هو في اللغة: النداء على المفلس وشهرته بصفة الإفلاس.
وفي الشرع: جعل القاضي من عليه الدين مفلسًا بمنعه من التصرف في ماله.
وأفلس الرجل: صار ماله فلوسًا، كأجنب أي: صار جنبًا، وقيل: صار إلى حالة يقال فيها: ليس معه فلس، إذا ذهب ذهبه وفضت فضته.
وافتتح الباب في (المحرر) بما روى الدارقطني [4/ 230] وصحح الحاكم [3/ 274] عن كعب بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ، وباع ما له في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس لكم إلا ذلك) ثم بعثه إلى اليمن وقال: (لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك) فلم يزل باليمن حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم).
وبما روى مسلم [1559/ 24] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها .. فهو أحق بها من الغرماء) وهو أصرح من الرواية المشهورة: (أيما رجل مات أو أفلس .. فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه)؛ فإن الحنفي يحمله على المغصوب والعواري.
قال: (من عليه ديون حالة زائدة على ماله يحجر عليه)؛ للحديث المتقدم.
والمراد بـ (الديون): الجنس؛ لأن الدين الواحد يحجر به، فلو لم يكن عليه إلا
بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ
ديون مؤجلة وطلب أصحابها الحجر، وقلنا بالإفلاس بحل الديون .. لم يحجر عليه بها على الأصح؛ لأن طلب الحجر فرع طلب الدين والمؤجل لا يطلب.
وعبارة المصنف تقتضي: أنه لا يحجر عليه إذا لم يكن له مال، وتوقف فيه الرافعي.
قال: وجاز أن يقال: يجوز؛ منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد أو اتهاب.
وقوله: (يحجر عليه) أي: يجب على الحاكم ذلك، كما صرح به في زوائد (الروضة) عن الأصحاب، وعبر في (المحرر) –تبعًا للإمام وغيره- بجوازه، فعدل عنها المصنف لذلك.
قال: ولعل مرادهم: أن القاضي يفعل المصلحة من الحجر والبدار إلى البيع.
قال: (بسؤال الغرماء)؛ لأن ذلك لمصلحتهم، فإنه قد يخص بعضهم بالوفاء فيضر بالباقين، وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع.
قال في (الكفاية): ومن هذه العلة يستنبط: أن المال لو كان مرهونًا .. امتنع الحجر، ولم أقف عليه منقولًا.
ولفظ (المال) يطلق على الأعيان وعلى الديون كما صرحوا به في (الأيمان)، وعلى المنافع كما صرح به الرافعي في (الوصية).
وَلَا حَجْرَ بِالْمُؤَجَّلِ.
وَإِذَا حُجِرَ بِحَالٍّ .. لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ فِي الأَظْهَرِ
فأما اعتبار العين .. فواضح، لكن ما لا يصل إلى الأداء منه كالمغصوب والغائب ينبغي عدم اعتباره، والدين إن كان حالًّا على مليء مقر .. اعتبر، وإلا .. فلا.
وأما المنفعة .. فلا اعتبار بها كما سيأتي في الكلام على إيجار أم الولد الموقوفة.
والمراد: الغرماء المطلقون التصرف، أما المحجور عليهم .. فسيأتي حكمهم.
قال شيخنا: وفي الحجر بدين الله تعالى إذا طلبه من له طلبه نظر، وكذا الحجر بالدين على الصبي ونحوه، وعبارة المصنف تشمله، فإن رأينا الحجر به .. حجر على الولي في مال المحجور عليه، أم المكاتب .. فلا يحجر عليه بالتماس السيد النجوم؛ لأنه متمكن من إسقاطها.
و (الغرماء): جمع غريم، وقد تقدم ذكره في (صلاة الجماعة).
قال: (ولا حجر بالمؤجل)؛ لأنه لا يطالب به الآن.
ولو كان بعضه حالًّا وبعضه مؤجلًا، فإن كان الحال قدرًا يحجر به .. حجر، وإلا .. فلا.
قال: (وإذا حجر بحالٍّ .. لم يحل المؤجل في الأظهر)؛ لأن الأجل حق مقصود له فلا يفوت عليه، وهذا نص (المختصر).
والثاني: يحل كالموت، وبه جزم في (البويطي)، لكن تعبيره بـ (الأظهر) مخالف لتعبير (الروضة) بـ (المشهور).
وأجاب الشيخ عن الأول بأن ذمة الميت خربت.
وإذا قلنا: يحل المؤجل بالإفلاس، فإذا أزيل عنه الحجر وبقي بعض الأجل .. قال القفال: يعود الحق مؤجلًا، وهذا فرع غريب في تأجيل الحال، وهو مبني على مسألة الزائل العائد.
وَلَوْ كَانَتِ الدُّيُونُ بِقَدْرِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ .. فَلَا حَجْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِه .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ
وفي الحلول بالجنون ثلاث طرق:
أحدها: يحل به؛ لأنه لا استقلال له كالميت وقيمه كالوارث.
والثاني: لا يحل به؛ لأن قيم المجنون له أن يبتاع له بثمن مؤجل عند ظهور المصلحة، فإذا لم يمنع الأجل ابتداء .. فأولى أن لا يقطعه دوامًا.
والثالث: قولان، والأصح: أنه لا يحل مطلقًا.
قال الشيخ: ولم يصرح الرافعي بتصحيح في ذلك، لكنه الذي يفهم من كلام الأصحاب.
ووقع في (الروضة): ولو جن وعليه مؤجل .. حل على المشهور وهو مكتوب على كشط ومضروب عليه، ثم كشط الضرب.
قال الشيخ: ولا ريبة في أن الصحيح: عدم الحلول.
وفي الحلول باسترقاق الحربي خلاف مرتب على المفلس، وأولى بالحلول.
وبحل الدين أيضًا بالردة المتصلة بالموت، كما اتفقوا على أنه يحل بالموت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ذمة الميت معلقة بدينه حتى يقضى عنه).
قال: (ولو كانت الديون بقدر المال، فإن كان كسوبًا ينفق من كسبه .. فلا حجر)؛ لأنه لا حاجة إليه، بل يأمره بقضاء الدين.
قال: (وإن لم يكن كسوبًا وكانت نفقته من ماله .. فكذا في الأصح)؛ لتمكنهم من المطالبة في الحال.
وَلَا يُحْجَرُ بِغَيْرِ طَلَبٍ.
وَلَوْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ وَدَيْنُهُ قَدْرٌ يُحْجَرُ بِهِ.
حُجِرَ، وَإِلَّا .. فَلَا.
وَيُحْجَرُ بِطَلَبِ الْمُفْلِسِ فِي الأَصَحِّ
والثاني: يحجر؛ لئلا يذهب ماله، واختاره الإمام.
قال: (ولا يحجر بغير طلب)؛ لأن الحق لهم وهم أعرف بمصالحهم، فلو كانت الديون لمجانين أو صبيان أو محجور عليهم بسفه .. حجر لمصلحتهم بلا التماس، ولا يحجر لدين الغائبين؛ لأنه لا يستوفى ما لهم في الذمم، إنما تحفظ أعيان أموالهم، على أن في المسألة تناقضًا بيَّنه في (المهمات).
قال: (ولو طلب بعضهم ودينه قدر يحجر به .. حجر)؛ لئلا يضيع حقه بتكاسل غيره، ولأنه كجميع الغرماء إذا طلبوا، ثم لا يختص الحجر به بل يعم أثره الجميع.
والمراد بكونه (يحجر به): أن يكون زائدًا على ماله، أو مساويًا له على الوجه المتقدم.
قال: (وإلا .. فلا) أي: إذا لم يكن دين الطالب زائدًا على الأصح، ولا مساويًا له على ذلك الوجه .. فلا حجر؛ لأن دين الطالب ممكن وفاؤه بكماله ولا ضرر إلى طلب الحجر، هذا هو المشهور.
واختار الجويني والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والمتولي: أنه يحجر به، وقواه المصنف.
قال: (ويحجر بطلب المفلس في الأصح)؛ لأن له فيه غرضًا ظاهرًا.
وفي (الرافعي): أنه الحجر على معاذ رضي الله عنه كان بسؤاله، وهذا لم يثبت، بل في (النهاية): أنه كان بسؤال الغرماء.
والثاني: لا يحجر؛ لأن الحرية والرشد ينافيان الحجر، وإنما جوز بسؤال الغرماء للضرورة، واختاره الشيخ، قال: وصورة المسألة: أن يثبت الدين بدعوى
وَإِذَا حُجِرَ .. تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى حَجْرِهِ لِيُحْذَرَ
الغرماء وإقامتهم البينة على إقراره ولم يطلبوا الحجر، ويطلب هو، أو كان القاضي عالمًا بثبوت الدين وقلنا: يعتمد العلم، أما بدون ذلك .. فلا يكفي طلب المفلس.
قال: (وإذا حجر .. تعلق حق الغرماء بماله) كالرهن؛ لأن ذلك فائدة الحجر سواء كان ماله عينًا أو دينًا أو منفعة.
قال شيخنا: وفي تعلقه بالدين المؤجل حتى لا يصح الإبراء منه نظر ظاهر، والظاهر: خلافه.
فعلى هذا: إذا حل .. هل يتعلق به جزمًا، أو يتخرج على الخلاف في الأموال الحادثة؟ فيه نظر.
ومعنى (التعلق بماله): أنه لا ينفذ تصرفه فيه بما يضر الغرماء، ولا تزاحمه الديون الحادثة.
واحترز بـ (حق الغرماء) عن ديون الله تعالى كالزكاة والكفارات والنذور؛ فإنها لا تتعلق بماله كما جزم به الشيخان في الباب الثاني من (كتاب الأيمان) بعد ذكرهما الأقوال في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي، وقالا: إن الأقوال لا تجري في المفلس، بل يقدم حق الآدمي ما دام حيًا.
