النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 425-435
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَلَا يُوَقَّرُونَ، وَلَا يُصَدَّرُونَ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ  فإن خلت الطريق عن الزحمة .. فلا حرج، وليكن التضييق عليه بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه الجدار.
قال: (ولا يوقرون، ولا يصدرون في مجلس)؛ لأن الله تعالى أذلهم، وهذا النهي للتحريم، والمراد: إذا اتفق اجتماعهم مع المسلمين.
وما أحسن ما اتفق لأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي المالكي الزاهد لما دخل على الملك الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني، فوعظه الطرطوشي حتى بكى، ثم أنشده [من السريع]: يا ذا الذي طاعته قربة .... وحقه مفترض واجب إن الذي شرفت من أجله .... يزعم هذا أنه كاذب وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من موضعه؛ لاستحضاره تكذيب المعصوم الذي هو سبب شرفه وشرف أهل السماوات والأرض صلى الله عليه وسلم.
والطرطوشي بضم الطاءين نسبة إلى طرطوش، مدينة ببلاد الأندلس، مات بالإسكندرية ودفن بها بكوم وعلة قبل الباب الأخضر سنة عشرين وخمس مئة.
فرع: لا تجوز مودة الكافرين، للآية الكريمة، قاله الشيخان هنا وفاقًا للبغوي، وقالا في (باب الوليمة): تكره مخالطتهم ومودتهم.
ويمكن الفرق بين المخالطة والمودة: فالمخالطة ترجع إلى الظاهر، والمودة الميل القلبي، فذلك مكروه، وهذا حرام؛ لقصة حاطب بن أبي بلتعة، فأما المودة على الإحسان الدنيوي فقط من غير ميل ولا موافقة على المعاصي .. فمكروه.
قال: (ويؤمر بالغيار) وهذا هو الواجب الرابع.
ودليله: أن عمر صالحهم على تغيير زيهم بمحضر من الصحابة، وإنما لم يفعل

وَالزُّنَّارِ فَوْقَ اَلثِّيَابِ،  النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيهود المدينة ونصارى نجران؛ لأنهم كانوا قليلين معروفين، فلما كثروا في زمن الصحابة وخشوا من التباسهم بالمسلمين .. احتاجوا إلى التمييز.
والأولى: أن يكون غيار اليهود متميزًا عن غيار النصارى، فلليهود الأصفر، وللنصارى الأزرق، وللمجوس الأسود والأحمر، كذا قاله الرافعي.
والذي قال: إنه الأولى .. لا دليل عليه، فلو جعل غير الأصفر لليهود .. كان أولى؛ لأنه كان زي الأنصار.
ولو لبس اليهود والنصارى لونًا واحدًا .. جاز، ولو تميزوا بلباس وصار مألوفًا لهم .. منعوا من العدول عنه كيلا يقع الاشتباه.
والأمر بالغيار واجب على الصحيح إذا كانوا في بلاد الإسلام، فإن انفردوا بمحلة .. فلهم تركه، حكاه في (البحر)، وهو قياس ما تقدم.
وشمل إطلاق المصنف: النساء، وهو الأصح، ولا يشبه موتاهم بموتى المسلمين.
و (الغيار) بكسر الغين: الشيء الذي يمتاز به).
قال: (والزُّنّار فوق الثياب)؛ لأن عمر صالحهم عليه، كما رواه البيهقي [9/ 202]. وهو خيط غليظ يجعل في أوساطهم خارج الثياب فيه ألوان، وليس لهم إبداله بمنطقة ولا منديل، وإن لبسوا القلانس .. ميزت عن قلانس المسلمين بعلامة في رأسها.
و (الزُّنّار) بضم الزاي وتشديد النون، قاله الجوهري وابن سيده.
وإنما جمع بين الغِيار والزُّنار؛ ليكون أثبت للعلامة، فإن المسلم قد يلبس الملون.

وَإذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ .. جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ،  وقال ابن يونس: إن التمييز يحصل بأحدهما، ومراده: انه يكتفي بشرط أحدهما، فإن شرطهما .. وجبا.
وعبارة (الشرح) و (الروضة) والجمع بين الغيار والزنار تأكيد ومبالغة في الاشتهار، ويجوز أن يقتصر الإمام على اشتراط أحدهما.
وإذا لبست المرأة خفًا .. فليكن أحدهما أسود والآخر أبيض أو أحمر، وقال القاضي: تخيط المرأة على ثيابها علامة تتميز بها، ولا يمنعون مع التمييز بما سبق من لبس الطيلسان؛ لأن التمييز قد حصل، وفي وجه: يمنعون منه؛ لأنه أَجَلُّ لُبس المسلمين).
ولا يمنعون من التظاهر بالديباج والحرير على الصحيح، ولا من لبس فاخر الثياب.
وقال القاضي حسين: من حمى كافرًا أو دفع عنه الغيار كأهل نيسابور .. عصى؛ لأن إعزاز من أذله الله كإذلال من أعزه الله.
وقال المارودي: يمنعون من التختم بالذهب والفضة؛ لما فيه من التطاول والمباهاه.
وفي (فتاوى قاضي خان) لا بأس ببيع الزنار من النصارى والقلنسوة من المجوس؛ لأن في ذلك إذلالًا لهم.
وقال الحليمي: لا ينبغي لفعلة المسلمين وصناعهم أن يعلموا للمشركين كنيسة أو صليبًا، فأما نسج الزنار .. فلا بأس به؛ لأن فيه صغارًا.
وأفتى ابن تيمية بأنهم يمنعون من إظهار الأكل والشرب في شهر رمضان.
قال: (وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) أي: في غير الحمام) .. جُعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) وهذا التمييز واجب على الصحيح، وقيل: مستحب.

وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ اٌلْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُ فِي عُزَيْرٍ وَاٌلمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، ......

 والمراد ب (الخاتم) ههنا: الطوق والرصاص، بفتح الراء، والعامة تكسرها، وحكي عن ثعلب.
وقوله: (ونحوه) معطوف على (خاتم) لا على (رصاص)، ويعني به: الجلاجل.
وإذا كان له شعر أمر بجز ناصيته، ومنع من إرسال الضفائر كما يفعل الأشراف والأجناد.
وذكر المارودي: أن نساء أهل الذمة يمنعن من فرق الشعر والذوائب في الحمامات دون منازلهن.
وقوله: (فيه مسلمون) أشار به إلى أن لفظ الحمام مذكر، وهذا لا خلاف فيه، تقول: الحمام بعته وشريته ودخلته ورأيته.
وأما تمييز النساء في الحمامات .. فينبني على جواز دخوله مع النساء المسلمات، والأصح في زيادات (الروضة) منعه؛ لأنهن أجنبيات في الدين.
وقد يفهم من هذا السياق: أن لنساء المسلمين أن يدخلنه للا حجر وعن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يجوز إلا عن ضرورة؛ لما روى أبو داوود [4006] والترمذي [2803] وابن ماجه [3750] والحاكم [4/ 516] عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة خلعت ثوبها غي غير بيت زوجها .. فهي ملعونة).
والأصح في زيادات (الروضة) أنه لا يحرم دخولهن بلا عذر، لكن يكره: وجزم في (الإحياء) بحرمة دخولهن إلا لنفاس أو مرض.
وكره أحمد بناء الحمام وبيعه وإجازته، وحرمه القاضي من أصحابه، ولم يدخل أحمد حمامًا أبدًا.
قال: (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقوله في عُزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) هذا هو الواجب الخامس عليهم، وهو: الانقياد لحكم.

وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ اٌلأُمُورُ فَخَالَفُوا .. لَمْ يَنْتَقِضِ اٌلْعَهْدُ،  الشرع، فيمنع من إظهار ما ذكره؛ لما فيه من إظهار شعار الكفر، وقيل: لا يمنع من الناقوس في الكنيسة تبعًا.
وفهم من التقييد بـ (الإظهار) أنه لا يمنع فيما بينهم، وكذا إن انفردوا بقرية، نص عليه في (الأم)، وفي الشروط العمرية: وأن لا يضرب الناقوس في الكنائس إلا ضربًا خفيفًا.
وظاهر عبارة المصنف: منعهم من ذلك، سواء شرط عليهم في العقد أم لا، وبه صرح القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني والمَحاملي، ونقله في (الذخائر) عن الأصحاب.
وإذا أظهروا خمورهم .. أريقت، وقياسه: إتلاف الناقوس إذا أظهروه.
وإذا فعلوها ما يعتقدون تحريمه .. يجري عليهم حكم الله فيه، ولا يعتبر رضاهم، وذلك كالزنا والسرقة؛ فإنهما محرمان عندهم كشرعنا، وأما ما يعتقدون حله .. فقد سبق أن حد الخمر لا يقام عليهم على الأصح.
ويلزمهم كف اللسان والامتناع من إظهار المنكرات، وكذا قراءتهم التوراة والإنجيل ولو في كنائسهم؛ لما في إظهار ذلك من المفاسد.
قال: (ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد).
الأمور المشترطة عليهم في عقد الذمة ثلاثة أقسام: الأول: ما لا تنتقض الذمة بمخالفته قطعًا كهذه الأمور؛ لأنهم يتدينون بها من غير ضرر على المسلمين فيها، فإذا فعلوها .. عزروا عليها؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم، والمراد بشرط هذه الأمور إذا شرط عليهم: أن ينقض العهد بها، فإن شرط عليهم النقض بها .. فبتاه الإمام على الخلاف في أن عقد الذمة هل يصح مؤقتًا؟ إن صح .. صح وانتقض بها، وإلا .. فباطله من أصله.
والمنقول عن الأصحاب: عدم الانتقاض وفساد الشرط، ويتأبد العقد، ويحمل ذلك على التخويف.

وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ اٌمْتَنَعُوا مِنَ اٌلْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ اٌلإِسْلاَمِ .. اٌنْتَقَضَ  قال: (ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام .. انتفض)؛ لمخالفة موضوع العقد، وهذا هو القسم الثاني، وهو: ما ينتقض به قطعًا.
وجزم (الحاوي الصغير) بالانتقاض بالتمرد عن الأحكام، وتبع في ذلك الإمام، أما إذا قاتلونا .. فسواء شرط عليهم الامتناع أم لا انتفض؛ لأن القتال ينافي عقد الذمة.
وكلام المصنف محمول على ما إذا لم تكن شبهة.
فإن أعانوا البغاة وادعوا: أنهم لم يعرفوا الحال .. فقد سبق بيانه في بابه، وكذا إذا صال عليهم جماعة من متلصصي المسلمين وقطاعهم فقتلوهم دفعًا .. لا يكونون بذلك ناقضين.
واستشكل الإمام النقض بالقتال؛ لأنه فعل والعقود لا تقطع بالأفعال.
وأجاب بأن الذمة لما كانت جائزة من جانب الذمي .. التحقت في حقه بالعقود الجائزة، والعقد الجائز إذا انتفى مقصوده بالكلية .. لم يبعد انقطاعه وإن كان الصادر فعلًا، وهذا بمثابة انقطاع الإيداع بالعدوان.
وأما إذا امتنعوا من إجراء الأحكام عليهم أو منعوا الجزية .. فينتقض عهدهم، سواء كان الممتنع واحدًا أو جماعة؛ لأن الذمة لا تنعقد إلا بهما، فألحق الدوام بالابتداء.
وسواء منعوا أصولها أو منعوا الزائد على الدينار كما تقدم، وهو الأصح.
قال الإمام: هذا بالنسبة إلى القادر، أما العاجز إذا استمهل .. فلا ينقض عهده، قال: ولا يبعد أخذها من الموسر قهرًا ولا ينتقض، ويخص قولهم بالمتغلب المقاتل، وأقره الرافعي عليه.
لكن المنصوص كما قاله القاضي حسين: انتقاض العهد وعدم الاستباحة، وأما عدم الانقياد لأحكام الإسلام .. فإنه يحمل عليه قهرًا.
قال الإمام: وإنما يؤثر إذا كان يتعلق بقوة وعزة، فأما الممتنع هاربًا .. فلا

وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ اٌلْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةِ اٌلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِيِنِه، أَوْ طَعَنَ فِي اٌلإِسْلَامِ أَوِ اٌلْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوءٍ .. فَالأَصَحُ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدَ بِهَا .. انُتَقَضَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ  ينتقض، وجزم به في (الشرح) و (الحاوي الصغير).
قال: (ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح، أو دل أهل الحرب على عورة المسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء .. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها .. انتقض، وإلا .. فلا) هذا هو القسم الثالث، وهو الذي فيه خلاف: والأصح: أنه إن شرط .. انتقض؛ لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها بتحريمها لا تخلُّ بمقصوده.
والثاني: ينتقض قطعًا؛ لما فيه من الضرر.
والثالث: إن شرط .. انتقض، وإلا .. فوجهان.
والمصنف صحح في (الروضة) في المسائل الأربع: أنه إن لم يجر ذكرها في العقد .. لم ينتقض، وكذا إن جرى في الأظهر، عكس ما في الكتاب، ثم إنه عبر بـ (الأصح)، وهي ذات طرق أو بعضها ذات طرق، وبعضها ذات أوجه.
وأما فتنة المسلم عن دينه .. فمثله إذا دعاه إلى دينهم.
وأما إذا طعنوا في الإسلام أو القرآن .. ففيه طريقان: أحدهما: الانتقاض بلا خلاف كالقتال.
وأظهرهما: أنه كالزنا بمسلمة ونحوه، فيأتي فيه الخلاف.
وأما الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نسبته إلى أمر مستقبح .. فيلحق بالقتال قطعًا، سواء شرط عليه الكف عنه أم لا.
وقال أبو بكر الفارسي: من شتم منهم النبي صلى الله عليه وسلم .. قتل حدًا؛

وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ .. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ .. لَمَ يَجِبْ إِبْلاَغُهُ مَامَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاِخْتِيَارِ .. امْتَنَعَ الرِّقُّ  لأنه صلى الله عليه وسلم قتل ابن خطاب وغيره بذلك، وقد تقدم هذا في قبول توبة المرتد.
قال: (ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾، ولأنه صار حربيًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ فيتخير الإمام فيمن ظفر به منهم من الأحرار الكاملين كما يتخير في الأسير، كذا قطع به الرافعي، لكن حكى الإمام في (قتال البغاة) قولًا بأنه يبلغهم المأمن إذا انكفوا عن الأذى، واستبعده.
قال: (أو بغيره .. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًا ومنًا وفداء)؛ لأنه كافر لا أمان له كالحربي.
وروى البيهقي [9/ 201]: أن عمر صلب يهوديًا زنى بمسلمة.
والثاني: يجب أن يبلغ المأمن، كمن دخل بأمان صبي.
وأجاب الأول عن هذا بأنه يعتقد في نفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان.
مهمة: التخير بين هذه الأمور ليس على إطلاقه، بل شرطه: أن لا يطلب الذمي الذي انتقض عهده تجديد العهد، فإن طلبه .. وجب إجابته إلى عقد الذمة، ولا يجوز قتله، كذا نبه عليه الرافعي في (باب قطع السرقة).
ثم ما اقتضاه كلام الشيخين من تصحيح عدم البلوغ إلى المأمن يشكل عليه ما قالاه في (باب الهدنة) إن من دخل دارنا بأمان أو بهدنة لا يغتال وإن انتفض عهده، بل يبلغ المأمن مع أن حق الذمي آكد من حق المستأمن، والفرق مشكل.
قال: (فإن أسلم قبل الاختيار .. امتنع الرق)، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر فخف أمره.

وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ .. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحَّ، وَإذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ .. بُلِّغَ الْمَامَنَ  قال: (وإذا بطل أمان رجال .. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح)؛ لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم توجد منهم خيانة.
والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا فيزول بزوال الأصل.
وعلى الأصح: لا يجوز سبيهم، ويجوز تقريرهم في دارنا، وإن طلبوا الرجوع إلى دار الحرب .. أجيب النساء دون الصبيان؛ لأنه لا حكم لا ختيارهم قبل البلوغ، فإن بلغوا وبذلوا الجزية .. أقروا بها، وإلا .. ألحقوا بدار الحرب.
قال: (وإذا اختار ذمي نبذ العهد واللحوق بدار الحرب .. بُلِّغ المأمن)؛ لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نق ض عهده فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.
وقيل بإجراء القولين؛ لأنه بعد نبذ العهد كافر لا أمان له.
وصورة المسألة: أن ينبذ ذلك من غير أذى، فأما مع الأذى .. فقد تقدم حكمه، وهذا بناه المصنف على أن الذمة عقد جائز من جهة الذمي، وأنه لا يجبر على الوفاء بالذمة.
وحكى الإمام في (باب البغاة) فيه الاتفاق.
و (المأمن) بفتح الميمين: موضع الأمن، والمراد به: أقرب بلاد الحرب من دار الإسلام، ولا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك، إلا أن يكون بين أول بلاد الكفر ومسكنه بلد للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه.
وقال في (البحر) لو كان له مأمنان .. ألحق بما يسكنه منهما، فإن سكن بلدين .. تخير الإمام.
تتمة: إذا رجع المستأمن إلى بلاده الإمام لتجارة أو رسالة .. فهو باق على أمانه في نفسه وماله، فإن رجع للاستيطان .. انتقض عهده.
فإن رجع فمات في بلاده واختلف الوارث والإمام: هل انتقل للإقامة فهو حربي، أو للتجارة فلا ينتقض عهده؟

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أجاب فيها بعض علماء العصر بأن قول الإمام؛ لأن الأصل في رجوعه إلى بلاده الإقامة، ولأن الوارث يدعي سفرين والإمام يدعي سفرًا، والأصل: عدم الثاني؛ لأن المارودي قال إذا اختلف الزوجان في السفر هل هو للعود أو النقلة: إن سفر النقلة واحد وسفر العود اثنان .. فكان القول في الثاني قول منكره.
... خاتمة روى الحافظ أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما عن جعفر بن محمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو عاش إبراهيم .. لأعتقت أخواله، ولو ضعت الجزية عن كل قبطي).
وروي أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن يزيد بن أبي حبيب: أن الحسن بن علي كلم معاوية في أهل حَفْن من كورة أَنْصِنا- قرية أم إبراهيم- فسامحهم بالجزية إكرامًا لإبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن روى أنس بن مالك أنه قال: (لو عاش إبراهيم .. لكان صديقًا نبيًا).
قال أبو عمر: لا أدري ما وجه هذا القول، فقد ولد نوح غير نبي، ولو لم يلد النبي إلا نبيًا .. لكان كل أحد نبيًا؛ لأنهم من ولد نوح عليه السلام.
قال المصنف: ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم .. لكان نبيًا) باطل، وفيه جسارة على الكلام في المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم الزلات.
و (حَفْن) بفتح الحاء المهملة وإسكان الفاء.
و (أنصنا) بفتح أوله وإسكان النون بعده صاد مهملة مكسورة ونون وألف: من صعيد مصرن كذا ضبطه أبو عبد الله البكري، وقال: إنها كانت مدينة السحرة في زمن فرعون.


كتاب الهدنة

كِتَابُ الْهُدْنَةِ عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إِقْلِيمٍ يَخْتَصُّ بِالأِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِيهَا،

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل