وَلَا يَقُولُ: ارْجِعْ
قال: (ولا يقول: ارجع)؛ لأن في ذلك إبطالًا لإقامه الحدود التي أمر الله بها.
وفي جواز التعرض للشهود بالتوقف وجهان:
أحدهما: لا يستجيب, وصححه في (البحر).
والثاني: يستجيب, لعموم الأمر بالستر.
وصحح المصنف: أنه إن رأي المصلحه في الستر .. ستر, وإلا .. فلا.
فرع:
يصح العفو عن القطع قبل علم الإمام, لقوله صل الله عليه وسلم في خبر صفوان بن أميه: (هلا كان قبل أن تأتيني به) رواه الشافعي [1/ 335] ومالك [2/ 834] وأبو داوود [4394] والنسائي [8/ 69] وابن ماجه [2595] والبيهقي [8/ 265] والحاكم [4/ 380] وقال: صحيح الإسناد.
وروي: أن الزبير شفع في سارق فقيل له: حتى يبلغ الإمام, فقال: (إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع كما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم))
وروي: أن معاويه بن أبي سفيان أتي بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقال [من الطويل]:
يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقي نكالًا يشينها
يدي كانت الحسنى فلو تم سترها ... وإن تعدم الحسناء عونًا تعينها
فلا خير في الدنيا وكانت خبيثه ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فقال معاويه: (كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟!) فقالت أم السارق:
يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تستغفر الله منها, فخلى سبيله, فكان أول حد ترك في الإسلام).
وَلَوْ أَقَرَّ بِلَا دَعْوَى أَنَّه سَرَقَ مَالَ زَيْدٍ الغَائِبِ .. لَمْ يُقْطَعْ فِي الْحَالِ، بَلْ يُنْتَظَرُ حُضُورُه فِي الأَصَحِّ،
وسيأتي حكم الشفاعه في الحدود في تتمه (حد الخمر).
قال: (ولو أقر بلا دعوى أنه سرق مال زيد الغائب .. لم يقطع في الحال, بل ينتظر حضوره في الأصح) أي: ومطالبته, لأنه ربما حضر وذكر: أنه كان أباحه له فيسقط الحد وإن كذبه السارق لأجل الشبهه.
والثاني: يقطع في الحال, لظهور الموجب للقطع, فأشبه ما إذا أقر: أنه زنى بفلانه, فإنه لا يشترط حضورها.
وفي (سنن ابن ماجه) [2588] بسند فيه ابن لهيعه: أن عمرو بن سمره أخا عبد الرحمن بن سمره أتى النبي صل الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إني سرقت جملًا لبني فلان, فأرسل إليهم, فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا, فأمر بقطع يده, فقطعت, فحين وقعت الأرض قال: (الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار).
فإن قلنا: لا تقطع في الحال .. ففي حبسه إلي حضور المالك أوجه:
أحدها: يحبس إلي أن يقدم, كمن عليه قصاص لغائب أو صبي, وصححه في (الكفايه).
والثاني: لا.
والثالث: إن قصرت المسافه ورجي حضوره عن قرب .. حبس, وإلا .. فلا.
والرابع: إن كانت العين تالفه .. حبس ليغرم, وإن كانت باقيه .. أخذت منه ولم يحبس مطلقًا, ثم إن قربت المسافه .. حبس, أو بعدت .. فلا.
والخامس: إن كانت العين باقيه .. وأخذت منه ولم يحبس مطلقًا, وقال القاضي: إنه المذهب.
أَوْ أَنَّه أَكْرَه أَمَه عَلَى الزِّنَا .. حُدَّ فِي الحَالِ فِي الأصَحِّ.
ويَثْبُتُ بِشَهادَه رَجُلَيْنِ, فَلَوْ شَهدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. ثَبَتَ المَالُ وَلَا قَطْعَ، وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهدِ شُرُوطَ السَّرِقَه
ولو أقر بغصب مال من غائب .. لم يحسبه الحاكم عليه, لأنه لا مطالبه له بمال الغائب إلا أن يموت وله ورثه أطفال, وهل للحاكم انتزاعه منه؟ فيه خلاف تقدم في بابه.
ولو سرق مال صبي أو مجنون .. قال ابن كج: إن انتظرنا حضور الغائب .. انتظر بلوغه وإفاقته, وإلا .. قطعناه في الحال.
قال: (أو أنه أكره أمه غائب علي الزنا .. حد في الحال في الأصح)؛ لأن حد لا يتوقف علي الطلب.
وقال ابن سريج وغيره: ينتظر حضور المالك؛ لاحتمال أن يقر: أنه كان وقفها عليه, فتصير شبهه مسقطه.
قال: (ويثبت) أي: القطع (بشهاده رجلين) كسائر العقوبات غير الزنا, فإنه خص بمزيد عدد لفحش أمره.
قال: (فلو شهد رجل وامرأتان .. ثبت المال ولا قطع) , كما لو علق الطلاق أو العتق علي غصب أو سرقه
العسقلاني رحمه الله ما لفظه: (هذه حكايه مختلقه ما أشك أنها من وضع الروافض، ينبغي تبرئه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها) أهـ كلامه جزاه الله خيرًا
فشهد رجل وامرأتان علي الغصب أو السرقه .. ثبت المال دون الطلاق والعتق, كذا نظره الرافعي هنا, وذكر فيه تفصيلًا في (الشهادات).
وقيل: في ثبوت المال قولان, وهذا بخلاف ما إذا شهدوا بالقتل العمد, فإنه لا يثبت القصاص ولا الديه, وكذلك الحكم لو أقام المدعي شاهدًا واحدًا وحلف معه.
قال: (ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقه) , فلا تقبل شهادته مطلقًا , لاختلاف المذاهب فيها, وفي شروط تعلق القطع بها: فلا بد وأن يبين السارق بالإشاره إلي عينه إن كان حاضرًا, ويذكر اسمه ونسبه بحيث يحصل التمييز إن كان غائبًا, ويكفي عند حضوره أن يقول: سرق هذا.
وعن ابن سريج: يشترط أن يقول: هذا بعينه, وليس بشيء.
وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهدانِ كَقَوْلِه: سَرَقَ بُكْرَه, وَالآخَرِ: عَشِيَّه .. فَبَاطِلَه.
وَعَلَي السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ,
ويجب أن يبين قدر المسروق والمسروق منه وكون السرقه في الحرز.
وعن القاضي أبي الطيب وغيره: أن الشاهد يقول أيضًا: ولا أعلم له فيه شبهه.
وقال صاحب (الشامل) وذكر هذا تأكيد, لأن الأصل عدم الشبهه.
وقد تقدم في (باب الرده) عد المواضع التي لا تسمع فيها البينه إلا مفصله.
قال: (ولو اختلف شاهدان كقوله: سرق بكره, والآخر: عشيه .. فباطله)؛ لأنها شهاده علي فعل لم يتفقا عليه.
وكذا لو قال أحدهما: كبشًا أبيض, وقال الآخر: أسود .. فهما شهادتان علي شيئين مختلفين وبطلانها بالنسبه إلي القطع, وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما ويأخذ الغرم, أو معهما ويأخذ غرم ما شهدا به, وهذا يؤخذ من قول (المحرر) لم يثبت بشهادتهما شيء, وهو أولى من تعبير المصنف بـ (البطلان).
ولو شهد واحد بسرقه كبش وآخر بسرقه كبشين .. ثبت الواحد وتعلق به القطع إن بلغ نصابًا.
وكما يشترط التفصيل في الشهاده يشترط في الإقرار بها, فلا يقطع من أقر بالسرقه مطلقًا, لأنه قد يظن غير السرقه سرقه, واسم السرقه يقع علي ما يقطع به وعلى غيره.
قال: (وعلي السارق رد ما سرق) , ففي الحديث الصحيح: (علي اليد ما أخذت حتى تؤديه) , وبمذهبنا قال أحمد.
وقال أبو حنيفه: إن قطع .. لم يغرم, وإن غرم .. لم يقطع.
وقال مالك: إن كان غنيًا .. ضمن, وإلا .. فلا.
لنا: أن القطع لله والغرم للآدمي فلا يمنع أحدهما الآخر.
وكذا إن كان للمسروق منفعه استوفاها أو عطلها .. وجبت أجرتها كالمغصوب, ولو أعاد المال المسروق إلي الحرز .. لم يسقط القطع ولا الضمان عنه.
فَإِنْ تَلِفَ .. ضَمِنَه وَتُقْطَعُ يَمِينُه, فإن سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِها .. فَرِجْلُه اليُسْرَى,
وقال أبو حنيفه: يسقطان.
وعن مالك: لا ضمان ويقطع, كذا في (البحر) , ولو قيل بعكس هذا .. لكان مذهبًا لدرء الحدود بالشبهات.
قال: (فإن تلف .. ضمنه)؛ جبرًا لما فات.
قال: (وتقطع يمينه) بالإجماع وإن كان أعسر.
وقرأ ابن مسعود: (والسارق والسارقه فاقطعوا أيمانهما) , والقراءه الشاذه لخبر الواحد في وجوب العمل, كما جزم به الرافعي والشيخ أبو حامد والقضاه: أبو الطيب والحسين والماوردي والمَحاملي, ونص عليه في موضعين من (البويطي).
وقال إمام الحرمين: الظاهر من مذهب الشافعي: أنه لا يحتج بها, فقلده في ذلك المصنف فجزم به في (شرح المسلم) في قوله: (شغلونا عن الصلاه الوسطى صلاه العصر) وفي غيره, والصواب: الأول.
وأورد الإمام في (البرهان) علي الحنفيه أنهم يقولون: القراءه الشاذه يعمل بها, وعندهم العدل إذا انفرد في الحديث بزياده لا يقبل خبره, مثل: (علي كل حر وعبد من المسلمين) , ولا شك أن القراءه الشاذه راويها عدل انفرد, فينبغي أن لا تقبل كغيره.
والحكمه في قطع اليمين: أن البطش بها أقوى فكانت البداءه بها أردع.
وفي (معجم الطبراني) [طب 18/ 299]: (أن النبي صل الله عليه وسلم أتي بسارق فقطع يمينه) , وكذا فعله الخلفاء الراشدون.
وظاهر قوله: (وتقطع يمينه) أن الإمام لو وكله في قطعها فباشر ذلك من نفسه .. لا يقع الموقع , وهو كذلك كما صرح به الرافعي في (الوكاله).
قال: (فإن سرق ثانيًا بعد قطعها .. فرجله اليسري)) , لما روي الشافعي: أن
وَثَالَثًا .. يَدَه اليَسْرَى, وَرَابِعًا .. رِجْلُه اليُمْنَى, وَبَعْدَ ذَلِكَ .. يُعَزَّرُ
النبي صل الله عليه وسلم قال في السارق: (أن سرق .. فاقطعوا يده, ثم إن سرق .. فاقطعوا رجله) , وكذا فعله أبو بكر وعمر ولا مخالف لهما.
وإنما يقطع بعد اندمال اليد لئلا يفضي التوالي إلي الهلاك, وخالف موالاتهما في الحرابه, لأن قطعهما ثم حد واحد.
قال: (وثالثًا.
ويده اليسرى, ورابعًا .. رجله اليمني)) , للخبر المذكور.
قال القفال: والمعني في هذا الترتيب: أن اعتماد السارق في السرقه علي البطش والمشي, فإنه بيده يأخذ وبرجله ينقل فتعلق القطع بهما, وإنما قطع في الثالثه, لأن اعتماد السرقه علي البطش والمشي, ولم يكن بد من تفويت أحد جنسي المنفعه فقدم الأهم قياسًا علي المحاربه, فإن الرجل اليسرى تقطع بعد اليد اليمني, لأن السرقه مرتين تعدل الحرابه شرعًا.
وقال أبو حنيفه وأحمد: إن سرق ثالثًا .. لم يقطع.
بل يعزر.
لنا: ما سبق.
قال: (وبعد ذلك .. يعزر) , لأن القطع ثبت بالكتاب والسنه ولم يثبت بعد ذلك شيء, والسرقه معصيه فتعين التعزيز.
وَيُغْمَسُ مَحَلُّ قَطْعِه بِزَيْتٍ أَوْ دُهن مَغْلِيٍّ,
وعن القديم قول: إنه يقتل بعد الرابعه, لما روي الأربعه) عن جابر قال: جيء بسارق إلي رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: (اقتلوه) قالوا: إنما سرق! قال: (اقطعوه) , ثم جيء به ثانيًا فقال: (اقتلوه) قالوا: إنما سرق! قال (اقطعوه)، ثم جيء به ثالثه، , فأمر بقتله, فقالوا: إنما سرق! فقال: (اقطعوه) , ثم جئ به بعد الرابعه, فأمر بقتله, فقتلوه.
والجواب: أنه ضعيف, وانعقد الاجتماع علي خلافه, وعلى تقدير صحته أجيب عنه بأنه منسوخ, وقيل: مؤول بالمستحل.
قال: (ويغمس محل قطعه بزيت أو دهن مغلي) لينقطع الدم, لأنه لو استمر .. هلك.
وفي (المستدرك) [4/ 381] عن أبي هريره: أن النبي صل الله عليه وسلم أتى بسارق شمله, فقالوا: يا رسول الله؛ إن هذا سرق, فقال: (ما أخاله سرق) فقال السارق: بلى يا رسول الله, فقال صل الله عليه وسلم: (اذهبوا به فاقطعوا يده واغمسوه بزيت).
والمعنى فيه: سد أفواه العروق لينقطع الدم.
وقوله: (بزيت أو دهن) يقتضي امتناعه بغيرهما, لكن الشافعي في (الأم) اقتصر علي الحسم بالنار, وكذلك الشيخ أبو محمد والماوردي في (الإقناع) وابن سراقه.
وقال الشاشي: بالزيت أو النار.
وفصل الماوردي في (الحاوي) , فجعل الزيت للحضري والنار للبدوي؛ لأنها عادتهم.
وقوله: (مغلي) بفتح الميم, من أغليت, يقال: غلت القدر تغلي غليًا وغليانًا وأغليتها أنا, ولا يقال: غليت كما تقدم في (صلاه الجمعه).
قِيلَ: هوَ تَتِمَّه لِلْحَدِّ, وَالأَصَحُّ: أَنَّه حَقٌ لِلْمَقْطُوعِ؛ فَمُؤْنَتُه عَلَيْه, وَلِلإِمَامِ إهمَالُه
قال: (قيل: هو تتمه للحد) , فيجب علي الإمام فعله, ومؤنته في بيت المال) , لأن فيه زياده إيلام, وما زال الولاه يفعلونه على كراهه من المقطوعين.
ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصًا.
قال: (والأصح: أنه حق للمقطوع؛ فمؤنته عليه, وللإمام إهماله)؛ لأن الغرض المعالجه ودفع الهلاك عنه بنزف الدم.
وما صححه من وجوب المؤنه عليه محله: إذا لم ينصب الإمام من يقيم الحدود ويرزقه من المصالح, فإن فعل ذلك .. لم يجب علي المقطوع, وهذه المسأله مكرره, لأنه سبق من المصنف في (باب القصاص) أن أجره الجلاد علي الجاني.
فرع:
إذا أريد قطع يد السارق سيق إلى موضع القطع من غير عنف ولا سب ولا تعيير, ويجلس إن أمكن, وتخلع يده بحبل وتجر بعنف, ثم تقطع بحديده ماضيه دفعه واحده.
ويستحب أن تعلق في عنقه تنكيلًا, لأن النبي صل الله عليه وسلم أمر بذلك, رواه أبو داوود [4411] والنسائي [8/ 92] وابن ماجه [2587] , وحسنه الترمذي [1447].
وَتُقْطَعُ الْيَدُ مِنَ الكُوعِ, والرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ القَدَمِ
وقيل: تعلق ثلاثه أيام, وقيل: لا تعلق, والخبر ضعيف, لأن في إسناده الحجاج بن أرطاه, وقيل: الأمر فيه إلي رأي الإمام.
ولا يقطع في حر ولا برد شديدين, ولا الحامل حتى تضع وتبرأ من النفاس, ولا في مرض يرجى برؤه.
قال: (وتقطع اليد من الكوع) بالإجماع.
وفي (الدارقطني) [3/ 204]: أن النبي صل الله عليه وسلم أمر بذلك في سارق رداء صفوان.
وروي البيهقي عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع).
وروي البخاري عن علي: أنه قطع منه.
والمعنى فيه: أن البطش بالكف, وما زاد من الذراع تابع, ولهذا يجب في الكف ديه اليد.
وعن بعض السلف: تقطع من الأصابع, لأن اليد تطلق عليها, قال تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هاذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾
وإنما يكتب بالأصابع.
والجواب: أن الكتابه تكون بالقلم, ولو كان المراد ما باشرته .. لكانت ثلاثه أصابع.
واستدلوا أيضا بما في (البخاري) عن ابن عباس [5456]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أكل أحدكم طعامًا .. فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها).
وقال الخوارج: تقطع اليد من المنكب, لأنها حقيقه في ذلك.
و (الكوع) تقدم بيانه في (الديات).
قال: (والرجل من مفصل القدم) , لما رواه سعيد بن منصور وابن المنذر عن
وَمَنْ سَرَقَ مِرَارًا بِلَا قَطْعٍ .. كَفَتْ يَمِينُه وَإِنْ نَقَصَتْ أَرْبَعَ أَصَابعَ.
قَلْتُ: وَكَذَا لَوْ ذَهبَتِ الخَمْسُ فِي الأَصَحِّ, وَالله أَعْلَمُ.
وَتُقْطَعُ يَدٌ زَائِدَه إِصْبَعًا فِي الأَصَحْ,
عمر: أنه كان يقطع رجل السارق من المفصل.
وعن أبي ثور: تقطع من معقد الشراك, وهو مذهب علي.
و (المفصل) تقدم: أنه بفتح الميم وكسر الصاد, واحد مفاصل الأعضاء.
قال: (ومن سرق مرارًا بلا قطع .. كفت يمينه) , لأن السبب واحد فتداخلت لحصول الحكمه, وهو الزجر, وقياسًا على حد الزنا والشرب مرارًا.
فإن قيل: إذا لبس في الإحرام أو تطيب في مجالس .. تعددت الكفاره على الصحيح مع أن السبب واحد؟ .. فالجواب: أن في ذلك حقًا لآدمي, لأن الكفاره تصرف إليه فلم تتداخل, بخلاف الحد.
قال: (وإن نقصت أربع أصابع) فيكتفي بها, لحصول الإيلام والتنكيل, ولإطلاق اسم اليد عليها مع نقص أصابعها كما تطلق عليها مع زيادتها, فشملها عموم الآيه.
ومقتضى كلام المصنف: أنه لا خلاف في ذلك, وليس كذلك, ففي (شرح الكفايه) للصيمري: إن ذهب أكثر الأصابع .. قطعت رجله اليسرى.
وحكى الرافعي عن القاضي أبي حامد: أن يمينه إن نقصت الإبهام .. لم تجزئ.
قال: (قلت: وكذا لو ذهبت الخمس في الأصح والله أعلم) , لما ذكرناه, وهذا الذي صححه الأكثرون, ورواه الحارث بن شريح البقال.
والثاني: لا يكفي, بل تقطع الرجل اليسرى, لأن اليد عباره عما يبطش ولم يبق من آله البطش شيء, وهو محكي عن النص, فكان ينبغي أن يعبر بـ (الأظهر).
ويجري الخلاف فيما لو سقط بعض الكف وبقي محل القطع.
قال: (وتقطع يد زائده إصبعا في الأصح)؛ لإطلاق الآيه, فإن اسم اليد يتناولها, ولا يشبه القصاص؛ فإنه مبني علي المساواه, والمقصود هنا الزجر والتنكيل.
وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُه بِآفَه .. سَقَطَ القَطْعُ, أَوْ يَسَارُه .. فَلَا عَلَى المَذْهبِ
والثاني: لا تقطع, كما لا تقطع في القصاص ست أصابع بخمس.
فعلى هذا: تقطع الرجل اليسرى.
قال: (ولو سرق فسقطت يمينه بآفه) أي: أو بجنايه) .. سقط القطع)؛ لأنه تعلق بعينها وقد زالت.
وقيل: يعدل إلى الرجل, كما لو فات محل القصاص, وكذا لو شلت يده بعد السرقه وخشي من قطعها تلف النفس .. فهو كما لو سقطت.
وقوله: (بآفه) يقتضي: أنها لو سقطت بقصاص أو غيره .. لم يسقط ويعدل إلي الرجل, وليس كذلك, بل لا فرق, قاله القاضي حسين والبغوي والروياني.
قال: (أو يساره .. فلا علي المذهب) , لوجود اليمين, وهي محل القطع.
وعن أبي إسحاق: أن القطع يسقط في اليمين علي قول كما في مسأله الجلاد, قال الرافعي: وضعفه كل من نقله.
تتمه:
لو كان علي معصمه كفان ولم تتميز الأصليه منهما .. فالمنقول: أنهما تقطعان.
وعن البغوي: تقطع إحداهما, واستحسنه الرافعي, وجزم به في (التحقيق) , وصوبه ف ي (شرح المهذب) , وصححه ابن الصلاح.
وعلى هذا: لو سرق ثانيًا .. قطعت الثانيه.
لكن يشكل على المصنف: أنه صحح في الخنثى المشكل كما سبق في موضعه:
أنه لا يختن في أحد فرجيه, معللًا بأن الجرح مع الإشكال ممتنع.
ولو قيل بإجراء وجه ثالث: أنه لا تقطع واحده منهما .. لم يبعد؛ لأن الزائده لا يجوز قطعها وقد التبست بالأصليه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاتمه
روى أحمد [6/ 45] وأبو داوود [1492] عن عطاء عن عائشه: أن النبي صل الله عليه وسلم قال لها وقد دعت عليى سارق سرق لها ملحفه: (لا تسبخي عنه بدعائك عليه).
ومعناه: لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقه.
قال الخطابي: ومن هذا سبائخ القطن, وهي القطع المتطايره عند الندف, وقال الشاعر:
فسَبخ عليك الهم واعلم بأنه ... إذا قدر الرحمن شيئًا فكائن
وهذا يدل على أن الظالم يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه, ويدل له ما رواه أحمد في (كتاب الزهد) عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمه, فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه.
وفي (الترمزي) [3552] عن عائشه: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (من دعا على من ظلمه .. فقد انتصر).
وفي (كتاب اللطائف) للقاضي أبي يوسف: أن امرأه من بني إسرائيل كانت صوامه قوامه سرقت لها امرأه دجاجه, فنبت ريش الدجاجه في وجه السارقه وعجزوا عن إزالته عن وجهها, فسألوا عن ذلك بعض علمائهم فقال: لا يول هذا الريش إلا بدعائها عليها, قال: فأتتها عجوز فذكرتها بدجاجتها, فلم تزل بها إلى أن دعت علي سارقتها دعوه, فسقطت من وجهها ريشه, فلم تزل تكرر ذلك إلي أن سقط جميع الريش.
فإن قيل: مدح الله المنتصر من البغي, ومدح العافي عن الجرم؟ .. قال ابن العربي: فالجواب: أن الأول محمول على ما إذا كان الباغي وقحًا ذا جرأه وفجور, والثاني على من وقع منه ذلك نادرًا, فتقال عثرته بالعفو عنه.
وقال الواحدي: إن كان الانتصار لأجل الدين .. فهو المحمود, وإن كان لأجل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النفس.
فهو مباح لا يحمد عليه.
واختلف العلماء في التحليل من الظلامه علي ثلاثه أقوال:
فكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا عرض ولا مال.
وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما.
ورأى مالك التحليل في العرض دون المال.
باب قاطع الطريق
باب قاطع الطريق
سمي بذلك؛ لامتناع الناس من المرور خوفًا منه.
وجمعه: قطاع وقطع, كحائض وحيض.
و (الطريق) تذكر وتؤنث.
والأصل في الباب: قوله تعالي:
﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُولَه وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآيه.
قال عامه الفقهاء: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وغيرهم).
وفي (سنن أبي داوود) [4369]: أنها نزلت في العرنيين, وحديثهم في) الصحيحين).
وفي (النسائي) [7/ 101]: أنها نزلت في المحاربين من الكفار لأن محاربه الله والرسول إنما تكون منهم, والأول أصح, لقوله تعالي:
﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْه﴾
ولو كان المراد: الكفار .. لم يسقط عنهم القتل وإن تابوا بعد القدره, والمحاربه لله ولرسوله قد تكون من المسلمين, وقال تعالى:
﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِه﴾ , وقال صل الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ﴿من آذي لي وليًا .. فقد آذنته بالمحاربه﴾
هوَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ لَه شَوْكَه،
وانعقد الاجتماع علي أصل حدهم.
قال: (هو مسلم مكلف له شوكه) , فالكفار ليس لهم حكم قطاع الطريق وإن أخافوا السبيل وتعرضوا للأنفس والأموال, عملًا بمقتضي سبب نزول الآيه.
والمراهقون لا عقوبه عليهم, لكن يضمنون المال والنفس كما في غير قطع الطريق.
و (الشوكه) شده اليأس والنجده.
والمراد هنا: أن يعتمدوا العدد والقوه وشهر السلاح, ويستوي فيه السيف والدبوس والقوس والعصا, قال البندنيجي: وكذا الحجاره, قال القاضي حسين: ويكفي اللكم واللطم باليد من القوي.
وما ذكره من اشتراط الإسلام تبع فيه (المحرر) , ومقتضاه: أن أهل الذمه لا يكونون قطاعًا, وجرى عليه في (الكفايه) , وأغرب فنقله عن الأصحاب, وهو لا يعرف لغير الرافعي, والصواب: أن حكمهم حكم المسلمين في ذلك, لالتزامهم الأحكام؛ فقد نص الشافعي عليه في (الأم) صريحًا, وحكاه عنه ابن المنذر في (الأشراف) , فالصواب: التعبير بالتزام الأحكام ليخرج الحربي, وكذا المعاهد في الأصح, فإنهما لا يضمنان نفسًا ولا مالًا.
لَا مُخْتَلِسُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِآخِرِ قَافِلَه يَعْتَمِدُونَ الْهرَبَ.
وَالَّذِينَ يَغْلِبُونَ شِرْ ذِمَه بِقُوَّتِهمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهمْ، لَا لشقَافِلَه عَظِيمَه، وَحَيْثُ يَلْحَقُ غَوْثٌ فَلَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَفَقَدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ أَوْ لِضَعْفٍ، ......
وكان ينبغي أن يستثني السكران من (المكلف) علي رأيه كما فعل في (الطلاق) وغيره؛ فإن له حكم القاطع وليس بمكلف عنده.
وفهم من عبارته: أنه لا يشترط في قاطع الطريق الذكوره, وهو كذلك, فلو اجتمع نسوه لهن قوه وشوكه .. فهن قاطعات طريق, قال الشافعي: لأني وجدت الأحكام علي الرجال والنساء في الحدود واحده.
وقال أبو حنيفه: لا حد علي المرأه, ويلزمها القصاص بالقتل وضمان المال.
وكذلك لا يشترط شهر السلاح ولا العدد, بل الواحد إذا كان له فضل قوه يغلب بها الجماعه .. فهو قاطع طريق.
قال: (لا مختلسون يتعرضون لآخر قافله يعتمدون الهرب) , فليسوا قطاع طريق, لعدم الشكوه , بل حكمهم كيرهم في القصاص والضمان.
قال: (والذين يغلبون شر ذمه بقوتهم قطاع في حقهم) وإن لم يكثر عددهم؛ لاعتمادهم علي الشوكه بالنسبه إلي الشر ذمه.
و (الشرذمه) بالذال المعجمه: الطائفه من الناس.
قال: (لا لقافله عظيمه) , لأنه يتأتى دفعهم ومقاومتهم, وإنما هم مختلسون.
قال: (وحيث يلحق غوث) أي: بالسلطان القوي وغيره (فليسوا بقطاع) , بل منتهبون؛ لإمكان الاستغاثه.
قال: (وفقد الغوث يكون للبعد أو لضعف) أي: لبعد السلطان وبعد أعوانه, أو لضعف السلطان, لتمكنهم من الاستيلاء والقهر مجاهرة.
