(الموات) بفتح الميم والواو: فعال من الموت، ومنه: بلد ميت، والأرض الميتة: التي تعطلت عن النبات.
والموات في الاصطلاح: الأرض التي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد، وافتتح ابن خيران الباب بقوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجورت﴾ وفي (المحرر) بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضًا ميتة .. فهي له) وهو في (الترمذي) [1378] و (أبي داوود) [3068] و (النسائي) [سك5730] من رواية سعيد بن زيد بإسناد حسن.
والإجماع منعقد على جوازه في الجملة.
وقال في (المهذب): إن الإحياء مستحب، ووافقه المصنف عليه؛ لما روى ابن حبان [5205] والنسائي [5724] عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحيا أرضًا ميتة .. له فيها أجر، وما أكلت العوافي منها .. فهو له صدقة).
و (العوافي): طلب الرزق من طير أو وحش أو غيرهما.
و (الموات) عندنا: ما لم يكن عامراً ولا حريماً لعامر قرب من العامر أو بعد، وهو طارئ وأصلي، فالطارئ: ما خرب بعد عمارته، والأصلي: ما لم يعمر قط.
قال: (الأرض التي لم تعمر قط إن كانت ببلاد الإسلام .. فللمسلم تملكها بالإحياء)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فمن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحيا شيئاً من موات الأرض .. فهو له) رواه أبو داوود [3071] والطيالسي [1440] من رواية عائشة.
وسواء أذن الإمام في ذلك أم لا، لكن يستحب استئذانه خروجاً من الخلاف.
وقال الجوري: كان موات الأرض ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رده على أمته.
واشترط أبو حنيفة إذن الإمام، وبه قال مالك في القريب من العمران، وخالفهما أبو يوسف ومحمد- وهو الحق- اكتفاء بإذن إمام الأئمة شفيع الأمة، فقد أذن صلى الله عليه وسلم وإذنه عام؛ لأنه إذن عن الله تعالى فهو نافذ على جميع الخلق إلى يوم القيامة، ولو كان إذناً لأهل عصره .. لعين المأذون له فيه والبقعة؛ لأن عند أبي حنيفة أن الإمام إنما يأذن في معين، فأما أن يأذن لأهل عصره في جميع الموات .. فلا، وهذا ما لم يتعلق به حق، فلو حمى الإمام قطعة من الموات فجاء شخص وأحياها .. لا يملكها إلا بإذن الإمام على الأصح؛ لما فيه من الاعتراض على الأئمة.
ثم لا يشترط في عدم العمارة التحقق، بل تكفي غلبة الظن بأن لا يرى أثرها ولا ما يدل عليها من أصول شجر ونهر وجدار.
وتعبيره بـ (التملك) يفهم اشتراط التكليف؛ لأن الصبي والمجنون يملكان ولا يتملكان، والمذهب أنه يستوي في التملك بالإحياء البالغ والصبي والعاقل والمجنون.
ودخل في إطلاق المصنف سواد العراق؛ فإن وقف عمر مختص بعامره.
وحكي عن أحمد أنه قال: ليس في السواد موات، فقيل: أراد العامر، وقيل: لأن السواد كله كان معموراً حين أخذه المسلمون.
والملك في اللغة: القوة، وفي الشرع: ليس أمراً حقيقياً قائماً بالمملوك، إنما هو مقدر فيه، وهو: إباحة الانتفاع بالمملوك والتصرف فيه.
و (قط) معناها الزمان الماضي، والمشهور فيها فتح القاف وضم الطاء المشددة، ومنهم من يضم القاف، ومنهم من يخفف فيها.
وَلَيْسَ هُوَ لِذِمِّيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ بِبِلاَدِ الْكُفَّارِ .. فَلَهُمْ إِحْيَاؤُهَا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يَذُبُّونَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا
قال: (وليس هو لذمي) فلا يحيي في بلاد الإسلام لا بإذن الإمام ولا بغير إذنه، وإن أذن له .. لم يصح إذنه، ولو أحيا .. لم يملكه؛ لأنه استعلاء وليس له أن يستعلي في دار الإسلام.
واحتج بعض الأصحاب بقوله صلى الله عليه وسلم: (عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني) رواه الشافعي [أم4/ 45] وسعيد بن منصور في (سننه)، والبيهقي [6/ 143] عن طاووس مرسلاً، وأما ما زاده البغوي والرافعي من قوله: أيها المسلمون .. فلا يعرف.
والعادي: نسبة إلى عاد وثمود ومن بعدهم من الأمم، وكل قديم ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم.
وخالف الأئمة الثلاثة وأبو طاهر الزيادي فقالوا: يجوز بإذن الإمام؛ لأنه موضع اجتهاد.
وعلم من امتناع الذمي منع الحربي والمعاهد من باب أولى.
أما الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد .. فجائز للذمي والمستأمن في دار الإسلام، وليس ذلك للحربي.
وللذمي نقل التراب من موات دار الإسلام إذا لم يتضرر به المسلمون ويملكه، والفرق بينه وبين إحيائه الأرض: أن الإحياء يصير به مالكاً لأصل دار الإسلام وبنقل التراب لا يصير.
قال: (وإن كانت ببلاد الكفار .. فلهم إحياؤها)؛ لأنه من حقوق دارهم، وليس فيه ضرر على المسلمين.
قال: (وكذا لمسلم إن كانت مما لا يذبون المسلمين عنها) أي: يدفعونهم؛ لأنها كموات دار الإسلام، فإن ذبوهم عنها .. لم يملكها المسلم بالإحياء كالمعمور من بلادهم.
وقال الإمام والغزالي وأبو الطيب: يملك المسلم بذلك، واختاره الشيخ، ويظهر
وَمَا كَانَ مَعْمُوراً .. فَلِمَالِكِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَالْعِمَارَةُ إِسْلاَمِيَّةٌ .. فَمَالٌ ضَائِعٌ، فَإِنْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالإِحْيِاءِ.
أن محل ذلك في أرض صولحوا على أنها لهم، أو في أرض الهدنة، وإلا .. فدار الحرب معمورها يملك بالاستيلاء، ومواتها بالاستيلاء يصير كالمتحجر فكيف لا يملك بالإحياء؟
قال: (وما كان معموراً .. فلمالكه) سواء كان في بلاد الإسلام أو الكفر، لأن الإحياء لأحداث الملك وهي مملوكة.
وعبارة المصنف تشمل ما كان معموراً في الحال وما كان معموراً في الزمن السالف ثم اندرس، واستثنى في (الكفاية) منها- تبعاً للماوردي- ما أعرض عنه الكفار قبل القدرة فيملك بالإحياء.
قال: (فإن لم يعرف) أي: المالك (والعمارة الإسلامية .. فمال ضائع)؛ لأنه لمسلم أو ذمي، وأمره إلى رأي الإمام فيحفظها لمالكها أو يبيعها ويحفظ ثمنها، أو يقترضه لبيت المال.
وعبارة (الروضة): حكمه حكم المال الضائع، وظاهره: أنه لا يجوز للإمام إقطاعه؛ فإن المال الضائع لا يقطع، لكن في (الكفاية): الأصح في (البحر): جواز إقطاعه، وفيها وفي (الحاوي) وجهان.
قال: (فإن كانت جاهلية .. فالأظهر: أنه يملك بالإحياء) كالركاز.
والثاني: المنع؛ لأنه ليس بموات.
وَلاَ يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ حَرِيمُ الْمَعْمُورِ، وَهُوَ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الاِنْتِفَاعِ.
فَحَرِيمُ الْقَرْيَةِ:
وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: إنه المذهب، وتابعه ابن الرفعة، ولعلهم يجعلونه فيئا، وأما الرافعي والمصنف .. فتابعا البغوي وعمما الخلاف، وحكى جماعة الخلاف وجهين وهو الأقرب.
قال: (ولا يملك بالإحياء حريم المعمور)؛ لأن مالك المعمور يستحق مرافقه، وله يملكه صاحب العمارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الملك بالإحياء ولم يحيها.
وأصحهما: نعم كما يملك عرصة الدار تبعًا للدار.
قال: (وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع) كالطريق ومسيل الماء ونحوهما، ويختلف ذلك باختلاف الأمكنة والأبنية؛ لأن مالك المعمور يستحق الانتفاع بحريمه.
وسمي حريمًا؛ لأنه حرم على غير من له اختصاص به أن ينتفع به، وحرم منع صاحبه منه، وهل يملك الحريم؟ وجهان: الأصح: نعم كما يملك عرصة الدار، لكن لا يملك بيعه منفردًا.
ولا يمنع من الإحياء ما وراء الحريم قرب أم بعد؛ لما روى الدارقطني وابن سعد [3/ 152] وغيرهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع ابن مسعود الدور لما قدم المدينة) وهي بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخل.
روى البيهقي [6/ 145] والشافعي مرسلاً [شم 1/ 381]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الدور) فيقال: إن الدور اسم موضع، ويقال: أقطع تلك البقعة لتتخذ دورًا.
قال: (فحريم القرية: النادي) وهو مجتمع القوم للحديث، ولا يسمى المجلس ناديًا إلا والقوم فيه، ويقال لأهل المجلس أيضًا: النادي، ولهذا عبر في (الشرحين) و (الروضة) و (المحرر) بـ (مجتمع النادي) وما أحسن ما أنشد بعض الشعراء لما أتى بجمال الدين الأصفهاني الجواد من بلاده ميتًا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وصلى عليه بالحجرة الشريفة [من الطويل]:
النَّادِي، وَمُرْتَكَضُ الْخَيْلِ، وَمُنَاخُ الإِبِلِ، وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ وَنَحْوُهَا، وَحَريمُ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ: مَوْقِفُ النَّازِحِ، وَالْحَوْضُ وَالدُّولاَبُ، وَمُجْتَمَعُ الْمَاءِ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ،
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما .... سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادي فتثني رماله .... عليه وبالنادي فتبكي أرامله
قال: (ومرتكض الخيل) وهو مكان سوقها، وقيده ابن الرفعة والقمولي تبعًا للإمام بما إذا كانوا خيالة.
قال: (ومناخ الإبل) وهو بضم الميم كما ضبطه المصنف بخطه: الموضع الذي تناخ فيه.
قال: (ومطرح الرماد ونحوها) كالسماد والقمامات ومراح الغنم وملعب الصبيان وسائر ما يعد من المرافق عرفاً، أما مرعى البهائم .. فقال الإمام: إن بعد .. لم يكن حريمًا، وأما القريب المستقل .. فينبغي أن يقطع بأنه حريم، وقال البغوي: المرعى: حريم قطعًا، واختاره الشيخ.
قال: (وحريم البئر في الموات: موقف النازح) وهو القائم عليها للاستقاء بيده، واحترز بذلك عن المحفورة في ملكه، والمعتبر في ذلك العرف.
واعتبر قوم قدر عمقها فإن كان عشرة أذرع .. فحريمها عشرة أذرع، وإن كان ألف ذراع .. فألف ذراع من كل جانب.
قال: (والحوض، والدولاب، ومجتمع الماء، ومتردد الدابة) لتوقف الانتفاع بالبئر على هذه الأشياء، وأهمل المصنف سادسًا- ذكره الرافعي- وهو: الموضع الذي يطرح فيه ما يخرج من الحوض.
وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي الْمَوَاتِ: مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ، وَحَرِيمُ آبَارِ الْقَنَاةِ: مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ الاِنْهِيَارُ.
فإن قيل: الحوض ومجتمع الماء واحد فكيف غاير المصنف بينهما .. فالجواب أن الماء قد يجتمع في حوض وفي غيره.
ومراده بـ (الدولاب) موضعه.
وما أطلقه في موضع الدولاب و (متردد البهيمة) مقيد بما إذا كان الاستقاء بهما، وكان ذلك فيما المقصود منه السقي، أما ما يتخذ للشرب فقط .. فالمعتبر فيه موضع وقوف المستقي.
و (الدولاب) فارسي معرب، قال ابن سيده: هو على شكل الناعورة، وضم داله أشهر من فتحها، ولم يحك في (العباب) سوى الفتح.
قال: (وحريم الدار في الموات: مطروح رماد وكناسة وثلج، وممر في صوب الباب) أي: جهته؛ لأن العرف قاض بذلك وقوله (ممر) مرفوع.
ومراده بـ (صوب الباب): جهته، وليس المراد امتداده طويلا قبالته، بل يجوز لغيره إحياء ما قبالته، إذا بقي له ممر وإن احتاج إلى انعطاف وازورار.
ونص الشافعي والأكثرون على أن من حريم الدار فناءها، وجعل الغزالي من الحريم مصب ماء الميزاب.
قال: (وحريم آبار القناة: ما لو حفر فيه نقص ماؤها أو خيف الانهيار) أي: السقوط، ويختلف ذلك باختلاف رخاوة الأرض وصلابتها، ولا يحتاج إلى موقف نازح ولا شيء مما تقدم في بئر الاستقاء، وفي وجه: حريمها حريم البئر التي يستقى منها وإليه ذهب العراقيون وأبو حامد وأصحابه، وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافاً لمالك، وما جعله المصنف حريمًا هو بالنسبة إلى حفر الآبار لا مطلقًا؛ فإنه يجوز لغيره أن يبني في الحريم المذكور.
ومحل ما ذكره في البئر المحياة، أما المملوكة .. فلا يمنع من حفرها وإن نقص غيرها.
وَالدَّارُ الْمَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لاَ حَرِيمَ لَهَا، وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدً فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى .. ضَمِنَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلاً، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ.
وضبط المصنف (أبآر) بالهمز على الأصل، ويجوز ترك الهمز على الإبدال أيضاً، وجمع البئر قلة كذلك، وعلى الكثرة بئار.
قال: (والدار المحفوفة بدور لا حريم لها)؛ إذ لا أولوية لبعضها على بعض.
وقوله: (المحفوفة) ليس بقيد، بل غير المحفوفة كذلك إذا كانت في طريق نافذ؛ لأنه لعامة المسلمين، بخلاف ما لو كانت في غير نافذ، قاله الرافعي في (باب الأصول والثمار).
قال: (ويتصرف كل واحد في ملكه على العادة) ولو أدى إلى ضرر جاره أو أدى إلى تلف كما إذا حفر بئرًا في داره فتلف بها بئر جاره، ولو عمل بئر حش أو بالوعة .. جاز خلافاً للقفال.
قال: (فإن تعدى .. ضمن)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
قال: (والأصح: أنه يجوز أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حمامًا وإصطبلًا، وحانوته في البزازين حانوت حداد إذا احتاط وأحكم الجدران)؛ لأنه يتصرف في خالص ملكه فلا يعترض عليه، فلو عمل ملكه مخبزة أو مدبغة .. فأولى بالجواز؛ لأن التأذي إنما هو بالرائحة والدخان.
وحاصله: منع ما يضر الملك دون المالك، فإن فعل ما الغالب منه ظهور الخلل في جدار جاره .. فالأصح المنع كما إذا دق في داره دقاً عنيفًا يزعج الأبنية، أو حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر النداوة إلى جدار جاره.
وَيَجُوزُ إِحْيَاءُ مَوَاتِ الْحَرَمِ دُونَ عَرَفَاتٍ فِي الأَصَحِّ.
والوجه الثاني في أصل المسألة: عدم الجواز؛ لما فيه من الضرر، واختار الروياني في الجميع أن الحاكم يجتهد ويمنع ما يظهر فيه قصد التعنت، ومنه إطالة البناء ومنع الشمس والقمر، وأعلى الجدار كأسفله.
واختار ابن الصباغ وابن الصلاح وابن رزين والفارقي أنه يمنع من كل مؤذ لم تجر العادة به مطلقًا، وهو مذهب أحمد.
وقال في (البحر): لو كان دق القصار يمنع ثبوت الحمام في البرج .. لم يمنع.
و (الحانوت) يذكر ويؤنث وهو: الدكان، وجمع في (الوجيز) بينهما، والصواب حذف أحدهما، وهل نونه أصلية أو زائدة؟ قولان.
قال: (ويجوز إحياء موات الحرم) كما يجوز تملك معموره بالبيع والهبة، ومن يقول: لا تباع دور مكة .. ينبغي أن يقول: لا يحيى مواتها، ومن يقول: إنها فتحت عنوة أو صلحاً .. يأتي فيه ما تقدم.
واختار الشيخ في كل موات أنه يجوز لكل مسلم إحياؤه لعموم إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالجملة موات مكة لا يكره إحياؤه وإن كره بيع دورها؛ لأن عمارتها مطلوبة.
قال: (دون عرفات في الأصح)؛ لتعلق حق الوقوف بها للخاصة والعامة، فكانت كالمساجد والطرق.
والثاني: يجوز مطلقاً وإن ضيق، ويبقى حق الوقوف في الدور، ويكون التملك بالإحياء كبيع الدار المستأجرة.
والوجه الثالث: إن ضيق .. امتنع، وإلا .. فلا وهو الراجح في (الوجيز)، ونسبه الإمام إلى القياسين.
وموضع الخلاف في إحياء بعضها كما فرضه الإمام، واقتضى كلامه امتناع إحياء الجميع بالاتفاق.
ولو قال المصنف: ولا يجوز في عرفات في الأصح .. كان أحسن؛ لئلا يتوهم
قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَىً كَعَرَفَاٍ، وَالله أَعْلَمُ.
وَيَخْتَلِفُ الإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ؛ فَإِنْ أَرَادَ: مَسْكَناً .. اشْتُرِطَ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ وَسَقْفُ بَعْضِهَا وَتَعْلِيقُ بَابٍ، وَفِي الْبَابِ وَجْهٌ.
أن عرفات مستثناة من الحرم وأن الخلاف فيهما، وعرفات من الحل قطعاً والخلاف مختص بها.
قال: (قلت: ومزدلفة ومنى كعرفات والله أعلم) فلا تحيى أرضها للمعنى المذكور ولما روى الحاكم [1/ 466] وأبو داوود [2012] والترمذي [881] عن عائشة أنها قالت: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نبني لك بمنى بيتًا يظلك؟ فقال: (لا، منى مناخ من سبق).
ومنع الإحياء ثابت وإن قلنا باستحباب المبيت بها؛ لكونه مطلوبًا، لكن لا يظهر أن يلحق بذلك المحصب.
قال: (ويختلف الإحياء بحسب الغرض) والمرجع في جميع ذلك إلى العرف؛ لأن الشارع أطلقه، ولا حد له فيه ولا في اللغة فكان كالقبض والحرز.
قال: (فإن أراد مسكنًا .. اشترط تحويط البقعة) بما جرت العادة به في ذلك المكان من لبن أو طين أو حجر أو خشب؛ لما روى أبو داوود [3072] عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحاط حائطاً على أرض .. فهي له).
قال: (وسقف بعضها) ليتهيأ للسكنى، ولأن اسم الدار حينئذ يقع عليه، وقيل: لا يشترط.
و (السقف) جمعه سقوف وسقف مثل رهن ورهن، تقول: سقف البيت أسقفه سقفًا.
قال: (وتعليق باب)؛ لأن العادة جارية بذلك.
قال: (وفي الباب وجه)؛ لأن فقده لا يمنع السكنى، وإنما ينصب لحفظ
أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابَّ .. فَتَحْوِيطٌ لاَ سَقْفٌ، وَفِي الْبَابِ الْخِلاَفُ.
أَوْ مَزْرَعَةً .. فَجَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا وَتَسْوِيَةُ الأَرْضَ
المتاع، واقتصاره على حكاية الخلاف فيه فيه نظر؛ لأن الخلاف في السقف أيضا؛ فلو قال: وفيهما وجه .. كان أولى.
ولا تشترط السكنى جزمًا وقال المحاملي: يشترط الإيواء.
قال: (أو زريبة دواب .. فتحويط لا سقف) ولا يشترط أن يكون تحويطها كتحويط الدار، بل يكفي دون ذلك، وتشترط فيه التعلية بحيث يمنع الطارق وفرار البهائم.
ولا يكفي نصب سعف وأحجار من غير بناء؛ لأن العادة لا تقضي بالتملك بذلك، وإنما يفعله المجتاز.
ولو حذف المصنف لفظة (دواب) .. كان أولى؛ لأن زريبة الحطب وتجفيف الثمرة كذلك.
قال: (وفي الباب الخلاف) أي: السابق في المسكن، وهنا أولى بالمنع كما قاله في (الذخائر)؛ لأن الحارس أو الراعي يقعد بباب الحظيرة بخلاف الدور، وشرط صاحب (الإيضاح) أن يجعل على الحيطان شوكاً.
قال: (أو مزرعة .. فجمع التراب حولها)؛ لينفصل المحمي عن غيره، وفي معناه نصب قصب أو حجر أو شوك.
قال: (وتسوية الأرض)؛ لأن العادة قاضية بذلك.
و (المزرعة) مثلثة الراء، والأفصح فتحها، ولم يحك المصنف في تحريره الكسر.
والمراد بـ (تسوية الأرض) طم المنخفض وكسح العالي، وحراثتها إن لم تزرع إلا به لتتهيأ للزرع، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
وَتَرْتِبُ الْمَاءِ لَهَا إِنْ لَمْ يَكْفِهَا الْمَطَرُ، لاَ الزِّرَاعَةُ فِي الأَصَحِّ.
أَوْ بُسْتَانًا .. فَجَمْعُ التُّرَابِ وَالتَّحْوِيطُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادُ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قال: (وترتيب الماء لها إن لم يكفها المطر) وذلك بحفر بئر أو إجراء قناة، ويستثنى من اعتبار هذا الشرط أرض الجبال التي لا يمكن سوق الماء إليه ولا يكفيها المطر، فإنها تملك بالحراثة وجمع التراب بأطرافها، وقال صاحب (التقريب) والقفال: لا مدخل للإحياء فيها، وكذلك أرض البطاح وهي: ناحية بالعراق غلب عليها الماء .. فيشترط في إحيائها حبس الماء عنها كما أن إحياء اليابس بسوق الماء إليه.
قال: (لا الزراعة في الأصح)؛ لأنها استيفاء منفعة الأرض وهو خارج عن الإحياء، ولهذا لا تعتبر في إحياء الدار سكناها.
والثاني: تشترط؛ لأن الدار لا تصير محياة حتى يصير فيها عين مال المحيي فكذلك المزرعة، ولا خلاف أن الحصاد لا يشترط.
قال: (أو بستاناً .. فجمع التراب) كالمزرعة، وحكم الكرم حكم البستان، وليس المراد جمعه حوله كما توهمه عبارته، بل تهيئة أرض البستان وإصلاحه كما قاله الروياني وغيره.
قال: (والتحويط حيث جرت العادة به) بقصب أو شوك أو بناء عملاً بها، ورجوعًا إلى عادة ذلك المكان.
قال: (وتهيئة ماء) كما سبق في المزرعة.
قال: (ويشترط الغرس على المذهب) بخلاف المزرعة، فإن الأرض للزراعة تحصل عمارتها بالحرث وإن لم تزرع وعمارة البستان بالغراس، ولأن الغراس للدوام فالتحق ببناء الدار، أما من اعتبر الزرع في المزرعة .. فيعتبر الغرس هنا من باب أولى.
ولا يشترط غرس جميعها، بل يكفي غرس بعض الأرض كما صححه الإمام.
وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّةُ، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ أَوْ غَرَزَ خَشَبًا .. فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ- لَكنِ الأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ،
ولا يشترط أن يثمر الغرس، وقال البالسي: رأيت في بعض التعاليق أن في اشتراط ذلك خلافًا.
والثاني: لا يشترط الغرس كالزراعة.
قال: (ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمه، أو أعلم على بقعة بنصب أحجار أو غرز خشبًا .. فمتحجر، وهو أحق به)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم .. فهو له) رواه أبو داوود [3066] ولم يضعفه، وهذه الأحقية أحقية اختصاص لا ملك على الأصح، ولها شرطان:
أن لا يزيد على قدر كفايته.
وأن يقدر على إكماله.
فإن فقدا أو أحدهما .. امتنعت الأحقية.
قال: (لكن الأصح: أنه لا يصح بيعه)؛ لأن حق التملك لا يباع كحق الشفيع.
والثاني- وبه قال أبو إسحاق-: يصح بيعه مع موافقته على عدم الملك وكأنه بيع اختصاص كبيع علو البيت للبناء والسكنى دون سفله.
وإذا قلنا بهذا .. فالبيع حينئذ حق اختصاص فيصير المشتري كالبائع، فمن بادر وأحياه .. ملكه في الأصح، ولا يسقط الثمن عن المشتري في الأصح عن المصنف؛ لحصول التلف بعد القبض.
ولو أحياه المشتري قبل الحكم بفسخ البيع .. فالأصح عند المصنف: أنه له، وقيل: للبائع.
تنبيهان:
أحدهما: عبارة جماعة- منهم الرافعي-: أنه لا يجوز بيع الأرض المحتجزة، وهو صريح في إيراد العقد على الأرض، وعبارة الإمام والغزالي: أنه لا يجوز بيع حق
وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ- وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ .. قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَحْيِ أَوِ اتْرُكْ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ .. أُمْهِلَ مُدَّةً قَريِبَةٍ
التحجر، وهو صريح في إيراد البيع على حق التملك لا الأرض.
الثاني: لو ولاه المتحجر غيره .. صح وصار الثاني أحق به بلا خلاف، قال الماوردي: وليست هبة، بل هي تولية وإيثار، وإذا باعه- وقلنا بالفساد- فهل يكون ذلك إيثارًا ضمنيًا أو لا؟ قال الشيخ: الظاهر المنع؛ لأن البيع الفاسد لا أثر له ولا للتسليم.
قال: (وأنه لو أحياه آخر ملكه)؛ لأنه حقق الملك وإن كان ظالماً كما لو اشترى على سوم أخيه أو خطب على خطبته، وهذا معطوف على (الأصح) ولا خلاف أنه حرام، وتقابله أوجه:
قيل: لا يملك لئلا يبطل حق غيره، قال الإمام: وهو أقيس، واختاره القفال.
وقيل: إن انضم إليه إقطاع .. لا يملك المبتدر، وإلا .. ملك.
وقيل: إن أخذ المتحجر في العمارة .. لم يملك المبادر، وإن اقتصر على التحويط .. ملك.
وشبهوا المسألة بالخلاف فيما إذا عشش الطائر في ملكه وأخذ الفرخ غيره هل يملكه؟ قال في (الروضة): الأصح: نعم، وكذا لو توحل طير في أرضه ونحو ذلك.
قال: (ولو طالت مدة التحجر .. قال له السلطان: أحي أو اترك)؛ لأن في ترك العمرة ضرراً بدار المسلمين فمنع منه، ولأن فيه نوعاً من الحمى وقال عليه الصلاة والسلام: (لا حمى إلا لله ولرسوله) والقائل له ذلك هو الإمام أو نائبه، ويعرف الطول بالعرف.
قال: (فإن استمهل .. أمهل مدة قريبة) رفقاً به ودفعاً لضرر غيره، وقيده
وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِمَامُ مَوَاتاً .. صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ كَالْمُتْحَجِّرِ.
الماوردي بما إذا أبدى عذرًا من غيبة صناع أو تعذر آلة أو نحوها، وهذه المدة مرجعها إلى رأي الإمام، والأصح أنها لا تتقيد بثلاثة أيام، وقدرها أو حامد من عشرة أيام إلى شهرين لا ما زاد.
وفي وجه رابع: أنها مدة تتهيأ فيها أسباب العمارة قاله القاضي أبو الطيب والإمام.
وقدرها أبو حنيفة بثلاث سنين استدلالاً بأثر ورد في ذلك عن عمر.
قال الشيخ: وينبغي إذا علم الإمام أنه لا عذر له فيها، أو علم منه الإعراض أن ينتزعها منه في الحال.
ولو مات المتحجر .. قام وارثه مقامه، أو جن .. قام وليه مقامه في إحيائها له إن رآه، فإن أحياها لنفسه .. فحكمه حكم المتغلب قاله الروياني.
قال: (ولو أقطعه الإمام مواتًا .. صار أحق بإحيائه كالمتحجر) لظهور فائدة الإقطاع؛ فقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم أرضًا للزبير كما رواه الشيخان [خ3151 - م2182] من حديث أسماء، وأقطع وائل بن حجر أرضًا بحضر موت، رواه الترمذي [1381].
وفي (أبي داوود) [3055] بإسناد جيد: عن عمرو بن حريث قال: (انطلق بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام شاب، فدعا لي بالبركة ومسح رأسي، وخط لي دارًا بالمدينة بقوسي ثم قال: ألا أزيدك) فاشتمل الحديث على مكارم الأخلاق وجواز إقطاع الصبي، والإقطاع بالمدينة والإحياء بها، وقد تقدم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الدور من المدينة)، لكن ابن الأثير ذكر في (النهاية) [4/ 82] عن بعضهم أنه كان يتأول إقطاع المهاجرين الدور على معنى العارية، أي: أنزلهم دور الأنصار، والشافعي أعلم من ابن الأثير بذلك.
وَلاَ يُقْطِعُ إِلاَّ قَادِراً عَلَى الإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَحَجِّرُ
فائدة:
قد يقول من لا خبرة له: إن التمليك يحتاج إلى تقدم ملك، وجوابه: أن التمليك في هذا الباب من جهة الله، فهو حاصل للنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما فتح من الأرض وفيما لم يفتح؛ لأن ملك الله تعالى عليها كلها وملك رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفاد منه.
وقد ورد: أنه صلى الله عليه وسلم أعطى تميمًا الداري قرية عينون التي بالشام قبل أن تفتح الشام- وممن ذكر ذلك من الفقهاء الماوردي، ومن المحدثين ابن سعد [7/ 408]- وأعطى أبا ثعلبة الخشني أيضًا شيئا من بلاده قبل أن تفتح، والذي أعطاه لتميم الداري باق بيد أهله إلى اليوم، وأراد بعض الولاة التشويش عليهم، وساعده بعض من لا بصيرة له، فأفتى الغزالي بكفره وقال: النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع الجنة فكيف لا يقطع الدنيا؟
قال الشيخ: ووقعت لي هذه القضية وأنا بدمشق، فأقررت أهل تميم الداري عليها.
وقال الشافعي: يجب على الإمام الإقطاع إذ طلب منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لما أقطع ابن مسعود: (إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها) وقصة العباس مع عمر في الإقطاع شهيرة رواها البيهقي وغيره.
قال: (ولا يقطع إلا قادراً على الإحياء، وقدراً يقدر عليه)؛ لأنه ينظر بالمصلحة.
قال: (وكذا المتحجر) لا يتحجر إلا ما يحتاج إليه ويقدر عليه، فإن زاد .. كان لغيره أن يحيي الزائد.
والإقطاع قسمان: إقطاع تملك وهو: الموات ليحييه فيملكه، وإقطاع إرفاق كمقاعد الأسواق.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَغْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ،
والإقطاعات المعروفة في هذا الزمان للأمراء والأجناد من أرض عامرة لتكون لهم منافعها بالاستعمال وغيره ليس له ذكر في كلام الفقهاء.
قال الشيخ: وتسميته إقطاعًا مخالف لقولهم: إن الإقطاع إنما يكون في الموات، وكذلك الرزق التي يعطيها الإمام للفقهاء وغيرهم كذلك.
ومن فوائد النظر في ذلك: أنه لو تعدى شخص على المختص بها وزرعها، هل تلزمه أجرة المثل له لأنه ملك منفعتها بالإقطاع، أو لا لأنه كالمتحجر وهي باقية على اشتراك المسلمين؟ فيه نظر، لكن القاضي عياض نص على اختصاصها بالمقطع، ويؤيد ذلك ما تقدم من فتوى المصنف بصحة إيجارها.
فرع:
لو تحجر على أن يعمر بعد سنة ونحوها .. قال في (الوسيط): لا يجوز، وكان لغيره أن يحييه بغير إذن الإمام.
قال: (والأظهر: أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي نعم جزية وصدقة وضالة وضعيف عن النعجة) وهي: الذهب لطلب الرعي وغيره، وهي بضم النون.
ومعناه: أن يمنع سائر الناس منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع- بالنون- لخيل المسلمين، رواه ابن حبان [4683].
وحمى أبو بكر الصديق وحمى عمر السرف والربذة، رواه البخاري [2370]، وكان له غلام على الحمى اسمه هني، ولما استعمله .. قال له: يا هني اضمم جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم؛ فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة يأتني بعياله يقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين؛ أفتاركهم أنا لا أبا لك، الكلأ أهون علي من الدينار والدرهم، وأيم الله! لولا المال الذي أحمل عليه في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سبيل الله .. ما حميت على المسلمين في بلادهم شبراً [خ3059].
و (الصريمة): الإبل القليلة، و (الغنيمة): الغنم القليلة.
وإنما يجوز ذلك إذا لم يضر بالمسلمين، فإن أضر .. لم يجز قطعاً.
والقول الثاني: لا يحمي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا حمى إلا الله ورسوله) رواه البخاري [2370] من حديث الصعب بن جثامة.
وأجاب الأول بأن معناه لا يحمي، إلا أن يقصد به وجه الله كفعله صلى الله عليه وسلم لا كفعل الجاهلية؛ فإن العزيز منهم كان يصعد على نشز من الأرض ويستنبح كلباً، فحيث انتهى صوت الكلب من كل ناحية .. كان حمى لنفسه يمنعه من غيره، ويشارك هو غيره في غيره، فنهوا عن ذلك.
يقال: حميت المكان منعته، وأحميته جعلته حمى، فيجوز أن يقرأ ما في الكتاب بفتح الياء ثلاثيًا، وبضمها رباعياً، والفتح أشهر.
واحترز بـ (الإمام) عن آحاد الرعية، فليس لهم الحمى قطعاً.
والمراد بـ (الإمام) الخليفة، فليس للأمير ولا لوالي الإقليم أن يحمي إلا بإذن الإمام كذا صرح به الماوردي والروياني، وألحق الفوراني الولاة بالخليفة، ووافقه الرافعي فرجح لهم الجواز، ثم مما يحمى له خيل المجاهدين، بل هي أحق به من غيرها.
والمراد بـ (نعم الجزية): ما يؤخذ بدلاً عن الذهب والفضة، وبـ (نعم الصدقة): ما يفضل عن سهمان أهل الصدقات فيعاد على أهلها، أو رعيها في زمن انتظار قسمتها عليهم لعدم حضور بعضهم.
أما الماء العد .. فيحرم على الإمام أن يحميه لشرب خيل الجهاد وإبل الصدقة وغيرها بلا خلاف.
وَأَنَّ لَهُ نَقْضَ مَا حَمَاهُ لِلْحَاجَةِ، وَلاَ يَحْمِي لِنَفْسِهِ
وهل يجوز لعامل الصدقة أن يحمي موضعًا لرعيها إذا لم يضر بأهل البلد؟ فيه قولان.
ويحرم على الإمام وغيره من الولاة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضًا عن الرعي في الحمى أو الموات بلا خلاف.
قال: (وأن له نقض ما حماه للحاجة) رعاية للمصلحة، وليس ذلك من نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
والثاني: لا؛ لتعينه لتلك الجهة كالمسجد والمقبرة، أما حمى النبي صلى الله عليه وسلم .. فلا ينقض بحال؛ لأنه نص لا ينقض ولا يغير، وألحق به الصيمري ما حماه عمر، وقال أبو محمد في (مختصره) والغزالي في (الخلاصة): إنه الصحيح.
وحكى صاحب (الرونق) قولاً: إنه لا يجوز نقض ما حماه الخلفاء الأربعة وهو حسن، وجعل صاحب (التلخيص) القولين في حق الخلفاء الأربعة، وأما غيرهم .. فيجوز نقض حماهم قطعاً.
وقوله: (للحاجة) متعلق بـ (نقض) لا بـ (حماه).
قال: (ولا يحمي لنفسه)؛ لأن ذلك من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقع ذلك منه، ولو وقع .. لكان لمصالح المسلمين أيضاً؛ لأن ما كان مصلحة له .. فهو مصلحة لهم.
واستدل له البيهقي [6/ 147] بما رواه عن ابن عمر أنه قال: (اشتريت إبلاً، ثم انتجعتها في الحمى، فلما سمنت .. قدمت بها السوق، فدخله عمر فرأى إبلا سماناً فقال: لمن هذه الإبل؟ فقالوا: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر؛ بخ بخ، أبن أمير المؤمنين؟! قال: فجئته أسعى فقلت: ما لك
فَصْلٌ: مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ: الْمُرُورُ، وَيَجْوزُ فِيهِ الْجُلُوسُ لِلاِسْتِرَاحَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَنَحْوِهِمَا
يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما هذه الإبل؟ قلت: إبل أنضاء، اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، استقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر؛ اغد على رأس مالك واجعل باقيه في بيت المال).
وروى أبو عمر بن عبد البر وغيره عن عمر أنه بلغه عن يعلى بن أمية- ويقال: ابن منية نسبة إلى جدته، وكان عاملاً على اليمن- أنه حمى لنفسه، فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمشى أياماً إلى صعدة فبلغه موت عمر فركب.
تتمة:
لو غرس شخص في الحمى أو بنى .. أزيل، وادعى المتولي الإجماع على أن لا يجوز إحياء النقيع الذي حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يكون على الحمى حفاظ من جهة الإمام يمنعون أهل القوة من إدخال مواشيهم، ويتلطفون بالضعفاء، فإن كان للإمام ماشية .. لم يدخلها الحمى؛ لأنه من أهل القوة، فإن فعل .. فقد ظلم المسلمين، وسيأتي في (باب التعزيز) حكم ما إذا حمى واحد من الناس مواتاً ومنع الناس منه، وحكم ما إذا رعى واحد من أهل القوة ماشيته في الحمى.
