وَيَخْتَص طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاج دَخَلَ مَكة قَبْلَ الْوًقُوفِ، وَمَنْ قَصَدَ مَكةَ لاَ لِنُسُكٍ .. اسْتُحِب لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَج أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ/ يَجِبُ، إِلا أَنْ يَتَكَررَ دُخُولُهُ كَحَطابِ وَصيادِ
ويسمى طواف القدوم: طواف التحية وطواف الورود، وهو سنة على المشهور.
قال: (ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف) هاذا بالنسبة إلى الحاج، وإلا .. فهو مستحب لكل قادم، والعبارة مقلوبة كما تقدم.
أما العمرة .. فليس فيها طواف القدوم، إنما فيها طواف واحد يسمى: طواف الفرض وطواف الركن، وهو يجزئ عن طواف القدوم كما تجزئ الفريضة عن التحية، فلو نوى به طواف القدوم .. وقع عن طواف العمرة.
قال: (ومن قصد مكة لا لنسك .. استحب له أن يحرم بحج أو عمرة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (من أراد الحج والعمرة) فلو وجب بمجرد الدخول .. لما علقه على الإرادة، ولذلك بوب على البخاري (باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام)، والصواب: أن قصد الحرم كقصد مكة فكان التعبير به أولى.
قال: (وفي قول: يجب)؛ لإطباق الناس عليه، وجعله في (البيان) الأشهر وهو منصوص (الأم)، وصححه المصنف في (نكت التنبيه)، والمصحح في عامة كتبه الأول، فإن قلنا: يستحب .. كره تركه، وإن قلنا: يجب .. فله شروط:
أن يأتي من خارج الحرم وإن كان مكيًا.
وأن لا يدخلها لقتال مباح أو واجب أو خائفًا من ظالم أو غريم يحبسه وهو معسر.
وأن يكون حرامًا فلا يلزم العبد وإن أذن سيده على المذاهب.
قال: (إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد) فهاذان لا يجب عليهما قطعًا للمشقة الحاصلة بذلك.
فَصْلٌ:: للِط?وَافِ بِأَنْوَاعِهِ
وقيل: على القولين.
وفي وجه ضعيف: يلزمهم الإحرام في كل سنة مرة؛ لئلا يستهان بالحرم ..
وما ذكره المصنف من الحصر اعترض عليه بأنه يشترط على قول الوجوب أن يكون حرًا، وأن يكون دخوله من الحل، وأن لا يدخل مقاتلًا، ولا خائفًا من قتال أو ظالم لا يمكن معه الظهور لأداء النسك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح غير مُحِرم، كذا استدل به الرافعي، ورُد?؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان من خواصه دخول مكة من غير إحرام ..
تتمة::
على القول بالوجوب: لا دم بتركه ولا قضاء ..
وقال ابن القاض: كل عبادة واجبة إذا تركها الإنسان .. لزمه القضاء والكفارة إلا هاذا، ونقض بترك رد السلام، ومصابرة الاثنين، وبإمساك يوم الشك إذا ثبت كونه من رمضان؛ فإنه يجب إمساكه على المذاهب.
فلو ترك الإمساك .. لم يلزمه من أجله قضاء ولا كفارة، وبما إذا ترك صوم يوم وكان قد نذر صوم للدهر.
قال: (
فصل:
للطواف بأنواعه) وهي: طواف القدوم، والإفاضة، والوداع، والنفل المطلق،
وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أما الْوَاجِبُ .. فَيُشْتَرَطُ: سَتْرُ الْعَوْرَة
ِ
وطواف العمرة، وما يتحلل به من الفوات.
قال: (واجبات وسنن) المراد بـ (الواجبات): الوظائف التي لابد منها، وذلك أعم من الشروط والأركان، ووجوبه في التطوع معناه، أنه لا يصح إلا به كوجوب القراءة وغيرها في صلاة النفل ..
قال: (أما الواجب .. فيشترط: ستر العورة)؛ لما روى الشيخان [خ 369 – م 1347] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما/ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام، فمن تكلم .. فلا يتكلم إلا بخير) رواه الحاكم [1/ 459] وقال: صحيح الإسناد ..
فسماه صلاة، وهو لا يضع الأسماء اللغوية، وإنما يكسبها أحكامًا شرعية، وإذا ثبت أنه صلاة .. لم يجز بغير ستارة، فلو طاف عريانًا أو انكشف جزء من عورته أو شعر من رأس الحرة أو ظفر رجلها .. لم يصح.
وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنجَسِ،
قال: (وطهارة الحدث)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها حين حاضت: (اصنعي كل شيء غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي) رواه الشيخان [خ 1650 – م1211
فلو كان النهي لأجل المسجد .. لقال: حتى ينقطع الدم ..
وعن أبي يعقوب الأبيوردي: أن طواف الوداع يصح من غير طهارة ويجبر بالدم.
وإذا طيف بالطفل .. اشترط وضوءه، وقيل لا يجب وضوء غير المميز، والظاهر: أن المجنون كالطفل فيوضئها الولي وينوي عنهما ..
قال: (والنجس) أي: في الثوب والبدن والمطاف؛ لعموم الحديث، وبالقياس على طهارة الحدث، فإذا لاقى نجاسة غير معفو عنها ببدنه أو ثوبه أو مشى عليها عمدًا أو سهوا .. لم يصح طوافه ..
وعمت البلوى بغلبة النجاسة في المطاف من جهة الطير وغيره، وقد اختار جماعة من المتأخرين المحققين العفو عنها ..
وينبغي أن يقال: يعفى عما يشق الاحتراز منه، كما عفى عن دم البراغيث والبق والقمل، وونيم الذباب، وأثر الاستنجاء، والقليل من طين الشارع المتيقن نجاسته، وعما لا يدركه الطرف في الماء والثوب على الأصح، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: الأمر إذا ضاق اتسع.
مهمة::
طاف بالتيمم لعدم الماء، ثم وجده .. ففي الإعادة وجهان في (البحر:):
أحدهما: نعم كالصلاة ..
والثاني: لا كما إذا طافت للوداع بعد انقطاع دمها بالتيمم ثم فارقت مكة .. لا يلزمها دم ..
وينبغي الجزم بأنه لا يطوف بالتيمم؛ لوجوب الإعادة، وإنما فعلت الصلاة لحرمة الوقت، وهو مفقود هنا
فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ .. تَوَضأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأنفُ.
وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، مُبْتَدِئا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ
قال: (فلو أحدث فيه .. توضأ وبنى)؛ لأنه يحتمل فيه ما لا يحتمل في الصلاة كالفعل الكثير والكلام، وكان الأعم أن يقول: تطهر؛ لشموله الأكبر والأصغر ..
قال: (وفي قول: يستأنف) كالصلاة، والقولان في العامد، فإن سبقه .. فخلاف مرتب، وأولى بالبناء ..
هاذا إذا قصر الفصل، فإن طال .. فكذلك على الأصح ..
وحكم الخارج من الطواف لحاجة حكم المحدث ..
والخارج بالإغماء نص في (الأم) على أنه إذا عاد .. استأنف الوضوء والطواف، قريبًا كان أو بعيدًا.
قال: (وأن يجعل البيت عن يساره)؛ لأنه المأثور، فلو جعله عن يمينه ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني .. لم يصح، وكذا لو استقبله بوجهه معترضًا، أو جعله عن يمينه ومشى القهقرى نحو الباب .. فوجهان: أصحهما: لا يصح، وجزم الروياني بالصحة مع الكراهة.
قال الرافعي: والقياس: جريان هاذا الخلاف فيما لو مر معترضًا مستدبرًا ..
قال الروياني: إنه لا نص فيه، وإن أصحابنا قالوا: يجزئه ..
وقال المصنف: الصواب: القطع بأنه لا يصح في هاذه الصورة؛ فإنه منابذ لما ورد الشرع به ..
لاكن يستثنى منه ما قاله المصنف في استقبال الحجر الأسود في ابتداء الطواف؛ فإنه يندب أن يمر مستقبله حتى يجاوزه، ثم يجعل البيت عن يساره حينئذ ..
وأنكر بعض الناس ذلك على المصنف، وليس بمنكر؛ فقد صرح به القضاة أبو الطيب والبنديجي والروياني.
قال: (مبتدئًا بالحجر الأسود)؛ لما روى مسلم [1273] عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ به طوافه) وهاذا شرط بلا خلاف، وشبهوه بتكبيرة الإحرام في الصلاة
مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ .. لَمْتُحْسَبْ، فَإذَا انُتهَى إِلَيْهِ .. ابْتَدَأَ مِنْهُ وقال المحب الطبري: روى القاسم بن سلام: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده) فمن مسحه ... فقد بايع الله، ومن قصد ملكًا وأم بابه .. قَبل يمينه، ولله المثل الأعلى .. وقال الراغب: معناه: أنه يتوصل به إلى السعادة المقربة إليه .. قال: (محاذيًا له في مروره بجميع بدنه) .. صورة المحاذاة بجميع بدنه: أنه يجعل يمينه عن يمين الحجر مستقلا جدار البيت الذي بين الركنين ثم يمشي تلقاء شقه الأيمين مستقبل الحجر، أو يجعل يساره عن يمين الحجر ثم يطوف ويساره إلى الحجر، والأول أفضل .. أما إذا حاذى ببعض بدنه جميع الحجر أو بعضه وباقي بدنه إلى جهة الباب .. فالجديد: لا تحسب تلك الطوفة .. والقديم: تحسب .. وإن حاذى بجميع بدنه بعض الحجر .. صح أيضًا، كما يستقبل في الصلاة بجميع بدنه بعض الكعبة بأن يكون الشخص نحيفًا لا يخرج منه شيء إلى جهة الملتزم، أو يقف بعيدًا بحيث تصدق المحاذاة .. قال: (فلو بدأ بغير الحجر .. لم تحسب) طوافته (فإذا انتهى إليه .. ابتدأ منه) كالمتوضئ إذا قدم غسل غير الوجه ثم الوجه .. فإنه يجعل غسل الوجه ابتداء .. وجميع ما قلناه في المحاذاة يتعلق بالركن الذي فيه الحجر لا بالحجر نفسه، فلو أزيل الحجر - والعياذ بالله تعالى من إدراك زمنه - وجبت محاذاة الركن .. فائدة:: صح: أن الحجر الأسود نزل من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم، رواه الدارقطني والترمذي [877] وقال: حسن صحيح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال بعضهم: إذا كان هاذا فعل الخطايا في الحجارة، فكيف في القلوب؟
وأنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث.
وروى البيهقي [5/ 75] بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق).
وروى عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله تعالى نورهما، ولولا ذلك .. لأضاء ما بين المشرق والمغرب).
قال الروياني: ومتابعة السنة واجبة وإن لم يوقف على علتها، وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع والأيام والبلدان على بعض.
ولما أخذ الله تعالى العهد على آدم وذريته .. أودعه إياه، فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة، وهاذا معنى ما رواه الشيخان [خ 1597 – م 1270] عن عمر رضي الله عنه أنه قبله ثم قال: والله إني لقد علمت أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك .. ما قبلتك، وقرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وروي: أنه لما قال ذلك .. قال له أبي بن كعب: إنه يضر وينفع؛ إنه يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن قبله واستلمه، فهاذا منفعته.
وفي سنة عشر وثلاث مئة قدم أبو طاهر القِرمطي – واسمه: سلمان بن أبي ربيعة – مكة يوم التروية، فنهب هو وعسكره أموال الحاج وقتلوهم في المسجد وفي البيت الحرام، وقلع الحجر الأسود وأرسله إلى بلاد الحِساء والقطيف، وقتل أمير مكة
وَلَوْ مَشَى عَلَى الشاذَرْوَانِ أَوْ مَس? الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَيِ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى .. لَمْ تصِحً طَوْفَتُهُ
وقلع باب الكعبة، وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن البقية في المسجد بلا غسل ولا صلاة، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور مكة ..
وكان رد الحجر إلى مكة سنة اثنتين وثلاثين، فكان مدة مكثه عندهم اثنين وعشرين سنة.
والقرمطي) بكسر القاف .. قال: (ولو مشى على الشاذروان، أو مس الجدار في موازاته، أو دخل من إحدى فتحتي الحجر وخرج من الأخرى .. لم تصح طوفته)؛ لأن الشرط أن يكون جميع بدنه خارجًا عن البيت لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾.
وهو في المسألة الأولى والثالثة داخل كله، وفي الثانية بعضه، ومن طاف كذلك .. طاف فيه لا به، ولهاذا لو طاف في البيت أو على سطحه .. لم يصح .. و (الشاذروان) بفتح الشين والذال المعجمتين وإسكان الراء: هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، وهو ظاهر من جوانب البيت، لاكن لا يظهر عند الحجر الأسود، كأنهم تركوا رفعه لتهوين الاستلام، وهو من البيت، فلو طاف عليه .. لم يصح طوافه، وكذلك لو طاف خارجه وكان يضع رجله أحيانًا ويثب بالأخرى .. وأما الحجر .. فهو محوط بين الركنين الشاميين على صورة نصف دائرة خارج عن جدار البيت، عليه جدار قصير، فإذا دخل من إحدى الفتحتين وخرج من الأخرى .. كان طائفًا في البيت، وللأصحاب فيه وجهان: (أحدهما: أنه جميعه من البيت، وهو ظاهر لفظ) المختصر وأصحهما: أن بعضه من البيت .. وفي قدره ثلاثة أوجه:: أشهرها وأصحها: ستة أذرع.
وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَس? وَجْهٌ.
وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا
والثاني: سبعة أذرع، وبه قطع جماعة.
والثالث- وبه قطع آخرون- أنه ست أو سبع.
وفي الحديث: أنه خمس.
قال ابن الرافعة: ولم أر من قال به، فإذا قلنا: جميع الحجر من البيت .. لم يصح الطواف على جداره، وإن قلنا: بعضه منه فترك منه مقدار ما قيل: إنه منه، واستظهر ثم اقتحم الجار وارء ذلك، ثم طاف فيه على هذا السمت .. فالأصح: صحة طوافه عند الرافعي، وعدمها عند المصنف، ونقله عن النص وجماهير الأصحاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر، والخلفاء والصحابة ومن بعدهم.
ولا يلزم كون بعضه ليس من البيت أن لا يحب الطواف بجميعه؛ لأن الحج باب اتباع.
قال: (وفي مسألة المس وجه
): أنه لا يبطل الطواف، وإليه ذهب الغزالي؛ لأن معظم بدنه خارج البيت.
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه مس الجدار وقال: (خذوا عني مناسككم).
قال المصنف: وينبغي أن يتنبه لدقيقة وهي: أن من قبل الحجر فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت، فيلزمه أن يقر قدميه في موضوعهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما، فلو زالت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قدرا يسيرا، ثم لما رغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضع الذي صارتا إليه ومضى منه في طوافه .. بطلت طوفته.
قال: (وان يطوف سبعًا) أي: سبع مرات؛ لأن النبي صلى اله عليه وسلم طاف كذلك وقال: (خذوا عني مناسككم) رواه مسلم [1297].
فلو طاف أو سعى ثم شك في العدد .. أخذ بالأقل كالصلاة.
دَاخِلَ الْمَسْجِدِ.
وَأَما السنَنُ: فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا
وقال أبو حنيفة: إذا اقتصر على أكثر الطواف .. أجزأه وأراق عن الباقي دمًا.
وعندنا: لو ترك خطوة منه .. لم يعتد بطوفه، سواء كان باقيًا بمكة أو رجع إلى وطنه، ولا يجبر شيء منه بالدم ولا بغيره ..
قال: (داخل المسجد) فلا يصح خارجه بالإجماع.
والمراد بـ (المسجد): ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وما استجد فيه من بعده، وقد زيد فيه زيادات.
وأول من وسعه عمر رضي الله عنه، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم ابن الزبير رضي الله عنهما، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى الآن، فيجوز الطواف فيها كلها.
ولو وسع المسجد .. جاز الطوا في جميعه داخله.
والأفضل أن لا يكون بينه وبين ابيت حائل كسقاية العباس وبناء زمزم، فلو طاف على سطح المسجد وكان أعلى من البيت .. ففي (العدة) وغيرها لا يجوز، واختاره الشيخ، واستبعده الرافعي والمصنف.
قال: (وأما السنن: فأن يطوف ماشيًا)؛ صيانة للمسجد والناس عن أذى البهائم، ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف في عُمَرهِ كلها ماشيًا، فإن طاف راكبًا لعذر .. جاز؛ لأنه صلى الله عليه وسلم طاف راكبًا في حجة الوداع.
وفي (الصحيحين) [خ 1634 - م 1276]: أن أم سلمة رضي الله عنها قدمت مريضة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (طوفي راكبة وراء الناس).
