النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 207-234
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَمَا لَا يُرَى حَبُّهُ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ .. لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ دُونَ سُنْبُلِهِ، وَلَا مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ.
وَلَا بَاسَ بِكِمَامٍ لَا يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الأَكْلِ.
وَمَا لَهُ كِمَامَانِ –كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَاءِ- يُبَاعُ فِي قِشْرِهِ الأًسْفَلِ،  قال: (وما لا يرى حبه كالحنطة والعدس في السنبل .. لا يصح بيعه دون سنبله) قطعًا؛ لاستتاره، وهذا لا خلاف فيه، إلا أن القاضي أشار إلى وجه فيه وليس ببعيد بناء على بيع الغائب.
قال: (ولا معه في الجديد)؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، فأشبه الحنطة في تبنها بعد الدياس.
والقديم: الجواز؛ لمفهوم نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد -قال الترمذي [1228]: حسن غريب- وهذا قد اشتد.
قال (ولا بأس بكمام لا يُزال إلا عند الأكل) ففي الثمار كالرمان والموز، وفي الزرع كالعلس؛ لأن بقاءه فيها من مصلحته، وكذلك قصب السكر في قشره الأعلى إذا بدت فيه الحلاوة، ونقل الماوردي جوازه وإن كان مزروعًا ويبقى إلى أوان قطعه، والكتان إذا بدا صلاحه.
قال ابن الرفعة في (المطلب): يظهر جواز بيعه؛ لأن ما يغزل منه ظاهر، والساس في باطنه كالنوى في التمر، قال: لكن هذا لا يتميز في رأي العين، بخلاف التمر؛ فإنه إذا قطع .. تميز النوى فيه عن اللحم.
و (الكِمام) بكسر الكاف: أوعية الطلع، واحدها: كم، بكسر الكاف.
قال: (وما له كمامان –كالجوز واللوز والباقلاء- يباع في قشره الأسفل)؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.

وَلَا يَصِحُّ فِي الأَعْلَى، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ رَطْبًا  و (الباقلاء): الفول، يشدد ويخفف، فإن شددت .. قصرت، وإذا خففت .. مددت، واحدته: باقلاة.
قال القزويني: النظر إلى زهره يورث الهم والحزن.
وقال الجاحظ: الإكثار من أكله يفسد العقل ويورث الأحلام الرديئة، وسيأتي في (كتاب الأيمان) في الكلام على الفاكهة شيء من هذا إن شاء الله تعالى.
ويأتي في عدة امرأة المفقود: أن عمر رضي الله عنه سأله عن طعام الجن، فقال: الفول، قال ابن الأثير وغيره: هو الباقلاء.
قال في (المهمات): وتعبيره بـ (كمامين) غير مستقيم، والصواب: كمامتان بالتاء، أو كمان.
قال: (ولا يصح في الأعلى) لا على أصوله، ولا على وجه الأرض؛ لاستتاره.
قال: (وفي قول: يصح إن كان رطبًا)؛ لأنه يصون القشر الأسفل ويحفظ رطوبة اللب فيتعلق الصلاح به، وقيل: إن الشافعي أمر الربيع أن يشتري له باقلاء أخضر، واختاره ابن القاص والاصطخري، وصححه الأكثرون.
واحترز بـ (الرطب) عما إذا كان يابسًا؛ فإنه لا يصح فيه جزمًا إذا منعنا بيع الغائب.
قال في (المطلب): واللوبياء فيما نظنه كالباقلاء، وأما اللوز الأخضر .. فيجوز بيعه في الأعلى قبل انعقاد الأسفل؛ فإنه مأكول كله.
ويصح بيع طلع النخل مع قشره في الأصح إذا لم يتصلب.

وَبُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرِ: ظُهُورُ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلَاوَةِ فِيمَا لَا يَتَلَوَّنُ، وَفِي غَيْرِهِ: بِأَنْ يَاخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ  قال: (وبدو صلاح الثمر: ظهور مبادئ النضج والحلاوة فيما لا يتلون، وفي غيره: بأن يأخذ في الحمرة أو السواد)؛ لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم.
وفي (أبي داوود) [3364]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد) وهذه الأوصاف وإن عرف بها بدو الصلاح فليست شرطًا فيه؛ لأن القثاء لا يتصور فيه شيء منها، بل يستطاب أكله صغيرًا وكبيرًا، وكذلك الزرع صلاحه باشتداده.
فالعبارة الشاملة أن يقال: بدو الصلاح صيرورته إلى الصفة التي يطلب غالبًا كونه عليها، كصفرة المشمش، وحمرة العناب، وسواد الإجاص، وبياض التفاح، وحلاوة قصب السكر، وحموضة الرمان، ولين التين والبطيخ، واشتداد القمح، وانشقاق كمام القطن، وانفتاح الورد وورق التوت.
و (النضج) بضم النون وفتحها، يقال: هو ناضج ونضيج، وفلان ناضج الرأي، أي: محكمه.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: (بدو الصلاح ظهور الثريا، ويقال لها: النجم).
وفي الحديث: (إذا طلع النجم .. لم يبق من العاهة شيء) أراد: عاهات الثمار؛ لأنها تطلع بالحجاز إذا بدا صلاح البسر، وحينئذ يهيج البحر وتختلف الرياح، قال صلى الله عليه وسلم: (من ركب البحر بعد طلوع الثريا .. فقد برئت منه الذمة).

وَيَكْفِي بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَ بُسْتَانٍ أَوْ بُسْتَانَيْنِ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ .. فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّابِيرِ.
وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ .. لَزِمَهُ سَقْيُهُ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَتَصَرَّفُ مُشْتَرِيهِ بَعْدَهَا.
وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ بَعْدَهَا كَبَرْدٍ .. فَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي  قال: (ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قل) حتى في الحبة الواحدة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة: أن لا تطيب الثمار دفعة واحدة؛ إطالة لزمن التفكه، وليس صلاح جنس صلاحًا لجنس آخر، فلو باع بسرًا بدا صلاحه وعنبًا لم يبد صلاحه صفقة واحدة .. اشترط القطع في العنب دون البسر، وأشار المصنف إلى هذا بقوله: (بدو صلاح بعضه).
قال: (ولو باع ثمر بستان أو بستانين بدا صلاح بعضه .. فعلى ما سبق في التأبير) فلا تحصل التبعية عند اختلاف البستان، ولا عند اتحاده إذا أفرد ما لم يبد صلاحه، أو كان مالكه خلاف مالك الذي بدا فيه، وتحصل التبعية وإن اختلف النوع.
قال: (ومن باع ما بدا صلاحه) سواء كان زرعًا أو ثمرًا (.. لزمه سقيه قبل التخلية وبعدها)؛ لأن ذلك من تمام التسليم الواجب عليه، وهو مقدار ما تنمو به الثمار وتسلم من الفساد، فلو شرط ذلك على المشتري .. بطل العقد؛ لمخالفته مقتضى العقد، أما عند اشتراط القطع .. فلا يجب السقي على البائع، إنما يجب إذا استحق المشتري الإبقاء بالشرط أو الإطلاق.
قال: (ويتصرف مشتريه بعدها) أي: بعد التخلية؛ لحصول القبض، وقال الإمام: إن هذا لا خلاف فيه، وحكى في (الشامل) عن القديم: أنه لا يقبض إلا بالقطع والنقل.
قال: (ولو عرض مهلك بعدها كبرد .. فالجديد: أنه من ضمان المشتري)؛ لما روى مسلم [1556] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها وكثر دينه، فقال صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا عليه) فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)؛ فلو كانت من ضمان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البائع .. لأسقط صلى الله عليه وسلم الديون التي لحقته من ثمن الثمار التالفة.
وسيأتي في (باب التفليس): أن الرجل المذكور معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وبهذا قال أبو حنيفة وداوود وجمهور السلف.
والقديم –وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث-: أنه من ضمان البائع، وأوجبوا وضع الجوائح، لما روى مسلم [1554/ 14] عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بعت من أخيك تمرًا فأصابته جائحة .. فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا ثم تأخذ مال أخيك بغير حق).
وفيه أيضًا [1554/ 17]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح).
وقال مالك: يوضع الثلث فصاعدًا ولا يوضع أقل منه.
والجديد: حمل الحديث على الندب جمعًا بين الحديثين.
ومنهم من حمل حديث جابر رضي الله عنه على ما قبل بدو الصلاح، وحديث أبي سعيد رضي الله عنه على ما بعده.
قال الشيخ: وهو جمع حسن، وفي ألفاظ الحديث ما يشهد له إذا كان بآفة سماوية كمطر أو جراد أو ريح أو حريق أو طير أو سموم أو زنابير أو انقطاع ماء القنوات أو السيل، فإن كان بغصب أو سرقة .. فهو من ضمان المشتري على القولين معًا، وللقديم شرطان: أحدهما: أن لا يبيعه من مالك الأشجار، فإن باعه منه .. فهو من ضمان المشتري بلا خلاف؛ لانقطاع العلائق.
والثاني: أن يحصل التلف قبل إمكان الجذاذ، فإن حصل بعده وبعد إمكان النقل .. فالأشبه: أنه من ضمان المشتري أيضًا؛ لتقصيره.
وقوله: (كبرد) ضبطه المصنف بإسكان الراء وفتحها؛ ليشمل النوعين، وهو حسن.
واحترز بقوله: (بعدها) عما إذا حصل قبلها؛ فإنه من ضمان البائع.

فَلَوْ تَعَيَّبَ بِتَرْكِ الْبَائِعِ السَّقْيَ .. فَلَهُ الْخِيَارُ.
وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ قَطْعِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى هَلَكَ .. فَأَوْلَى بِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ بِيعَ ثَمَرٌ يَغْلِبُ تَلَاحُقُهُ وَاخْتِلَاطُ حَادِثِهِ بِالْمَوْجُودِ كَتِينٍ وَقِثَّاءٍ .. لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ.
وَلَوْ حَصَلَ الاِخْتِلَاطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسخُ الْبَيْعُ  قال: (فلو تعيب بترك البائع السقي .. فله الخيار) أي: للمشتري؛ لأن السقي لما كان لازمًا للبائع .. كان التعييب الحاصل بتركه كالسبب المتقدم على القبض، حتى لو تلف بذلك .. انفسخ العقد أيضًا، و (المحرر) لم يذكر هذه المسألة إنما ذكر التعييب بالجائحة، فغيره المصنف واعتذر عنه في (الدقائق).
قال: (ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يقطع حتى هلك .. فأولى بكونه من ضمان المشتري)؛ لتفريطه.
وفهم من تعبيره بـ (الأولوية): أن الخلاف هنا مرتب على ما لم يشترط فيه القطع، فإن جعلناه هناك من ضمان المشتري .. فكذلك هنا، وإن جعلناه من ضمان البائع .. فههنا خلاف.
ولا يختص قولا الجوائح بالثمار بل يجريان في الزرع إذا بيع بعد الاشتداد فأصابته جائحة.
قال: (ولو بيع ثمر يغلب تلاحقه واختلاط حادثه بالموجود كتين وقثاء .. لم يصح)؛ لانتفاء القدرة على التسليم، وفي وجه أو قول: أنه موقوف، فإن سمح البائع بما حدث .. تبين الانعقاد، وإلا .. فلا.
قال: (إلا أن يشترط المشتري قطع ثمره) فيصح لزوال المحذور.
هذا إذا بيع بعد الصلاح، فإن بيع قبله .. فشرط القطع لابد منه لتصحيح العقد، ولو شرط القطع فلم يقطع حتى اختلط .. فهو كالتلاحق فيما يندر.
قال: (ولو حصل الاختلاط فيما يندر فيه .. فالأظهر: أنه لا ينفسخ البيع)؛ لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتي.
والثاني: ينفسخ؛ لتعذر التسليم المستحق، وهذا هو الصحيح المفتى به، فقد

بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ سَمَحَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا حَدَثَ .. سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الأَصَحِّ.
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ، وَهُوَ الْمُحَاقَلَةُ،  صححه في (البسيط)، والقاضي أبو الطيب والشاشي وصاحب (المهذب) وابن أبي عصرون والمصنف في (نكت الوسيط) والشيخ.
وسواء في طرد القولين وقع الاختلاط قبل التخلية أو بعدها.
وقيل: لا ينفسخ قطعًا إذا اختلط بعدها.
ولو اختلط الطعام بعد قبضه .. لم ينفسخ قطعًا، فإن اختلفا في قدره .. قال الماوردي: صدق من انثال الطعام على صبرته، فإن كان المبيع شاة أو ثوبًا فاختلط بمثله ولم يتميز .. انفسخ في الأصح، بخلاف الحنطة؛ فإن غايتها الإشاعة وهي غير مانعة.
قال (بل يتخير المشتري)؛ دفعًا للضرر.
قال: (فإن سمح له البائع بما حدث .. سقط خياره في الأصح)؛ لزوال المحذور.
والثاني: لايسقط؛ لما في ذلك من المنة.
و (سمح) بفتح الميم.
والمصنف تبع الإمام والغزالي في أن الخيار يثبت أولًا للمشتري حتى تجوز له المبادرة بالفسخ، فإن بادر البائع فسمح .. سقط خياره.
قال في (المطلب): وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب؛ فإنهم خيروا البائع أولًا.
قال: (ولا يصح بيع الحنطة في سنبلها بصافية؛ وهو المحاقلة)؛ لما روى مسلم [1536] عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة

وَلَا الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ؛ وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ.
وَيُرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الأَرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ،  والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا) ثم فسر المحاقلة بما فسرها به المصنف، فإن كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .. فذاك، وإن كان من الراوي .. فهو أعرف من غيره.
ولفظها مأخوذ من الحقلة، وهي الساحة التي تزرع، سميت محاقلة؛ لتعلقها بزرع في حقله.
و (المعاومة): بيع الشجر سنتين وثلاثًا.
و (الثنيا): أن بيع الشيء ويستثنى بعضه.
ووجه البطلان في المحاقلة: أن المبيع مستتر بما ليس من صلاحه.
قال: (ولا الرطب على النخل بتمر؛ وهو المزابنة)؛ للحديث المذكور، ولفظها مأخوذ من الزبن، وهو المخاصمة والمدافعة، وإنما بطلت؛ لأنها بيع مال ربوي بجنسه من غير تحقق مساواة في الكيل.
قال: (ويرخص في العرايا، وهو: بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض؛ لما روى الشيخان [خ2191 - م1540] عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في بيع العرية أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا) فلو باع رطبًا برطب .. فالأصح: المنع.
وحكم البسر حكم الرطب في الجواز، قاله الماوردي.
وعلى هذا: ينبغي إلحاق الحصرم بالعنب.
و (العرايا) جمع: عرية، كمطية ومطايا، وضحية وضحايا، وهي: التي يفردها صاحبها للأكل؛ لأنها عريت عن حكم جميع البستان.
قال: (أو العنب في الشجر بزبيب)؛ لأنه زكوي يمكن خرصه ويدخر يابسه فكان

فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ،  كالرطب، والشافعي رضي الله عنه يجوز القياس في الرخص لا يختلف قوله في ذلك وإن كان ابن الرفعة توهم فيه خلافًا.
ومحل تجويز العرايا: إذا لم يتعلق بها حق الزكاة؛ بأن يكون الذي في ملك البائع أقل من خمسة أوسق، أو يكون خرص عليه وقلنا: الخرص تضمين، أو باع ما عدا قدر الزكاة، أو قلنا بالقديم: إن المالك يترك له بعض نخلات فيبيع منها.
قال (فيما دون خمسة أوسق)؛ لما روى الشيخان [خ2190 - م1541] عن داوود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق) الشك وقع من داوود.
قال الشافعي رضي الله عنه: فلذلك جوزنا دون الخمسة؛ لأنه متفق عليه، ومنعنا الخمسة؛ للشك فيها، والأصل: التحريم؛ للنهي عن المزابنة، وفي قول: يجوز في الخمسة، لإطلاق الحديث المتقدم.
والمراد بـ (الخمسة وبما دونها): إذا كان جافًا، فيبيع من الرطب مقدارًا لو جف لجاء منه دون خمسة أوسق بمثله من التمر وإن كان الرطب أكثر، ويعرف ذلك بالخرص، وإليه أشار في الحديث المتقدم بقوله: (بخرصها تمرًا يأكلونه رطبًا).
ونظير المسألة: المهادنة يجوز عقدها أربعة أشهر قطعًا، ولا يجوز أكثر من سنة قطعًا، وفيما بينهما قولان.
فروع: إذا أوجبنا النقص عن الخمسة .. فالنص: أنه يكفي أيُّ قدر كان، وهل الخمسة تقريب أو تحديد؟ كلام الماوردي يشعر بالتحديد، وبه جزم المصنف في (رؤوس المسائل) وغيرها.
وقال ابن الرفعة: لا يبعد تخريجه على الزكاة، ويكفي هنا خارص واحد بخلاف الزكاة على رأي، ويجوز أن يخرصا بأنفسهما، وتوقف ابن الرفعة في جواز خرص

وَلَوْ زَادَ فِي صَفْقَتَيْنِ .. جَازَ، وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بِتَسْلِيمِ التَّمْرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ،  أحدهما؛ لأجل اتحاد القابض والمقبض.
قال الشيخ: والمختار جوازه، ولابد من تعيين الثمن، فلا يجوز جزافًا ولا خرصًا؛ لئلا يعظم الغرر.
و (الوسق) تقدم في (الزكاة): أنه ستون صاعًا.
قال: (ولو زاد في صفقتين .. جاز)؛ قياسًا على الصفقة الأولى، خلافًا لأحمد، وكذلك سائر الصفقات إذا تعددت بحيث لا تزيد حصة كل صفقة على ما ذكرنا، فلو باع واحد لاثنين في صفقة بحيث يخص كل واحد القدر الجائز .. جاز، ولو باع اثنان لواحد .. فالأصح: الجواز كعكسه.
والثاني: المنع، وهذا عكس القاعدة المتقدمة قبيل (باب الخيار)؛ فإن الصفقة تتعدد بتعدد البائع قطعًا، وبتعدد المشتري في الأظهر، وهنا بالعكس جرى الخلاف في تعدد البائع دون المشتري، وقد تقدمت الإشارة هناك إلى هذا.
واحترز المصنف بـ (الصفقتين) عما إذا زاد في صفقة واحدة؛ فإن البيع يبطل في الجميع، ولم يخرجوه على الخلاف في تفريق الصفقة كما تقدم؛ لأنه بالزيادة صار عقد ربا فبطل جميعه.
قال: (ويشترط التقابض بتسليم التمر كيلًا، والتخلية في النخل)؛ لأنه مطعوم بمطعوم، واستشكل ابن الرفعة الاكتفاء بالتخلية إذا قلنا: إنها من ضمان البائع بعد التخلية كما تقدم.
وقال: (والأظهر: أنه لا يجوز في سائر الثمار)؛ لما روى مسلم [1539/ 59] عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا بالتمر والرطب، ولم يرخص في غير ذلك) لكن العنب لما كان إلحاقه جليًا .. اقتصرنا عليه، وسائر الثمار ليست في معناهما.

وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ.

 والثاني: يجوز، وبه قال مالك وبعض الحنابلة؛ لأن النفس تدعو إلى أكلها في حال رطوبتها.
ومحل القولين فيما يدخر يابسه كالجوز واللوز والتين والمشمش.
قال: (وأنه لا يختص بالفقراء)؛ لإطلاق الرخصة، وقياسًا على سائر البيوع.
والثاني: يختص بهم، وبه قال المزني؛ لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أنه سمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر) رواه الشافعي رضي الله عنه لكن بسند لا يحتج به.
تتمة: قال الجرجاني والمتولي: ضابط الغني في هذا الباب: مَن عنده نقد، فمن لا نقد عنده .. فقير وإن ملك أموالًا كثيرة.
وفي (البحر) عن المزني: الفقير هنا: المعسر المضطر، ومحل الخلاف: في اعتبار حاجة المشتري، أما البائع .. فلا يعتبر قطعًا.
وقال المالك: تشترط حاجة البائع.


خاتمة إذا اشترى العرية من يجوز له شراؤها ثم تركها حتى صارت تمرًا .. جاز.
وقال أحمد: يبطل العقد، فشرط صحة العقد عنده: أن يأخذها أهلها رطبًا، وعند الجمهور لا يشترط ذلك.


بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّتِهِ كَقَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَو الأَجَلِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ قَدْرِ الْمَبِيعِ وَلَا بَيِّنَةَ .. تَحَالَفَا،

باب اختلاف المتبايعين

هذا الباب مؤخر في (الشرح) و (الروضة) وغيرهما عن معاملات العبيد، والأصل فيه: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة .. فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان) رواه أبو داوود [3505] والحاكم [2/ 45]، وقال صحيح، والبيهقي [5/ 332]، وقال: حسن.
قال: (إذا اتفقا على صحة البيع، ثم اختلفا في كيفيته كقدر الثمن، أو صفته، أو الأجل، أو قدره، أو قدر المبيع ولا بينة .. تحالفا)؛ لأن كلًا منهما مدعى عليه.
وفي (البخاري) [2668]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه).
وضابط التحالف كما قال المصنف: أن يتفقا على صحة عقد ويختلفا في كيفيته،

فَيَحْلِفُ كُلٌ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحبِهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلِهِ، وَيُبْدَأُ بِالْبَائِعِ  فلو لم يتفقا على الصحة أو اتفقا عليها في عقد ولكن اختلفا في ذلك هل هو بيع أو هبة .. فلا تحالف كما سيأتي في آخر الباب.
لكن خصوص البيع ليس بشرط؛ لأن التحالف يجري في عقود المعاوضات كالسلم والكتابة وغيرهما.
وأورد على ضابط المصنف: ما إذا اختلفا في عين المبيع وعين الثمن معًا .. فإنه لا تحالف جزمًا مع أن الحد صادق عليه.
وقوله: (كقدر ثمن) صورته: أن يكون الذي يدعيه البائع هو الأكثر.
وقوله: (أو صفته) كالصحاح والمكسرة، وكذا الجنس أيضًا كالذهب والفضة.
واحترز بقوله: (ولا بينة) عما إذا أقامها أحدهما؛ فإنه يقضى له بها، فإن أقاما بينتين .. قضي بأسبقهما تاريخًا، وإلا .. تحالفا تفريعًا على قول التساقط، وعلى قول الاستعمال لا يأتي هنا قول القسمة بل يتوقف إلى ظهور الحال، وبقولنا في التحالف قال أبو حنيفة.
وقال أبو ثور وزفر: القول قول المشتري مع يمينه مطلقاً، وهي رواية عن مالك، وعنه رواية أخرى: أن القول قول من الشيء في يده، ولم يقل أحد: أن القول قول البائع مطلقًا.
قال: (فيحلف كل على نفي قول صاحبه وإثبات قوله)؛ لأنه يدعي عقدًا وينكر عقدًا فينفي ما ينكره ويثبت ما يدعيه، وإنما يحلف الثاني بعد أن يعرض عليه ما حلف عليه الأول فينكره.
قال: (ويبدأ بالبائع)، لما روى النسائي [7/ 303] عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر البائع أن يحلف ثم يختار المتباع فإن شاء .. أخذ، وإن شاء .. ترك)، ولأن جانبه بعد التحالف أقوى؛ إذ المبيع يرجع إلى ملكه، والأصل في اليمين: أن تكون في جهة من قويَ جانبه، هذا نص الشافعي رضي الله عنه هنا، ونص أيضًا في السلم والكتابة على البداءة بالمسلم إليه والسيد، ونص في النكاح على البداءة بالزوج، وهو في رتبة المشتري، ونص في الدعاوى على

-وَفِي قَوْلٍ: بِالْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ– فَيَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَيُقَدَّمُ النَّفْيُ فَيَقُولُ: مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا  التخيير، فلذلك اختلف الأصحاب على ثلاث طرق.
قال: (وفي قول: بالمشتري)؛ لأن البائع يدعي عليه زيادة ثمن والأصل براءة ذمته عنها.
قال: (وفي قول: يتساويان)؛ لأن كل واحد منهما مدع ومدعي عليه.
قال: (فيتخير الحاكم) أي: إذا قلنا بالتساوي .. فوجهان: أصحهما: يتخير الحاكم كما لو تداعيا عينًا في يديهما.
قال: (وقيل: يقرع) كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه، ويجري التحالف في الحوالة أيضًا.
قال: (والصحيح: أنه يكفي كل واحد يمين تجمع نفيًا وإثباتًا)؛ لأنه أقرب إلى فصل الخصومة، وهذا هو المنصوص.
والثاني: يفرد النفي بيمين والإثبات بأخرى؛ لأنه مدع ومدعيً عليه وهو مخرج، واختاره ابن سريج، وهو القياس، فكان ينبغي أن يعبر بالمذهب.
قال: (ويقدم النفي)؛ لأنه الأصل في اليمين، وإنما ينتقل إلى الإثبات بنكول أو شاهد أو لوث.
وقال الإصطخري: يقدم الإثبات كاللعان.
وعن ابن القطان: لا ترتيب، بل إن بدأ أحدهما بالنفي .. حلف الآخر على الإثبات ليكون بضده، وإن بدأ بالإثبات .. حلف الثاني على النفي، والخلاف في الاستحباب على الأصح عند الرافعي وعند الشيخ أبي حامد، وطائفة في الوجوب.
قال: (فيقول: ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا) وكذلك المشتري يقول: ما اشتريت بكذا ولقد اشتريت بكذا، وفي قول مخرج: يكفي يمين النفي كسائر الخصومات.