قال: (
فصل
:
منفعة الشارع: المرور)؛ لأنه وضع لذلك وهي مستحقة للناس أجمعين وهذه المسألة تقدمت في (الصلح).
قال: (ويجوز فيه الجلوس للاستراحة والمعاملة ونحوهما) والوقوف أيضاً إذا لم يضيق على المارة وفي (البيهقي) [6/ 150] عن علي رضي الله عنه أنه قال: (من سبق إلى موضع بالسوق .. فهو أحق به إلى الليل).
إِذَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمَارَّةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِمَامِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّهٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قال الإمام: وللإمام مطالبة الواقف فيه بقضاء حاجته والانصراف، ويختص الجالس بما حوله بالقدر المحتاج إليه، لكن ليس له منع من قعد ليبيع مثل متاعه إذا لم يزاحمه، لكن ليس لغيره أن يقعد حيث يمنع رؤية متاعه أو وصول المعاملين إليه، أو يضيق عليه الكيل أو الوزن والأخذ والإعطاء.
قال: (إذا لم يضيق على المارة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
قال: (ولا يشترط إذن الإمام) كما لا يحتاج في الإحياء إليه؛ لإطباق الناس على ذلك في سائر الأعصار من غير إنكار.
وشمل إطلاق الذمي، وفي ثبوت هذا الإرفاق له وجهان: رجح الشيخ منهما الثبوت وإن لم يؤذن له، وإليه مال شيخه ابن الرفعة، وهو ظاهر كلام (المهذب) و (التنبيه) و (البيان)؛ لأن ضرره لا يتأبد، ولا فرق بين أن تطول إقامته بحيث يتقادم عهده أم لا.
وقيل: يقام عنه إذا تقادم عهده؛ لئلا يصير ذريعة إلى ادعاء الملك فيه، ثم هذا الحكم لا يختص بالشارع، بل الارتفاق بالصحارى والفلوات لنزول المسافرين لا نظر للإمام فيه، ولهم النزول حيث لا يضر بمجتاز.
وأما الارتفاق بأفنية المنازل في الأملاك، فإن أضر ذلك بأربابها .. منعوا إلا بإذنهم، وإلا فإن كان الجلوس على عتبة الدار .. لم يجز إلا بإذنهم، ولا يجوز أن يأخذ على القعود في فناء الدار أجرة بحال، كما لا يجوز أن يبيعه منفرداً، وحكم فناء المسجد حكم فناء الدار.
قال: (وله تظليل مقعده ببارية أو غيرها) لجريان العادة بذلك وعدم إضراره بالمارة، وكان الأولى أن يقول: ونحوها؛ لأن الجواز مقيد بما إذا كان المظلل به ينقل معه، فإن كان مثبتاً ببناء .. لم يجز.
و (البارية) بتشديد الياء وربما خففت، ويقال فيها: بورياء كلوبياء وهي: شيء ينسج من القصب كالحصير.
وَلَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ .. أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ بِرَايِهِ.
قال: (ولو سبق ليه اثنان .. أقرع)؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر، اللهم إلا أن يكون أحدهما مسلماً والآخر ذمياً .. فيظهر أن يقدم المسلم إن أثبتنا للذمي هذا الارتفاق، وقد أطلق الشيخان فيه وجهين، وإطلاق الكتاب وغيره يقتضي أن له ذلك، وعليه عمل الناس من غير نكير.
قال: (وقيل: يقدم الإمام برأيه) كما بيت المال، ولا يأتي هنا.
الوجه الثالث: في المعدن الظاهر: أنه يقسم بينهما؛ لأن موضع الواحد لا يكفي الاثنين، لكن في (الاستقصاء) حكى وجهاً بالمهايأة، ووجهاً أنهما يتركان حتى يصطلحا.
ومحل الخلاف ما لم يبن دكة، فإن بناها .. لزمه الأجرة.
وأجمعوا على أنه ليس للإمام ولا لغيره أن يأخذ ممن يرتفق بالجلوس للبيع وغيره في الشوارع عوضاً.
قال الشيخ: وقد رأينا في هذا الزمان من وكلاء بيت المال من يبيع من الشوارع ما يقول: إنه يفضل عن حاجة المسلمين، وهذا لا يقتضيه قول أحد؛ لأن البيع يقتضي تقدم الملك، ولو جوزنا ذلك .. لجوزنا للإمام أن يبيع الموات ولا نعرف من يقول به، وهذا الذي يفعله وكلاء بيت المال من بيع ذلك لا يجوز، فليحذر منه، وقد قال لي ابن الرفعة عن بعض وكلاء بيت المال بالديار المصرية وقد فعل ذلك: لا أدري بأي وجه يلقى الله.
فرع:
الأصح أن للإمام أن يقطع الشارع فيصير المقطع أحق به كالمتحجر، ولا يجوز لأحد تملكه بالإحياء على الصحيح، وذكر الرافعي في (الجنايات) أنه تقدم في (الإحياء) أن الأكثرين جوزوا الإقطاع، وأن المقطع يبنى فيه ويتملك، وما ذكره في الإقطاع صحيح، وأما في البناء والتمليك .. فهو وجه ضعيف.
وَلَوْ جَلَسَ لِمُعَامَلَةٍ ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَوْ مُنْتَقِلاً إِلَى غَيْرِهِ .. بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لِيَعُودَ .. لَمْ يَبْطُلْ إِلاَّ أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَالَفُونَ غَيْرَهُ.
قال: (ولو جلس لمعاملة ثم فاقه تاركاً للحرفة أو منتقلا إلى غيره .. بطل حقه)؛ لإعراضه عنه، وكذا إذا كان جلوسه للصناعة كخياطة ونحوها، أما الجالس للاستراحة .. فيبطل حقه بمفارقته جزماً، وكذلك الجوال يزول حقه بمفارقته.
قال: (وإن فارقه ليعود .. لم يبطل)؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام من مجلس ثم رجع إليه .. فهو أحق به) رواه مسلم [2179].
قال: (إلا أن تطول مفارقته بحيث ينقطع معاملوه عنه ويألفون غيره) سواء فارق بعذر أو غيره؛ لأن مثل ذلك يعد معرضاً، ولا يبطل حقه برجوعه ليلاً إلى منزله، وليس لغيره مزاحمته في اليوم الثاني.
وقال الإصطخري: إذا رجع ليلاً، فمن سبقه .. كان أحق ونقله في (المطلب) عن النص والعراقيين، وكذا الحكم في الأسواق التي تقام في كل سنة أو شهر إذا اتخذ فيها مقعداً .. كان أحق به في النوبة الثانية.
فروع:
لو أراد غيره أن يجلس في مدة غيبته القصيرة .. لم يمنع في الأصح.
ولو أرسل نعمة في صحراء .. لم يكن لغيره تنحيتها وإرسال نعمه.
ويجوز وضع آلات البناء ونحوها في الطرق ما لم تضر، فإن ضرت .. منع من ذلك.
ويكره الجلوس في الشارع للحديث ونحوه؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلا أن يعطى الطريق حقه قالوا: وما حقه قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر).
وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعاً يُفْتِي فِيهِ وَيُقْرِيءُ .. كَالْجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ، وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلاَةٍ .. لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بهِ فِي غَيْرِهَا،
ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة وظن السوء واحتقار الناس وتضييق الطريق.
قال: (ومن ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه ويقرئ) أي: القرآن أو العلم الشرعي.
قال: (.. كالجالس في شارع لمعاملة)؛ لأن له غرضاً في ملازمة ذلك الموضع ليغشاه الناس، هذا قول أبي عاصم العبادي والغزالي ورجحه الشيخان.
وقال صاحب (التقريب) والجويني والماوردي والروياني: متى قام .. بطل حقه؛ لقوله تعالى: ﴿سواء العكف فيه والباد﴾ وهو مذهب جمهور الفقهاء.
وأجاب الأولون عن الآية بأن المراد بها المسجد الحرام بالاتفاق، والجالس فيه لاستماع الحديث والوعظ الظاهر أنه كالصلاة لا يختص فيما سوى ذلك المجلس، ولا فيه إن فارق بغير عذر، ويختص إن فارق بعذر.
وظاهر عبارة المصنف أنه لا يشترط في جلوسه إذن الإمام، وهو كذلك في المساجد الصغيرة ومساجد القرى، أما الجلوس لذلك في الجوامع وكبار المساجد .. فنقل الرافعي عن الماوردي اعتبار إذن الإمام فيها إذا كانت عادة البلد الاستئذان فيه، وكلام الإمام يخالفه.
ومن له عادة بالقرب من المدرس ونحوه وينتفع الناس بقربه منه لعلمه ونحوه .. يدوم اختصاصه، وما جرى به العرف من مجلس فقيه في موضع معين من مدرسة أو رباط .. الظاهر دوام اختصاصه فيه.
ويمنع الناس من استطراق حلق القراء والفقهاء في الجوامع توقيراً لها.
قال: (ولو جلس فيه لصلاة .. لم يصر أحق به في غيرها) بلا خلاف، بخلاف مقاعد الأسواق، والفرق أن غرض المعاملة يختلف باختلاف المقاعد، والصلاة في بقاع المسجد لا تختلف.
فَإِنْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ .. لَمْ يبْطُلِ اخْتِصَاصُهُ فِي تِلْكَ الصَّلاَةِ فِي الأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إِزَارَهُ.
قال الرافعي: ويجوز أن يمنع ذلك بالصف الأول فهو آكد، ولا فرق في ذلك بين الصبي البالغ؛ لأن الصبي إذا سبق إلى الصف الأول كان أحق به.
قال: (فإن فارقه لحاجة ليعود) كالخروج لرعاف أو تجديد وضوء وقضاء الحاجة وإجابة داع.