وكذلك إذا كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي (صحيح مسلم) [1273] أنه فعل ذلك ليراه الناس؛ فإنهم غَشُوه.
قال الشيخ: وهذا أصح من رواية من روى أنه طاف راكبًا لمرض، وكان طوافه
وَيَسْتَلمَ الْحَجَرَ أَولَ طَوَافِه
ِ
صلى الله عليه وسلم في طواف الإفاضة يوم النحر، وأما طواف القدوم .. فعلى قدميه، هكذا ذكره الشافعي رضي الله عنه في (الأم)، قال: ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى، ومن هنا حمل الشيخ محب الدين الطبري الركوب على طواف الإفاضة، والمشي على طواف القدوم.
ويكره الطواف زحفًا ومحمولًا مع القدرة على المشي، والأفضل أن يكون حافيًا إلا لضرورة.
وقال الزعفراني: لو طاف في حذاء طاهر .. أساء؛ لإخلاله التعظيم، إلا أن يشق عليه مباشرة الأرض بباطن القدم لشدة الحر .. فلا يكره.
وإن طاف راكبًا من غير عذر .. فوجهان:
أشهرهما: لا يكره، لكنه خلاف الأولى.
وثانيهما - هو ما أورده القضاء الماوردي والطبري والبندنيجي والعبدري-: نعم، واختاره الإمام إذا لم يمكن استيثاق الدابة.
والمعذور بمرض أو زمانة الأولى أن يطوف محمولًا لا راكبًا، وركوبه أيسر من ركوب غير المعذور، وركوب الإبل أيسر من ركوب البغال والحمير.
وقال الإمام: في القلب من إدخال البهيمة المسجد شيء إن لم يؤمن التلويث.
قال: (ويستلم الحجر أول طوافه)؛ ففي (الصحيحين) [خ 1603 - م 1267] عن جماعة من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
و (الاستلام): المس باليد بلا خلاف.
ووقع في (الوسيط) أنه التقبيل، وهو سبق قلم.
قال ابن الصلاح: وهو مشتق من السلام - بكسر السين - وهو الحجر، أو هو افتعال من السلام، يقال: استلمه واستلامَهُ، ولم يتعرض المصنف لتقبيل اليد التي استلم بها، والذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه وجماعة: أنه يقبلها عند القدرة على تقبيل الحجر وعند العجز
وَيُقَبلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْه، فَإِنْ عَجَزَ .. اسْتَلَمَهُ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَشَاَرَ بِيدِهِ،
قال: (ويقبله)؛ ففي (الصحيحين) [خ 1611 – م 1261] وغيرهما عن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبله.
ويستحب أن يخفف القبلة حتى لا يظهر لها صوت.
ولا يشرع للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف ليلًا أو نهارًا.
قال: (ويضع جبهته عليه) روى الحاكم [1/ 455] ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وروى ابن ماجه [2945]: أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر فاستلمه ووضع شفتيه عليه يبكي وقال: (يا عمر؛ ههنا تسكب العبرات).
فإن أمكنه أن يجعل جبهته عليه ثلاثًا .. فليفعل.
قال: (فإن عجز .. استلمه) كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه طاف على بعيره يستلم الركن بمحجن ثم يقبله، رواه مسلم [1275] وغيره.
و (المحجن) بكسر الميم: عصًا معوجة الرأس.
ويقتصر على ذلك إما بيده أو عصا أو نحو ذلك، ثم الأصح أنه يقبل ما استلم به.
وقيل: يقبل يده أولًا ثم يستلم وكأنه ينقل إليه القبلة، وقيل: يتخير.
قال: (فإن عجز .. أشار بيده)؛ لما روى البخاري [1613] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن .. أشار إليه بشيء عنده وكبر).
والمراد: اليد اليمنى، فإن قام بها مانع كقطع .. فلظاهر أنه لا يشير باليسرى كما تقدم في التشهد.
ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.
واستحب جماعة من الأصحاب الزحام عند تقبيل الحجر؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يزاحم عليه، وذلك مكروه عندنا؛ لأنه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: (إنك رجل قوي تؤذي الضعيف، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُل? طَوْفَةٍ، وَلَا يقبلُ الر?كْنَيْنِ اللشامِييْنِ وَلاَ يَسْتَلِمُهُمَا.
وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِي? وَلاَ يُقَبلَهُ،
خاليًا .. فاستلمه، وإلا .. فاستقبله وكبر).
قال: (ويراعي ذلك في كل طوفة)؛ لما روى أبو داوود [1871] بإسناد صحيح: أن عمر رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة) والتقبيل مقيس عليه، وهو في الأوتار آكد إذا لم يفعله في كل مرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وتر يحب الوتر).
ولأنه يصير مستلمًا في افتتاحه واختتامه وهو أكثر عددًا.
قال: (ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما)؛ لنهما ليسا على قواعد إبراهيم عليه السلام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلمهما.
قال: (ويستلم اليماني)؛ لما روى الشيخان [خ 1609 – م 1267] عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني).
ورويا [خ 1608] عن أبي الشعثاء قال: كان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لا يُستلَم هذان الركنان، فقال،: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن.
وأجاب الشافعي رضي الله عنه بأنا نستلم ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه، ونمسك عما أمسك عنه، وأيضًا خالف معاوية وابن الزبير ابن عمر وابن عباس وجمهور الصحابة رضي الله عنهم.
قال: (ولا يقبله)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه: أنه قبله.
وَأَنْ يَقُولَ أَولَ طَوَافِهِ: (باسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهم?؛ إِيمَانًا بكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتبَاعًا لِسُنةِ نَبِيكَ مُحَمدٍ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ
وأما الحاكم ما رواه الحاكم [1/ 456] والبخاري في (تاريخه) [1/ 289] والدارقطني [2/ 290]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبله ووضع خده عليه .. فضعفه البيهقي [5/ 75]، وإن صح .. فالمراد بـ (اليماني): الذي فيه الحجر الأسود.
والأصح: أنه بعد استلامه يقبل يده، بخلاف الأسود؛ فإنه إذا استلمه .. لا يقبل يده إلا إذا عجز عن تقبيل الحجر.
والسبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أن الركن الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، واليماني فيه فضيلة واحدة، وهي: كونه على قواعد إبراهيم، وليس للشاميين شيء من الفضيلتين.
و (اليماني) نسبة إلى اليمن، وهو بتخفيف الياء، والألف بدل من إحدى ياءي النسب، ويجوز تشديدها في لغة قليلة، وعلى هذا تكون الألف زائدة.
فلو قبل الأركان أو غيرها من البيت .. لم يكره، بل هو حسن، نص عليه.
فإن عجز عن استلام اليماني .. ففي (مناسك ابن عبد السلام): أنه يشير إليه كالحجر، وقواه الشيخ محب الدين الطبري.
وقال ابن أبي الصيف: لا يشير؛ لأن الإشارة بدل عن القبلة، وهي لا تشرع فيه.
قال: (وأن يقول أول طوافه: (باسم الله والله أكبر؛ إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم)) قال الرافعي: كذا رواه عبد الله بن السائب عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو غريب.
ونقل في (المهذب) بعضه عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعضه عن الصحابة، وهذا الدعاء مستحب في كل طواف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويستحب مع ذلك افتتاح الطواف بالتكبير ..
وفي (الرونق): يستحب رفع اليد معه كالصلاة ..
وروى عبد الرزاق عن الحسن أنه كان يقول إذا استلم الركن: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الذل ..
والمراد بـ (العهد) هنا: الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم بامتثال أمره حيث قال: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) فأمر الله تعالى أن يكتب بذلك عهد وأن يدرج في الحجر الأسود كما تقدم.
فروع تتعلق بالطواف::
يجوز الكلام فيه، ولا يبطل به ولا يكره، لكن الأولى تركه إلا في خير كأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتعليم جاهل وجواب مستفت ..
ويكره أن يبصق فيه، وأن يتنخم، وأن يغتاب، وأن يجعل يديه وراء ظهره كتفًا، وأن يضع يده على فيه إلا في حالة التثاؤب؛ فإن ذلك مستحب، وأن يشبك أصابعه وأن يفرقعها، وأن يكون حاقنًا أو حاقبًا، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وأن تكون المرأة منتقبة ..
ويكره فيه الأكل والشرب، كراهة الشرب أخف.
وينبغي أن يكون في طوافه خاضعًا متخشعًا، حاضر القلب، ملازمًا للأدب بظاهره وباطنه، مستحضرًا في قلبه عظمة من يطوف ببيته ..