قال الشيخ: ولم يحتج المصنف إلى ذكر المنع من التصرف كما ذكره غيره؛ لأن ذلك حقيقة الحجر.
قال: فإن قلت: الصحيح عند الرافعي والمصنف: أنه يحجر بسؤال المفلس، وذلك يدل على أن الحجر لنفسه .. فالجواب أنه لأجل الغرماء وإن جاز بسؤاله؛ لأن من مصلحته وفاء ديونه.
قال: (وأشهد على حجره ليحذر) وهذا الإشهاد مندوب على الأصح.
وَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ .. فَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ فَضَلَ ذَلِكَ عَنِ الدَّيْنِ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. لَغَا، وَالأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ.
وَلَوْ بَاعَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنِهمْ .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ
وقيل: واجب.
وقيل: شرط لا يصح الحجر إلا به.
والحاكم مخير في صيغة الحجر بين أن يقول: وقفت عليك مالك ومنعتك من التصرف، وأن يقول: حجرت عليك ومنعتك من التصرف.
ويستحب مع الإشهاد النداء عليه، ولم يقل أحد بوجوبه.
قال: (ولو باع أو وهب أو أعتق .. ففي قول: يوقف تصرفه)؛ لأنه محجور عليه لحق الغرماء، فيكون تصرفه موقوفًا كالمريض، وكذلك الحكم في وقفه وإجارته وغيرهما، ويصح تدبيره ووصيته؛ لنفوذهما بعد الموت.
قال: (فإن فضل ذلك عن الدين .. نفذ) كما إذا حصل إبراء أو بيع بزيادة ثمن.
قال: (وإلا .. لغا) أي: الجميع إن لم يفضل شيء؛ إلحاقًا له بالمريض، فإن فضل شيء لبعضها فقط .. لغا الأضعف فالأضعف، فيلغو الرهن ثم الهبة ثم البيع ثم الكتابة ثم الوقف ثم العتق، كذا في (الروضة).
وفي (المهذب): يحتمل عندي نقض الآخر فالآخر كالمريض، وصرح في (المطلب) بأن هذا القول غير القول بوقف العقود المنسوب إلى القديم، فإن ذاك إنما تحصل فيه الصحة أو الملك من حين الإجارة، وهنا يتبين أنه صح وملك من حين العقد، ومع هذا القول لا يسوغ للمفلس الإقدام على التصرف، بل يمنعه قولًا واحدًا.
قال: (والأظهر: بطلانه)؛ قياسًا على الرهن، وبه قال مالك والمزني، ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم فلا يصح تصرفه على مراغمة مقصود الحجر كالسفيه.
قال: (ولو باع ماله لغرمائه بدينهم .. بطل في الأصح)؛ لاحتمال أن يكون له غريم آخر فلا يصح من غير مراجعة القاضي.
فَلَوْ بَاعَ سَلَمًا أَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ .. فَالصَّحِيحُ: صِحَّتُهُ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ ...
والثاني: يصح كبيع الرهن للمرتهن، ,الوجهان مفرعان على الأظهر: أن بيعه للأجنبي باطل، فإن قلنا: يصح للأجنبي موقوفًا .. فههنا يصح جزمًا.
وظاهر عبارته: أن الخلاف في بيع جميع ماله فقط وليس كذلك، بل البعض كالجميع، فكان الصواب حذف لفظة (ماله).
وقوله (بدينهم): احترز به عما إذا باعه ببعضه أو بعين .. فإنه كالبيع من الأجنبي.
وصورة المسألة: أن يكون دينهم من نوع واحد، وباعهم بلفظ واحد، فإن باعهم مرتبًا .. بطل جزمًا، وإن باعهم معًا ودينهم مختلف .. بطل على الأصح.
ولو باع الأجنبي بإذن الغرماء .. لم يصح أيضًا على الأصح.
قال: (فلو باع سلمًا أو اشترى في الذمة .. فالصحيح: صحته، ويثبت في ذمته)؛ لأنه لا ضرر على الغرماء فيه.
والثاني: لا يصح كالسفيه، وكذلك الحكم في البيع الوارد على الذمة والقرض والإجارة، فلو قال: (فلو تصرف في ذمته) كما عبر الرافعي .. كان أولى.
وقوله: (فالصحيح صحته) صوابه: فالمشهور؛ لأن الثاني قول شاذ.
قال: (ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه)؛ إذا لا تعلق لذلك بالمال، والمراد: خلع الزوج، أما خلع الزوجة أو الأجنبي .. فلا ينفذهما في العين، وفي الدين الخلاف في السلم ونحوه.
وقال الغزالي في (الخلاصة): لا يتناول الحجر الطلاق ولا الإقرار بالنسب، ولا القصاص، ولا الاستيلاد، وبمثل ذلك عبر الشيخ أبو محمد في (مختصر وَاقْتِصَاصُهُ وَإِسْقَاطُهُ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَجَبَ قَبْلَ الْحَجْرِ .. فَالأَظْهَرُ: قَبُولُهُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ .....
المختصر)، ومسألة الاستيلاد غريبة لا تعرف إلا في هذين الكتابين.
قال: (واقتصاصه)؛ لما تقدم مع التشفي، والمراد: أنه إذا طلبه أجيب.
قال: (وإسقاطه) أي: ولو مجانًا في الأصح؛ لأنه مندوب إليه، وقد ذكره المصنف قبيل (الديات).
والثاني: لا؛ لأن فيه تضييعًا لحق الغرماء.
قال: (ولو أقر بعين أو دين وجب قبل الحجر .. فالأظهر: قبوله في حق الغرماء).
أما قبوله بالنسبة إليه .. فلا خلاف فيه؛ لأن المكلف يؤاخذ بإقراره، والقولان في قبوله في حق الغرماء أظهرهما –كما قال-: يقبل كإقرار المريض بدين يزاحم به الغرماء، ولأن ضرره في حقه أكثر فلا يتهم فيه.
وعلى هذا: لو أراد الغرماء تحليفه عليه .. لم يحلف؛ لأنه لو امتنع .. لم يفد؛ إذ لا يقبل رجوعه، وفي (فتاوى البغوي) وجه: أنه يحلف ويصح رجوعه.
والقول الثاني: لا يقبل إقراره في حقهم؛ لأن فيه إضرارًا بهم، ولأنه ربما واطأ المقر له، ولا فرق في الدين بين أن يطلقه أو يسنده لمعاملة أو إتلاف.
وقول المصنف: (وجب قبل الحجر) صفة للدين، ولا فرق في العين بين أن تكون مغصوبة أو عارية أو مستامة أو وديعة.
وفائدة القبول في الدين: مزاحمة الغرماء، وفي العين: تسليمها إليه.
وتعبيره بـ (الوجوب) أولى من تعبير (المحرر) و (الروضة) بـ (اللزوم)؛ ليدخل فيه ما وجب، ولكن تأخر لزومه إلى ما بعد الحجر كالثمن في المبيع المشروط فيه الخيار.
وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ مُطْلَقًا .. لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهمْ، وَإِنْ قَالَ: عَن جِنَايَةٍ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ.
وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ مَا كَانَ اشْتَرَاهُ
ولو أقر بسرقة توجب القطع .. قطع، وفي رد المسروق القولان، والقبول أولى؛ لعدم التهمة.
مهمة:
ادعى عليه بمال لزمه قبل الحجر فأنكر ونكل، فحلف المدعي، إن قلنا: النكول ورد اليمين كالبينة .. زاحم، وإن قلنا: كالإقرار وهو الأظهر .. فعلى القولين، كذا قاله الشيخان هنا، وهو وهم؛ فإن الصحيح في الدعاوى: أن الحكم لا يتعدى إلى ثالث إن جعلناه كالبينة، بل يكون قاصرًا عليهما، والذي قالاه هنا هو الوجه المرجوح في موضعه، حتى قال الرافعي في آخر (الشركة): إن الأئمة اتفقوا على ضعفه.
قال: (وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملة أو مطلقًا .. لم يقبل في حقهم) أما الأولى .. فلتقصير من عامله، وأما الثانية .. فلأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن، وهو ما بعد الحجر؛ لأنه المتحقق.
واحترز بـ (المعاملة) عما إذا أسنده لجناية وسيأتي.
قال: (وإن قال: عن جناية .. قبل في الأصح) كما لو أسند لزومه لما قبل الحجر.
والثاني: لا كما لو قال: عن معاملة، وكان الأحسن التعبير بـ (المذهب).
ولو أضاف الجناية إلى ما قبل الحجر .. فكما لو أضاف المعاملة إليه، وإن أطلق الجناية .. فكما لو أطلق الدين.
قال: (وله أن يرد بالعيب ما كان اشتراه)؛ لأنه من أحكام البيع الأول
إِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي الرَّدِّ.
وَالأَصَحُّ: تَعَدِّي الْحَجْرِ إِلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ بِالِاصْطيَادِ وَالْوَصِيَّةِ وَالشِّرَاءِ إِنْ صَحَّحْنَاهُ،
لا تصرف مبتدأ، قال القاضي حسين: ولا يجبر عليه، ويؤخذ ذلك من قول المصنف: (وله الرد)؛ لأنه لم يفوت حاصلًا، وإنما هو امتناع من الاكتساب.
ولم يصرح الرافعي بهذه المسألة لكنه نقل عن النص: أن المريض إذا اطلع على عيب فيما كان قد اشتراه في حال صحته فكان الأحوط الرد فتركه .. حسب من الثلث، فدل على أنه تفويت، فينبغي وجوب الرد في مسألة الكتاب.
قال: (إن كانت الغبطة في الرد)؛ عملًا بالمصلحة، فإن كانت في الإمساك .. لم يرد، بخلاف الفسخ والإجازة في زمن الخيار؛ فإنهما جائزان ولو بخلاف الغبطة على الأصح؛ لأن العقد حينئذ مزلزل فضعف تعلقهم به.
قال في (الشرح الصغير): ويجيء عليه: أن الرد بالعيب لا يقيد بالغبطة أيضًا، قال الشيخ: وليس كما قال.
وعبارة المصنف تقتضي: أنه لا يرد إذا لم تكن غبطة أصلًا، لا في الردة ولا في الإمساك، وفيه نظر، وليس في (الشرحين) ولا في (الروضة) تصريح به.
ولو تعذر الرد بحدوث عيب عنده .. استحق الأرش إن لم يرض البائع بالعيب الحادث، ولا ينفذ إبراؤه منه؛ لما فيه من إبطال حق الغرماء.
قال: (والأصح: تعدي الحجر إلى ما حدث بعده بالاصطياد والوصية والشراء إن صححناه)؛ لأن المقصود بالحجر وصول الحق إلى مستحقه، وهذا المعنى
وَأَنَّهُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ أَنْ يَفْسَخَ وَيَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَتَاعِهِ إِنْ عَلِمَ الْحَالَ، وَإِنْ جَهِلَ .. فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّعلُّقُ بِهَا .. لَا يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ بِالثَّمَنِ
يقتضي شمول الحجر للمال الحادث أيضًا.
والثاني: لا يتعدى؛ لأنه لم يكن موجودًا حالة الحجر.
وقيل: الوجهان فيما ملكه بالشراء، وما عداه يتعدى إليه الحجر جزمًا.
قال: (وأنه ليس لبائعه أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال، وإن جهل .. فله ذلك)؛ لأن الإفلاس كالعيب فيفرق فيه بين العلم والجهل.
والثاني: له ذلك مطلقًا؛ لتعذر الوصول إلى الثمن، كما لو تزوجت فقيرًا عالمة بحاله .. فإن لها الفسخ بإعساره بالنفقة.
والثالث: لا مطلقًا؛ لتقصيره بترك البحث والسؤال.
قال: (وأنه إذا لم يكن التعلق بها) أي: إذا قلنا: ليس له التعلق بعين ماله، فـ (كان) في عبارته تامة بمعنى يثبت، وعبارة (المحرر): (إذا لم يكن له) فحذف المصنف (له) اختصارًا فالتبس على بعض النساخ فكتب (إذا لم يمكن) وفي كل منهما نقص وإيهام.
قال: (.. لا يزاحم الغرماء بالثمن)؛ لأنه دين حدث بعد الحجر برضا مستحقه، فلا يزاحم الغرماء به؛ قياسًا على دين الصداق والضمان، والديون التي هذا شأنها لا يزاحم مستحقها الغرماء الأولين، فإن فضل شيء عن ديونهم .. أخذه.
والثاني: يزاحم؛ لأن الغرماء ملكوا المبيع في مقابلة مزاحمته، بخلاف الصداق ونحوه.
وقيل: لا يزاحم إلا بثمن المبيع خاصة.
فَصْلٌ:
يُبَادِرُ الْقَاضِي بَعْدَ الْحَجْرِ بِبَيْعِ مَالِهِ وَقَسْمِهِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ،
تتمة:
لو حدث دين تقدم سببه قبل الحجر كانهدام ما أجره المفلس وقبض أجرته وأتلفها .. صارت به مستحقة، سواء حدث قبل القسمة أو بعدها.
وأما الديون المتجددة بسبب مؤنات المال التي من مصلحة الحجر كأجرة الدلال والكيال والحمال والمنزل الذي يوضع المتاع فيه .. فتقدم على الغرماء إذا لم يوجد متبرع بها، ولم يتيسر صرفها من بيت المال.
قال: (
فصل
:
يبادر القاضي بعد الحجر ببيع ماله)؛ لأن المفلس يتضرر بطول الحجر والغريم بتأخر الحق، لكن لا يفرط في الاستعجال؛ كيلا يطمع فيه بثمن بخس.
روى مالك [1460] عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة، رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج فادان معرضًا -أي: عن الوفاء، وقيل: اعترض الناس فادَّان منهم فأصبح وقد دين به أي: وقع فيما لا يقدر على الخروج منه- فمن كان له عنده شيء .. فليحضر غدًا؛ فإنا بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه) ولم يخالفه أحد فكان إجماعًا.
وجزم الرافعي بأن هذه المبادة مستحبة، وبه صرح في (البسيط)، وعبارة (الوسيط) و (الوجيز) تفهم الوجوب، قال الشيخ: وهو الأولى لحق الغرماء، ولا يختص ذلك بالمفلس، بل كل مديون ممتنع ببيع القاضي عليه.
وإذا رأى القاضي أن لا يبيع ماله ويجبره على بيعه بنفسه بالحبس والتعزير .. فله ذلك على الصحيح.
قال: (وقسمه بين الغرماء)؛ لأن ذلك مقصود الحجر، ويجب على القاضي إذا قسم أن يقسم بنسبة ديونهم، لكن المكاتب إذا حجر عليه وعليه نجوم وأرش جناية
وَيُقَدِّمُ مَا يَخَافُ فَسَادَهُ، ثُمَّ الْحَيَوَانَ، ثُمَّ الْمَنْقُولَ، ثُمَّ الْعَقَارَ.
وَلْيَبِعْ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ وَغُرَمَائِهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ،
ودين معاملة .. الأصح: تقديم دين المعاملة ثم الأرش ثم النجوم، بخلاف المديون إذا كان غير محجور عليه فيقسم كيف شاء، كذا أطلقوه.
قال الشيخ: وهو ظاهر بالنسبة إلى صحة التصرف، ولكن ينبغي إذا استووا وطالبوا وحقهم على الفور .. أن تجب التسوية.
وهل يكتفي القاضي في البيع باليد أو لابد من ثبوت الملك؟ قال الشيخ: فيه وجهان: أصحهما: الأول.
قال: (ويقدم ما يخاف فساده، ثم الحيوان، ثم المنقول، ثم العقار)؛ لما في الترتيب من الاحتياط الواضح، ويقدم الملبوس على الأواني، والبناء على الأراضي، ولا يخفى أن ما تعلق بعينه حق كالمرهون والجاني ومال القراض يقدم بيعه على ما لم يخف فساده.
قال: (وليبع بحضرة المفلس وغرمائه) أي: ندبًا؛ لأنه أنفى للتهمة، ولأن الغرماء قد يزيدون في السلعة، والمفلس يبين ما في ماله من العيب فلا يرد، وهذا الأمر للاستحباب.
و (الحضرة) مثلثة الحاء.
قال: (كل شيء في سوقه)؛ لأن طالبه فيه أكثر، وهذا مستحب أيضًا ومحله –كما قال الإمام-: إذا لم يكن لنقله مؤنة، وإلا .. استدعى أهل السوق إليه إن رآه مصلحة.
ويستحب للحاكم أن يقيم دلالًا يرضاه المفلس والغرماء.
و (السوق) مؤنثة على المشهور، مشتقة من سوق الناس بضائعهم إليها، وهي مأوى الشيطان وبها باض وفرخ.
بِثَمَنِ مِثْلِهِ، حَالًّا، مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ النَّقْدِ وَلَمْ يَرْضَ الْغَرِيمُ إِلَّا بِجِنْسِ حَقِّهِ .. اشْتَرَى، وَإِنْ رَضِيَ .. جَازَ صَرْفُ النَّقْدِ إِلَيْهِ إِلَّا فِي السَّلَمِ.
وَلَا يُسَلِّمُ مَبِيعًا قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ
قال: (بثمن مثله، حالًّا، من نقد البلد) هذا واجب؛ لأنه أسرع إلى قضاء حقوقهم.
فإن رضي المفلس والغرماء بالبيع نسيئة .. قال المتولي: جاز، وقال الشيخ: فيه نظر؛ لاحتمال غريم آخر.
وكونه من نقد البلد واجب إلا في صورتين:
إحداهما: إذا رضي المفلس والغرماء بغيره .. فيجوز.
والثانية: إذا رأى الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوق الغرماء .. جاز، وقد سبق مثله في (الرهن)، وفيما سوى هاتين الصورتين لا يبيع إلا بنقد البلد، سواء كانت الديون من جنسه أم لا.
قال: (ثم إن كان الدين من غير جنس النقد ولم يرض الغريم إلا بجنس حقه .. اشترى) له؛ لأنه واجبه.
قال: (وإن رضي .. جاز صرف النقد إليه إلا في السلم)؛ فإن الاعتياض فيه غير جائز، لكن ترد عليه النجوم فليس للسيد الاعتياض عنها في الأصح، وكذا المنفعة الواجبة في إجارة الذمة في الأصح؛ لأن الأصح فيها تغليب المعنى وهو السلم.
قال: (ولا يسلم مبيعًا قبل قبض ثمنه)؛ لأنه يتصرف لغيره فيحتاط، فإن سلم .. ضمن، كذا أطلقه في (الروضة) هنا.
قال الشيخ: هذا في الوكيل والولي والوصي والعدل، أما الحاكم .. فلم أر تصريحًا به، وينبغي إن اعتقده باجتهاد أو تقليد صحيح .. لم يضمن، وإن فعله جهلًا أو معتقدًا تحريمه .. ضمن وانعزل.
وقيل: من سلم بإذن الحاكم .. لا يضمن، وحيث وجب الضمان يضمن القيمة، وقيل: الثمن، وقيل: أقلهما.
وَمَا قَبَضَ .. قَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ لِقِلَّتِهِ فَيُؤَخِّرَ لِيَجْتَمِعَ.
وَلَا يُكَلَّفُونَ بَيِّنَةً بِأَنْ لَا غَرِيمَ غَيْرُهُمْ،
ولو نصب الحاكم أمينًا حتى باعه فخرج مستحقًا .. فالأصح: أنه لا يكون طريقًا في الضمان.
ووقع في (الفتاوى): أن القاضي إذا باع شيئًا من مال المفلس أو غيره ثم نسي المشتري هل يضمن؟
وأجيب بأنه لا يضمن بخلاف الوكيل؛ لأن القاضي نائب الشرع ولم يجعل طريقًا للضمان، وعبارة المصنف تقتضي: أنه يضمن؛ لتقصيره بالتسليم قبل قبض الثمن.
قال: (وما قبض .. قسمه بين الغرماء)؛ لتبرأ بذلك ذمته، ويصل الحق إلى أهله، وهذا مندوب.
قال: (إلا أن يعسر لقلته فيؤخر ليجتمع) فذلك أولى، فيودعه أمينًا إن لم يجد أمينًا موسرًا يقرضه، فإن لم يرض الغرماء بالتأخير .. ففي (النهاية) أنه يجيبهم واختاره الشيخ.
قال الرافعي: الظاهر خلافه، فإن كان الغريم واحدًا .. سلم إليه ما يتحصل؛ لأن ذلك أولى من إقراضه.
قال: (ولا يكلفون بينة بأن لا غريم غيرهم) لأن الحجر استفاض فلو كان غريم .. لظهر.
وقال الإمام: يكلفون كالورثة.
وفرق الرافعي بأن الورثة أضبط، وفرق المصنف بأن الغريم الموجود تيقنا استحقاقه وشككنا في مزاحم، ولو قدر مزاحم .. لم يخرجه عن استحقاقه هذا القدر في الذمة، ولو أبرأ أو أعرض .. سلمنا الجميع للآخر، والوارث بخلافه في جميع ذلك.
فَلَوْ قَسَمَ فَظَهَرَ غَرِيمٌ .. شَارَكَ بِالْحِصَّةِ، وَقِيلَ: تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ.
وَلَوْ خَرَجَ شَيْءٌ بَاعَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُسْتَحَقًّا وَالثَّمَنُ تَالِفٌ .. فَكَدَيْنٍ ظَهَرَ،
قال: (فلو قسم فظهر غريم .. شارك بالحصة)؛ لأن المقصود يحصل بذلك، وكذلك الحكم في التركة إذا قسمها الورثة ثم ظهر دين.
و (الظهور): انكشاف الأمر عما كان ثابتًا.
واحترز بـ (ظهور الغريم) عن حدوث الدين بعد القسمة؛ فإنه لا أثر له إلا إذا كان سببه متقدمًا كما تقدم.
ومعنى مشاركته بالحصة: أنه يرجع بها على الآخذين، فلو قسم ماله وهو خمسة عشر على غريمين لأحدهما عشرون وللآخر عشرة، فأخذ أحدهما عشرة والآخر خمسة، وظهر غريم له ثلاثون .. استرد من كل واحد نصف ما أخذ.
ولو كان دينهما عشرة وعشرة فقسم المال بينهما نصفين، ثم ظهر غريم بعشرة .. رجع على كل واحد بثلث ما أخذ، فإن أتلف أحدهما ما أخذه وكان معسرًا لا يحصل منه شيء .. فوجهان:
أصحهما: يأخذ الغريم الثالث من الآخر نصف ما أخذ، وكأنه كل المال، ثم إذا أيسر المتلف .. أخذا منه ثلث ما أخذ وقسماه بينهما.
والثاني: لا يأخذ منه إلا ثلث ما أخذه، ويبقى له في ذمة المتلف الثلث.
قال: (وقيل: تنقض القسمة)؛ لأنها وقعت على غير الوجه الشرعي، ولو حصل مثل ذلك في الغنيمة .. لم تنقض القسمة بل يعوض من أخذ منه.
قال: (ولو خرج شيء باعه قبل الحجر مستحقًا والثمن تالف .. فكدين ظهر) وقد علم حكمه.
واحترز عما إذا وقع ذلك في حال الحجر .. فإنه لا أثر له؛ لأنه دين حادث لم يتقدم سببه، وبقوله: (والثمن تالف) عما إذا كان باقيًا .. فإنه يرده.
و (الكاف) في قوله: (فكدين) زائدة؛ فإنه دين حادث.
وَإِنِ اسْتُحِقَّ شَيْءٌ بَاعَهُ الْحَاكِمُ .. قُدِّمَ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ، وَفِي قَوْلٍ: يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ.
وَيُنْفِقُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يُقَسِّمَ مَالَهُ
قال: (وإن استحق شيء باعه الحاكم .. قدم المشتري بثمنه)؛ لئلا يرغب الناس عن شراء مال المفلس.
قال: (وفي قول: يحاص الغرماء) كسائر الديون.
ويؤخذ من كلامه أنه لا يطالب الحاكم، ولا يكون طريقًا في الضمان، وهو كذلك بلا خلاف، وكذا أمينه النائب عنه على الصحيح، فلو كان من جهة المفلس .. طولب، وكذا الوصي والوكيل.
قال: (وينفق على من عليه نفقته حتى يقسم ماله)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) ولا يعطى ذلك إلا يومًا بيوم، وآخرها اليوم الذي يقسم فيه ماله، فيعطى نفقته بليلته؛ لأنه بعد ذلك يفك عنه الحجر ويتفرغ للاكتساب، وفي زمن الحجر مشغول عن الكسب.
وشملت عبارته: نفسه وأقاربه ورقيقه وأمهات أولاده وزوجاته، لكن لا ينفق على من تجدد من الزوجات في حال الحجر، والفرق بينها وبين الولد المتجدد تقدم سببه دونها.
والمراد بـ (النفقة): قوت مثله الذي لا يستغنى عنه، لا الشهوات.
والواجب للزوجة: نفقة المعسرين عند الإمام، ومال إليه المصنف وابن الرفعة والشيخ، والنص يدل له.
وقال الروياني: نفقة الموسرين، ومال إليه الرافعي مستدلًا بأنه لو كان ينفق نفقة المعسرين .. لما أنفق على الأقارب.
إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِكَسْبٍ.
وَيُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ فِي الأَصَحِّ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَادِمٍ لِزَمَانَتِهِ وَمَنْصِبِهِ .....
قال: (إلا أن يستغني بكسب) فحينئذ يكون ذلك من كسبه، فإن فضل شيء من كسبه .. رد إلى المال، وإن نقص .. كمل منه، ويستوي على هذا الزوجة الجديدة والقديمة في الإنفاق.
والمراد بـ (الكسب): اللائق، وأن يجد من يستعمله ويعمل، فإن قصر ولم يعمل .. فإطلاق المتولي يقتضي: أنه لا ينفق من ماله، واختاره الشيخ، ومقتضى ما في (المطلب): أنه ينفق من ماله، ولا فرق بين أن يتكرر ذلك منه أو يوجد مرة أو مرتين.
قال: (ويباع مسكنه وخادمه في الأصح وإن احتاج إلى خادم لزمانته ومنصبه)؛ لأنه يسهل تحصيلهما بالأجرة، فإن تعذر .. فعلى المسلمين.
والثاني: يبقيان إن لاقا بحاله.
والثالث: يبقى المسكن دون الخادم، وكل ما يترك له لو كان موجودًا .. يشترى له إذا لم يكن.
وقال البغوي: يباع مركوبه وإن كان ذا مروءة.
وقال العبادي: تبقى للعالم كتبه؛ لأنها علم يحتاج الناس إليه.
و (الزمانة) بفتح الزاي والميم: يأتي بيانها في (قسم الصدقات) إن شاء الله تعالى.
فائدة:
قال الشيخ: اضطرب حكم المسكن والخادم، فهنا يباعان على الأصح، وفي الكفارة: إن كانا لائقين به لزمانة أو منصب .. بقيا، وإلا .. فلا في الأصح.
وَيُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ: قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ وَمُكَعَّبٌ، وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً ......
ويباع النفيسان إن لم يؤلفا، وفي الفطرة ونكاح الأمة يبقيان في الأصح، وفي زكاة المال لا يسلبان اسم الفقر، وفي الحج يبقيان لزمانة أو منصب، ويبدل النفيسان ونفقة القريب والزوجة وسراية العتق كالدين، وفي العاقلة يبقيان، وفي ستر العورة يبقيان وفاقًا لابن كج وخلافًا لابن القطان.
اهـ
والصواب: عزو المنع لابن كج ومقابله لابن القطان.
قال: (ويترك له دست ثوب يليق به)؛ لأن الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى النفقة، ولأن الميت يقدم كفنه على سائر الغرماء، والحي آكد حرمة من الميت، وكما تترك الكسوة له تترك لكل من تلزمه نفقته، وإنما تفترق الكسوة والنفقة في شيئين:
أحدهما: الكسوة يترك منها ما يدوم بعد يوم القسمة، بخلاف النفقة.
والثاني: النفقة يقتصر فيها على الأقل، والكسوة يعتبر فيها ما يليق به حال الحجر دون حال يسرته، إلا أن يكون يلبس دون ما يليق به .. فلا يزاد عليه، وكذلك تترك له دُرَّاعة يلبسها فوق القميص إن كان يليق به ذلك، ومنديل وخف وطيلسان إن كان تركها يخرم بمروءته، وللإمام فيها احتمال.
قال: (وهو: قميص وسراويل وعمامة ومكعب، ويزاد في الشتاء جبة)؛ لأنه يحتاج إليه، ولا يؤجر غالبًا.
والمراد: أنه يخلى له إن كان في ماله، ويشترى له إن لم يكن.
هذا في الرجل، أما المرأة إذا أفلست أو وجبت كسوتها في مال المفلس .. فالواجب لها الإزار والمقنعة وغيرهما مما يليق بها.
وسكوتهم عما يلبس على الرأس تحت العمامة يقتضي عدم اعتباره، والظاهر: إيجابه.
وَيُتْرَكُ قُوتُ يَوْمِ الْقِسْمَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ،
ولا تترك الفرش والبسط لكن يسامح باللبد والحصر القليلة القيمة، ولا يترك له رأس مال يتجر فيه على المذهب، وقال ابن سريج: يترك له ذلك إن لم يحسن الاكتساب إلا به وهو ضعيف.
كل هذا إذا كان بعض ماله خاليًا عن تعلق حق، فإن تعلق بجميع ماله حق لمعين بأن كان مرهونًا، أو مبيعًا لم يقبض ثمنه، أو تعلق برقبته أرش جناية .. فلا ينفق عليه ولا على عياله منه كما صرح به الإمام وغيره.
و (السراويل) معرب عند الجمهور، وقيل: عربي يذكر ويؤنث والجمهور على تأنيثه قال الشاعر [من المتقارب]:
عليه من اللؤم سروالة .... فليس يرق لمستعطف
وأول من لبسه إبراهيم الخليل عليه السلام.
ووجد في تركة النبي صلى الله عليه وسلم لباس اشتراه بأربعة دراهم.
ولم يلبسه عثمان رضي الله عنه أبدًا إلا يوم قتل .. فإنه لبسه وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم البارحة في النوم هو وأبو بكر وعمر وقالوا لي: (اصبر؛ فإنك تفطر عندنا القابلة) فأصبح عثمان صائمًا، فقتل في يومه.
رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
و (المكعب): المداس، ووقع في (الروضة): مكعب ونعل.
قال: (ويترك قوت يوم القسمة لمن عليه نفقته)؛ لأنه موسر في أوله ولذلك تبقى له سكنى يوم.
قال: (وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين)؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.
وفي (صحيح مسلم) [1556]: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصيب
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ إِجَارَةِ أُمِّ وَلَدِهِ وَالأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ
رجل في ثمار ابتاعها .. فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا عليه) فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك).
والرجل المذكور: معاذ بن جبل رضي الله عنه، قاله في (شرح مسلم).
وقال عمر بن عبد العزيز وأحمد: يلزمه أن يكتسب ويؤاجر نفسه لتبرأ ذمته.
ونقل ابن الصلاح عن أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي –وكان من أصحاب إمام الحرمين- أنه قال: إن وجب الدين بسبب هو عاص به كالإتلاف عمدًا .. وجب عليه الاكتساب؛ لأن التوبة منه واجبة وأداؤه من جملة شروطها لكونه حق آدمي، وإن لم يكن عاصيًا .. لم يجب.
وقوة الكلام المصنف تعطي: أن الحجر عليه ينفك بالقسمة، فلا يحتاج إلى فك القاضي وهو وجه، والأصح: خلافه؛ لأنه حجر لا يثبت إلا بإثبات القاضي، فلا يرتفع إلا برفعه.
ولو كانت مفلسة وهي تخطب بمال كثير .. لم يجب عليها أن تتزوج لحق الغرماء بلا خلاف.
قال: (والأصح: وجوب إجارة أم ولده والأرض الموقوفة عليه)؛ لأن المنافع كالأعيان، ولهذا تضمن بالفوات في يد الغاصب، بخلاف منافع الحر، وعبارة (الحاوي الصغير): (ويؤجر موقوفه) وهي أعم.
والثاني: لا تجب؛ لأن المنافع لا تعد أموالًا حاضرة، ومال إليه الإمام والقاضي حسين.
فعلى الأول يؤجر مرة بعد مرة إلى فناء الدين.
قال الرافعي: وقضية دوام الحجر إلى فنائه وهو كالمستبعد.
ونبه شيخنا على أن تصريحهم بالإيجار إلى فناء الدين صريح في أن ملك المنفعة لا يمنع الحجر وإن كان ماله معها زائدًا على الدين.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ أَوْ قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوا، فَإِنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ فِي مُعَامَلَةِ مَالٍ كَشِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ .. فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِلَّا .. فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي الأَصَحِّ.
وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الإِعْسَارِ فِي الْحَالِ، .....
قال: (وإذا ادعى أنه معسر أو قسم ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا، فإن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض .. فعليه البينة)؛ لأن الأصل بقاء ما وقعت عليه المعاملة.
وفي (النهاية) وجه: أن يقبل أيضًا، لأن المال غاد ورائح، ونقله العبادي في (طبقاته) عن القديم.
قال: (وإلا) أي: وإن لزمه بغير معاملة كالصداق والضمان والإتلافات (.. فيصدق بيمينه في الأصح)؛ لأن الأصل العدم.
والثاني: عليه البينة؛ لأن الظاهر من حال الحر أن يملك شيئًا.
والثالث: إن لزمه باختياره كالصداق والضمان .. فلابد من البينة، وإلا .. فيقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه لا يشغل ذمتَه إلا بما يقدر عليه.
قال: (وتقبل بينة الإعسار) وإن تعلقت بالنفي؛ لمكان الحاجة كالبينة على أن لا وارث سوى هذا.
قال: (في الحال)؛ قياسًا على غيرها.
وقال أبو حنيفة: لا تسمع إلا بعد مدة، وعن مالك: لا تسمع؛ لأنها شهادة على النفي.
قال الشيخ: ولابد من ثبوت العدالة، ووهم ابن الرفعة حيث نقل عن الإمام أنه يخرج من الحبس بعد قيام البينة وقبل الاستزكاء.
والصحيح في هذه البينة: أنها رجلان، وفي وجه: أنها رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين.
وَشَرْطُ شَاهِدِهِ: خِبْرَةُ بَاطِنِهِ، وَلْيَقُلْ: هُوَ مُعْسِرٌ، وَلَا يُمَحِّضُ النَّفْيَ كَقَوْلِهِ: لَا يَمْلِكُ شَيْئًا
وقال الفوراني والمتولي: لابد من ثلاثة؛ لما روى مسلم [1044] عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه أنه قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)، ثم قال: (يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة .. فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله .. فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش –أو قال: سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقيم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة .. فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش –أو قال: سدادًا من عيش- فما سواهن يا قبيصة يأكلها صاحبها سحتًا).
قال: (وشرط شاهده: خبرة باطنه)؛ لأن الإعسار أمر خفي بخلاف الشهادة على تلف المال فإنه أمر ظاهر، وسيأتي في (الشهادات) بيان أسبابها التي يعتمدها الشاهد كطول المخالطة والمجاورة إن شاء لله تعالى.
ولا تجوز لهم الشهادة اعتمادًا على ظاهر الحال، والقاضي إن عرف أنهم من أهل الخبرة الباطنة .. اكتفى بشهادتهم، وإلا .. توقف حتى يعرف ذلك، فإن قالوا: اختبرنا باطن حاله .. اكتفى.
وقوله: (شاهده) مراده: الجنس، ولو قال: شاهديه .. كان أحسن.
قال: (وليقل: هو معسر، ولا يمحض النفي كقوله: لا يملك شيئًا) بل يجمع بين الإثبات والنفي، ويقدم الإثبات فيقول: أشهد أنه معسر لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه وسكنى يومه.
ولا حاجة إلى قوله: إنه تحل له الصدقة.
فروع:
قال: غريمي يعلم أني معسر، فحلفوه .. حلف، فإن نكل .. حلف المديون ولم يحبس، وإذا طلب الغريم يمينه بعد إقامة البينة .. حلف، وإن سكت .. لم يحلفه القاضي في الأصح.
وَإِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ .. لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ وَلَا مُلَازَمَتُهُ، بَلْ يُمْهَلُ حَتَّى يُوسِرَ
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحلف مطلقًا؛ لأن في تحليفه جمعًا بين حجتين: البينة واليمين، وفيه إيذاء الشهود وطعن عليهم.
ولو علم القاضي إعسار الغريم .. ففي (النهاية): أنه لا يحكم به؛ لأنه مظنون لا مقطوع به، لكن في (الرافعي) في (القضاء): أن المراد بالعلم: الظن المؤكد لا مدلوله الحقيقي .. فعلى هذا يحكم به هنا.
وإذا فرعنا على ما قاله الإمام .. فليس للقاضي حبسه؛ لأنه قضاء بما علم خلافه وهو ممتنع، بل يطلقه من غير حكم بإعساره، حتى يجوز للغريم أن يطالبه عند قاض آخر ويحبسه.
وإذا شهدت بينة على المفلس بالغنى .. فلابد من بيان سببه، قاله القفال في (الفتاوى).
وإذا حبس .. فله أن يحضر صاحب الدين كل يوم ويحلفه أنه لا يعلمه معسرًا، إلا أن يظهر للقاضي تعنته.
وإذا قبلنا قوله في الإعسار وحلفناه .. فلصاحب الدين أن يطلبه كل يوم ويدعي أنه استفاد مالًا ويحلفه.
حادثة:
في بينتي: إعسار وملاءة، كلما شهدت إحداهما .. جاءت الأخرى فشهدت أنه في الحال على ما شهدت به هل يقبل ذلك أبدًا أو يعمل بالمتأخرة؟
أجاب ابن الصلاح بأنه يعمل بالمتأخرة منهما وإن تكررت إذا لم ينشأ من تكرارها ريبة، ولا تكاد بينة الإعسار تخلو عن الريبة إذا تكررت.
قال: (وإذا ثبت الإعسار .. لم يجز حبسه ولا ملازمته، بل يمهل حتى يوسر)؛
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.