قال: (.. لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصح وإن لم يترك إزاره)؛ لحديث مسلم المتقدم: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) زاد الإمام والغزالي وتبعهما الرافعي فيه فقالوا: من مجلسه في المسجد، وقال الإمام: إنه صحيح، ووقع كذلك في (الروضة)، ولا تعرف هذه الزيادة في الحديث، لكن في (الترمذي) [2751]: (إذا خرج لحاجته ثم عاد) وظاهره إرادة المسجد، ووهم ابن الرفعة فنسب حديث مسلم إلى البخاري.
والوجه الثاني: يبطل كغيرها من الصلوات.
والثالث: إن ترك إزاره .. بقي حقه، وإلا .. فلا، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (وإن لم يترك إزاره).
والرابع- حكاه ابن الرفعة-: إن خرج لعذر بعد الشروع في الصلاة وأمكن قبل الفراغ .. لم يبطل، وإلا .. بطل، أما بالنسبة إلى غير ذلك .. فيبطل حقه جزماً.
وعمت البلوى بوضع السجادات بالروضة الشريفة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من المنكرات التي يجب النهي عنها.
والظاهر: أن الخلاف فيما إذا لم تقم الصلاة في غيبته، فإن أقيمت واتصلت الصفوف وراء بقعته، فإن كان كذلك .. سد مكانه.
وَلَوْ سَبَقَ رَجلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهُ .. لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ.
ولا فرق بين أن تكون الصلاة المنتظرة دخل وقتها أم لا؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة) وعبارة المصنف تشمل هذه الصورة.
فرع:
إذا اعتكف ولم ينو وقتاً فمتى خرج .. بطل حقه، وإن نوى وقتاً كأيام فخرج لحاجة جائزة .. ففي اختصاصه إذا رجع احتمال، والظاهر بقاؤه.
قال: (ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مسبل، أو فقيه إلى مدرسة، أو صوفي إلى خانقاه .. لم يزعج، ولم يبطل حقه بخروجه لشراء حاجة ونحوه) وإن لم يترك فيه متاعاً ولا نائباً؛ لعموم الحديث السابق، وهذا ما لم يتخذه مسكناً فإنه يمنع منه.
ولو ازدحم اثنان .. فكمقاعد الأسواق.
وأفهم قوله: (لشراء حاجة ونحوه) أن غيبته إن طالت .. بطل حقه، والمرجع في الطول وعدمه إلى العرف، ثم إنما يكون السابق أحق إذا لم يكن للمكان ناظر، فإن كان .. لم يجز النزول فيه إلا بإذنه إن أمكن للعرف، وكذا لو كان للمدرسة مدرس دون ما إذا فقد ذلك، وهل المراد عرف زمن الواقف أو زمن السكنى؟
قال في (المطلب): الظاهر الأول، قال: وعلى هذا كان بعض أكابر علماء وقتنا يقول: يستحق الفقهاء الجامكية إذا بطلوا في الأشهر الثلاثة التي وقفت في زمان عهد فيه البطالة فيها، أما المدارس القديمة الموقوفة في زمن لم يعهد ذلك فيها .. فلا يجوز أخذها فيها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي (فتاوى ابن الصلاح): لو قال: وقفته على مقرئ يقرئ الناس بموضع كذا كل يوم وجرت عادة البلد بترك الإقراء يوم الجمعة .. ليس له ترك الإقراء فيه؛ لأن قوله: (كل يوم) تصريح بالعموم فلا يترك لعرف خاص.
وقال الشيخ عز الدين: العرف المطرد بمنزلة الشرط فينزل الشرط عليه.
ومحل ما ذكره المصنف إذا كان السابق أهلا للسكنى، فأما سكنى غير الفقهاء في بيوت المدارس .. فيتبع في ذلك شرط الواقف إن كان ثم شرط، فإن لم يكن ثم شرط .. منع، ففي (قواعد ابن عبد السلام): أن من لم يشتغل اشتغال مثله على العادة .. لا يحل له سكنى المدارس، ولا يحل له أن يتناول شيئاً من وقفها، قال: وكذلك المدرس والمعيد.
وقد تقدم في آخر (زكاة الفطر) عن أبي علي الفارقي أنه قال: يجوز للفقهاء الإقامة في الربط وتناول معلومها، ولا يجوز للمتصوف القعود في المدارس وأخذ جرايتها؛ لأن المعنى الذي يطلق على المتصوف موجود في الفقيه ولا عكس.
فائدة:
الصوفي واحد الصوفية، قال القشيري: ولا شهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر: أنه كاللقب؛ إذ لا يصح أخذه من الصفاء ولا من لبس الصوف ولا من ملازمة الصفة.
قال: وتكلم الناس في التصوف: ما معناه؟ وفي الصوفي: من هو؟ وكل عبر عما وقع له.
فقال الجنيد: الصوفي من كان مع الله بلا علاقة.
وقال معروف: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق.
وقال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: التصوف الإعراض عن الأغراض.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسيأتي للصوفية ذكر في أول (كتاب الوقف) وفي (كتاب الوصية).
و (الخانكاه) بالكاف وهي بالعجمية: ديار الصوفية، ولم يتعرضوا للفرق بينها وبين الزاوية والرباط وهو: المكان المسبل للأفعال الصالحة والعبادة.
قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات به؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلك الرباط فذلكم الرباط).
وقوله تعالى: ﴿ورابطوا﴾ قيل: هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ إذ لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، وسيأتي في (كتاب الوقف) حكم بناء المدارس وأول من أحدثها.
فروع:
يجوز لغير سكان المدارس من العوام والفقهاء دخولها، والجلوس فيها، والشرب من مائها، والاتكاء والنوم فيها، ودخول سقاياتها، ونحو ذلك مما جرت العادة به.
قال في (الجواهر): وينبغي أن يختلف الحال في بيوت سقاياتها بين قلتها وكثرتها، والظاهر أن المراد بالشرب من مائها: الماء الجاري فيها كما في مدارس الشام، لا المنقول إليها كما في مدارس مصر.
قال: وكان ابن الرفعة يحكي عن بعض مشايخه المتورعين أنه كان لا يليق منه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دواته، كما نصوا على أنه لو وجد ماء مسبلا بالطريق .. لم يجز له الوضوء منه ويتيمم.
وقال ابن الرفعة: مما تعم به البلوى إذا نزل في مدرسة جماعة للاشتغال ولم يعين الواقف عدداً، وقدر لهم ما يستوعب ارتفاع وقفها .. لا يجوز تنزيل أحد عليهم بحيث ينقص ما قرر لهم، وأيده بما ذكره الماوردي أنه لو قال: من قام بوصيتي .. فله مئة درهم، فمن قام بها وهو من أهلها .. استحقها، فإن قام بها جماعة .. كانت بينهم، وإن قام بها واحد، فإن كان كافياً .. منع غيره بعد الشروع أن يشاركه فيها، ووافق ابن الرفعة على ذلك بعض قضاة القضاة والقمولي والشيخ، وهو الصواب.
وسئل القفال عن تعليم الصبيان في المساجد فقال: الأغلب على الصبيان الضرر بالمسجد فيجوز منعهم.
تتمة:
رباط وقف على المسافرين .. ليس لأحد أن يسكنه أكثر من مدة المسافرين ثلاثة أيام بلياليها، إلا أن يكون مقامه في البقعة لمصلحة المكان فله المقام ما دامت المصلحة، قاله المتولي.
وإذا ازدحم اثنان على موضع من غير سبق فهل يقرع بينهما أو يقدم الإمام أحدهما؟ فيه الخلاف المتقدم في المقاعد.
وإذا طال مقام واحد في بقعة موقوفة، وخاف الإمام من مقامه أن تشتهر البقعة به فيملكها ويندرس الوقف .. فله نقله عن الموضع؛ صيانة للوقف عن الإبطال.
وإذا وقف على المسافرين أو المارة .. فلكل أحد ينزل فيه من المسلمين وأهل الذمة، فإن خص الواقف طائفة .. لم يحل لغيرهم.
فَصْلٌ: الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ- وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلاَ عِلاَجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَارِ رَحَىً- لاَ يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ، وَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلاَ إِقْطَاعٍ.
قال: ﴿فصل﴾:
هذا معقود لحكم الأعيان المستفادة من الأرض، وتنقسم إلى ظاهر على وجهها وباطنة في طباقها.
قال: (المعدن الظاهر- وهو: ما خرج بلا علاج كنفظ وكبريت وقار ومومياء وبرام وأحجار رحى).
(النفط) بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة: دهن معروف.
و (الكبريت): عين تجري فإذا جمد ماؤها .. صار كبريتاً أبيض وأصفر وأكدر، والأحمر منه جوهر، وضربوا به المثل في العزة فقالوا: أعز من الكبريت.
قال الشاعر [من الكامي]:
عز الوفاء فلا وفاء وإنه ... لأعز وجداناً من الكبريت
والقار والقير: الزفت.
و (المومياء) بضم الميم والمد: شيء يلقيه الماء في بعض السواحل فيجمد ويصير كالقار، ويقال: إنها حجارة سود، وأما المومياء التي من الموتى .. فنجسة.
و (البرام) بكسر الباء: حجارة تعمل منها القدور.
ومن المعادن: القطران المائي والجبلي، والمدر وأحجار النورة والياقوت، والبلور والملح والكحل والجص.
قال: (لا يملك بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع) بل هي مشتركة بين الناس كالمياه الجارية والحطب والكلأ، يستوي فيها المسلم والكافر؛ لأن أبيض بن حمال سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعه ملح مأرب .. فأقطعه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الأقرع بن حابس: يا رسول الله؛ إنه كالماء العد، قال: (فلا إذن) رواه الأربعة وصححه ابن حبان [4499].
والإجماع منعقد على منع إقطاع مشاريع الماء وكذلك المعادن الظاهرة.
و (الماء العد): الكثير الدائم الذي لا ينقطع.
و (مأرب) بهمزة ساكنة بعد الميم ثم راء مكسورة، ويجوز تخفيف الهمزة وهي: مدينة باليمن كانت بها بلقيس.
وامتناع إقطاع المعادن الظاهرة لا خلاف فيه بين العلماء.
وقال القاضي أبو الطيب: إنما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم ملح مأرب على ظاهر ما سمع منه، كما استفتى في مسألة وصورت له على خلاف ما هي عليه فأفتى ثم بانت له على خلاف صورة الاستفتاء.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إلي ..) الحديث .. فقضية شريطة لا تستدعي وقوعاً ولا جوازاً، ولم يثبت لنا قط أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بحكم ثم بان خلافه، وقد صان الله أحكام نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قال الشيخ: وما يروى من قوله حين قتل النضر بن الحارث لما سمع شعر أخته: (لو سمعته ما قتلته) فلم يثبت بإسناد صحيح، بل قال الزبير بن بكار في (كتاب أنساب قريش): إن شعرها موضوع، مع أنه لو صح .. لم يكن من هذا الباب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يباح له القتل وهو مخير فيه، له أن يقتل وله أن لا يقتل.
وتستثنى من إطلاق المصنف صورتان:
إحداهما: ما لا تلزم عليه مؤنة من ذلك بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل منه ملح.
جاز أن يملك بالإحياء، وجاز للإمام إقطاعه.
فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ .. قَدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْر ِ حَاجَتِهِ فِإِنْ فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً .. فَالأَصَحُّ: إِزْعَاجُهُ.
فَلَوْ جَاءَا مَعاً .. أُقْرِعَ فِي الأَصَحِّ.
والثانية: إذا ظهر شيء من هذه المعادن في أرض ملكها بالإحياء .. فإنه يملكه بلا خلاف، قاله الإمام وغيره، وسيأتي هذا في قول المصنف: (ومن أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن .. ملكه).
قال: (فإن ضاق نيله .. قدم السابق بقدر حاجته) لسبقه، قال الرافعي: ولم يبينوا أنها حاجة يوم أو سنة، وقال الإمام: يرجع فيه إلى العادة فيأخذ ما تقتضيه عادة أمثاله، قال ابن الرفعة: أي: ما دام فيه، فإذا انصرف عنه .. فغيره ممن سبق أولى، وعبارة (الوجيز): السابق لا يزعج قبل قضاء وطره.
قال: (فإن طلب زيادة) على حاجته (.. فالأصح: إزعاجه)؛ لأن إقامته عليه كالتحويط المانع لغيره من الأخذ، قال الرافعي: ويمكن الفرق بينه وبين مقاعد الأسواق في عدم الإزعاج لشدة الحاجة إلى المعادن.
والثاني: لا يزعج، ويأخذ بحق السبق ما أراد؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه .. فهو أحق به) وحمله الأولون على ما لا يضر بالغير.
قال: (فلو جاءا معاً .. أقرع في الأصح) لعدم المزية.
والثاني: يجتهد الإمام ويقدم الأحوج.
والثاني: ينصب من يقسم الحاصل بينهما، فإن تشاحا في البداءة .. أقرع بينهما، فإن وجد تاجر ومحتاج .. فيشبه أن يقدم المحتاج.
وألحق في (التنبيه) بالمعدن الظاهر المباحات كالصيد والسمك، وما يؤخذ من البحر من اللؤلؤ والصدق، وما ينبت في الموات من الكلأ والحطب، وما ينبع من المياه، وما يسقط من الثلوج، وما يرمى رغبة عنه.
وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ- وَهُوَ: مَا لاَ يخْرُجُ إِلاَّ بِعِلاَجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ
فرع:
ليس للإمام أن يقطع بركة ليؤخذ سمكها، ولا أرضاً ليؤخذ حشيشها ولا حطبها؛ إذ لا يدخل في هذه الأشياء تحجر ولا إقطاع، ولو عمر أحد المعدن الظاهر حتى زاد نيله .. لم يصر أحق به.
قال: (والمعدن الباطن، وهو: ما لا يخرج إلا بعلاج كذهب وفضة وحديد ونحاس) وكذلك الرصاص والبلخش والفيروزج والياقوت والعقيق، وجميع الجواهر المركوزة في طبقات الأرض.
فأما (النحاس) بضم النون وكسرها فهو: عين القطر الذي أساله الله تعالى لسليمان بن داوود كما ألان الحديد لأبيه، والظاهر أنه جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ليستعملها فيما يريد، وعن ابن عباس: (أجريت له ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن).
و (الحديد) تولده في الأرض كتولد سائر الأجساد، وهو أكثر نفعاً من سائر المعادن، قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس﴾.
وقال ابن عباس: أنزل الله مع آدم من الجنة السندان والمطرقة والكلبتين والإبرة، هذا مذهب المفسرين.
وذهب قوم إلى أن معنى ﴿وأنزلنا الحديد﴾: أنشأناه، كقوله: ﴿وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزواج﴾.
ومن خواصه العجيبة: أن برادته إذا علقت على إنسان يغط في نومه .. يزول ذلك عنه.
و (الرصاص): قال أرسطو: أنه صنف من الفضة، لكن دخل عليه ثلاث آفات رائحة ورخاوة وصرير، كما تدخل على الجنين في بطن أمه الآفات فيفسد.
ومن خاصته إذا ألقي في قدر لم ينضج لحمها.
وذكر ابن سراقة في (أدب الشاهد): أن العمل في المعادن مكروه إلا إذا كان قريبا
لاَ يُمْلَكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الأَظْهَرِ.
وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ .. مَلَكَهُ.
لا يفوت الجماعة ولا يخرج به عن الوطن.
قال: (لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر) كالمعدن الظاهر، ولأن المعدن يشبه الموات، والموات لا يملك إلا بالعمارة، وحفر المعدن تخريب، وعلى هذا إذا انصرف عنه .. كان غيره أحق به.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يملك إلى القرار؛ لأنه لا يتوصل إلى نيله إلا بتعب ومؤنة فأشبه الموات إذا أحيي.
ومحل القولين إذا قصد التملك ووصل إلى نيل، فإذا لم يقصد التملك بل قصد الأخذ والانصراف .. فلا يملكه قولا واحداً، وأما قبل الوصول .. فهو كالمتحجر.
وسكوت المصنف عن الإقطاع هنا يفهم جوازه وهو الأظهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع، رواه سلم، وهذه من ناحية الفرع.
قال: (ومن أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن .. ملكه) بلا خلاف؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، بخلاف الركاز فإنه مودع فيها.
واحترز بقوله: (فظهر) عما إذا كان عالماً به ثم اتخذ عليه داراً .. فقيل: إن هذا على القولين السابقين، وقيل: يملكه قطعاً.
وإذا تملك معدناً باطناً فجاء غيره واستخرج منه شيئًا بغير إذنه .. لزمه رده ولا أجرة له، أما بيعه .. فالأصح: منعه؛ لأن المقصود النيل وهو مجهول وفي معناه الهبة، قال في (البحر): لكن ترتفع يده بالهبة لا بالبيع.
ولو اشترى داراً فوجد فيها معدناً باطناً .. فهو للمشتري، بخلاف الركاز.
وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ مِنَ الأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا،
تنبيه:
تقييده بالباطن يفهم أنه لو حصل معدن ظاهر .. لا يملكه، وبه صرح شراح (الحاوي) وليس كذلك، فقد حكى الإمام فيه الإجماع كما تقدم في أول الفصل، فالصواب حذف لفظه (باطن).
قال الشيخ: لم يرد أنه لا يملك الظاهر، بل يملكه ملكًا مؤبدًا قطعًا؛ لإجماع الأصحاب على أن من أحيا أرضا مواتاً ملكها بجميع أجزائها، وصرح كثير بملك النوعين بذلك، منهم الإمام والماوردي والدارمي وابن الصباغ وغيرهم، ولم يذكر في (البسيط) ولا (الوسيط) لفظة (الباطن).
ولو قال المالك: اعمل فيه وما استخرجته فهو لك، أو قال: استخرج لنفسك .. فالحاصل لمالك المعدن؛ لأنه هبة مجهول، والأصح أنه يستحق الأجرة.
قال: (والمياه المباحة من الأودية والعيون في الجبال يستوي الناس فيها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار) رواه أبو داوود [2471].
وفي (ابن ماجه) [2473]: (ثلاث لا يمنعن) فذكره.
فلا يجوز تحجرها لأحد، ولا للإمام إقطاعًا بالإجماع، ولا بيعها، وإن حضر اثنان فصاعدًا .. أخذ كل ما يشاء، فإن ضاق .. قدم السابق، فإن جاءا معًا .. أقرع، ويقدم طالب الشرب على طالب السقي.
والمراد بالمباح ما لا مالك له كالنيل والفرات ودجلة.
واحترز به عن المملوكة بأن حفر رجلا نهراً يدخل فيه الماء من الوادي أو النهر المتخرق منه .. فالماء باق على إباحته لكن مالك النهر أحق به كالسيل يدخل ملكه، فليس لأحد مزاحمته بسقي الأرض، وأما للشرب والاستعمال وسقي الدواب .. فيجوز ما لم يضر به، ولو جهل أمره بأن وجد نهر تسقى منه أراض ولم يدر هل انخرق بنفسه أو حفر .. فالأصح- وبه جزم الشيخان-: الحكم بأنه مملوك.
فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ .. سُقِيَ الأَعْلَى فَالأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،
ويستثنى من إطلاق ما لو كان عليه قاطنون فأهل النهر أولى به، قاله القاضي أبو الطيب.
قال: (فإن أراد قوم سقي أراضيهم منها فضاق .. سقي الأعلى فالأعلى) حتى لو كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه لم يجب على من فوقه الإرسال إليه، بل يحبس الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لما روى الحاكم [2/ 62] عن عائشة وأبو داوود [3634] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك في سيل مهزور- بتقديم الزاي- ومذنب، وهما موضعان بالمدينة) وروى ابن ماجه [2482] قريباً من ذلك.
مهمة:
المراد بـ (الأعلى) الذي لا يتقدمه أحد، وبالتالي الذي أحيي بعد الأول، وليس المراد بالثاني الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب، بل الاعتبار بالسبق، كذا صرح به القاضي أبو الطيب وصاحبًا (المهذب) و (الشافي).
وفي (مغنى الحنابلة): وكثير من الناس يغلطون في ذلك ويجمدون على ظاهر قولهم: الأعلى فالأعلى، وإنما خرج ذلك على الغالب، وبعضهم يقول: الأول فالأول، والمراد: أول إحياء، وما أوهم خلاف ذلك من كلام الماوردي وابن الصباغ مؤول.
قال: (وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين) أي: يبلغ الجانب الأعلى منهما كما في آية الوضوء؛ لما روى الشيخان [خ2360 - م2357] وأصحاب السنن من حديث عبد الله بن الزبير: أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي
فَإِنْ كَانَ فِي الأَرْضِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ .. أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ.
يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: (اسق يا زبير حتى تبلغ الكعبين، ثم أرسل لماء إلى جارك) فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار) فأولا أمره بأخذ بعض حقه، وثانياً أمره باستيفائه، والذي قاله المصنف هو ما ذهب إليه الجمهور.
وقيل: يرجع فيه إلى العادة، وهي تختلف باختلاف الأرض وما فيها من زرع، وبالزمان كما جزم به المتولي والماوردي، وقواه الشيخ.
وقيل: لا يقدم الأعلى، بل يسقون بالحصص، وهو غريب بل غلط.
واحترز بقوله أولاً: (ضاق) عما إذا لم يضق بأن كان يكفي الجميع، فإن كلا يسقي ما شاء متى شاء، وربما يظن أن الأنهار الكبار لا تحتاج إلى هذا الترتيب فيها لسعتها وليس كذلك، فإن أعظم الأنهار نيل مصر وسقي بلادها منه يحتاج إلى ضبط بالجسور ونحوها لتروى بلادها، وإلا .. فيضيع على بعضها، وكذلك أنهار الشام بالنسبة إلى بساتينها ودورها.
قال: (فإن كان في الأرض ارتفاع وانخفاض .. أفرد كل طرف بسقي) وطريقه: أن يسقي المنخفض أولاً حتى يبلغ الكعبين، ثم يسده ويسقي المرتفع، لأنهما لو سقيا معاً .. لزاد الماء في المنخفضة على القدر المستحق، بل طريقه: أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين، ثم يسد ويسقي المرتفع.
قال الشيخ: والظاهر أنه لا يتعين البداءة بالأسفل، بل لو عكس .. جاز، ومرادهم لئلا يزيد في المستفلة على الكعبين، ولو سقى الأول ثم احتاج إلى السقي مرة أخرى .. مكن منه في الأصح.
وعمارة حافات هذه الأنهار من بيت المال.
ولو أراد رحل أحياء أرض وقيها من هذا الماء، فإن ضيق على الباقين .. منع، وإلا .. فلا.
وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فِي إِنَاءٍ .. مُلِكَ عَلَى الصَّحيحِ.
وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلاِرْتِفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ
قال: (وما أخذ من هذا الماء) أي: المباح (في إناء .. ملك على الصحيح) كالاحتطاب والاحتشاش، ولا يجب بذله إلا لمضطر، وكذلك إذا وضعه في حوض مسدود المنافذ .. نقل عن ابن المنذر فيه الإجماع، ولا يجب بذله إلا لمضطر، ومقابله وجه ضعيف يحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يملك بحال؛ لأن الناس شركاء فيه.
واحترز بـ (المأخوذ في إناء) عن الداخل في ملكه بسيل؛ فإنه لا يملك بدخوله في الأصح.
وخص المتولي الوجهين بماء المطر إذا اجتمع في أرضه، وجزم بأنه لا يملك ماء السيل بدخوله في أرضه، وهذا إن صح كان وجهاً ثالثاً.
وقال ابن الصلاح: إذا دخل الماء في كيزان الدولاب الذي يديره الماء .. ملكه صاحب الدولاب كما لو استقى بنفسه، وكذا لو أدارته دابة من طريق أولى، ولو أخذه ثم أعاده إليه .. لا يصير شريكاً في النهر باتفاق الأصحاب.
قال: (وحافر بئر بموات للارتفاق أولى بمائها حتى يرتحل) المراد أولى بما يحتاج إليه من مائها لسقيه وماشيته وزرعته، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم .. فهو أحق به) فإذا ارتحل .. صارت كالمحفورة للمارة، فلكل أحد الشرب منها ويسقي الزرع، فإذا عاد حافرها .. فهو فيها كغيره.
والمراد بقوله: (للارتفاق): ارتفاق نفسه، أما الحفر لارتفاق المارة .. فهو كأحدهم، وكذا الحافر بلا قصد في الأصح.
والمراد بكونه (أولى بمائها): فيما يحتاج إليه له ولماشيته وزرعته لا مطلقاً، فليس له منع ما فضل عنه عن المحتاج إليه للشرب إذا استقى بدلو نفسه، ولا منع مواشيه، وله منع غيره من سقي الزرع به، وفيه احتمال للإمام.
وَالْمَحْفُورَةُ لِلَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ .. يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لاَ .. لاَ يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ
قال: (والمحفورة) أي: في الموات (للتملك أو في ملك يملك ماؤها في الأصح)؛ لأنه نماء ملكه كالثمرة واللبن، ولأن الركاز له فالماء أولى.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يملكه؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (الناس شركاء في ثلاث).
ويجري الخلاف فيما لو انفجرت عين في ملكه، وفي كل ما ينبع في ملكه من القير والنفط والمومياء والملح، والمنصوص أنه يملكه، وقال أبو إسحاق: لا.
واحترز بـ (المحفورة للتملك) عما إذا حفرها لمارة أو حفرها بلا قصد، والأصح أنه لا اختصاص له، والناس فيها سواء.
قال: (وسواء ملكه أم لا .. لا يلزمه بذلك ما فضل عن حاجته لزرع)؛ لأنه لا يجب سقيه، وقيل: يجب إذا احتاج الزرع إليه، وهو رواية عن أحمد؛ لما روى الأربعة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن منع فضل الماء).
قال: (ويجب لماشيته على الصحيح)؛ لما روى الشافعي [شم 1/ 382] عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ .. منعه الله فضل رحمته يوم القيامة) وفيه إشارة إلى أن الكلأ من رحمة الله، فكما منعه بمنع الماء منعه الله من رحمته، وفيه إشارة إلى تحريمه؛ لأن رحمة الله تعالى لا يمنعها إلا معصيته، فلما كان فضل الماء مانعاً من الرحمة .. كان معصية، وخالفت البهائم الزرع؛ لما للروح من الحرمة بدليل وجوب سقيها بخلاف الزرع.
والثاني: لا يجب؛ لعموم: (لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكما لا تجب إعارة الدول والرشاء وبذل الماء المحرز في الأواني، والحديث محمول على الاستحباب.
تنبيهات:
أحدها: قول المصنف: (على الصحيح) يمكن عوده إلى عدم الوجوب للزرع والوجوب للماشية، فإن الخلاف فيهما، والتصحيح مختلف.
الثاني: للوجوب في الماشية شروط:
أن يكون فاضلاً عن حاجته كما تقدم، فإن لم يفضل .. لم يجب بلا خلاف؛ لأن الوعيد إنما جاء في بذلك الفضل، فإن لم يحتج إليه في الحال ولكن يحتاج إليه في ثاني الحال .. لزمه بذله؛ لأنه قد يستخلف.
وأن لا يجد للماشية ماء مباحاً، ووقع في كلام الرافعي: كلأ مباحاً، وهو سبق قلم.
وأن يكون بقرب الماء كلأ ترعاه المواشي، فإن لم يكن .. لم يجب.
وأن لا يكون عليه في وصول ماشيته إلى الماء ضرر لزرع ولا شجر، فإن استضر .. لم يلزمه التمكين.
وأن يكون الفاضل لم يحز في إناء أو حوض، فإن حازه .. لم يلزمه بذل فضله على الصحيح.
الثالث: المراد بـ (البذل): تمكين صاحب الماشية من الماء، ولا يلزمه استقاؤه لهم، ولا تمكينهم من دلوه وحبله وغربه، بل يسقيه أرباب الماشية بأنفسهم بآلتهم ودلائهم، وإذا دعت الضرورة إلى إعارة الدلو والرشاء وجب بالعوض، قاله القاضي حسين.
وأما بذله للرعاء .. فأصح الوجهين وجوبه؛ لأنهم أولى بذلك من الماشية، وهو وارد على المصنف، وإذا قلنا: لا يجب بذله .. كان له بيعه مقدراً بالكيل أو الوزن دون ري الماشية والزرع.