ بعضُها إلى بعض.
فِعْلاَلٌ أَوْ فَعْلَلَةٌ لفَعْلَلاَ واجْعَلْ مَقِيساً ثَانِياً لاَ أَوَّلاَ يعني أن ما كان من الأفعال على (فَعْلَلَ) فإن مصدره يأتي على بناءين، أحدهما: (الفِعْلاَلُ) بكسر الفاء، نحو: دَحْرَج دِحْرَاجاً، ولم يَحفظه السِّيرافي 6، وحفظه غيره.

وسَرْهَفَ سِرهَافاً، قال 1: سَرْهَفْتُهُ ما شِئْتُ مِنْ سِرْهَافِ وزَلْزَل زِلْزالاً، وقَلْقَلَ قِلْقَالاً.
وفي التنزيل: ﴿وزُلْزِلُوا زلْزَالاً شديداً 2﴾ والثاني (الفَعْلَلَةُ) نحو: دَحْرَج دَحْرَجةً، وقَرْطَسَ قَرْطَسَةً 3، وزَلْزَلَ زَلْزَلةً، وقَلْقَلَ قَلْقَلَةً، وسَرْهَفَ سَرْهَفَةً، وعَرْقَبَ عَرْقَبَةً 4، وما أشبه ذلك.
ويَدخل بمقتضى المثال ما كان مزيداً بالتَّضعيف، نحو: جَلْبَبَ جَلْبَبَةً، وشَمْلَلَ شَمْلَلَةً 5. ويَبْقَى عليه ما أُلحق بـ (دَحْرَجَ) بغير تضعيف، بل بحروف (سألتمونيها) فلم يَنُصَّ على قياس مصدره، وكان من حقه ذلك؛ إذ لا يَدخل له تحت بناء الفعل الذي أَتى به، وهو (فَعْلَلَ).
والأمثلة الملحَقة بـ (فَعْلَلَ): (فَوْعَلَ) نحو: صَوْمَعَ، وحَوْقَلَ 6. و (فَيْعَلَ) نحو: بَيْطَرَ وهَيْنَمَ 7، و

(فَعُوَلَ) نحو: جَهْوَرَ، وهَرْوَلَ 1، و (فَعْلَى) نحو: سَلْقَى وجَعْبَى 2، و (فَعْنَلَ) نحو: قَلْنَسَ، [و (يَفْعَلَ) نحو: يَرْنَأَ لحيتَه 3، و (فَعْنَلَ) نحو: سَنْبَل الزرعُ، ودَنْقَعَ 4. وجميعها جارٍ في المصدر مجرى (دَحْرَجَ) فنقول: صَوْمَعَ صَوْمَعَةً، وَبيْطَرَ بَيْطَرَةً، وَجَهْوَرَ جَهْوَرَةً، وسَلْقَى سَلْقَاةً، وفَلْنَسَ 5] قَلْنَسَةً، وبرْنَأَ بَرْنَاةً: وسَنْبَلَ سَنْبَلَةً.
وإنما ترك ذكرها لجرَيانها في الأحكام مجرى (دَحْرَجَ)، فكان ما زِيدت فيه الياءُ أو الواوُ بمنزلة المعتلِّ الفاءِ أو اللامِ أو العينِ.
وهذان البناءان، وهما (الفِعْلاَلُ، والفَعْلَلَةُ) ليسا في (فَعْلَلَ) بمنزلة واحدة، بل أحدهما قياسً، والآخر غيرُ قياسُ، ولكنه كَثُر، فخاف أن يُتَوهَم أنهما معاً قياس فقال: ((واجْعَلْ قَيَاساً ثَانِياً لاَ اَوَّلاَ)) يعني أن ثاني البناءين هو المَقيس، وهو (الفَعْلَلَة) لا طِّراده في كل بناء من الرباعي، مُلْحَقاً وغيرَ ملحق، وأما (الفِعْلاَل) فلا.
ولذلك لا تجده في الملحَق إلا نادرا، فلا تقول: جَهْوَر جِهْوَاراً، ولا بَيْطَرَ بِيطَاراً، ولا ما أشبهه.