وأفهم كلامه: أنه إذا لم يثبت إعساره .. جاز حبسه حتى يظهر؛ لما روى أحمد [4/ 222] وأبو داوود [3628] والنسائي [7/ 316] وابن ماجه [2427] والحاكم [4/ 102] وابن حبان [5089] عن عمرو بن الشريد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته).
قال المفسرون: أراد بـ (العقوبة): الحبس والملازمة.
وفي (البيهقي) [6/ 48]: أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلًا أعتق شقصًا له من عبد في قيمة الباقي).
فإن ادعى أن ماله تلف وصار معسرًا .. فعليه البينة.
ومعنى (لي الواجد) أي: مطله.
قال الشاعر [من الرجز]:
قد كنت داينت بها حسانًا .... مخافة الإفلاس واللَّيانا
وقال ذو الرمة [من الطويل]:
تريدين ليَّاني وأنت مليئة .... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا
ومعنى قوله: (وعرضه) أن لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء.
تنبيهان:
أحدهما: أفهم كلامه جواز حبس الأبوين والأجداد بدين الولد وهو الأصح عند الغزالي وصاحب (الحاوي الصغير)، والأصح عند الجمهور: المنع، ولا فرق بين دين النفقة وغيرها كما صححه الشيخان في (الشهادات).
وفي وجه ثالث: أنه يحبس في دين النفقة دون غيره من الديون.
الثاني: علم من مجموع ذلك: أن الحر لا يباع في دينه، وقد ورد: أن ذلك وقع في صدر الإسلام، قال ابن حزم: إن زرارة بن أوفى قاضي البصرة من التابعين باع حرًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في دينه.
قال: وقد روينا عن الشافعي رضي الله عنه مثل ذلك، وهي قولة عنه غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار.
اهـ
وذكر أبو بكر الكندي في كتاب (أعيان الموالي في جند أهل مصر): أن فتيان المالكي ناظر الشافعي رضي الله عنه في بيع الحر في الدين فكان الشافعي رضي الله عنه يقول: يباع، وفتيان يقول: لا يباع، وكأن هذه القولة هي التي عزاها إليه ابن حزم، لكن لم يصح عن الشافعي رضي الله عنه ذلك.
وروى البيهقي [6/ 50] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم باع حرًا أفلس في دينه).
وفيه: عن زيد بن أسلم أنه قال: رأيت شيخًا بالإسكندرية يقال له: سُرَّق، فقلت له: ما هذا الاسم؟ فقال: اسم سمانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن أدعه.
قلت: ولم سماك؟ قال: قدمت المدينة فأخبرتهم أن مالي يقدم فبايعوني فاستهلكت أموالهم، فأتوا بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنت سُرَّق) فباعوني بأربعة أبعرة، فقال الغرماء للذي اشتراني: ما تصنع به؟ قال: أعتقه.
فقالوا: لسنا بأزهد في الخير منك، فأعتقوني بينهم وبقي اسمي كذلك.
قال البيهقي [6/ 50]: وفي إجماع العلماء على خلافه –وهم لا يجمعون على ترك رواية ثابتة- دليل على ضعفه أو نسخه.
وفي (مراسيل أبو داوود) [170]: عن معمر عن الزهدي قال: كان يكون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ديون على رجال، ما علمنا حرًا بيع في دين.
وإذا حبس المعسر .. جاز للغريم ملازمته إلا أن يقول للقاضي: تشق علي الطهارة والصلاة بسبب ملازمته فاحبسني .. فإنه يجاب.
وإذا خاف القاضي فراره من حبسه .. فله نقله إلى حبس الجرائم.
وَالْغَرِيبُ الْعَاجِزُ عَنْ بَيِّنَةِ الإعْسَارِ .. يُوَكِّلُ الْقَاضِي بِهِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعْسَارُهُ .. شَهِدَ بِهِ
قال: (والغريب العاجز عن بينة الإعسار .. يوكل القاضي به من يبحث عن حاله، فإذا غلب على ظنه إعساره .. شهد به)؛ لئلا يؤدي إلى تخليد حبسه.
قال في (الكفاية): وهذا أبداه الإمام تفقهًا لنفسه.
فروع:
الأول: إنظار المعسر واجب، ورب الدين مخير بينه وبين الإبراء، فإن قيل: التخيير بين شيئين يقتضي استواءهما في الحكم، فكيف خير بين واجب ومندوب والواجب أفضل؟ .. فالواجب: أن المندوب قد يفضل الواجب كالصدقة بألف دينار تطوعًا، فإنها أفضل من درهم زكاة، وأيضًا ابتداء السلام أفضل من الرد، والابتداء سنة والرد قد يكون واجبًا.
الثاني: من عليه دين حال .. وجب عليه أداؤه إن قدر عليه، وهل يتوقف ذلك على مطالبة رب الدين؟ فيه وجهان في (شرح العمدة) لابن دقيق العيد في الكلام على مطل الغني، وجزم شيخه الشيخ عز الدين بن عبد السلام في (القواعد) بعدم الوجوب، وكذلك الشيخ أبو المظفر السمعاني في كتاب (القواطع) في أصول الفقه، وكلام المصنف في (الروضة) في آخر (الحجر) حاصله: الوجوب أيضًا.
وقال في (الغصب) من (البحر) يحتمل أن يقال: إن كان وجوبه برضا المالك .. فهو على التراخي، ويتعين أداؤه بالمطالبة، وإن كان وجوبه بغير رضا المالك .. فالقضاء على الفور.
وقال الإمام في (كتاب الزكاة) وفي آخر (كتاب القاضي إلى القاضي): لا يتعين أداؤه إلا بالمطالبة.
قال القمولي: وهذا هو الظاهر، فإذا طالبه ربه به .. وجب أداؤه على الفور بحسب الإمكان، فإن امتنع وله مال ظاهر: فإن كان من جنس الدين .. وفى منه، وإن كان من غيره .. أمر ببيعه والإيفاء منه، فإن لم يفعل .. فثلاثة أوجه:
فَصْلٌ: مَنْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ .. فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ، ......
أحدها –وهو ما أورده القاضي الطبري وابن الصباغ والبندنيجي وعليه عمل القضاة-: يحبس، فإن لم ينجع فيه الحبس .. باع ماله وقضى دينه.
والثاني عن الشيخ أبي حامد: أن القاضي إن رأى حبسه .. فعل، وإن رأى بيع ماله .. باعه.
والثالث: لا يحبسه بل يبيع المال عليه في الحال وهو المنصوص.
الثالث: من وقعت الإجارة على عينه .. لا يحبس في الديون، بل يقدم حق المستأجر كما يقدم حق المرتهن، أفتى به الغزالي، وقياسه: أن لا يحضر أيضًا مجلس القاضي إذا طلبه.
تتمة:
أفتى ابن الصلاح وغيره في رجل ثبت إعساره، ثم كتب عليه مسطورًا بدين وأشهد عليه أنه مليء به: أنه يثبت بذلك يساره؛ لتمكنه من صرف ما استدانه، وإقراره بالملاءة به يسري إلى كل دين، وفيما قالوه نظر؛ لأنه قد يوسر بذلك القدر دون غيره.
قال: (
فصل
: من باع ولم يقبض الثمن حتى حجر على المشتري بالفلس .. فله فسخ البيع واسترداد المبيع)؛ لما تقدم في أول الباب من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أفلس
وَالأَصَحُّ: أَنَّ خِيَارَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْفَسْخُ بِالْوَطْءِ وَالإِعْتَاقِ وَالْبَيْعِ.
الرجل فوجد البائع سلعته بعينها .. فهو أحق بها من الغرماء) وهذا الرجوع ثابت إذا مات المشتري مفلسًا.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت في الحالين.
وقال مالك: يثبت في الفلس دون الموت.
وقال الإصطخري: يثبت بموت المشتري وإن كان موسرًا.
وقال ابن حربويه: إنما يكون أحق به؛ ليستوفي حقه من ثمنه، ولا يشاركه فيه الغرماء كالرهن، والمذهب الأول.
أما إذا قبض بعض الثمن .. فله الفسخ على الجديد، لكن في البعض فقط.
وأفهم كلامه: أن له الفسخ وإن لم يأذن الحاكم، وهو كذلك في الأصح.
وصيغته أن يقول: فسخت البيع أو نقضته أو رفعته أو رجعت في عين مالي، فإن اقتصر على قوله: فسخت أو رددت الثمن .. فالصحيح: أنه فسخ.
واستنبط الشافعي رضي الله عنه من الحديث: أن البيع موقوف إن أخذ ثمنه، وإلا .. رجع بائعه فأخذه، ويكون كالمرهون بثمنه بل أقوى؛ لأنه يأخذه كله لا يباع عليه فيستوفي حقه ويرد الفضل.
ولو قضى قاض بمنع الفسخ .. نقض حكمه عند الإصطخري، والأصح عند المصنف وغيره: أنه لا نقض له.
قال: (والأصح: أن خياره على الفور)؛ لأنه لدفع الضرر فكان كخيار العيب.
والثاني: على التراخي كخيار الرجوع في هبة الولد، وعن القاضي حسين: لا يمتنع تأقيته بثلاثة أيام كخيار المعتقة تحت العبد.
قال: (وأنه لا يحصل الفسخ بالوطء والإعتاق والبيع) وتلغو هذه التصرفات قياسًا على الواهب.
وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ،
والثاني: يحصل قياسًا على البائع في زمن الخيار.
ومحل الخلاف: إذا نوى بالوطء الفسخ، فإن لم ينوه .. فلا، قاله صاحب (المعين) اليمني.
قال: (وله الرجوع في سائر المعاوضات كالبيع) أشار بذلك: إلى أن المأخذ فيه القياس لا النص، وهو من محاسن كلامه.
ويشهد له من السنة عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ماله بعينه عند رجل مات أو أفلس ...) الحديث.
لكن إطلاقه مقيد بشرط أن تكون المعاوضة سابقة على الحجر، فإن كانت متأخرة .. فقد تقدم أن الأصح أنه ليس له الفسخ إن علم، وله إن جهل.
وأفهم بقوله: (كالبيع) أنه يشترط أن تكون المعاوضة محضة، فإن الفسخ لا يثبت في النكاح والخلع والصلح عن دم العمد، لكن للمرأة الفسخ بالإعسار بالمهر قبل الدخول، وكذا بعده في قول.
فلو أجر دارًا أو أرضًا أو دابة، ثم أفلس المستأجر، ثم انهدمت الدار .. انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة.
فروع:
الأول: في (فتاوى ابن الصلاح): أن الإجارة التي تسقط أجرة كل شهر فيها على انقضائه لا يثبت فيها الفسخ بإفلاس المستأجر بالأجرة، لا قبل انسلاخ الشهر
وَلَهُ شُرُوطٌ، مِنْهَا: كَوْنُ الثَّمَنِ حَالًّا
ولا بعده، أما قبله .. فلأن الأجرة لم تحل بعد، وشرط الفسخ الحلول، وأما بعده .. فلفوات المنفعة، وشرط الفسخ: وجود المعقود عليه.
الثاني: اقترض مالًا، ثم أفلس وهو باق في يده .. فللمقرض الرجوع سواء قلنا: يملك بالقبض أم بالتصرف، وهذا يشكل على اشتراط أن يكون بمعاوضة؛ فإن الغزالي صرح بأن القرض ليس عقد معاوضة.
الثالث: كان المبيع شقصًا مشفوعًا، ولم يعلم الشفيع بالبيع حتى حجر على المشتري فهل البائع أحق به أو الشفيع؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: الشفيع، والثمن بين الغرماء.
وثانيها: البائع.
وثالثها: الشفيع أولى بالشقص، والبائع أولى بالثمن بكماله.
قال: (وله شروط؛ منها: كون الثمن حالًّا)؛ لأن المؤجل لا يطالب به، فتباع السلعة وتصرف إلى الغرماء على الأصح.
هذا إذا وقع الشراء بالحال، فإن اشترى بمؤجل وحل قبل الحجر .. رجع أيضًا على الأصح، وإن حل بعده .. فوجهان: أصحهما في (الشرح) و (الحاوي) الصغيرين: أنه يرجع، وليس في (الكبير) ولا في (الروضة) تصحيح فيهما.
وعبارة المصنف تشمل الصورة المذكورة.
ولو حل الأجل قبل تسليم المبيع .. ففي (الرافعي) الجزم بأنه لا حبس للبائع، ولو وقع مثل ذلك في الصداق .. فالأصح في (الشرح الصغير): أن للمرأة الحبس، وفي (الكبير): لا حبس لها.
وَأَنْ يَتَعَذَّرَ حُصُولُهُ بِالإِفْلَاسِ، فَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ مَعَ يَسَارِهِ أَوْ هَرَبَ .. فَلَا فَسْخَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: لَا تَفْسَخْ وَنقَدِّمُكَ بِالثَّمَنِ .. فَلَهُ الْفَسْخُ
قال: (وأن يتعذر حصوله بالإفلاس، فلو امتنع من دفع الثمن مع يساره أو هرب .. فلا فسخ في الأصح)؛ لأن التوصل إلى أخذه بالسلطان ممكن، فإن فرض عجز على ندور .. فلا عبرة به.
والثاني: له الفسخ؛ لتعذر الوصول إليه حالًا مع توقعه مالًا، فأشبه المفلس.
واحرتز بـ (الإفلاس) عن تعذره بانقطاع جنسه، فلا فسخ إن جوزنا الاستبدال عن الثمن، وإلا .. ففيه الخلاف في انقطاع المسلم فيه، كذا قاله الرافعي تبعًا لـ (الوسيط)، واستشكله في (المهمات) وقال: ينبغي تجويز الفسخ وإن جوزنا الاستبدال؛ لفوات مقصوده، قال: وما قاله الرافعي مخالف للقواعد ولقول الأصحاب.
قال: (ولو قال الغرماء: لا تفسخ ونقدمك بالثمن .. فله الفسخ)؛ لدفع المنة، ولأنه ربما يظهر غريم آخر فيشاركه فيما أخذ.
ونظير المسألة: ما إذا قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء في الثوب، والأصح في (الروضة) في هذه: الإجبارُ، وكذلك لو مات المشتري وقال وارثه: لا ترجع وأقدمك من التركة .. لم يلزم القبول، وإن قال: من مالي .. فوجهان.
ولو تبرع أجنبي عن المفلس .. لم يجب على البائع القبول.
ولو تبرع أجنبي بدين الميت .. اختلف فيه كلام القاضي حسين قال أولًا: لا يجب، ثم قال: يجب، واختاره الشيخ.
وَكَوْنُ الْمَبِيعِ بَاقِيًا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ فَاتَ أَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ .. فَلَا رُجُوعَ، وَلَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجُ .....
قال: (وكون المبيع باقيًا في ملك المشتري)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إذا وجده).
فلو زال ثم عاد قبل الحجر .. فوجهان:
صحح المصنف عدم الرجوع كالمصحح في الهبة للولد.
وصحح الرافعي في (الشرح الصغير) في مسألتنا تبعًا لـ (الوجيز): الرجوع، وسيأتي في الكتاب في نظيرها جواز الرجوع.
قال: (فلو مات أو كاتب العبد .. فلا رجوع) سواء كان الفوات بموت أو جناية أو أكل أو بيع أو هبة أو إعتاق أو صدقة أو وقف أو غيرها، لأنه كالخارج عن ملكه، وليس له نقض هذه التصرفات؛ لأنها صدرت من أهلها في محلها.
والاستيلاد كالكتابة، كذا في (الروضة) و (الشرح)، ووقع في (فتاوى المصنف): أنه لا يمنع، وهو سبق قلم، فلو باعه ثم حجر عليه في زمن الخيار .. فله الرجوع وإن قلنا: يزول ملكه، كما يجوز للمفلس، قاله الماوردي.
قال: (ولا يمنع التزويج) عبدًا كان أو أمة، لأنه لا يمنع البيعَ، وهذه المسألة لا حاجة إليها؛ لأنه عيب في العبد والأمة وقد ذكره عقبه، والتدبير وتعليق العتق لا يمنعان قطعًا.
وأما الإيجار .. فلا يمنع على الأصح، فإن شاء .. أخذه مسلوب المنفعة، وإن شاء .. ضارب والأجرة للمفلس.
قال ابن الرفعة: وسكتوا عن رجوع البائع عليه بأجرة المثل، قال: والذي يظهر أنه لا يرجع؛ لأن له مندوحة عن ذلك بالمضاربة، وبقي للرجوع شرطان:
أحدهما: أن لا يتعلق به حق ثالث كالجناية والرهن والشفعة، فإن زال التعلق .. جاز الرجوع.
وَلَوْ تَعيَّبَ بِآفَةٍ .. أَخَذَهُ نَاقِصًا، أَوْ ضَارَبَ بِالثَّمَنِ.
أَوْ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيٍّ أَوِ الْبَائِعِ .. فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُضَارِبُ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ.
وَجِنَايَةُ الْمُشْتَرِي كَآفَةٍ فِي الأَصَحِّ
الثاني: أن لا يقوم بالبائع مانع من التملك، كما لو أحرم والمبيع صيد .. فلا رجوع في الأصح.
وجوزوا رجوع الكافر في العبد المسلم بالفلس، وفي الفرق عسر، ولذلك منع مجلي الرجوع فيهما.
قال: (ولو تعيب بآفة .. أخذه ناقصًا، أو ضارب بالثمن) كما في تعييب المبيع في يد البائع، فإن المشتري يتخير بين أن يأخذه ناقصًا أو يتركه، وسواء كان النقصان: حسيًا كسقوط بعض الأعضاء والعمى، أو غير حسي كنسيان الحرفة والإباق والتزويج، وقد تقدم استشكاله.
قال: (أو بجناية أجنبي أو البائع .. فله أخذه، ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة)؛ لأن المشتري أخذ بدلًا للنقصان، وكان ذلك مستحقًا للبائع، فلو بقي .. فلا يحسب نقصه عليه، فإذا ساوى سليمًا مئتين ومقطوع اليد مئة .. أخذه وضارب بنصف الثمن، فإذا كان اشتراه بمئة .. ضارب بخمسين، أو بألف .. ضارب بخمس مئة.
قال: (وجناية المشتري كآفة في الأصح)؛ لأن فعله وقع في ملكه قبل تعلق حق البائع.
وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ أَفْلَسَ .. أَخَذَ الْبَاقِيَ وَضَارَبَ بِحِصَّةِ التَّالِفِ، فَلَوْ كَانَ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ .. رَجَعَ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ .. أَخَذَ الْبَاقِي بِبَاقِي الثَّمَنِ،
والثاني: أنها كجناية الأجنبي وصححها الإمام، وقد تقدم تعليل ذلك في موضعه، فكان ينبغي للمصنف أن يعبر بـ (المذهب) أو (الأظهر).
قال: (ولو تلف أحد العبدين ثم أفلس .. أخذ الباقي وضارب بحصة التالف)؛ لأنه ثبت له الرجوع في كل منهما، فكان كما لو رجع الأب في بعض ما وهب.
ورجوع الأب في بعض ما وهب مسألة حسنة ذكرها الرافعي هنا، ولم يصرح بها في (باب الهبة)، وسيأتي ذكرها هناك إن شاء الله تعالى.