ويلزمه أن يصون نظره عما لا يحل نظره إليه، وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء والمرضى.
ويعلم الجاهل برفق ..
وهل الأفضل التطوع في المسجد الحرام بالطواف أو بالصلاة؟
قال المارودي: الطواف أفضل، وظاهر قول غيره: أن الصلاة أفضل ..
وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللهُم؛ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمٌ حَرَمُكَ، وَالأَمْنٌ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النار)، وَبَيْنَ الْيَمَانِييْنِ: (اللهُم؛ آتِنَا فِي الدنْيَا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةَ وَقِنَا عَذَابَ النارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاَءَ، وَمَاثُورُ الدعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَاثُوِرِهِ
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (والصلاة لأهل مكة والطواف للغرباء).
قال: (وليقل قبالة الباب: (اللهم؛ البيت بيتك، الحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار)) قال الشيخ أبو محمد: ويشير بقوله: وهذا مقام العائذ بك) إلى مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وخطأه ابن الصلاح، وصوب: أنه يشير به إلى نفسه.
و (قُبالة) بضم القاف، معناه: الجهة التي تقابل الباب.
قال: (وبين اليمانيين: (اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو داوود [1887] والنسائي [سك 3920] وابن حبان [3826] والحاكم [1/ 455]، لكن بلفظ: (ربنا آتنا) وهو كذلك في كتب الرافعي و (شرح المهذب).
و (حسنة الدنيا) قال الحسن: العلم والعبادة، وقيل: العافية، وقيل المال، وقيل: المرأة الحسنة.
(وحسنة الآخرة): الجنة بالإجماع.
قال: (وليدع بما شاء) من أمر الدين والدنيا؛ لأنه موطن يستجاب فيه الدعاء.
وينبغي ألا يجعل حظ دعائه الدنيا، بل ما يتعلق بمهمات الدين ونجاة الآخرة.
قال: (ومأثور الدعاء) أي: منقوله (أفضل من القراءة)؛ تأسيًا بمن نزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم.
قال: (وهي أفضل من غير مأثوره)؛ لأن القراءة أفضل من الذكر وقال الله تعالى: (من شغله ذكري عن مسألتي .. أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل
وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الأَشْوَاطِ الثلاَثَةِ الأُوَلِ، بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ، وَيَمْشِيَ فِي الْبَاقِي،.
كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) رواه الترمذي [2926] وقال: جسن.
قال الشافعي رضي الله عنه: وبلغني عن مجاهد أنه كان يقرأ القرآن وهو طائف.
وقال عروة ومالك: تكره القراءة فيه.
ومن المأثور في (المستدرك) [1/ 445] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلك كان يقول في طوافه: (اللهم؛ قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف لي في كل غائبة لي منك بخير).
وفي بعض الأجزاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا حاذى الميزاب: (اللهم؛ إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب).
قال: (وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول، بأن يسرع مشيه مقاربًا خطاه، ويمشي في الباقي)؛ لما روى مسلم [1262] عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشي أربعًا) فإن تركه .. كره، فإن كان راكبًا أو محمولًا .. ففيه قولان، أصحهما: أنه يرمل به الحامل ويحرك هو دابته.
والمشهور: أنه يستوعب بيت بالرمل؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وقيل: لا يرمل بين اليمانيين؛ لما روى مسلم [1266] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأصحابه فقال المشركون: إنه صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركبتين؛ ليرى المشركون جَلَدهُم).
وَيَخْتَص? الر?مَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، وَفِي قَوْلٍ: بِطَوَافِ الْقُدُوم،
ِ
والجواب: أن هذا كان في عمرة القضاء سنة سبع، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل به أولى.
وقوله في الحديث: (فجلسوا مما يلي الحجر) - وهو بكسر الحاء – أراد أنهم جلسوا في قعيقعان، وهو جبل مطل على مكة لا في نفس مكة؛ فإنهم كانوا قد انتقلوا عنها وأخلوها ثلاثة أيام باشتراط وقع بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
والحكمة في مشروعية الرمل مع زوال سببه الذي شرع له: تذكر نعمة الله تعالى على اعتزاز الإسلام وأهله.
واحترز المصنف بـ (تقارب الخطا) عن الوثوب والعد، فلو ترك الرمل في الأول أو الثاني .. أتى به في الذي بعده، وإن تركه في الثلاثة .. لم يفعله في الأربعة الأخيرة؛ لأن هيئته السكون فلا تغير، كمن قطعت مسبحته اليمنى .. لا يشير باليسرى في التشهد، ومن ترك الجهر في الركعتين الأوليين .. لا يجهر في الآخيرتين؛ لتفويته سنة الإسرار.
قيل: وكان الأولى أن يعبر بالطوفان دون الأشواط؛ لأن الشافعي رضي الله عنه والأصحاب كرهوا تسميتها أشواطًا، لأن الشوط الهلاك ..
لكن قال في (شرح المهذب): إنه لا يكره؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم يثبت.
قال: (ويختص بالرمل بطواف يعقبه سعي، وفي قول: بطواف القدوم).
أصل هذا: أن الطواف الذي رمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وجد فيه المعنيان: السعي بعده وكونه للقدوم، والقول الأول هو الأظهر عند الأكثرين نظرًا إلى الأول، والثاني إلى الثاني، ورجحه الشيخ محب الدين الطبري والشيخ تبعًا للبغوي.
فعلى القولين: لا يرمل في طواف الوداع؛ لانتفاء الأمرين، ويرمل من قدم مكة معتمرًا؛ لوجودهما ..
وَلْيَقُلْ فِيهِ: (اللهُم?؛ اجْعَلْهُ حَجًا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا).
وَأَنْ يَضْطَبعَ فِي جَمِيعِ كُل? طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ،
والمراد: سعي مشروع، فلو رمل في طواف القدوم وسعى بعده .. لم يرمل في طواف الإفاضة إن لم يرد السعي بعده، وكذا إن أراده على الأصح؛ لعد مشروعية السعي حينئذ، قاله الشيخ محب الدين الطبري وغيره.
قال: (وليقل فيه) أي: في رمله ((اللهم؛ اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيا مشكورًا)).
قال الرافعي: إن ذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
و (المبرور): الذي لم يخالطه ذنب ..
و (السعي المشكور): العمل المتقبل، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾).
ويستحب أن يقول في الأربعة الأخيرة: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، فإن كان في عمرة قال: عمرة متقبلة بدل حجًا مبرورًا ..
قال: (وأن يضطبع في جميع كل طواف يرمل فيه)؛ لما روى أبو داوود [1879] بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم حذفوها على عواتقهم اليسرى.).
وعلم من كلامه: أن ما لا يسن فيه الرمل لا يسن فيه الاضطباع ..
وأشار بقوله: (جميع) إلى أن الرمل والاضطباع وإن كانا متلازمين لكن الرمل ..
وَكَذَا فِي السعْيِ عَلَى الصحِيحِ- وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الأَيْمِنِ، وَطَرَفَيْهْ عَلَى الأَيْسَرْ – وَلاَ تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلاَ تَضْطَبع ُ
مختص بالأشواط الثلاثة، والاضطباع مستحب ف السبعة، ولا يفترق الاضطباع والرمل إلا في هذا.
والطواف الذي يرملفه تقدم بيانه.
وكره الشافعي رضي الله عنه ترك الاضطباع كما يكره ترك الرمل، وأنكره مالك.
وقال: (وكذا في السعي على الصحيح)؛ لأنه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت بجامع قطع المسافة سبعًا.
والثاني: لا يستحب فيه؛ لعدم وروده، والغزالي حكاه قولًا، واستغربه الرافعي.
والصحيح: أنه يستحب في جميع السعي.
وعن ابن القطان: اختصاصه بموضع السعي الشديد، دون موضع المشي.
وفهم من عبارته عدم استحبابه في ركعتي الطواف وهو ظاهر المذهب؛ لأن هيئة الاضطباع في الصلاة مكروهة.
قال: (وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على الأيسر) فيبقى منكبه الأيمن مكشوفًا، وهو افتعال من الضبع – بإسكان الباء الموحدة – وهو العضد.
و (وسط) في كلام المصنف بفتح السين.
قال: (ولا ترمل المرأة ولا تضطبع) بالإجماع؛ لأنها مأمورة بالستر وذلك ينافيه.
وعبارة (المحرر): (وليس للنساء رمل ولا اضطباع) وهذا يفهم التحريم؛ للتشبيه بالرجال، وعبارة باقي كتبهما بعيدة من ذلك، وكذلك الخنثى.