وقد قالوا: حَوْقَلَ الرجلُ حَوْقَلَةً وحِيقَالاً، وأنشدوا 1: /... 480 يا قَوْمُ قد حَوْقَلْتُ أو دَنَوْتُ وبَعْدَ حِيقالِ الرِّجالِ الْمَوْتُ قال سيبويه في باب مصادر الأربعة 2: ((فاللازم لها الذي لا ينكسر عليه ان يَجئ على مثال (فَعْلَلَة) وكذلك كلُّ شيء ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة 3)) ثم قال: ((وقالوا: (زَلْزَلْتُه زِلْزَالاً) وقَلْقَلْتُه قِاقَالاً، وسَرْهَفْتُه سِرْهَافاً (3))) فجَعل (الفِعْلاَل) داخلاً على (الفَعْلَلَة) ومُنْكَسِرا، بخلاف (الفَعْلَلة).
ثم قال: لِفَاعَلَ الفِعَالُ والمُفَاعَلَهْ وغَيْرُ ما مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ يعني أن (فَاعَلَ) والأفعال المزيدة له من أبنية المصادر بناءان، أحدهما (الفِعَالُ) بكسر الفاء وتخفيف العين، نحو: قَاتَل قِتَالاً، وضَارَب ضِراَباً، وجَادَلَ جِدَالاً، وحَارَب حِرَاباً.
وكذلك المعتلَّ، نحو: مَارَى مِرَاءً، وزَانَى زِنَاءً، وعَادَى عِدَاءً 4.

والثاني (المُفَاعَلَةُ) نحو: جَالَسْتُه مُجَالَسَةً، وجَالَدْتُه مَجَالَدَةً، ومارَيْتُه مُمَارَاةً، وعَانَيْتُه مُعانَاةً، وعَايَنْتُه مُعَاينةً، وذلك كثير.
وفي جَعْله البناءين معاً قياساً مطَّرِداً نظرٌ، فإن القياس إنما هو (المُفَاعَلة) خاصة، وأما (الفِعَال) فلا.
قال سيبويه: ((وأما (فَاعَلْتُ) فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبداً (مُفَاعَلَةٌ))) 1 وأتى بالمُثُل.
ثم قال: ((وقد قالوا: مَارَيْتُه مِراءً، وقاتَلْتُه قِتَالاً)) (1). قال: ((وجاء (فِعَالٌ) على (فَاعَلْتُ) كثيرا)) (1). انتهى.
ولم يَجْعل (فِعَالاً) قياساً وإن كَثُر عنده، ولأنهُ منْكَسِر غير مُطَّرد، فالظاهر أن هذين البناءين كالبناءين المتقدِّمين في (فَعْلَلَ) أحدهما قياس، والآخر ليس بقياس.
وقال السِّيرافي: ((اللازمُ عند سيبويه (المُفَاعَلَة) وقد يَدَعون (الفِعَال) و (الفِيعَال) لم يقولوا: جِلاَسَا، ولا جِيلاَساً في (جَالَسْتُه) ولا في (قَاعَدْتُه): قِعَاداً ولا قِيعاداً بالياء 2)).
فيلزم على رأي الناظم أن يقول: في (قَاعَدْتُه): قِعَاداً، وفي (جَالَسْتُه): جِلاَسَا، وفي (كالَمْتُه): كِلاَماً، ورَاوَدْتُه رِوَاداً، ونحو ذلك.
وإلى ما ظهر هنا ذهب في (التسهيل) فقال: ((ومصدر (فَاعَلَ) مُفَاعَلَة وفِعَال 3)).
وأيضاً فإن الناظم إذا سَلَّمنا له القياسَ فذلك فيما لم تعتلَّ فاؤه بالياء، فإن (الفِعَال) فيه نادر، قالوا: يَاوَمْتُه مُيَاومَةً ويِوَاماً 4، فكان من حقه أن