وَإِذَا تَحَالَفَا .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ، بَلْ إِنْ تَرَاضَيَا، وَإِلَّا .. فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ،  ومقتضى ما يقوله الشافعي رضي الله عنه والأصحاب من أن الاستثناء من النفي إثبات: جواز الاقتصار على قول البائع: إنما بعت بكذا، وعلى قول المشتري: إنما اشتريت بكذا، وكذلك ما بعت إلا بكذا، وما اشتريت إلا بكذا، وهو المنصوص، لكن المذهب الأول.
قال: (وإذا تحالفا .. فالصحيح: أن العقد لا ينفسخ)؛ لأن كلًا منهما قصد بيمينه إثبات الملك فلم يجز أن يكون موجبه الفسخ، ولأن البينة أقوى من اليمين، ولو أقام كل منهما بينة على ما يقوله .. لم ينفسخ العقد فباليمين أولى، ولأن العقد وقع صحيحًا باتفاقهما فلا ينفسخ إلا بالفسخ كسائر العقود.
والثاني –ونسب إلى اختيار المزني-: أنه ينفسخ بنفس التحالف كما ينفسخ النكاح بتحالف المتلاعنين.
قال: (بل إن تراضيا، وإلا .. فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم) أما الجواز لهما .. فلأنه فسخ لاستدراك الظلامة في البيع، فأشبه الرد بالعيب، وأما الجواز للحاكم .. فلقطع المنازعة.
قال: (وقيل: إنما يفسخه الحاكم)؛ لأنه مجتهد فيه، فأشبه العُنة، والإعسار على تناقض وقع للرافعي في ذلك سيأتي، وهذا الوجه قال في (المهمات): عليه الأكثرون، واختاره الشيخ، قال: وعبارة المصنف توهم أن كلًا من الثلاثة له الابتداء بالفسخ، ولم أره لأحد قبل الرافعي، ويجب تأويله على أن الفسخ لهما أو للحاكم عند امتناعهما، ويرشد إليه قول الرافعي: إن الحاكم إنما يفسخ إذا استمرا على النزاع، أما أن الحاكم بعد فراغهما من التحالف يقول: فسخت .. فلا.
قال القاضي حسين: وإذا رضي أحدهما بما قاله صاحبه .. لم يكن له الرجوع عن قوله كما لو رضي بالعيب.
قال: (ثم على المشتري رد المبيع)؛ ليصل إلى مالكه سواء قلنا بالفسخ أو الانفساخ.

فَإِنْ كَانَ وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ مَاتَ .. لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَهِيَ قِيْمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،  فرع: الأصح: حل وطء الجارية المبيعة بعد التنازع وقبل التحالف.
والثاني: لا، لإشرافها على الزوال، وفي الوطء بعد التحالف وقبل الفسخ وجهان مرتبان، وأولى بعدم الحل.
قال: (فإن كان وقفه أو أعتقه أو باعه أو مات .. لزمه قيمته)؛ لقيامها مقام العين سواء كانت القيمة أكثر من الثمن الذي يدعيه أم لم تكن.
وفي وجه ضعيف: لا يستحق البائع زيادة على ما ادعاه.
ثم إن المصنف أطلق القول بلزوم القيمة سواء كان المبيع مثليًا أو متقومًا.
ومحل الوفاق فيه: إذا كان متقومًا، وإلا .. فالأصح: وجوب القيمة أيضًا.
والمشهور –كما قاله في (المطلب) -: وجوب المثل، وهو كالخلاف في البيع الفاسد، والصحيح فيه: وجوب المثل أيضًا.
قال: (وهي قيمة يوم التلف في أظهر الأقوال)؛ لأن الفسخ رفع العقد من حينه، وقبل التلف لم يتعلق للبائع حق، وإذا كنا نقول في المستام والعارية: القيمة يوم التلف .. فههنا أولى.
والثاني: بقيمته يوم القبض؛ لأنه يوم دخوله في ضمانه.
والثالث: أقصى قيمة من القبض إلى التلف كالبيع الفاسد، وصححه الروياني وصاحب (المهذب).
والرابع: أقل قيمة من العقد إلى القبض، والمصنف تبع (المحرر) في حكايتها أقوالًا، والراجح في (شرح المهذب) و (الروضة): أنها أوجه.

فَإِنْ تَعَيَّبَ .. رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، واخْتِلَافُ وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، فَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهِ .. فَلَا تَحَالُفَ، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ  قال: (فإن تعيب رده مع أرشه) وهو ما نقص من القيمة؛ لأن ما ضمن كله بالقيمة ضمن بعضه ببعضها إلا في الزكاة المعجلة كما تقدم.
ولو كان المبيع جارية فوطئها المشتري ثم تحالفا وردها إن كانت ثيبًا .. فلا شيء عليه، وإن كانت بكرًا .. رد معها أرش البكارة.
قال: (واختلاف ورثهما كهما)؛ لأنها يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في دعوى المال، وكذا اختلاف أحدهما ووارث الآخر كما صرح به في الكتاب في آخر (الصداق)، وستأتي كيفية حلف الوارث هناك.
ويجوز للوارث الحلف إذا غلب على ظنه صدق مورثه.
ولو كان الوارث أكثر من واحد فصدق بعضهم وأنكر البعض .. قال الشيخ: الذي يظهر جواز التحالف بين العاقد والمنكر الواحد.
ولو كان الوارث محجورًا عليه .. ففي حلف وليه خلاف حكاه الإمام في (كتاب الصداق).
والأصح: جواز التحالف بين الوليين في مال المحجور عليه، وبين ولي الصغيرة والمجنونة والزوج، وبين ولي الطفل والمشتري، وبين الوكيلين في العقد لا في الخصومة فقط.
وقول المصنف: (كهما) فيه إدخال (الكاف) على ضمير الغائب وهو قليل، ولذلك قال في (المحرر): كاختلافهما.
قال: (ولو قال: بعتكه بكذا، فقال: بل وهبتنيه .. فلا تحالف، بل يحلف كل على نفي دعوى الآخر)؛ لعدم اتفاقهما على عقد.
وقال المتولي والفوراني: يتحالفان.