وأما الصبي .. فيشرعان له في الأصح.
وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ .. فَالرمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إِلا? أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النسَاءِ .. فالْقُرْبُ بِلاَ رَمَلٍ أَوْلَى.
وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَاَفَهُ، وَيُصَليَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، يَقْرَأ فِي الأُولَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) وَفِي الثانِيَةِ: (الإخْلاَصَ)، ....
قال: (وأن يقرب من البيت)؛ لشرفه، وليتيسر له بذلك الاستلام والتقبيل، فإن تأذي بالزحمة أو آذى غيره .. فالأفضل البعد، كذا أطلقوه.
وعن نصه استحباب الاستلام في أول الطواف وآخره وإن تأذى بالزحام.
أما المرأة .. فيندب لها حاشية المطاف بحيث لا تخالط الرجال، والخنثى كالمرأة.
قال: (فلو مات الرمل بالقرب لزحمة .. فالرمل مع بعد أولى)؛ لأن القرب فضيلة تتعلق بموضع العبادة، والرمل فضيلة تتعلق بنفس العبادة، والفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى.
قال: (إلا أن يخاف صدم النساء .. فالقرب بلا رمل أولى) تحرزًا من لمسهن.
قال: (وأن يوالي طوافه) كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجب ذلك، حتى لو طاف كل يوم شوطًا أو بعض شوط .. جاز، لكن الأولى الموالاة خروجًا من الخلاف الآتي.
قال: (ويصلي بعده ركعتين خلف المقام، يقرأ في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية (الإخلاص))؛ لما روى مسلم [1218]: (ان النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعًا ثم أتى المقام فقرأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثم صلى خلفه ركعتين قرأ فيهما ذلك، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا).
فإن لم يصل خلف المقام .. ففي الحجر، وإلا ... ففي المسجد، وإلا .. فحيث شاء من الحرم وغيره.
وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالاَةُ وَالصلاَة ُ
ولو صلى فريضة .. كفت عنهما كتحية المسجد، نص عليه في التقديم.
وقال في (البحر): يختار أن يدع عقبهما بما روى جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعدهما: (اللهم؛ هذا بلدك الحرام ومسجدك الحرام وبيتك الحرام، وأنا عبدك وابن أمتك، أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة واعمال سيئة، وهذا مقام العائذ بك من النار .. فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم؛ إنك دعوت عبادك إلى بلدك الحرام، وقد جئت طالبًا رحمتك، مبتغيًا مرضاتك، وأنت مننت علي?بذلك، فاغفر لي وارحمني إنك على كل شيء قدير).
قال: (ويجهر ليلًا) كالكسوف وغيره، كذا جزم به الشيخان.
وصوب في (المهمات): أنه كجميع النوافل الليلية يتوسط فيها بين الجهر والإسرار.
لكن قوله: (ليلًا) يرد عليه ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ فإنه من النهار، ومع ذلك يعطي في الجهر والإسرار حكم الليل.
قال: (وفي قول: تجب الموالاة والصلاة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بهما وقال: (خذوا عني مناسككم)، والأصح: الأول.
والخلاف في وجوب ركعتي الطواف محله: إذا كان فرضًا، فإن كان سنة كطواف القدوم .. فطريقان.
أصحهما عند الخراسانيين: القطع بأنها سنة.
والثاني – وهو ظاهر كلام العراقيين وينسب إلى ابن الحداد -: فيه القولان ..
وإذا قلنا بوجوبهما .. فليستا بشرط في صحة الطواف على الأصح، ولا بركن أيضًا.
وهذه الصلاة لا تفوت ما دام حيًا، ولا يجبر تأخيرها ولا تركها بدم، لكن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المنصوص: استحباب إراقة دم إذا أخر.
والأشهر: أن الركعتين تقعان للمستأجر، وقيل: للأجر.
فروع:
الطواف إن لم يكن في حج أو عمرة .. فلابد من النية فيه بلا خلاف، نفلا كان أو منذورًا، وإن كان في حج أو عمرة .. فالنية مستحبة فيه، وهل تجب؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن النية الحج تشمله، وهل يشترط أن لا يصرفه إلى غرض آخر من طلب غريم ونحوه؟ وجهان: أصحهما: نعم.
ويكره قطع الطواف المفروض بصلاة الجنازة والرواتب؛ إذ لا يحسن ترك فرض العين للكفاية والتطوع.
ولو نام في الطواف أو بعضه على هيئة لا تنقض الوضوء .. فالأصح: صحة طواقه، وأجمعوا على جوازه في أوقات النهى، واختلفوا في ركعتيه، فمذهبنا: الجواز؛ لما تقدم في أول (الصلاة).
وإذا أراد أن يطوف طوافين أو أكثر .. استحب أن يصلي عقب كل إسبوع ركعتين؛ لما روى البخاري تعليقًا عن الزهري أنه قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم أسبوعًا إلا صلى ركعتين.
فإن طاف أسبوعين أو أكثر ثم صلى لكل طواف ركعتيه .. جاز؛ لما روى العقيلي [3/ 66] وابن شاهين وابن أبي حاتم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين ثلاثة أسابيع ثم صلى لكل أسبوع ركعتين) لكن فيه ضعف، فلذلك كان فاعله تاركًا للأفضل، ولا يكره ذلك؛ لوروده عن عائشة والمسوَر بن مَخرمة رضي الله عنهما.
وقال الصميري: لو طاف أسابيع متصلة ثم صلى ركعتين .. جاز.
وَلَوْ حَمَلَ الْحَلاَلُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ .. حُسِبَ لِلْمَحْمُولْ بِشَرْطِهِ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسهِ، وَإِلا? .. فالأَصَح? أَنهُ إِنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ.
فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنفْسِهِ أَوْلَهُمَا .. فَلِلحَامِلِ فَقَطْ
قال: (ولو حمل الحلال محرمًا وطاف به .. حسب للمحمول)؛ لأنه كراكب الدابة، سواء كان المعمول صحيحًا أو مريضًا، أو بالغًا أو صغيرًا، ولا يقع عنهما؛ لاتحاد الفعل، بخلاف ما إذا طافا على بهيمة .. فإنه يحسب لهما.
والمراد بـ (الحسبان) هنا: هو الحسبان عن الطواف الذي تضمنه إحرام المحمول، وهو القدوم والفرض، لا مطلق الطواف، حتى لو كان المحمول قد طاف عن نفسه .. كان كما لو حمل حلال حلالا.
قال ابن الرفعة: ومحل حسبانه للمحمول إذا نواه الحامل له، أو أطلق، فإن نواه لنفسه أو أطلق .. فيظهر أن يحسب للحامل فقط، أو لهما.
وكلام (المنهاج) و (الروضة) وأصليهما يفهم تعميم وقوعه للمحمول فقط في هذه الحالة.
قال الشيخ: كل هذا إذا لم يصرفه المحمول عن نفسه، فإن صرفه أو لم ينوه وقلنا: تجب النية ونوى الحامل ... وقع له بلا شك.
قال: (بشرطه) هذا يوجد في بعض النسخ وليس في (المحرر)، والمراد: من ستارة وطهارة ودخول وقت، فإن فقد شرط .. وقع للحامل.
قال: (وكذا لو حمله محرم قد طاف عن نفسه)؛ فإنه في هذه الحالة كالحلال، وكذلك الذي لم يدخل وقت طوافه.
قال: (وإلا) أي: وأن لم يطف عن نفسه (.. فالأصح: أنه إن قصد للمحمول .. فله)؛ لأن الأعمال بالنيات.
والثاني: للحوامل فقط؛ لأن الطواف محسوب له فلا ينصرف عنه.
الثالث: لهما جميعًا؛ لاشتراكهما في العبادة.
قال: (وإن قصده لنفسه أو لهما .. فللحامل فقط)؛ لأن الفعل صدر منه ولم
فَصْلٌ:
يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ طَوَافِهِ وَصَلاَتِهِ،
يصرفه عن نفسه، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه، لكن في (التهذيب) وجه: أن يحصل لهما.
ولو لم يقصد شيئًا .. فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما، فإن نوى كل الطواف لنفسه .. فالأظهر وقوعه للحامل، وقيل: للمحمول، وقل: لهما.
تتمة::
قال الأصحاب: فعل المتحيرة الصلاة الواحدة وصوم اليوم الواحد والطواف الواحد سواء حرفًا بحرف، فإذا أرادت فعل واحد منها .. فعلته ثلاث مرات بشرط الإمهال المقرر في الصلاة والصوم في (باب الحيض).
وقال جماعة: تطوف طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، والصواب: الأول.
قال: (
فصل
::
يستلم الحجر بعد طوافه وصلاته)؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن جابرًا رضي الله عنه رواه في صفة حجه عليه الصلاة والسلام كما تقدم.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يخرج من المسجد حتى يستلم الحجر.
قال المارودي: ثم يقف في الملتزم ويدعو عنده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، قال: ويدخل الحِجْر ويدعو؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدعو تحت الميزاب .. إلا استجيب له).
قال ابن الصلاح: وطاهر الحديث الصحيح: أنه لا يشتغل بها، بل يبادر بالسعي.
ثُم? يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصفَا لِلسعْي.
وَشَرْطُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بالصفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا ذَهَابُهُ مِنَ الصفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرةُ، وَعَوْدُهُ مِنْها إِليْهِ أُخُرَى
وقول الغزالي في (الإحياء): (يأتي الملتزم قبل الصلاة) مردود.
وإطلاق المصنف والرافعي الاستلام يقتضي: أنه لا يستحب التقبيل في هذه الحالة، وليس كذلك؛ فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قبله في هذه الحالة، رواه الحاكم [1/ 454] عن جابر رضي الله عنه، وقال: إنه على شرط مسلم، وكذلك رواه أحمد وصرح بأنه بعد الصلاة، وكذلك صرح القاضي أبو طيب باستحبابه في هذه الحالة.
قال: (ثم يخرج من باب الصفا للسعى)؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كذلك فعل وأمر به.
وروى سعيد بن منصور عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف بين الصفا والمروة يعدل عتق سبعين رقبة).
و (الصفا) مقصور، وهو في الأصل: الحجارة الصلبة، واحده: صفاة، كحصاة وحصى، وهو: طرف جبل أبي قبيس، قيل: عن ذابة الأرض- وهي ناقة صالح - تخرج منه في آخر الزمان.
قال: (وشرطه: أن يبدأ بالصفا)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، وسألوه عنه فقال: (ابدؤوا بما بدأ الله به) بلفظ الأمر، رواه النسائي [5/ 235] من حديث جابر رضي الله عنه بإسناد على شرط الصحيح، وهذا الشرط لا خلاف فيه عندنا، فلو بدأ بالمروة وأكمل سبعًا .. حسب له منها ست، ثم يأتي بمرة أخرى.
قال: (وأن يسعى سبعًا)؛ لما روى الشيخان [خ 396 - م 1261] عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة سبعًا).
قال: (ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إليه أخرى) هذا مذهب جمهور العلماء، ويدل له حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وَأَنْ يَسْعَى بَعًدَ طَوَافِ رُكنٍ أو قُدُومٍ بِحَيْثُ لاَ يَتَخَللُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَة َ
وقال أبو بكر الصيرفي: الذهاب مرة، والعود لا يسحب، حتى لو عاد من غير المسعى .. جاز.
وقال ابن بنت الشافعي وابن جرير وابن خيران والإصطخري وابن الوكيل: الذهاب والعود مرة كمسح الرأس، وهذا القول أكثر فسادًا من الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ختم بالمروة.
ثم لا بد من استيعاب المسافة في كل مرة بأن يلصق عقبه بأصل ما يذهب منه، ورؤوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، والراكب يلصق حافر دابته، والأفضل أن يسعى ماشيًا، والركوب فيه أخف منه في الطواف.
و (المروة): الحجارة البيض البراقة، ثم صار علمًا على الموضع المعروف بمكة.
وقال ابن عبد السلام: إنها أفضل من الصفا؛ لأنها مُرورُهُ أربعَ مرات والصفا ثلاثًا في السعي، وما أمر الله بمباشرته في القربة أكثر يكون أفضل.
قال: (وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسع إلا كذلك، ونقل الماوردي الإجماع عليه.
ووقع في (أساليب إمام الحرمين): أن بعض أئمتنا قال: لو قدم السعي على الطواف .. اعتد به، وهو غلط.
قال: (بحيث لا يتخلل بينهما) أي: بين السعي وطواف القدوم (الوقوف بعرفة)؛ لأنه في هذه الحالة يتعين تأخير السعي إلى ما بعد طواف الإضافة.
وفهم من عبارته أنه لا يجوز بعد طواف نفل لا تعلق له بالحج، ولا بعد طواف الوداع.
وصح في (المهمات) بجوازه بعدهما، وصوره بما إذا أحرم من مكة وطاف
وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومِ .. لَمْ يُعِدْهُ.
وَيُسْتَحَبُ: أَنْ يَرْقَى عَلَى الصفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ
للوداع .. فإنه يصح أن يسعى بعده كما قاله البندنيجي في (المعتمد)، ونقله عنه صاحب (البيان) والشيخ نصر وقالا: إنه مذهب الشافعي.
فالشرط: أن يقع بعد طواف صحيح كما قاله في (شرح المهذب)، وصرح به الشيخ محب الدين الطبري وجزم بالإجزاء، وروي أن ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم فعلاه.
قال: (ومن سعى بعد قدوم .. لم يعده)؛ لما روى مسلم [1215] عن جابر رضي الله عنه قال: (لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول) وعنى بالطواف: السعي؛ قال تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فلو أعاده .. جاز.
وقال الشيخ أبو محمد وولده: تكره إعادته، وبه جزم في (شرح المهذب).
وقيل: إنه خلاف الأولى؛ لأنه لم يرد فيه نهي مخصوص.
لكن يستثنى القارن؛ فإنه يستحب له أن يطوف طوافين ويسعى سعيين خروجًا من خلاف أبي حنيفة.
ولو سعى وهو صبي أو عبد بعد القدوم ثم بلغ وعتق بعرفة، أو قبل فوات الوقوف ثم عاد إليها في الوقت .. وجب عليه إعادة السعي على الصحيح.
قال: (ويستحب: أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة)؛ ففي (صحيح مسلم) [1218] عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى على الصفا حتى رأى البيت ثم أتى المروة ففعل كما فعل على الصفا).
وقال أبو حفص بن الوكيل: يشترط صعودهما، لكن بعض الدرج مستحدث فيجب أن يصعد فيها حتى يستيقن قطع المسافة، كما يلزم المتوضيء غسل جزء من الرأس مع الوجه، كل هذا في الرجل.
أما المرأة .. فلا ترقى كما قال في (التنبيه)، ولم يذكره الرافعي ولا المصنف في (شرح المهذب)، والقياس إلحاق الخنثى بها في ذلك.
فَإِذَا رَقِيَ .. قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا.
قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ الْمَسْعَى وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ فِي الْوَسَط
قال: (فإذا رقي .. قال: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ لما روى مسلم [1281] عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة فوحد الله تعالى وكبره وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وهو في (النسائي) [5/ 235] كما قاله المصنف.
و (رقي) بكسر القاف وفتحها في المضارع كعلم يعلم.
قال: (ثم يدعو بما شاء دينًا ودنيا)؛ لأنها أمكنة يستجاب فيها الدعاء.
وكان ابن عمر رضي الله عنه يطيل الدعاء هنالك، واستحبوا من دعائه أن يقول: (اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم، وأنت لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم).
قال: (قلت: ويعيد الذكر والدعاء ثانيًا وثالثًا والله أعلم)، ثبت ذلك في حديث جابر رضي الله عنه.
وقيل: لا يعيد الدعاء ثانيًا، وبه جزم الرافعي في (الشرح).
قال: (وأن يمشي أول المسعى وآخره ويعدو في الوسط)؛ اتباعًا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والمرأة تمشي ولا تسعى.
وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ
وقيل: إن كانت في خلوة من الليل سعت.
وينبغي أن يتحرى بسعيه وقت خلو المسعى عن الزحام.
قال: (وموضع النوعين معروف) المراد بـ (النوعين): المشي والسعي، فإنه إذا نزل من الصفا .. مشى حتى يبقى بينه وبين العمود الأخضر المبني في ركن المسجد الحرام نحو ستة أذرع، فحينئذ يسعى سعيًا شديدًا حتى يتوسط بين العمودين اللذين أحدهما في جدار المسجد والآخر في حذاء دار العباس رضي الله عنه، فحينئذ يمشي على هينته حتى يأتي المروة فيفعل مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه حتى يأتي الصفا.
تتمة:
يستحب في السعي الطهارة والستر والمشي، والموالاة بينه وبين الطواف، وكذلك الموالاة بين السبع.
ويستحب أن يقول فيه: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم.
ويروى: رب اغفر وارحم واهدنا السبيل الأقوم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَصْلٌ:
ولا يستحب أن يصلي عقبة في المروة، بل قال ابن الصلاح: إن ذلك مكروه، واستحسنه الشيخ أبو محمد.
ولو التوى في سعيه قليلًا .. جاز، فلو دخل من المسجد أو سوق العطارين .. فلا.
ويكره أن يقف في سعيه لحديث وغيره.
ولو أقيمت الصلاة .. قطعه وصلى ثم بنى.
قال: (
فصل
) مقصوده: أن الإمام إذا لم يحضر الحج بنفسه يسن له أن ينصب أميرًا على الحجيج، يقيم لهم المناسك، ويحفظهم، ويرجعون إليه فيما ينوبهم، والمنصوب ضربان:
أحدهما: على تسيير الحجيج، وهو سياسة وتدبير.
وشرط منصوبها: أن يكون ذا رأي وشجاعة وهداية، ويلزمه جمع الناس في مسيرهم ونزولهم وترتيبهم في السير والرفق بهم، وأن يسلك بهم أوضح الطرق، ويرتاد بهم المياه، ويحرسهم إذا نزلوا، ويحفظهم إذا رحلوا، ويكف عنهم من يضرهم بقتال أو بذل مال، ويصلح بين المتنازعين، ولا يحكم إلا أن يفوض إليه ذلك ويكون أهلًا، ويؤدي خائنهم بالتعزير، ولا يقيم حدًا إلا أن يؤذن له فيه، ويراعي اتساع الوقت؛ ليأمن فوات الوقوف والنسك، ويحضرهم المواقف الشرعية، ولا يتعجل بالخروج من مكة، ويزور بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعود بهم.
والولاية الثانية: على إقامة الحجيج، وشرط القائم بها مع الشروط المعتبرة في إقامة الصلوات: العلم بالمناسك ومدتها سبعة أيام، فيعلم الناس بوقت الخروج، ويرتب المناسك على الوجه الشرعي، ويقدر المواقيت بمقامه فيها ورحيله عنها، ويقتدي به في الأذكار والصلوات، ويخطب جميع خطب الحج، وليس له أن ينفر النفر الأول، بل يمكث بمنى إلى اليوم الرابع.
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ: أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَامُرُهُمْ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنَىً،
قال: (يستحب للإمام أو منصوبه: أن يخطب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة فردة) كذا رواه الحاكم [1/ 461] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فإن كان يوم جمعة .. فبعد صلاتها، ولا يكفي عنها خطبة الجمعة، فإن كان الإمام محرمًا .. افتتحها بالتلبية، وإن كان حلالًا .. فبالتكبير ..
قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب إن كان الخطيب فقيهًا أن يقول: هل من سائل، فإن كان الذي يخطب مقيمًا .. استحب له أن يحرم ويرقى المنبر ليخطب محرمًا، وقد تقدم أن هذا يستثنى من قولهم: (يستحب الإحرام عند المسير.).
وهذا اليوم يسمى: يوم الزينة؛ لأنهم كانوا يزينون فيه هوادجهم ..
واليوم الثامن: يوم التروية؛ لأنهم يتروون فيه الماء ..
وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام تروّى فيه في الرؤية ..
والتاسع: عرفة ..
والعاشر: يوم النحر ..
والذي يليه: يوم القر؛ لاستقرارهم فيه بمنى ..
والذي يليه: النفر الأول، ثم: النفر الثاني ..
قال: (يأمرهم فيه بالغدو إلى منى) المراد: أنه يأمرهم بالخروج إلى منى قبل الزوال كما هو مدلول الغدو، وقد اختلف
فذلك كلام (الروضة) و (الشرح).
فائدة::
(منى) بكسر الميم، تصرف ولا تصرف، وتذكر وتؤنث والأغلب التذكير، والأشهر تخفيف نونها، سميت بذلك لما يمنى فيها من الدماء أي: يراق ..
وقيل: لأن آدم عليه السلام لما أراد مفارقة جبريل عليه السلام .. قال له: تمن، قال: الجنة ..
وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِك،
وقيل: لأن الله عز وجل منَّ فيها على إبراهيم عليه السلام بأن فدى ولده بذبح عظيم ..
وقيل: لأن الله تعالى من على عباده بالمغفرة ..
وبينها وبين مكة فرسخ، ووقع في (الرافعي) أن بينهما فرسخين، وهذا مخالف لقول الجمهور ولإدراك الحس ..
ومنها إلى مزدلفة فرسخ، ومن مزدلفة إلى عرفات فرسخ أيضًا ..
وفي منى أربع آيات.:
ما يقبل من أحجارها رفع، وما لم يقبل يترك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين ..
وأن الحدأة تحوم بمنى حول اللحم فلا تأخذ منه شيئًا ..
وأن الذباب لا يرى فيها أيام الترشيق مع كثرته بها في غيرها ..
وأنها تتسع بأهلها كاتساع بطن المرأة الحامل، وكل ذلك مشاهد فيها ..
قال: (ويعلمهم ما أمامهم من المناسك)؛ لما روى البيهقي [5/ 111] بإسناد جيد عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر ويعلم الناس المناسك).
والمراد: يعلمهم ما يفعلونه إلى خطبة نمرة، وكذلك كل خطبة من خطب الحج يندب أن يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك إلى الخطبة التي تليها، ويأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع قبل الخروج.
فلو توجهوا إلى الموقف قبل دخول مكة .. استحب للإمام أن يفعل كما يفعل بمكة لمن دخلها، قاله المحب الطبري.
وخطب الحج أربع: هذه، ويوم عرفة بنمرة، ويوم العيد بمنى، وثاني أيام التشريق بمنى أيضًا، وهذه لم يذكرها المصنف وستأتي قبيل قول المصنف: (ومن عجز عن الرمي استتاب) وكلها فرادى وبعد الصلاة إلا التي بنمرة فإنها خطبتان وقبل الصلاة.
وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنَ غَدٍ إِلَى مِنَىً وَيَبِيتُوا بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ .. قَصَدُوا عَرَفَاتٍ
.
قال: (ويخرج بهم من غد إلى منى) هكذا رواه مسلم [1218] عن جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح حتى يصلوا الظهر بمنى وهذا هو المشهور.
وفي قول: يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون، وبه جزم الرافعي في آخر (باب وجوه الإحرام) وتبعه في (الروضة) على ذلك.
فإن كان الثامن يوم جمعة .. خرجوا قبل الفجر إن لزمتهم الجمعة، وإلا .. فلهم الخروج بعده.
قال القاضي الطبري: ويستخلف الإمام من يصلي بالناس الجمعة، ويسير هو إلى منى فيصلي بها الظهر.
وقال المتولي: لو تركوا الخروج أول النهار وصلوا الجمعة بمكة .. كان أولى، وهو مخالف لقول الجمهور.
قال: (ويبيتوا بها) ويصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح كما رواه مسلم [1218] من حديث جابر رضي الله عنه.
وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب بالإجماع، وقول المتولي وجماعة: (إنه ليس بنسك) أرادوا: أنه ليس بواجب، لكن من البدع القبيحة ما اعتاده بعض العوام في هذه الليلة من إيقاد الشموع وغيرها، وهو مشتمل على منكرات.
فرع:
قال أبو الحسن الزعفراني: يستحب المشي من مكة إلى المناسك كلها إلى انقضاء الحج لمن قدر عليه.
ويستحب أن يقصد مسجد الخيف، ويصلي به مكتوبات يومه وصبح غدها.
قال: (فإذا طلعت الشمس .. قصدوا عرفات) المراد إذا أشرقت على ثبير، وهو جبل عال كبير بالمزدلفة عن يسار الذاهب إلى عرفات، وكانت العرب تقول: أشرق ثبير كيما نغير، وأول من قاله أبو سيارة.
قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ يَخْطُبَ الإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ،
ووقع في (جامع الترمذي) [3703] في مناقب عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على ثبير: (اثبت ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وهو وهم اتفاق الحفاظ، إنما قال ذلك لأحد وحراء، ولم يصعد صلى الله عليه وسلم ثبيرًا قط.
ويستحب أن يسيروا ملبين ذاكرين، وأن يسلكوا طريق ضب، وهي من مزدلفة في أصل الوادي ويعودوا على طريق المأزمين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكونوا عائدين في غير الطريق التي ذهبوا منها، وتقدم الكلام في لفظ عرفات في (صوم التطوع).
قال: (قلت: ولا يدخلونها بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس والله أعلم) كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحب أن يضرب الإمام قبته بنمرة، وكذلك كل من معه قبة يضربها هناك ..
ومنزل النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمين الذاهب إلى عرفات، وليست نمرة من عرفات على المشهور، خلافًا لابن الصباغ ..
ويستحب الغسل فيها للوقوف، فإن تعذر .. تيمموا ..
قال: (ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين)؛ لما روى جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا،
فصلى العصر).
ويستحب أن يكون الخطبة قبل الأذان، وأن يأخذ المؤذن في الأذان مع شروع الإمام في الخطبة الثانية.
ويستحب أن يخفف هذه الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الأذان، وقيل: مع فراغه من الإقامة.
وتكون هذه الخطبة بمسجد إبراهيم الذي ينسب إليه باب إبراهيم بمكة، وهذا المسجد صدره من عرنة وآخره من عرفات، يميز بينهما صخرات كبار فرشت هناك.
يعلمهم في الخطبة الأولى مشروعات الوقوف، وواجباته، وكيفية الدفع إلى مزدلفة، ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل والتلبية بالموقف، وأقل ما عليه فيها أن يعلمهم ما يلزمهم من المناسك إلى الخطبة الثالثة كما تقدم، فإن كان فقيهًا .. قال: هل من سائل، وإلا .. فلا، وذكر معظم المناسك، ويخففها، فإذا فرغ .. جلس للاستراحة يقدر (سورة الإخلاص).
ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، ويأخذ المؤذن في الأذان مع شروعه فيها، ويخففها جدًا بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الأذان، وقيل: مع فراغه من الإقامة، ويكون قائمًا، والأولى أن يكون على منبر.
قال: (ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعًا)؛ لحديث جابر رضي الله عنه، ويسر فيهما بالقراءة، قال ابن المنذر: بالإجماع.
وهذا الجمع للسفر على الصحيح، فلا يجوز للمكي لقصر سفره، وقيل: للنسك، فيجوز له، وصححه المصنف في (مناسكه).
وأما القصر .. فلا يجوز إلا للمسافر قطعًا، خلافًا لمالك والأوزاعي وسفيان بن عيينة؛ فإنهم جوزوا لأهل مكة القصر بمنى، وروي عنهم إن قصر الإمام .. قصر معه جميع الناس.
وَيَقِفُوا بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ،
ويستحب أن يقول الإمام إذا سلم: يا أهل مكة أتموا؛ فإنا قوم سفر، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلون سنة الظهر والعصر كما تقدم في (صلاة المسافر).
قال: (ويقفوا بعرفة إلى الغروب)؛ لحديث جابر رضي الله عنه، ففقه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاة العصر .. ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، ولم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا).
وقوله: (ويقفوا) كذا وقع بالنصف عطفًا على قوله: (يستحب للإمام أو منصوبه أن يخطب)، وفيه نظر؛ لأنه يفهم أن الوقوف مستحب وهو ركن.
وجوابه: أن يقيد بالاستمرار إلى الغروب، وذلك مستحب على الصحيح.
قال: (ويذكروا الله تعالى ويدعوه، ويكثروا التهليل) وأفضل الذكر ما رواه الترمذي [3585] وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
ويستحب أن يستقبل القبلة في دعائه، وأن يرفع يديه فيه لا يجاوز بهما رأسه، ويكره الإفراط في الجهر به.
ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار والتضرع والخشوع والابتهال، وقراءة القرآن، ولا يتكلف السجع في الدعاء، ولا بأس بالمسجع إذا كان محفوظًا، أو قاله من غير قصد إليه.
وروي: أنه عليه الصلاة والسلام قال في الموقف: (اللهم؛ اجعل في قلبي نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن الأدعية المختارة: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
وليكن متطهرًا متباعدًا عن الحرام والشبهة في مطعمه ومشربه وملبسه، ويدعو لوالديه ومشايخه وأقاربه وأصحابه ومن أحسن إليه وسائر المسلمين.
وليحذر من التقصير في هذا اليوم؛ فإنه أعظم الأيام.
والموقف أعظم المجامع، يجتمع فيه الأولياء والخواص.
وقيل: إذا وافق يوم جمعة يوم عرفة .. غفر الله لكل أهل الموقف.
وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذا الموقف؛ لما روى الحاكم [1/ 441] وقال: صحيح الإسناد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم؛ اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج) ورواه ابن أبي شيبة [4/ 191] عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وروي عن مجاهد [ش 4/ 191] قال: قال عمر: (يغفر الله للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفرًا وعشرًا من ربيع الأول).
والأفضل: أن لا يستظل، بل يبرز للشمس إلا لعذر، روى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رأى رجلًا جعل على رجله عودًا له شعبتان، وجعل عليه ثوبًا يستظل به وهو محرم، فقال له ابن عمر رضي الله عنهما: (أضح للذي أحرمت له).
وقال الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر وقد ضحى للشمس فقلت له: أبا الفضل؛ هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة؟ فأنشأ يقول [من الطويل]:
ضحيت له كي أستظل بظل ..... إذا الظل أمسى في القيامة قالصا
فوا أسفا إن كان سعيك باطلًا ..... ويا حسرتا إن كان حجم ناقصا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأحمد هذا بصري مالكي المذهب، يعد من زهاد البصرة وعلمائها، وأخوه عبد الصمد بن المعذل الشاعر.
و (المعذل) بالذال المعجمة، رجل معذل أي: يعذل لإفراطه في الجود، وشدد للكثر,
وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يومئذ فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلى آخره، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر [من الوافر]:
كريم لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء ...
إذا أثنى عليه المر يومًا .... كفاه من تعرضه الثناء
وقد روي في الخبر عن الله عز وجل أنه قال: (من شغله عن ذكري مسألتي .. أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
ويستحب أن لا يستبطئ الإجابة، وليحذر من المخاصمة والمشاتمة وانتهار السائل والكلام القبيح، بل يحترز عن الكلام المباح ما أمكن.
وفي كتاب (الخصال (: يستحب العتق والصدق بعرفة، فقد أعتق حكيم بن حزام رضي الله عنه هناك مئة رقبة مطوقين بأطواق الفضة مكتوب عليها: هؤلاء عتقاء الله من حكيم بن حزام.
والسنة: أن يقف الرجال عند الصخرات، والنساء في حاشية الموقفة.
وقول ابن جرير والبندنيجي والماوردي: (يستحب صعود جبل الرحمة؛ فإنه موقف الأنبياء) قال في (شرح المهذب): لا أصل له.
والأظهر: أن الوقوف راكبًا أفضل.
وقيل: إنه والماشي سواء.
فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ .. قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلفَةَ جَمْعًا
فرع:
التعريف بغير عرفات –وهو اجتماع بعد العصر يوم عرفة للدعاء- للسلف فيه خلاف: ففي (البخاري): أول من عرف بالبصرة ابن عباس رضي الله عنهما، ومعناه: أنه كان إذا صلى العصر يوم عرفة .. أخذ في الدعاء والذكر والضراعة إلى الله تعالى إلى غروب الشمس كما يفعل أهل عرفة، ولهذا قال أحمد: أرجو أنه لا بأس به، وقد فعله الحسن وجماعة.
وكرهه جماعة منهم مالك.
قال المصنف: ومن جعله بدعة .. لم يلحقه بفاحشات البدع، بل يخفف أمره.
قال: (فإذا غربت الشمس .. قصدوا مزدلفة وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعًا) كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلون قبل حط رحالهم.
والسنة: أن يسيروا وعليهم السكينة والوقار، فإذا وجد أحدهم فرجة أسرع.
ويكثرون من ذكر الله تعالى والتلبية.
ويسن أن يسلك في ذهابه إلى المزدلفة طريق المأزمين كما تقدم.
والمصنف أطلق المسألة لتبعًا لأكثر الأصحاب.
وقال جماعة: يؤخرها ما لم يخش فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خيف .. لم يؤخر، بل يجمع بالناس في الطريق، ونص عليه في (الأم) و (الإملاء)، واختاره الإمام وابن الرفعة.
قال في (شرح المهذب): ولعل إطلاق الأكثرين يحمل على هذا موافقة للنص.
وهذا الجمع جائز للآفاقي دون المكي كما تقدم في نمرة.
ولو أقام كل صلاة في وقتها .. جاز قطعًا.