و (الغوث) الاستغاثه, وهو: أن يقول الرجل: واغوثاه.
ولو دخل جمع بالليل دارًا ومنعوا أهلها من الاستغاثه مع قوه السلطان وحضوره.
فالأصح: أنهم قطاع, وقيل: مختلسون, وقيل: سراق.
وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَاَلُحَالَه هذِه فِي بَلَدٍ فَهمْ قٌطَّاعٌ.
وَلَوْ عَلِمَ اٌلِإمَامُ قوْمًا يُخِيفُونَ اٌلطَّرِيقَ وَلَمً يَاخُذُوا مَالًا وَلاَ نَفُسًا .... عَزَّرَهمٌ بِحَبْسٍ وَغَيْرِه, وَإِذَا أَخَذَ اَلَقَاطِعُ نِصَابَ اَلسَّرِقِه .... قَطَعَ يَدَه اَليُمْنَى وَرِجلَه اَليُسْرَى,
قال: (وقد يَغلبون والحاله هذه) أي: عند ضعف السلطان أو بعده أو بعد أعوانه (في بلد فهم قطاع) , لوجود الشروط فيهم.
وأبو حنيفه لا يرى الخارجين من البلد قطاعًا, زاد مالك: ولا قريبًا منه بثلاث مراحل.
قال: (ولو علم الإمام قومًا) وكذا واحدًا (يخيفون الطريق ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا .. عزرهم بحبس وغيره) , لأنهم تعرضوا للدخول في معصيه عظيمه, فيعزرهم علي ذلك كما يُعزَّر علي مقدمات الزنا والشرب والسرقه, وهذا تفسير النفي من الأرض في الآيه الكريمه.
وعباره (المحرر) و (الشرح) ينبغي أن يعزرهم, وعباره (الروضه) كعباره الكتاب, والأمر في الجنس هذا التعزير وقدره راجع إلي الإمام.
وقيل: يتعين الحبس.
فعلى الأصح: للإمام ترك تعزيرهم إن رآه مصلحه.
وعلي الثاني: ليس له إلا أن تظهر توبتهم, لأن سببه قطع الطريق فيتحتم كالقطع, وإذا أراد حبسهم ..... قال ابن سريج: الأولى حبسهم في غير موضعهم, لأنه أحوط وأبلغ في الزجر
والإيحاش.
وقيل: يتقدر حبسهم لسته أشهر, كيلا يزيد علي تغريب العبد الزاني, وقيل: يتقدر بسنه,
وقيل: يضرب دون ثمانين, وقيل: بالنفي إلى حيث يراه.
وكلام المصنف صريح في أن الإمام يقضي فيهم بعلمه وإن قلنا: لا يقضي به في الحدود, لما في ذلك من حق الآدمي.
وظاهر كلامه: الجمع بين الحبس والتغريب, وسيأتي نظيره في التعزير.
قال: (وإذا أخذ القاطع نصاب السرقه .... قطع يده اليمني ورجله اليسري) , لأنه
فَإِنْ عَادَ .... فَيُسْرَاه وَيُمٌنَاه, ......
حد واحد, سواء كان النصاب لواحد أو جماعه, فإن أخذ دون النصاب .... عزر من غيرقطع,
وتعتبر القيمه في موضع الأخذ إن جرت العاده فيه بالبيع والشراء, وإلا ... فيعتبر أقرب موضع إليه, ولا تعتبر قيمته عند استسلام الناس لأخذ أموالهم, لأنه لا قيمه له في تلك الحاله.
ويبدأ بقطع يده ثم برجله ويحسم موضع القطع منهما كما في السارق, ويجوز أن تحسم اليد ثم تقطع الرجل, وأن تقطعا جميعًا ثم تحسما, ولا يشهر المقطوع بعد قطعه, إلا أن يرى الإمام ذلك رادعًا لأهل الفساد.
ويدفن المقطوع إلا أن يري الإمام إبقاءه معه لينزجر الناس به, فإن التمسها المقطوع .. فهو أحق بها ليتولى دفنها, فإن أراد استبقاءها لتدفن معه إذا مات .... منع.
قال: (فإن عاد ... فيسراه ويمناه) , للآيه المتقدمه, وهي وإن اقتضي ظاهرها التخيير ..
فالمراد بها: الترتيب, لقول ابن عباس وغيره في القطاع: (إذا قتلوا وأخذوا المال ... قتلوا وصلبوا, وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال ... قتلوا ولم يصلبوا, وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا .. قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف) وهذا من ابن عباس إما بتوقيف أو لغه, وكلاهما حجه لا سيما وهو ترجمان القرآن.
ووقع في (الوسيط) أن النبي صلي الله عليه وسلم فسره بذلك, والصواب: أنه من كلام ابن عباس.
ولأن الله تعالى بدأ بالأغلظ, فكان مرتبًا ككفاره الظهار والقتل, فلو اريد التخيير .... لبدئ بالأخف ككفاره اليمين , وهكذا عُرْف القرآن.
وإنما قطع من خلاف, لئلا يفوت جنس المنفعه, فاليمين لأخذ المال, والرجل لأجل المحاربه.
وكلام المصنف يفهم: أنه لا يشترط أن يكون من حرز, وهو وجه, لأن الحرز
وَإِنْ قَتَلَ .... قُتِلَ حَتْمًا,
لا يؤثر مع القاهر, ولأنه تفاحشت جنايته فغلظ عليه, لكن المشهورالذي جزم به الأكثرون: أنه يعتبر.
والحرزهنا: أن يكون مع مالكه أو بحيث يراه ويقدر أن يدفع عنه من ليس بغالب, فإذا كان المأخوذ دون نصاب ... فلا قطع في الأصح, وإذا كان له فيه شبهه كالوالد يأخذ مال الولد أو عكسه ... ففيه قولان:
أحدهما: لا قطع كالسرقه.
والثاني: تقطع يده ورجله, لأنه محض حق الله تعالى, فإذا كانت يده اليمنى ورجله اليسرى مفقودتين عند المحاربه .. نزل ذلك منزله أخذه المال مره ثانيه, فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى.
فلو كانت يمناه أو رجله اليسرى مفقوده ... فالأصح: الاكتفاء بالموجوده.
والثاني: أن الموجود يتبع المفقود.
قال: ﴿وإن قَتل﴾ أي: عمدًا محضًا عدوانًا من يكافئه وهو معصوم, وكان القتل لأخذ المال) .. قتل حتمًا) , لقوله تعالى ﴿أَن يُقَتَّلُواُ﴾ فأوجب القتل وحتمه, لأن كل معصيه فيها عقوبه في غير المحاربه تجب فيها زياده عند المحاربه كأخذ المال, ولا زياده هنا إلا التحتم,
ومعناه: أنه لا يسقط بعفو ولي القصاص ولا بعفو السلطان, ويستوفيه الإمام, لأنه حد من حدود الله تعالى.
قال الشيخ عز الدين: وإنما تحتم كما تحتم حد الزنا من جهه: أنهم ضموا إلي جنايتهم إخافه السبيل في منع كل مجتاز بها, بخلاف من قتل إنسانًا أو سرق ماله في خفيه.
ثم بعد القتل يدفع إلي أهله ليغسلوه ويصلوا عليه.
وقال أبو حنيفه: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه كالباغي.
وحكم الجرح في المحاربه والموت بعد أيام قبل الظفر والتوبه حكم القتل صبرًا,
وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ اَلْمَالَ ... قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ ثَلاَتًا ثُمَّ يُنَزَّلُ, وَقِيلَ: يَبْقَى حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُه,
وَفِي قَوْلٍ: يُصْلَبُ قَلِيلًا ثُمَّ يُنَزَّلُ فَيُقْتَلُ
قاله الإمام, وأبدي احتمالًا– ورجحه-: أنه لا يتحتم.
أما إذا قتل خطأ أو شبه عمد ... فإنه لا يُقتل, وحكم الديه كما في غير المحاربه, ولو قتل معصومًا لا يكافئه عمدًا .... لم يقتل به في الأصح.
قال: (وإن قَتل وأخذ المال) أي: نصابًا) ... قُتل ثم صلب ثلاثًا يُنزَّل) , لما تقدم عن ابن عباس.
وإنما صلب بعد القتل, لأن في صلبه قبله زياده تعذيب, وقد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان كما رواه البخاري وأبو داوود [(2807)].
والحاكم, وقال: (إذا قتلتم ... فأحسنوا القتله).
وإنما صلب ثلاثًا, ليشتهر الحال ويتم النكال, فإن خيف تغيره قبل الثلاث فقيل: يبقى مصلوبًا حتى يتم الثلاث، لظاهر النص.
والأصح: أنه ينزل، لئلا يفوت الغسل وغيره, وحمل النص علي زمن البرد.
وشرط بعضهم: أن لا يتأذى به الأحياء.
قال: (وقيل: يبقي حتي يسيل صديده) , لأن في ذلك أشتهار الحاله,
وقال في (الروضه) ويتهرأ ولا ينزل بحال.
والصلب علي خشبه ونحوها, وقيل: يطرح بالأ رض حتي يسيل صديده.
و) الصديد) ماء رقيق يخرج من الجرح مختلط بدم.
والخشبه التي يصلب عليها سميت صلبيًا, لسيلان صليب المصلوب عليها.
قال: (وفي قول: يصلب قليلًا ثم يُنزَّل فيقتل) , لأن الصلب إذا كان عقوبه ...
وجب أن يكون في الحياه, لأنه لا حد علي ميت, ولأنه أزجر, وبه قال أبو حنيفه.
وَمَنْ أَعَانَهُم وَكَثَّرَ جَمْعَهُم ... عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتَغْرِيبٍ وَغَيرِهمَا, وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيَثُ يَرَاه
وعلى هذا: كيف يقتل؟ أيترك بلا طعام ولا شراب حتى يموت أو يجرح حتي يموت أو يترك مصلوبًا ثلاثًا ثم ينزل فيقتل؟ فيه أوجه, والوجه الثالث أقرب إلي ما في الكتاب, فإن الثلاثه قليل.
فروع:
الأول: تقام عليهم الحدود في الموضع الذي حاربوا فيه إذا شاهدهم فيه من يرتدع بهم من الناس, فإن كانوا في مفازه .... ففي أقرب بلد.
الثاني: إذا مات حتف أنفه ... روي الحارث بن شريح البقال عن الشافعي: أنه لا يصلب بعد موته, والفرق: أن قتله حد يستوفي فيكمل بصلبه, وموته مسقط لحده , فسقط تابعه.
وخرج بعض الأصحاب وجها: أنه يصلب.
الثالث: إذا قلنا بالصحيح: أنه يقتل ثم يصلب ... فالأصح: أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ثم يصلب مكفنًا.
قال: (ومن أعانهم وكثر جمعهم .. عزر بحبس وتغريب وغيرهما) كسائر المعاصي, وروى أبو يعلي الموصلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كثر سواد قوم .. فهو منهم)
و (الواو) في قوله: (بحبس وتغريب وغيرهما) بمعني (أو) كما صرح به في (المحرر)
وفيه الخلاف السابق في المخيف كما أشار إليه الماوردي.
قال: (وقيل: يتعين التغريب إلي حيث يراه) أي: الإمام, لأن النفي عقوبه مقصوده يرجع فيها إلي رأي الإمام، وعلي هذا: هل يعزره في المنفي إليه بضرب وحبس وغيرهما أو يكفي النفي؟ فيه وجهان:
وَقَتْلُ القْاطِع يُغَلَّبُ فِيه مَعْنَى الْقِصَاص، وَفِى قَوْلٍ: الْحَدُّ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لاَ يُقْتَلُ بِوَلَدِه وَذِمّىّ، وَلَوْمَاتَ .. فَدِيَه، وَلَوْ قَتَلَ جَمْعًا .. قُتِلَ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ الّديَاتُ، وَلَوْ عَفَا وَلِيُّه بِمَالٍ .. وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَيُقْتَلُ حَدًّا ..
الأشبه فى (الشرح الصغير) جواز الاقتصاد على النفى.
وقال المصنف: الأصح: أنه إلى رأى الإمام بما تقتضيه المصلحه.
قال: (وقتل القاطع يُغلَّب فيه معنى القصاص)؛ ولانه قتل فى مقابله قتل.
فعلى هذا: عليه الكفاره.
قال: (وفى قول: الحد) لانه لا يصح العفو عنه ويتعلق استيفاؤه بالسلطان لا بالولى، والقولان فيما يغلب منهما، وهذه الطريقه الصحيحه.
وقال آخرون: هل يتمحص حق الله تعالى أم فيه أيضًا حق آدمى؟ قولان.
قال: (فعلى الأول: لا يقتل بولده وذمى)؛ لعدم المكافأه، وهذا تفريغ على الخلاف، فعلى هذا: تجب الديه، وكذا لا يقتل الحر بعبد، تجب القيمه.
وعلى الثانى: نعم.
قال: (ولومات .. فديه) أى: من تركته.
وعلى الثانى: لا شئ.
قال: (ولو قتل جمعًا .. قتل بواحد، وللباقين الديات) كالقصاص.
ولو فرعنا على الثانى .. قتل بهم ولا ديه، لكن عبارته تقتضى جواز قتله بغير الأول، وليس كذلك، بل إن قتلهم بالترتيب .. قتل بالأول.
قال: (ولو عفا بمال .. وجب وسقط القصاص ويقتل حدًا) كمرتد استوجب القصاص
وعفى عنه، وإن فرعنا على الثانى .. لغا العفو.
والذى ذكره المصنف من إيجاب الديه للعافى تبع فيه (المحر)، و (المحر) تبع فيه الفورانى، ولم يقل به أحد من العلماء وهو مخالف لظاهر نص الشافعى وكلام العراقيين وجمع من المراوزه.
وَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ .. فُعِلَ بِه مثْلُه.
وَلَوْ جَرَحَ فَانْدَمَلَ .. لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ فِى الأَظْهرِ.
وَتَسْقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ بِتَوْبَتِه قَبْلَ الْقُدْرَه عَلَيْه،
والمعتمد: أنه لا ديه على القولين معًا؛ لأن القاطع لم يستفد بالعفو شيئًا لتحتم قتله بالمحاربه.
قال: (ولو قَتل بمثقل أو قطع عضو .. فُعل به مثله) كما فى القصاص.
وعلى الثانى: يقتل كالمرتد بالسيف.
ومن ثمره الخلاف أيضا: مالو تاب قبل أن يقدر عليه .. لم يسقط القصاص على الأول، ويسقط على الثانى.
قال: (ولو جرح فاندمل .. لم يتحتم قصاص فى الأظهر)؛ لأن التحتم تغليظ لحق الله تعالى فاختص بالنفس كالكفاره، ولأن الله تعالى لم يذكر الجراح فى آيه المحاربه فكان باقيًا على أصله فى غيرها.
وعلى هذا: فيتخير المجروح بين القصاص والعفو على مال أو غيره.
والثانى: يتحتم كالنفس.
والثالث: يتحتم فى اليدين والرجلين؛ لأنهما مما يستحقان فى المحاربه دون الأنف والأذن والعين وغيرهما.
تنبيه:
قوله: (جرح) المراد به: أنه جرح جرحًا يجب فيه القصاص كقطع اليد والرجل وغيرهما، فإن كان غيرهما كالجائفه .. ففيها المال.
واحترز بقوله: (اندمل) عن السارى إلى النفس؛ فإنه قتل، وقد تقدم فى قوله: (بقطع عضو)، ولو عبر بقوله: لم يتحتم الجرح .. كان أولى.
وكان ينبغى التعبير بالمشهور الدال على ضعف الخلاف؛ فإنه شديد الضعف.
قال: (وتسقط عقوبات تخص القاطع بتوبته قبل القدره عليه)؛ لقوله تعالى:
لَاَ بَعْدَها عَلَى الْمَذْهبِ،
﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
والمراد ب (العقوبات) تحتم القتل والصلب وقطع الرجل، وكذا اليد فى الأصح.
وفى (الكفايه) و (المطلب) أن المصنف اختار منع سقوط قطع اليد، وهو سهو؛ فقد صرح فى (التصحيح) بأن الأصح السقوط، وفى (الروضه) بأنه المذهب، وهو وارد على إطلاقه هنا، فإنه يقتضى: أنه لا يسقط إلا قطع الرجل، فإنها التى تخص القاطع، ولو قال: يسقط حق الله .. لا ستقام.
واحترز عما لا يختص، كاصل القصاص وضمان المال؛ فلا يسقط.
وفى الضمان وجه ضعيف: انه يسقط فلا يبقى عليه شئ اصلًا.
وفى قوله قديم: لا يسقط عنه شئ أصلًا، بناء على الخلاف فى سقوط الحد بالتوبه.
و (التوبه) الرجوع عن الذنب، وهى واجبه من كل معصيه، فإن كانت بين العبد وبين الله تعالى .. فلها شروط: الإقلاع، الندم، العزم على ألا يعود إليها.
وإن تعلقت بآدمى .. زادت شرطًا رابعًا: وهو البراءه من حق صاحبها برد الظلامه أو العفو ن وسيأتى بيان ذلك فى (الشهادات).
قال: (لا بعدها على المذهب)؛ لمفهوم الآيه، وإلا .. لما كان للتخصيص بقوله: ﴿مِن ٌقَبْلِ﴾ فائده، والفرق من جهه المعنى: انه بعد القدره متهم؛ لقصد دفع الحد ن بخلاف ما قبلها؛ فإنها بعيده عن التهمه، قريبه من الحقيقه.
والطريق الثانى: جريان قولين، كالقولين فى سقوط حد الزانى والسارق بالتوبه.
والمراد ب) التوبه) قبل القدره الثانيه، فلو ظفرنا به فادعى سبق توبته .. فنقل فى (الكفايه) عن (الأحكام السلطانيه) أنه إن لم تظهر أمارتها .. لم يصدق، وإلا .. فوجهان محتملان.
وَلاَ تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ بِها فى الأَظْهرِ
قال: (ولا تسقط سائر الحدود فى الأظهر) كحد الزنى والسرقه والشرب؛ وبهذا قال أبو حنيفه؛ لأن العمومات الوارده فيها لم تصل بين ما التوبه وما بعدها؛ بخلاف قاطع الطريق.
والثانى: تسقط بها؛ لقوله تعالى ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه وأَصْلَحَ فَإنَّ اللَّه يَتُوبُ عَلَيْه﴾؛ وقال صلى الله عليه وسلم (التوبه تجب ما قبلها).
وروى مسلم [2703] عن أبى هريره: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها .. تاب الله عليه)؛ وتقدم فى أول) الجنائز) حديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وفى (المستدرك) [4/ 244] عن ابن عمر: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله عنها؛ فمن ألم بشئ منها .. فليستتر بستر الله وليتب إلى الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته .. نقم عليه الحد).
فلولا أنها تسقط الحد .. لكان فيه حث على كتمان الحق وصحح هذا جماعه؛ منهم: ابن خيران
والحليمى والماوردى والمحاملى والرويانى وصاحب (المهذب) والبندنيجى والعمرانى؛ وهو المنصوص فيه (الأم) أيضًا؛ ولأنه محض حق الله تعالى فاشبه المحاربه.
فإذا قولنا بسقوط حد القطع بالتوبه بعد القدره أو بسقوط حد الزنا والسرقه والشرب بها .. فهل يسقط بنفس التوبه أو يتوقف على إصلاح العمل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ قال العراقيون والبغوى والرويانى؛ وصححه فى (الشرح الصغير) ونسبه الإمام غلى القاضى حسين ونسب مقابله إلى سائر الأصحاب.
تتمه:
موضع الخلاف فى السقوط وعدمه فى ظاهر الحكم؛ أما فيما بينه وبين الله تعالى .. فيسقط بلا خلاف؛ لأن التوبه تسقط أثر المعصيه؛ كذا نبه عليه فى زوائد (الروضه) فى (باب السرقه) وهو كما قال.
فَصْلٌ:
مَنْ لَزِمَه قِصَاصٌ وَقَطْعٌ وَحَدُّ قَذْفٍ وَطَالَبُوه .. جُلِدَ ثُمَّ قُطِع ثُمَّ قُتِلَ؛ وَيُبَادَرُ بِقَتْلِه بَعْدَ قَطْعِه لَا قَطْعِه بَعْدَ جَلْدِه إِنْ غَابَ مُسْتَحِقُّ قَتْلِه؛
ومرادهم ب (الحدود) حدود الله خاصه؛ فلا يسقط حد القذف والقصاص بالتوبه قطعًا على المشهور.
وخرج فيهما وجه ضعيف؛ قال في (البحر) وهو تخريج كاسد؛ وحكاه ابن كَجٌ قولًا قديمًا فى (حد القذف)؛ وهو غريب.
نعم؛ يستثنى من إطلاق المصنف تارك الصلاه كسلًا؛ فإنه يقتل حدًا على الصحيح؛ ومع ذلك لو حضر عند الحاكم وتاب: سقط عنه قطعًا من غير تخريج على القولين؛ لأن القتل موجبه الإصرار على الترك لا الترك الماضى وإن كان يأثم به؛ فإذا تاب وصلى .. بان أن لا سبب؛ فلذلك سقط عنه الحد بالإتفاق؛ ثم إذا أقيم الحد فى الدنيا .. لم يقم فى الآخره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فالله أعدل من أن يُثنى على عبده العقوبه فى الآخره)؛ كذا قال الجيلى؛ ثم قال: وكذا حقوق الآدميين إذا استوفيت أو عفا عنها.
وقال البندنيجى: إذا مات قبل استيفاء الحدود .. سقط ما كان لله؛ وحسابه على الله؛ إن شاء .. عذبه؛ وإن شاء .. غفر له.
قال: (فصل: من لزمه قصاص وقطعٌ وحدٌّ قذفٍ وطالبوه .. جلد ثم قطع ثم قتل)؛ تقديمًا للأخف؛ ولأن ذلك أقرب إلى استيفاء الجميع.
قال: (ويبادر بقتله بعد قطعه لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله)؛ لأنه قد يهلك بالموالاه فيفوت قصاص النفس.
وَكَذَا إنْ حَضَرَ وَقَاَلَ: عَجَّلُوا اَلْقَطْعَ فِى اَلأَصَحَّ.
وَإذَا أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّه .. جُلِدَ؛ فَإِذَا بَرِاءَ .. قُطِعَ؛ وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ ..
جُلِدَ؛ وَعَلَى مُسْتَحِقَّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ؛ فَإِنْ بَادَرَ فَقَتَل .. فَلِمُسْتَحِقَّ الطَّرَفِ دِيَتُه؛ وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ اَلْجَلْدِ .. فَاُلْقِيَاسْ: صَبْرُ الآخَرَيْنِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ حُدُودٌ لله تَعَالى .. قُدَّمَ اَلأَخَفُّ فَاَلأخَفُّ؛
قال: (وكذا إن حضر وقال: عجلوا القطع فى الأصح)؛ خوفًا من هلاكه بالموالاه.
والثانى: يبادر؛ لأن التأخير كان لحقه وقد رضى بالتقديم.
وخص الإمام الوجهين بمن خيف موته بالموالاه حيث يتعذر قصاص النفس؛ ورأى الجزم بالبدار فى غير ذلك.
قال: (وإذا أخر مستحق النفس حقه .. جلد؛ فإذا براء .. قطع)؛ ولا يقطع البرء؛ خشيه ان يفوت قصاص نفسه.
قال: (ولو أخر مستحق الطرف .. جلد)؛ وحينذ يتعذر القتل لحق مستحق الطرف.
قال: (وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفى الطرف)؛ لئلا يفوت حقه.
قال: (فإن بادر فقتل.
فلمستحق الطرف ديته)؛ لأنه فات عليه ومستحق النفس استوفى حقه.
قال: (ولو اجتمع حدود لله تعالى .. قدم الأخف فالأخف) أى: وجوبًا سعيًا فى إقامه الجميع؛ كالشرب والزنا والسرقه والرده؛ فأخفها حد الخمر فيقام أولًا؛ ثم يمهل حتى يبرأ؛ ثم يجلد للزنا ويمهل؛ ثم يقطع؛ فإذا لم يبق إلا القتل .. قتل بغير إمهال؛ لأن الأشق لو قدم .. لطال الإنتظار إلى البرء.
وهل يقدم قطع السرقه على التغريب؟ قال ابن الرفعه: لم أر لهم تعرضًا لذلك.
أَوْ عُقُوبَاتٌ لله تَعَالَى وَلِلآدَمِيَّينَ .. قُدَّمَ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى زِنًا؛ وَالأَصَحُّ: تَقْدِيمُه عَلَى حَدَّ شُرْبٍ؛ وأَنَّ اَلْقَصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى الزَّناَ
وعلم من قوله: (الأخف فالاخف) انه لو اجتمع معه التعزير .. فهو المقدم؛ لأنه أخف من حقوق الآدمى؛ قاله الماوردى.
ولو اجتمع قطع سرقه وقطع محاربه .. قطعت يده اليمنى لهما؛ وهل تقطع الرجل معها؟ وجهان: الأصح: نعم؛ وقيل تؤخر حتى تبرأ اليد.
قال: (أو عقوبات لله تعالى وللأدميين .. قدم حد القذف على زنًا)؛ كذا نص عليه؛ واختلفوا فى علته:
فقال أبو اسحاق لأنه حق آدمى؛ وهو الأصح.
وقال ابن أبى هريره: لأنه أخف؛ فيقدم على الشرب على الأول؛ وعكسه على الثانى؛ فلذلك قال:
(والأصح: تقديمه على حد شرب؛ وأنَّ القصاص قتلًا وقطعًا يقدم على الزنا)؛ وهذا بناء على المعنيين أيضًا؛ ويجريان فى الزنا وقصاص الطرف والإمهال بعد كل عقوبه إلى الاندمال.
تتمه:
من زنى مرارًا وهو بكر حد لها حدًا واحدًا وكذا لو سرق أو شرب مرارًا؛ ولو زنى أو شرب فأقيم عليه الحد ثم زنى أو شرب: أقيم عليه حد آخر؛ فإن لم يبرأ من الأول .. أمهل حتى يبرأ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو أقيم عليه بعض الحد فارتكب الجريمه ثانيًا .. دخل الباقى فى الحد الثانى وإذا زنى فجلد ثم زنى قبل التغريب .. جلد ثانيًا وكفاه تغريب واحد.
ولو جدل خمسين فزنى ثانيًا .. جلد مائه وغرب ودخل فى المائه الخمسون الباقيه.
ولو زنى وهو بكر ثم زنى قبل يحد وقد احصن .. فهل يكتفى بالرجم ويدخل فيه الجلد أو يجمع بينهما؟ وجهان فى (الشرحين) و (الروضه) من غير ترجيح.
قال فيه (المهمات) والصحيح: وجوب الحد.
وعلى هذا: لو زنى العبد ثم عتق ثم زنى قبل الإحصان .. فالأصح: أنه يجلد مائه فقط.
ويدخل الأقل فى الأكثر؛ لإتحاد الجنس؛ كما صرح به الشيخان وصاحب (التنبيه) فى (كتاب اللعان).
...
خاتمه
يثبت قطع الطريق بشهاده رجلين لا بشهاده رجل وأمرأتين؛ ويشترط فى الشهاده التفصيل وتعيين القاطع ومن قتله أو اخذ ماله وإذا شهد إثنان من الرفقه على واحد؛ أو جماعه بقطع الطريق على واحد أو جماعه فإن لم يتعرضا فى شهادتهما إلى: أنهم قصدوا أنفسهما ومالهما .. قبلت شهادتهما؛ ولهما أن يشهدا بذلك وإن كانوا تعرضوا له ما؛ وليس للقاض أن يبحث: هل هما من الرفقه أو لا؛ فإن بحث .. لم يلزمهما الجواب؛ ولو طلبا بعد شهادتهما حقهما منهم؛ فإن كان قبل الحكم .. امتنع الحكم؛ وإن كان بعده .. فلا؛ إن قالا: قطعوا علينا الطريق وأخذوا مالنا ومال رفاقنا .. لم تقبل شهادتهما على المذهب
كتاب الأشربة