فَإِذَا حَلَفَا .. رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ بِزَوَائِدِهِ.
وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْعِ وَالآخَرُ فَسَادَهُ .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ  وعن صاحب (التقريب) رواية قول: أن القول قول مدعي الهبة؛ لأنه مالك باتفاقهما.
قال: (فإذا حلفا .. رده مدعي الهبة بزوائده)؛ لأنه لا ملك له في الظاهر.
قال: (ولو ادعى صحة البيع والآخر فساده .. فالأصح: تصديق مدعي الصحة بيمينه)؛ لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة، وكما لو فرغ من الصلاة ثم شك هل ترك ركنًا .. لا يجب الإتيان به.
والثاني –وبه قال البغوي-: أن القول قول مدعي الفساد، وفي (التنبيه) حكاهما قولين، وفي (المهذب) وجهين.
ولو أبدل المصنف لفظة البيع بالعقد .. كان أعم؛ فإن الخلاف جار في عقود المعاوضات كالإجارة والنكاح وغيرهما.
لكن يستثنى منه: ما إذا باع ذراعًا من أرض وهما يعلمان ذرعانها فادعى البائع: أنه أراد ذراعًا معينًا حتى لا يصح العقد لاختلاف الغرض في تعيينه، وادعى المشتري: الشيوع حتى يصح العقد .. ففي المصدق منهما احتمالان: أصحهما في زوائد (الروضة): تصديق البائع؛ لأنه أعرف بإرادته.
وإذا اختلفا: هل وقع الصلح على إنكار أو اعتراف؟ فالصواب تصديق مدعي الإنكار؛ لأنه الغالب.
وإذا قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور علي وعرف ذلك من السيد .. فهو المصدق.
ولو قال المشتري: ما رأيت المبيع وكذبه البائع .. ففي (فتاوى الغزالي) القول قول البائع.
قال في (الروضة): هذه مسألة اختلافهما في مفسد العقد، والأصح: قول مدعي الصحة، ووافقهما الشيخ على ذلك؛ لأنه الظاهر في العقود، ورد عليهما في (المهمات).

وَلَو اشْتَرَى عَبْدًا فَجَاءَ بِعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ .. صُدِّقَ الْبَائِعُ، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ  وقال المنقول: في المسألة تصديق المشتري؛ لأن الأصل عدم رؤيته، وفي عكسه أفتى صاحب (البيان) بأن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم رؤيته، وخالفه بعض أهل اليمن عملًا بالظاهر.
أما إذا اختلفا في القبض .. فالقول قول المشتري.
ولو باع الثمرة قبل بدو الصلاح ثم اختلفا في شرط القطع .. فينبغي أن يكون كاختلافهما في الرؤية.
قال: (ولو اشترى عبدًا فجاء بعبد معيب ليرده، فقال البائع: ليس هذا المبيع .. صدق البائع) بلا خلاف؛ لأن الأصل السلامة وبقاء العقد.
قال: (وفي مثله في السلم يصدق المسلم في الأصح)؛ لأنه لم يعترف بقبض ما ورد العقد عليه، وفي البيع اتفقا على قبض ما اشتراه وتنازعا في سبب الفسخ والأصل عدمه.
والثاني: يصدق المسلم إليه كالبيع، والوجهان جاريان في الثمن في الذمة.
تتمة: باع شيئًا ومات، فظهر: أن المبيع كان لابن الميت، فقال المشتري: باعه عليك أبوك في صغرك لحاجة، وصدقه الابن على البيع في صغره، ولكن قال: لم يبع علي بل باعه لنفسه متعديًا .. قال الغزالي في (الفتاوى): القول قول المشتري؛ لأن الأب نائب الشرع فلا يتهم إلا بحجة، كذا في زوائد (الروضة) هنا، وفي (الشرح) و (الروضة) في آخر (باب الحجر).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خاتمة اختلفا في الثمن بعد الإقالة .. فيه في زوائد (الروضة) ثلاثة أوجه: أصحها: أن القول قول البائع.
والثاني: قول المشتري.
والثالث: يتحالفان وتبطل الإقالة.
وتصوير هذه المسألة مشكل؛ لأنه إن كان قبل قبض الثمن .. فلا فائدة في الاختلاف؛ لأنه ساقط عن المشتري كيف كان، وإن كان بعد قبضه .. فالمصدق البائع؛ لأنه غارم، ومجيء الخلاف بعيد لاسيما التحالف؛ إذ لا فائدة فيه.


بَابٌ الْعَبْدُ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ

باب

ترجمه الشافعي رضي الله عنه بـ (باب مداينة العبيد)، ولا شك أن العبد محجور عليه لحق السيد فلا يصح تصرفه إلا بإذنه كما سيأتي.
قال الإمام: تصرفات الرقيق ثلاثة أقسام: الأول: ما لا ينفذ وإن أذن السيد فيه كالولايات والشهادات.
والثاني: ما ينفذ بغير إذن السيد كالعبادات والطلاق ونحوهما.
والثالث: ما يتوقف على الإذن كالبيع والإجارة.
قال: (العبد إن لم يؤذن له في التجارة .. لا يصح شراؤه بغير إذن سيده في الأصح)؛ لأنه محجور عليه لنقص فأشبه السفه، ولأنه لو صح .. فإما أن يثبت الملك له وليس أهلًا لذلك، أو للسيد بعوض في ذمته ولم يرض به، أو في ذمة العبد وهو ممتنع؛ لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلزمه الآخر.
والثاني: يصح، وبه قال أبو حنيفة وابن أبي هريرة وابن أبي عصرون، ونسبه الماوردي إلى الجمهور؛ لأنه يعتمد الذمة ولاحجر على ذمته، وإذا قلنا بهذا .. فهل الملك له أو للسيد؟ فيه وجهان: قطع المتولي بالثاني، والإمام بالأول.
والخلاف كالخلاف فيما إذا اشترى المفلس شيئًا بثمن في ذمته، لكن الأصح هناك: الصحة كما سيأتي، والخلاف جار في عقود المعاوضات كلها خلا النكاح.
ولو كان لرجلين عبد فأذن له أحدهما في التجارة .. لم يصح حتى يأذن الآخر.
قال: (ويسترده البائع سواء كان في يد العبد أو سيده)؛ لأنه باق على ملكه، ولو أدى الثمن من مال السيد .. فله استرداده أيضًا.

فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ .. تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ .. فَلِلْبَائِعِ تَضْمِينُهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
واقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الإِذْنِ،  وعبارة الكتاب فيها خلل؛ لحذف الهمزة من (أكان) والإتيان بـ (أو) موضع (أم).
قال: (فإن تلف في يده .. تعلق الضمان بذمته)؛ لأنه ثبت برضا مستحقه ولم يأذن السيد فيه، فأتبع به إذا عتق، فإن صححنا شراءه .. فالثمن في ذمته بلا خلاف؛ لرضا صاحبه وعدم إذن السيد.
قال: (أو في يد السيد .. فللبائع تضمينه)؛ لأنه وضع يده عليه.
قال: (وله) أي: للبائع (مطالبة العبد بعد العتق)؛ لتعلقه بذمته، لا قبل العتق؛ لأنه معسر، ولو أدى الثمن من مال السيد .. فله استرداده.
قال: (واقتراضه كشرائه) في الخلاف وجميع ما سبق؛ لأنه عقد معاوضة مالية فكان كالشراء، وكذلك ضمانه، وسيأتي: أن الأصح في الثلاثة: المنع.
والأصح: صحة قبوله الهبة والوصية بغير إذن السيد، فلو اشترى أو باع لغيره وكالة بغير إذن .. لم يصح في الأصح؛ لأن منافعه مستحقة للسيد، ولو أعطاه أجنبي متاعًا ليحمله بغير إذن مولاه أو استعمله في شغل بغير إذنه فهرب أو مات في الطريق .. ضمنه.
وله بإذنٍ إجارة نفسه، وكذا بيعها ورهنها في الأصح.
قال: (وإن أذن له في التجارة .. تصرف بحسب الإذن)؛ لأن المنع كان لأجل السيد وقد ارتفع بإذنه، وأما كونه بحسب الإذن .. فكالمضارب.
ويستفيد بالإذن في التجارة كل ما دخل تحت اسمها وما هو من لوازمها، كالنشر، والطي، وحمل المتاع إلى الحانوت، والرد بالعيب، وتسليم المبيع، وقبض

فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ .. لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلَيْسَ لَهُ النِّكَاحُ، وَلَا يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلَا يَاذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَتَصَدَّقَ، وَلَا يُعَامِلَ سَيِّدَهُ.
وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ،  الثمن، والمخاصمة في العهدة، كذا ذكروه.
ويشبه أن يأتي فيه ما في عامل القراض من الخلاف.
ولا يبيع نسيئة ولا بدون ثمن المثل بقدر لا يتغابن به.
هذا إذا دفع إليه السيد مالًا، أما إذا قال: اتجر ولم يعطه مالًا .. فإنه يجوز كالوكيل، وله في هذه الحالة البيع والشراء بالنسيئة، فإن فضل في يده شيء .. كان كما لو دفع إليه المال.
قال: (فإن أذن له في نوع .. لم يتجاوزه) كعامل القراض، وكذا لو أذن له في التجارة شهرًا أو سنة .. لم يصر مأذونًا بعد تلك المدة، خلافًا لأبي حنيفة فيهما.
قال: (وليس له النكاح) كما أن المأذون له في النكاح ليس له أن يتجر؛ لأن اسم كل منهما غير متناول للآخر.
قال: (ولا يؤجر نفسه)؛ لأن مطلق الإذن في التجارة لا يتناول ذلك، أما عبيد التجارة .. فالأصح: أن له إيجارهم؛ لأن التجار يعتادون ذلك.
وأعرب الشيخ (يؤجرَ) بفتح الراء عطفًا على المصدر، وتقديره: أن ينكح ويؤجر.
قال: (ولا يأذن لعبده في التجارة) المراد: إذا اشترى المأذون عبدًا للتجارة وأراد أن يأذن له في التجارة .. لم يجز؛ لأن السيد لم يأذن فيه، وجوزه أبو حنيفة.
قال: (ولا يتصدق)؛ لأنه غير مالك ولا متبرع، وكذلك لا يتخذ دعوة للمجهزين كما يفعله التجار؛ لأنه نوع هبة، وخالف فيه أبو حنيفة أيضًا.
قال: (ولا يعامل سيده)؛ لأن تصرفه للسيد بخلاف المكاتب.
قال: (ولا ينعزل بإباقه) بل له أن يتصرف على الأصح في البلد الذي انتقل إليه؛ لأن الأصل استمرار الإذن والإباق معصية لا توجب الحجر، اللهم إلا أن يخص السيد

وَلَا يَصِيرُ مَاذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ.
وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ .. لَمْ يُعَامِلْهُ حتَّى يَعْلَمَ الإِذْنَ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ،  التصرف بالبلد الأول؛ فإنه لا يتصرف بغيره.
وقال أبو حنيفة: ينعزل بالإباق والخروج عن الطاعة، ووافقنا على: أنه لو أذن له في النكاح فأبق .. لا يبطل الإذن.
ولو أذن لأمته في التجارة ثم استولدها .. لم تنعزل قطعًا، خلافًا لأبي حنيفة، ووقع في (الروضة) و (الجواهر): لم تنعزل على الصحيح، فأشعر بوجه لا وجود له في شيء من كتب المذهب.
قال: (ولا يصير مأذونًا له بسكوت سيده على تصرفه) وكذا لو رآه يتزوج فسكت .. لا يكون إذنًا؛ لما اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لا ينسب إلى ساكت قول.
قال: (ويقبل إقراره بديون المعاملة)؛ لأنه قادر على الإنشاء سواء أقر لأبيه أو ابنه أو أجنبي.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقراره لأصله وفروعه، والمصنف أعاد المسألة في (الإقرار).
قال: (ومن عرف رق عبد .. لم يعامله حتى يعلم الإذن بسماع سيده أو بينة أو شيوع بين الناس)؛ لأن الأصل عدم الإذن، فإن عامله ثم ظهر أنه مأذون .. فكما لو باع مال أبيه على ظن حياته فإذا هو ميت.
وكان ينبغي للمصنف أن يقول: ومن عرف رق شخص؛ لأن العبد معلوم الرق.
واحترز بقوله: (ومن عرف) عمن جهل رق شخص وحريته.
وفي جواز معاملته قولان: أظهرهما: الجواز؛ لأن الأصل والغالب الحرية.
ومحل هذا الخلاف في غير الغريب، فإن كان غريبًا .. جازت معاملته جزمًا؛ للحاجة.