يَستثنى ما فاؤه ياء، وإلا لزم ان يُقاس على مذهبه ما كان مثل (يَاوَمْتُه) فيقال: يَاسَرْتُه يِسَاراً، ويَامَنْتُه يِمَاناً، ويَاءَسْتُه يِأساً، 1 وما أشبه ذلك، وليس كذلك، فهذا مُشْكل.
والجواب عن الأول أن يُلْتَزم مقتضى ذلك الظاهر، من إجراء القياس في (الفِعَال).
وليس في كلام سيبويه ما يَدفع القياس، وإنما جَعل (المُفَاعَلة) لا تَنْكَسِر، وجَعل (الفِعَال) كثيرا في الكلام قد يَنْكسر، لقوله: ((وجاء (فِعَالٌ) على (فَاعَلْتُ) كثيرا 2)) وذلك قال السِّيرافي: ((وقد يَدَعُون (الفِعَال 3)).
وهذا يُشعر بأن (الفِعَال) غالبٌ في (فَاعَلَ) وذلك يكفي في القياس، كالفِعْل والمفعول في فِعْل المتقدم.
وعن الثاني بأن ما فاؤه ياء قليل في اللغة/ وبناءُ (فَاعَلَ) من فِعْله قليلٌ في ذلك 481 القليل، و (الفِعَال) ليس بلازم في (فَاعَل) لا سيما وهو يُؤَدِّي إلى كَسْر الياء، وياءٌ مكسورة في أول الكلمة نادرٌ، فلهذا كله لم يَسْتَثنه الناظم، ولم يَعْبأ به.
ثم نَبَّه على ما خرج من أبنية المصادر عن القياس في هذا الفصل بقوله: ((وغَيْرُ ما مَرَّ السَّمَاعُ عَاد لَهْ)).
معنى ((عَادَلَهُ)) كان له عَدِيلاً ونَظِيراً في أنه لا يُقْدَم عليه إلا بالنَّقْل، ولا مجال للقياس فيه.
وأصله من قولهم: عَادَلْتُ كذا بكذا، أي وَازَنْتُه به، وجعلته عَديلاً، والعَدِيل هو الذي يُعَادِلُك في الوزن والقَدْر، ومنه سُمِّي العِدْلُ عِدْلاً 4، لأنه يُعادل أخاه، فيريد أنك لا تُعَادِلْ غيرَ ما مَرَّ بالقياس،

وإنما تُعادله بالسَّماع، أي لا تقَيسُ على غير ما مَرَّ، وإنما تَقْبله من حيث النَّقل في محله المنقول فيه.
فأما (فَعَّلَ) الصحيح اللام فقد جاء فيه (التَّفْعِلَة) قليلا، قالوا: كَرَّمْتُه تَكْرِمَةً، وعَظَّمْتُه تَعْظِمَةً، وألفاظ من ذلك قليلة لا يُقاس على مثلها.
و(التَّفْعِيلُ) في المعتلِّ اللامِ شاذٌ، قالوا: نَزَّى تَنْزِياً، أنشد البَكْريُّ وغيره، والبيت من المجاهيل 1: بَاتَ يُنَزِّي دَلْوهُ تَنْزِيَّا كما تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا وعلى أن السِّيرافي في كلامه ما يُشعر بجواز الوجهين في الصحيح، إذْ نَصَّ على أنه يقال: كَرَّمتُه تَكْرِمةً وتكريماً، وعَظَّمتُه تَعْظِمَةً وتَعْظيماً، قال: والباب التَّفعْيل 2)) انتهى.
وهو محتمل؛ فقد نَبَّه في (التَّسْهيل) على قلة (التَّفْعِلَة) فيه 3، وهو موافق لما هنا.
وندر في مصدر (فَعَّلَ) (الفِعَّالُ) بالتشديد، قالوا: كَذَّبْتُه كَذَّاباً، وفي القرآن: ﴿وكَذَّبُوا بآيَاتِنَا كِذَّاباً 4﴾ وقالوا: كَلَّمْتُه كِلاَّماً، وحَمَّلْتُه حِمَّالاً، وهو غير مقيس.

جارٍ التحميل