قال: (فلو كان قبض بعض الثمن .. رجع في الجديد)؛ لأن الإفلاس سبب تعود به كل العين فجاز أن يعود به بعضها، كالفرقة في النكاح قبل الدخول يعود بها جميع الصداق إلى الزوج تارة، وبعضه أخرى، والقديم: لا يرجع، بل يضارب ببقية الثمن؛ لأنه ورد في الحديث.
وإن كان قد قبض من ثمنه شيئًا .. فهو أسوة الغرماء، لكن قال الدارقطني: إنه مرسل.
قال: (فإن تساوت قيمتهما وقبض نصف الثمن .. أخذ الباقي بباقي الثمن) ويكون ما قبض في مقابلة التلف، كما لو رهن عبدين بمئة وتلف أحدهما وقد قبض خمسين .. فالباقي مرهون بالباقي.
وما ذكره المصنف هو المنصوص في (الأم) وغيرها، وله فيما إذا أصدق أربعين شاة وحال الحول فأخرجت شاة ثم طلق قبل الدخول قولان:
أحدهما: يرجع بعشرين كنصه هنا.
والثاني: يأخذ نصف الموجود.
والفرق: أن الزوج إذا لم يرجع إلى عين الصداق.
.يأخذ القيمة بتمامها، والبائع يحتاج إلى المضاربة.
وَفِي قَوْلٍ: يَاخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ بَاقِي الثَّمَنِ وَيُضَارِبُ بِنِصْفِهِ.
وَلَوْ زَادَ الْمَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَسِمَنٍ وَصَنْعَةٍ .. فَازَ الْبَائِعُ بِهَا، وَالْمُنْفَصِلَةُ –كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ- لِلْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي الأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا وَبَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَتَهُ .. أَخَذَهُ مَعَ أُمِّهِ، وَإِلَّا .. فَيُبَاعَانِ وَتُصْرَفُ إِلَيْهِ حِصَّةُ الأُمِّ،
قال: (وفي قول: يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن، ويضارب بنصفه) أي: بنصف الباقي وهو الربع؛ لأن الثمن موزع على المبيع، فيوزع كل واحد من المقبوض والباقي على العبدين.
قال: (ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وصنعة .. فاز البائع بها)؛ جريًا على القاعدة إلا في الصداق كما سيأتي.
والذي ذكره في (الصنعة) وقع مثله في (الشرحين) و (الروضة) و (المحرر)، والأصح: خلافه كما سيأتي في الكلام على القصارة.
أما تعلم العبد القرآن والحرف والكتابة والشعر المباح ورياضة الدابة .. فالأصح: أنها من صور القولين.
ولو باعه بذرًا فزرعه فصار حبًا، أو بيضًا فصار فرخًا، أو عصيرًا فصار خمرًا ثم خلًّا .. فالأصح عند العراقيين والبغوي: أنه يرجع.
قال: (والمنفصلة –كالثمرة والولد- للمشتري، ويرجع البائع في الأصل)؛ لأن الشارع أثبت له الرجوع في المبيع فلا يتعداه.
قال: (فإن كان الولد صغيرًا وبذل البائع قيمته .. أخذه مع أمه) أي: جزمًا؛ لانتفاء المحذور وهو التفريق.
قال: (وإلا .. فيباعان وتصرف إليه حصة الأم) ويكون ما قابل الولد للغرماء كما تقدم في الأمة المرهونة.
وقيل: يجوز التفريق للضرورة.
والعجب من الرافعي في قوله: إنهم لم يحكوه هنا، وقد حكاه الماوردي
وَقِيلَ: لَا رُجُوعَ.
وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ دُونَ الْبَيْعِ أَوْ عَكْسَهُ .. فَالأَصَحُّ: تَعَدِّي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَلَدِ.
وَاسْتِتَارُ الثَّمَرِ بِكِمَامِهِ وَظُهُورُهُ بِالتَّابِيرِ قَرِيبٌ مِنَ اسْتِتَارِ الْجَنِينِ وَانْفِصَالِهِ، وَأَوْلَى بِتَعَدِّي الرُّجُوعِ ......
والمتولي والشاشي، وكذا الإمام في (كتاب السير).
قال: (وقيل: لا رجوع) بل يضارب، ومحل هذا إذا لم يبذل قيمة الولد، فإن بذلها .. رجع جزمًا.
قال: (ولو كانت حاملًا عند الرجوع دون البيع أو عسكه .. فالأصح: تعدي الرجوع إلى الولد).
مدرك الخلاف في الأبواب كلها: أن الحمل هل يعلم أو لا؟ وحينئذ يكون التصحيح في المسألة الثانية -وهي قوله: أو (عكسه) - واضحًا؛ فإن الأصح أنه يعلم.
وأما في الأولى .. فمخالف للمبني عليه، وقياسه عدم الرجوع فيه، كما صححوه في نظائره من الرد بالعيب والرهن ورجوع الوالد في الهبة من أن الحمل لا يتبع، أما إذا كانت حاملًا عند البيع والرجوع .. فإنه يرجع فيها جزمًا.
وقوله: (الأصح) صوابه: الأظهر كما في (الروضة).
قال: (واستتار الثمر بكمامه وظهوره بالتأبير قريب من استتار الجنين وانفصاله) فإن كانت مؤبرة في الحالين.
.فللمشتري، أو غير مؤبرة فيهما .. فللبائع، وإن كانت في حالة دون حالة .. فالقولان.
قال: (وأولى بتعدي الرجوع) تبع في هذه العبارة (المحرر) وفيه إطلاق، فإنها إذا كانت غير مؤبرة عند الرجوع .. فأولى بعدم تعدي الرجوع، فالذي ذكره هو فيما إذا كانت مؤبرة عند الرجوع فقط.
وَلَوْ غَرَسَ الأَرْضَ أَوْ بَنَى: فَإِنِ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى تَفْرِيغِهَا .. فَعَلُوا وَأَخَذَهَا، وَإِنِ امْتَنَعُوا .. لَمْ يُجْبَرُوا، بَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَتَمَلَّكَ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ
قال: (ولو غرس الأرض أو بنى: فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها .. فعلوا)؛ لأن الحق لهم لا يعدوهم، وفي هذه الحالة لا يكلفهم أن يعطوه البناء والغراس بقيمته؛ لأن المبيع قد سلم له.
نعم؛ تجب تسوية الحفر، وغرامة أرش النقص من مال المفلس يقدم بها على الغرماء.
قال: (وأخذها) أي: البائع إذا اختار الرجوع في الأرض؛ لأنها عين ماله لم يتعلق بها حق.
قال: (وإن امتنعوا .. لم يجبروا)؛ لأنه حين بنى وغرس لم يكن متعديًا، فإن اختلفوا فطلب بعضهم البيع وبعضهم الإبقاء .. أجيب من في قوله مصلحة.
قال: (بل له أن يرجع ويتملك الغراس والبناء بقيمته، وله أن يقلعه ويضمن أرش نقصه)؛ لأن مال المفلس مبيع كله، والضرر يندفع بكل واحد من الأمرين، فأجبنا البائع لما طلبه منهما، بخلاف الزرع فإنه يبقى إلى إدراكه؛ لأن له أمدًا ينتظر.
قال: (والأظهر: أنه ليس له أن يرجع فيها، ويبقى الغراس والبناء للمفلس)؛ لأن الغراس بلا أرض والبناء بلا مقر ولا ممر ناقص القيمة، فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس.
والثاني: له ذلك، كما لو صبغ الثوب .. فإنه يرجع فيه، ويكون شريكًا بالصبغ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا .. فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ الْمَبِيعِ مِنَ الْمَخْلُوطِ، أَوْ بِأَجْوَدَ .. فَلَا رُجُوعَ فِي الْمَخْلُوطِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ طَحَنَهَا أَوْ قَصَرَ الثَّوْبَ، فَإِنْ لَمْ تَزِدِ الْقِيمَةُ .. رَجَعَ وَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ زَادَتْ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُبَاعُ، وَلِلْمُفْلِسِ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَ
فرع:
اشترى أرضًا من رجل، وغراسًا من آخر وغرسه فيها، ثم أفلس .. رجع كل منهما في عين ماله، فإن أراد صاحب الغراس القلع .. مكن وعليه التسوية والأرش، وإن أراد صاحب الأرض .. فكذلك إن ضمن الأرش، وإلا .. فوجهان.
قال: (ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها .. فله أخذ قدر المبيع من المخلوط) أي: بعد الفسخ؛ لأنه في المثل واجد حكمًا، وفي الخلط بالدون مسامح بعيب حدث بالخلط، وفي قول مخرج من الخلط بالأجود: إنه فاقد فيهما، فلو طلب البيع وقسمة الثمن .. لم يجب إليه في الأصح.
قال: (أو بأجود .. فلا رجوع في المخلوط في الأظهر)؛ لأن الرجوع إلى عين المبيع متعذر حقيقة للاختلاط؛ وحكمًا لتعذر القسمة.
والثاني: يرجع كالخلط بالمثل، لكن هنا يباع الجميع ويوزع الثمن على قدر القيمتين.
وفي قول: يقسم على نسبة القيمتين مراعاة للجانبين.
فلو كان المخلوط من غير جنس المبيع كالزيت بالشيرج.
فلا فسخ، بل هو كالتالف.
قال: (ولو طحنها أو قصر الثوب، فإن لم تزد القيمة .. رجع ولا شيء للمفلس)؛ لأن المبيع موجود من غير زيادة.
قال: (وإن زادت .. فالأظهر: أنه يباع، وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد)؛ لأنه زيادة حصلت بفعل محترم متقوم فوجب أن لا يضيع عليه، بخلاف الغاصب.
مثاله: قيمة الثوب خمسة، وبلغ بالقصارة ستة، فللمفلس السدس من ثمنه، فلو