وَفِي الشُّيُوعِ وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ  وأطلق المصنف (العلم) ومراده: الظن الغالب، لكن عبارته تقتضي: أنه لا يجوز بخبر عدل واحد.
قال الشيخ: وينبغي أن يجوز؛ لأنه يحصل الظن وإن كان لا يكفي عند الحاكم، كما أنه يكتفى بسماعه من سيده والشيوع ولا يثبت بذلك عند الحاكم.
ولو عرف كونه مأذونًا فعامله ثم امتنع من التسليم إليه حتى يشهد على الإذن .. فله ذلك؛ خوفًا من إنكار السيد، كما لو صدق مدعي الوكالة بقبض الحق ثم امتنع من التسليم إليه حتى يشهد الوكيل على الوكالة.
قال: (وفي الشيوع وجه)؛ لأن الحجر محقق وزواله مشكوك فيه.
قال: (ولا يكفي قول العبد) أي: إنه مأذون؛ لأن الأصل عدمه، فأشبه ما إذا قال الراهن: أذن المرتهن في بيع المرهون.
ولو علمه مأذونًا، فقال العبد: حجر عليَّ سيدي .. لم تجز معاملته ولو كذبه السيد في الأصح؛ لأنه العاقد وهو يقول: العقد باطل.
ولو عزل المأذون نفسه .. لم ينعزل؛ لأن التصرف حق للسيد فلا يقدر على إبطاله، بخلاف الطلاق، فإنه يملكه؛ لأن النفع في النكاح له، وبخلاف الوكيل؛ لأنه ليس عليه طاعة الموكل وعلى العبد طاعة السيد.
ولو باع السيد العبد المأذون أو أعتقه .. فالأصح: انعزاله، وفيما إذا كاتبه وجهان.

فَإِنْ بَاعَ مَاذُونٌ لَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً .. رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِبَدَلِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ .. فَلَا.
وَلَوِ اشْتَرى سِلْعَةً .. فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلَافُ.
وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا ذِمَّةِ سِيِّدِهِ،  ولو دبره أو رهنه .. لم يبطل الإذن جزمًا.
قال: (فإن باع مأذون له وقبض الثمن، فتلف في يده، فخرجت السلعة مستحقة .. رجع المشتري ببدله) أي: ببدل الثمن (على العبد)؛ لأنه المباشر للعقد فالعهدة تتلعق به.
وقيل: لا رجوع عليه؛ لأن يده يد السيد.
وفي نسخة المصنف: ببدلها، أي: ببدل العين، وهو سهو، والذي في (المحرر) و (الروضة): ببدله، وهو الصواب.
قال: (وله مطالبة السيد أيضًا)؛ لأن العقد له، فكأنه البائع والقابض.
قال: (وقيل: لا)؛ لأن السيد جعله بالإذن مستقلًا.
قال: (وقيل: إن كان في يد العبد وفاء .. فلا)؛ لحصول غرض المشتري، وإلا .. فيطالب.
قال: (ولو اشترى سلعة .. ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلاف)؛ للمعاني المذكورة.
قال: (ولا يتعلق دين التجارة برقبته)؛ لأن ما يثبت برضا المستحق لا يتعلق بالرقبة.
قال: (ولا ذمة سيده)؛ لأنه وجب بمعاوضة مقصودة أذن فيها السيد فوجب أن يكون متعلقًا بالكسب كالنفقة في النكاح.
ووقع في (الشرح) و (الروضة) و (المحرر) كما في الكتاب: أنه لا يتعلق بذمة السيد، وهو مخالف لقوله قبل هذا: إنه يطالب السيد ببدل الثمن التالف في يد

بَلْ يُؤَدَّى مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا مِنْ كَسْبهِ بِاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ فِي الأَصَحِّ.
وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ  العبد وبثمن السلعة التي اشتراها أيضًا.
قال في (المطلب): ولا يجمع بينهما بحمل الأول على مجرد المطالبة والثاني على بيان محل الدفع؛ فإن الوجه الثالث –القائل بأنه إن كان في يد العبد وفاء .. لم يطالب، وإلا .. طولب- يأبى ذلك.
قال في (المهمات): وسبب هذا التناقض: أن المذكور أولًا طريقة الإمام وهي ضعيفة، وثانيًا طريقة الأكثرين، فجمع الرافعي بينهما فلزم ما لزم.
قال: (بل يؤدى من مال التجارة) سواء فيه الربح ورأس المال؛ لاقتضاء العرف والإذن ذلك.
قال: (وكذا من كسبه باصطياد ونحوه في الأصح) كما يتعلق به المهر ومؤن النكاح، ثم ما فضل يكون في ذمته يتبع به إذا عتق.
والثاني: لا، كسائر أموال السيد.
وحيث بقي عليه شيء .. تعلق بذمته، والأصح: أنه لا يتعلق بكسبه بعد الحجر.
قال: (ولا يملك العبد بتمليك سيده في الأظهر) كما لا يملك بالإرث وتمليك غير السيد، ولأنه مملوك فأشبه البهيمة، وهذا هو الجديد، وبه قال أبو حنيفة.
والقديم: يملك، وبه قال مالك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من باع عبدًا وله مال) فأضاف المال إليه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وعن أحمد روايتان كالقولين.
فلو عبر المصنف بالجديد .. كان أولى؛ لأن مقابله قديم.
تتمة: إذا قلنا بالقديم .. فهو ملك ضعيف لا بتجب فيه الزكاة على العبد ولا على السيد، فإن ملكه جارية وقلنا بالقديم .. فللعبد أن يطأها بإذن السيد في الأصح، وهل يحتاج إلى قبول من العبد على القول القديم؟ وجهان مبنيان على إجباره على النكاح، قاله المتولي.


خاتمة لو قال السيد له: ملكتك ما تحتطب وتصطاد وتتهبه .. لم يملك عند وجود هذه الأسباب وإن قلنا: يملك بتمليك سيده.
وإذا مات المأذون وعليه ديون مؤجلة وفي يده مال .. حلت كما تحل بموت الحر، أفتى به القاضي حسين.
وإذا استودع بغير إذن وأتلفها .. تعلق الغرم برقبته في الأصح، ووقع في (الحاوي الصغير): أنه في كسبه كالمهر والنفقة، والله أعلم.


كِتَابُ السَّلَمِ

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل